إياد العطار …بباريس

بقلم : عبد الله المغيصيب & أزيز الصمت.

في صباحٍ فرنسيٍّ لا يُشبه الصباحات، كانت Paris تستيقظ ببطء، كأنها امرأةٌ أنيقة تتأنّى في ارتداء ضوئها.
الهواء كان خفيفًا، محمّلًا برائحة القهوة الطازجة التي تتسلّل من المقاهي الصغيرة المنتشرة على الأرصفة، حيث الكراسي الخشبية تواجه الشارع لا الداخل، كأنها ترفض أن تُدير ظهرها للحياة. أشعة الشمس لم تكن ساطعة بعد، بل كانت ناعمة، ذهبية، تلامس الوجوه بحياء، وتنساب فوق حجارة الأرصفة القديمة التي حفظت خطوات آلاف العابرين قبلنا.
على ناصية شارعٍ هادئ، كان بائع الجرائد يصفّ عناوين الصباح بعناية، بينما تمرّ امرأة بمعطفٍ بيج طويل، تحمل حقيبة جلدية وتُسرع بخطى واثقة، وكأن لديها موعدًا مع قدرٍ لا ينتظر. في المقابل، يجلس رجل مسنّ يطعم الحمام، يهمس لها بكلماتٍ لا يفهمها أحد سواه، فتلتف حوله الطيور كأنها تعرف اسمه منذ زمن.

دراجات هوائية تمرّ بخفة، شاب يضحك بصوتٍ عالٍ وهو يتحدث عبر هاتفه، وعاشقان يتشاركان فنجان قهوة واحد وكأن العالم كله اختُصر في تلك الطاولة الصغيرة. حتى النهر القريب، نهر السين، كان يبدو وكأنه يراقب المشهد بصمتٍ حكيم، يعكس ضوء الصباح على صفحته، ويحتفظ بالأسرار في عمقه.

كل شيء كان عاديًا…
لكن في فرنسا، حتى العادي يُروى كأنه بداية قصة.

في ذلك الصباح الذي بدا كأنه امتدادٌ هادئ لليلةٍ صاخبة، كان إياد يسير ببطء في شوارع Paris، لا ككاتبٍ عابر، بل كمن خرج لتوّه من حلمٍ لا يزال عالقًا في أطراف روحه.
الليلة الماضية لم تكن عادية…
كانت تلك الليلة التي صعد فيها اسمه إلى المنصّة تحت أضواء Salon du Livre de Paris، حيث وقف أمام جمهورٍ متنوّع اللغات، موحّد الشعور، وتلقّى تكريمه وسط تصفيقٍ بدا وكأنه لا ينتهي. لم يكن التصفيق موجّهًا لشخصه فقط، بل لكل تلك الليالي الطويلة التي كتب فيها وحيدًا، لكل الخيبات التي صقلته، لكل الجُمل التي مزّقها قبل أن يصل إلى هذه النسخة التي عبرت الحدود… وتُرجمت، وتُليت، وفُهمت.

الآن، وبعد أن خفَت صدى الأضواء، كان يبحث عن شيءٍ أبسط… عن نفسه.
توقّف أمام مقهى صغير، ذاك النوع الذي لا يُزيّنه شيء سوى صدقه، وجلس على كرسيٍّ يطلّ على الشارع. وضع فنجان قهوته أمامه، وإلى جانبه قطعة كرواسون دافئة، ما زالت تحتفظ برائحة الزبدة التي تُغري حتى أكثر القلوب انشغالًا.
رفع الفنجان ببطء…
ارتشف رشفةً أولى، وأغمض عينيه.
لم تكن قهوة فقط…
كانت استراحة محارب.

في تلك اللحظة، لم يفكّر في الترجمة ولا في المبيعات ولا في المقابلات الصحفية التي تنتظره. فكّر فقط في بغداد… في الأزقة التي علّمته أول جملة، في النوافذ التي كتب خلفها أول نصٍ خجول، في نفسه القديمة التي لم تكن تتخيّل أن تصل إلى هنا… إلى هذا الصباح الفرنسي الهادئ، وهذا الاعتراف الصاخب.

مرّت أمامه فتاة تضحك، فالتفت دون وعي، ثم ابتسم لنفسه…
كم هو غريب هذا الشعور—أن تصبح معروفًا في مدنٍ لا تعرفك حقًا، وأن تبقى مجهولًا في الأماكن التي صنعتك.
لكن باريس، بطريقتها الخاصة، لم تكن قاسية.
كانت تمنحه لحظةً من التوازن…
بين الضجيج والسكينة، بين المجد والإنسان، بين الكاتب… والرجل الذي ما زال يتعلّم كيف يعيش كل هذا.
أخذ قطعة من الكرواسون، كسرها ببطء، وكأنّه لا يريد أن يُنهي هذا الصباح سريعًا.
لأن بعض اللحظات…
لا تُكتب، بل تُعاش.

نهض إياد من مقعده وكأن شيئًا خفيفًا يدفعه للمضيّ، لا هدف محدد… فقط رغبة في أن يذوب داخل هذه المدينة التي لا تُسأل: إلى أين؟ بل تُعاش.
بدأ خطواته عبر شوارع Paris، مارًّا بمحاذاة Seine River حيث المياه تنساب بهدوءٍ يشبه حكمة الشيوخ. كان يرى انعكاس السماء على سطح النهر كأنه صفحة كتاب مفتوح… لكنه هذه المرة لا يكتب، بل يقرأ.
عبر جسر Pont des Arts، توقّف قليلًا، تأمل الأقفال التي تركها العشاق، وضحك بخفة…
“حتى الحب هنا له أرشيف رسمي”، تمتم في داخله.
تابع سيره نحو Louvre Museum، لم يدخل… اكتفى بالنظر إلى الهرم الزجاجي الذي يعكس تناقض الزمن—قديم وحديث، تمامًا كما شعر هو… كاتب من وجعٍ قديم، يحتفي به عالمٌ جديد.
كل خطوة كانت تُخفف عنه ثقل الأمس، لكنه في الوقت نفسه… كان يشعر بغرابة خفية.

ثم، دون تخطيط، وجد نفسه أمام Place de la Bastille.
توقف.

هذا المكان لم يكن مجرد ساحة… بل صرخة محفوظة في الحجر.
اقترب أكثر من النصب القائم هناك، July Column، يعلو بشموخ، كأنّه شاهدٌ صامت على دماءٍ لم تجفّ في ذاكرة التاريخ.
مدّ عينيه نحو التفاصيل، يحاول أن يقرأها، أن يفهمها، أن يشعر بها…
لكن قبل أن يقترب أكثر، سمع صوتًا جافًا خلفه.
— “Monsieur, pas trop près.”
“سيدي..لا تقترب كثيرا “.

التفت.

كان الحارس يقف هناك، ملامحه جامدة، نبرته حادة، كأن كل شيء فيه يعمل وفق قانونٍ لا يسمح بالاستثناءات. لم يكن وقحًا… لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.
مجرد رجل يؤدي عمله، بصرامة من اعتاد أن يقول “لا” أكثر مما يقول “نعم”.
فتح إياد فمه ليرد، ربما ليسأل، ربما ليعتذر…
لكن صوته لم يخرج.
لأن شيئًا آخر… خطف اللحظة.
ظهرت فجأة، كأنها خرجت من مشهدٍ آخر لا ينتمي لهذا الصباح.
فتاة…
شعرها الأحمر ينسدل بحرية، تلامسه أشعة الشمس فيتحول إلى لهبٍ ناعم، وعيناها الزرقاوان تحملان صفاءً غريبًا، كبحرٍ لا يعترف بالعواصف.
لم تقل “مرحبًا”.
لم تنظر للحارس.
نظرت فقط إلى إياد… وابتسمت.
ثم بدأت تتحدث، وكأنها تكمل جملة لم تُقال:
“هنا… لم يكن المكان بهذا الهدوء يومًا. في Storming of the Bastille، كان كل شيء يصرخ… الناس، الحجر، وحتى الهواء. كانوا يعتقدون أن إسقاط هذا السجن… سيحررهم من كل شيء.”
أشارت برأسها نحو الساحة، وعيناها تلمعان بشيءٍ بين الحنين والسخرية.
“لكن الحرية… ليست بابًا يُكسر. هي شيءٌ أصعب بكثير.”
تقدّمت خطوة، اقتربت من النصب، وكأنها تعرفه معرفة شخصية.
“هذا العمود… ليس فقط ذكرى ثورة. هو تذكير بأن البشر… حين يجوعون للعدالة، يصبحون أخطر من الجيوش.”
ثم نظرت إليه مجددًا، وابتسامتها لا تزال هناك… هادئة، واثقة، كأنها تعرف أنه لن ينسى هذه اللحظة.

أما إياد…
فكان صامتًا.
ليس لأنه لا يملك ردًا…
بل لأن كل الكلمات التي كتبها في حياته، بدت فجأة أقل من أن تُقال الآن.
شعر بشيءٍ غريب يتسلل إليه—
فضول؟
دهشة؟
أم ذلك الإحساس النادر… حين تقابل شخصًا، وتشعر أن القصة بدأت دون إذن؟
لأول مرة منذ الليلة الماضية…
لم يفكر في كتابه.
فكّر فقط… بها.

ابتسمت له… ابتسامة خفيفة، كأنها توقيعٌ غير مرئي على لحظةٍ لن تتكرر.
ثم استدارت، ومضت ببساطةٍ مدهشة، كأنها لم تُشعل في داخله شيئًا للتو.
لم يوقفها.
لم ينادِ عليها.
فقط… شاهدها تبتعد.
وكان في ابتعادها شيءٌ من القصص التي تُغلق دون خاتمة.
عاد إياد إلى فندقه في قلب Paris، يمشي ببطء، كأن الشوارع صارت أضيق، أو كأن أفكاره صارت أوسع من أن تحتويها الأرصفة.
لم يفكر بها وحدها…
بل بالمشهد كله.

بـ French Revolution، بذلك الانفجار البشري الذي كسر جدران الخوف، وترك للعالم درسًا لا يُنسى.
ثم ضحك… ضحكة خافتة، صادقة، كأنها خرجت من طفلٍ داخله.
“وأنا؟” تمتم لنفسه.
“أنا الذي أكتب عن الأشباح… عن الجن… عن العفاريت… ولم أرَ واحدًا منها في حياتي.”
هزّ رأسه ساخرًا، وهو يدخل الفندق.
“ربما… الخيال أرحم من الحقيقة.”

في الليلة التالية، والتي كانت تسبق عودته، خرج إياد للعشاء.
باريس ليلًا… لم تكن مدينة، بل مزاجًا.
الأضواء تتدلى كنجومٍ مُهذّبة، تنعكس على Seine River فيتحول الماء إلى مرآةٍ ترتجف بالذهب. الشوارع تنبض بأصواتٍ ناعمة—ضحكات، موسيقى بعيدة، وقع كعبٍ على الرصيف… كل شيء يبدو كأنه مدروس، حتى الفوضى.
مرّ بجانب Eiffel Tower، التي كانت تلمع في السماء كأنها تُذكّر الجميع أنها لا تزال قلب الحكاية، مهما تكررت الصور.

جلس في مطعم صغير، دافئ، بأضواء خافتة وطاولات متقاربة.
نظر إلى القائمة طويلًا… ثم ابتسم.
“صينية دجاج بالبطاطا والبازلاء؟”
هنا… لا وجود لها.

طلب طبقًا فرنسيًا بسيطًا—دجاج بصوص كريمي، مع خبز طازج، وكأس ماء فقط.
تناول الطعام ببطء… ليس لأنه جائع، بل لأنه كان يفكر.
كان يرى حوله أزواجًا يتحدثون همسًا، امرأة تقرأ كتابًا وحدها، نادلًا يتحرك بخفة، ورجلًا يضحك وكأنه لا يعرف الحزن أصلًا.
أما هو…
فكان يشعر بشيءٍ بين الامتلاء والفراغ.
حقق ما أراد…
لكن شيئًا صغيرًا، غامضًا، لا يزال ينقص.
ربما… إجابة.
أو ربما… وجهٌ بشعرٍ أحمر.

بعد العشاء، لم يعد مباشرة.
كأن شيئًا داخله اتخذ القرار بدونه.
عاد يسير، نفس الطريق تقريبًا، نفس الخطوات، لكن هذه المرة بثقلٍ أخف… وفضولٍ أثقل.
حتى وصل مجددًا إلى Place de la Bastille.
كانت الساحة مختلفة ليلًا…
أهدأ، أعمق، كأنها تكفّ عن التظاهر وتُظهر حقيقتها.
وقف أمام July Column، يرفع نظره نحوها، بينما الضوء يلامسها بخجل، فيُبرز ظلالًا أطول، وأكثر حدة.
انتظر.

لا يعرف لماذا…
ولا ماذا يتوقع.
ربما لن تأتي.
ربما كانت مجرد صدفة… أو مجرد مشهدٍ عابر في يومٍ استثنائي.
لكن قلبه—بطريقته التي لا تُناقش—كان يقول له:
“ابقَ قليلًا.”
وقف هناك…
بين تاريخٍ يصرخ، وليلٍ يهمس، ومدينةٍ لا تعد بشيء، لكنها تعطي كل شيء لمن ينتظر.
وفي داخله…
كانت باريس تكتب سطرها الأخير.
أو ربما…
أول سطرٍ حقيقي.

ألقى إياد نظرةً عابرة نحو الحارس الواقف بجانب July Column…
نفس الوجه الصارم، نفس الوقفة التي لا تعرف التعب، كأن الرجل جزءٌ من الحجر لا ينفصل عنه. لم يتغير شيء… سوى ما كان يتحرك داخل إياد.
استدار ببطء…

وهناك—

كما لو أن الليل قرر أن يكافئ انتظاره—رآها.
جالسة على مقعدٍ خشبي في طرف Place de la Bastille، يلفّها ضوءٌ خافت، لا يكشفها تمامًا ولا يُخفيها. كانت تنظر إليه… وتبتسم، تلك الابتسامة نفسها، التي لا تُعطيك جوابًا، لكنها تمنحك سببًا لتسأل أكثر.
تقدّم نحوها، هذه المرة دون تردد.
رفع يده بتحيةٍ خفيفة، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية:
“مساء الخير.”
أومأت برأسها، كأنها كانت تنتظره، أو ربما… كأنها لم تستغرب مجيئه أصلًا.
جلس بجانبها.

كان الصمت بينهما مريحًا، لا يضغط، لا يُحرج… صمتٌ يعرف حدوده.
تبادلا أطراف الحديث، جُملًا صغيرة، خفيفة، كأن كليهما يتلمّس الطريق بحذر.
أخبرها أنه كاتب… أن كلماته سافرت قبله، وأنه بالكاد يلحق بها.
استمعت له باهتمامٍ هادئ، دون انبهارٍ مصطنع، ودون أسئلةٍ كثيرة.
وحين تحدثت هي…
قالت القليل.
قليلٌ لا يكفي.
قليلٌ مقصود.
لم تذكر اسمها.
ولا أين تعيش.

ولا لماذا تبدو كأنها تعرف هذه الساحة أكثر من أهلها.
فقط كلماتٌ متناثرة…
كأنها تعطيه ما يكفي ليبقى، لا ما يكفي ليفهم.
شعر إياد بشيءٍ خفيف يثقل الجو…
كأنه يقترب أكثر مما ينبغي.
فهرب—بطريقته الذكية—إلى شيءٍ آمن.
رفع نظره نحو النصب، وقال بنبرةٍ نصفها فضول، ونصفها محاولة للانسحاب من المساحة الشخصية:
“إذن… فرنسا شهدت ثورة عظيمة. بصراحة… لم أتطرق لهذا في أبحاثي ولا كتاباتي من قبل.”
هنا…

حدث التغيير.
لم يكن واضحًا، لكنه كان حقيقيًا.
الفتاة ذات العينين الزرقاوين، التي كانت تبتسم كأنها لا تحمل وزنًا في هذا العالم…
تبدّلت ملامحها لثانية.
حزنٌ خفيف مرّ على وجهها، كغيمةٍ سريعة، حاولت أن تُخفيه فورًا خلف نفس الابتسامة… لكن الأثر بقي.
عينها لمعت بشيءٍ أعمق من مجرد ذكرى.
شيءٌ يشبه الفقد… أو الخيانة… أو ربما الحقيقة حين تكون أثقل من أن تُروى.
نظرت إلى July Column، ثم عادت إليه، وقالت بهدوءٍ لا يخلو من انكسارٍ أنيق:
“الثورات… لا تُكتب كما حدثت.”
توقفت لحظة، وكأنها تزن كلماتها، أو تخفي ما لا تريد أن ينكشف.
“يكتبها المنتصرون… ويتحملها الباقون.”

نظر إليها إياد، وقد بدأ الفضول يتسلّل إلى صوته دون استئذان:
“ماذا تقصدين؟”
لم تُجب فورًا.
صمتت… لكن لم يكن صمتًا فارغًا.
كان كأن شيئًا في داخلها قد فُتح فجأة، بابٌ قديم لم يُغلق جيدًا.

في مكانٍ ما… بعيدٍ عن هذه الساحة—
ترددت أصوات.
صراخ حراس.
شتائم تُلقى كالحجارة.
أبواب حديد تُغلق بعنفٍ كأنها تقطع الهواء نصفين.
ظلالٌ تتحرك في ممراتٍ ضيقة…
وأسماء تُنادى، لا يعود أصحابها.
ثم—
قاعة محكمة.
وجه القاضي… جامد، بارد، بلا ملامح إنسانية.

عيناه لا تنظران… بل تُقرّران.
نبضات قلبها…
لم تكن تُحَسّ، بل تُسمع.
قريبة جدًا… كأنها داخل أذنيها.
ثم الهواء…
هواء ثقيل.
ساكن.
ينتظر.
خطوات بطيئة نحو الخشبة.
السماء رمادية.
والناس… مجرد وجوه بلا تعابير.
والمقصلة…
تلمع.
لحظة واحدة فقط—
قبل أن يهوي السيف.
عادت.

رمشت بعينيها، كأنها أغلقت ذلك المشهد داخلها بالقوة.
ثم ابتسمت… نفس الابتسامة، لكن هذه المرة كانت أهدأ… وأبعد.
قالت بصوتٍ خفيف:
“الثورة… صنعها المضحّون.”
ثم نظرت إلى July Column، وكأنها لا تراه… بل ترى ما كان قبله.

أراد إياد تغيير الموضوع لتلطيف الجو فقال : “يُقال إن باريس مدينة الحب… لكنني أشعر أن في هذا اللقب سرًّا أعمق من مجرد قصص العشّاق. لماذا برأيك؟”

ابتسمت بخفوت، وقالت:
“لأن الحب هنا… لم يكن يومًا مجرد همسة بين قلبين. كان موقفًا… كان تضحية.”
“تضحية؟ كيف ذلك؟”

نظرت نحو العمود، كأنها تقرأ عليه تاريخًا لا يُمحى:
“في زمن French Revolution، لم يكن الناس يموتون فقط من أجل الحرية… بل من أجل بعضهم أيضًا.
تخيّل… أن تختار البقاء إلى جانب من تحب، رغم أن المقصلة تنتظركما معًا عند الفجر.”
“هذا ليس حبًا عاديًا… هذا جنون.”
هزّت رأسها بهدوء يشبه الاعتراف:
“بل هو وفاء… وفاء غير طبيعي.
هنا، في هذه الشوارع، لم يكن العشّاق يعدون بالنجاة… بل كانوا يعدون بعدم الرحيل، حتى لو كان الثمن رؤوسهم.”
“وهل تعتقدين أن ذلك لا يزال حيًّا؟”

ابتسمت بحزن جميل:
“باريس لا تنسى…
كل قصة حبٍ حقيقية تترك ظلها هنا، يتسلل إلى القلوب دون استئذان.
ولهذا… من يأتي إلى باريس، لا يبحث عن الحب… بل يجده، أو ربما… يجد نفسه فيه.”

وبدأت تحكي.

في عام 1794، حين كانت French Revolution قد فقدت قدرتها على التمييز بين المذنب والبريء، كانت Paris مدينة تمشي نحو الموت بخطى ثابتة، كأنها اعتادت الفقد حتى صار جزءًا من إيقاعها اليومي.


في تلك الفوضى… كانت ماري.
لم تكن بطلة، ولا صاحبة قضية، بل فتاة بسيطة، تعيش حياة هادئة، تحب رجلًا اسمه هانز، ويحبها كما يحب الإنسان ما يمنحه معنى لوجوده. كانا من ذلك النوع من العشاق الذين لا يكتبون قصصًا عظيمة، بل يعيشون تفاصيل صغيرة… لكنها صادقة. كانا يتحدثان عن بيتٍ مستقبلي، عن أيام عادية، عن حياة لا تحتاج إلى بطولة.
لكن الثورة… لا تحب البساطة.

blank

في صباحٍ بارد، انكسر كل شيء. دُقّ الباب بعنف، ودخل الجنود بلا مقدمات. لم يكن هناك تفسير، فقط أسماء… وكانت ماري واحدة منها. حاولت أن تسأل، أن تفهم، أن تتشبث بأي منطق، لكن العيون التي نظرت إليها لم تكن ترى إنسانًا… بل رقمًا.
اقتيدت.

في الطريق، كانت تنظر خلفها، لا لتطلب النجدة… بل كأنها تنتظر أن يظهر هانز فجأة ويوقف هذا العبث. لكنه لم يكن هناك.
في سجن Conciergerie، بدأت تتآكل ببطء. لم يكن الخوف هو الأسوأ… بل الإهانة. الكلمات القاسية التي تُرمى عليها، الضحكات الباردة، النظرات التي تجرّدها من أي كرامة. كانت تُشتم بلا سبب، تُدفع أحيانًا، ويُعاملها الحراس وكأنها شيء أقل من إنسان.
في الليل، كانت تضم نفسها، تحاول أن تتذكر صوت هانز، ملامحه، كأنها تخشى أن يسرقها هذا المكان حتى من ذاكرتها.

أما هو…
فعندما وصله الخبر، لم يصرخ. لم ينهَر كما تفعل القصص. بل جلس، في صمتٍ ثقيل، كأن العالم سقط فجأة، وتركه يحدق في الفراغ. حاول أن يفكر، أن يجد مخرجًا، أن يقنع نفسه أن هناك حلًا… لكن كل الطرق كانت مغلقة.
إلا طريقًا واحدًا.

طريق لا يُشبه النجاة… بل التضحية.
لم يكن دخوله إلى السجن معجزة… بل مخاطرة محسوبة.
عرف أحد العمال الذين كانوا يزوّدون السجن بالمؤن، رجل بسيط، لا يهتم بالسياسة بقدر ما يهتم بأن يبقى على قيد الحياة. أقنعه هانز—أو ربما ترجّاه—أن يساعده. لم يكن الأمر سهلًا، لكن الفوضى التي كانت تعمّ البلاد جعلت بعض الأبواب تُفتح… لمن يعرف كيف يدفع الثمن.

حصل على زيّ ممرضة. كان التنكر بسيطًا، لكنه كافٍ في مكانٍ لم يعد أحد فيه يركز على التفاصيل.
دخل.
خطواته كانت ثابتة… لكن داخله كان يحترق.
وصل إلى زنزانتها.
في البداية، لم تصدق. ظنّت أنها تتخيل، أن عقلها بدأ يهرب من هذا الواقع. لكن صوته… كان حقيقيًا.

“ماري…”
رفعت رأسها، وعندما رأته، انهارت. ليس لأن الفرح فاض… بل لأن الألم وجد أخيرًا طريقًا للخروج.
اقترب منها، أمسك بيديها، وقال بهدوء:
“استمعي إليّ… ليس لدينا وقت.”
شرح لها بسرعة… لكن ليس كل الحقيقة.

قال لها إن لديه خطة، وإنه يعرف كيف يُخرجها، وإن هذا التنكر هو البداية فقط. كانت كلماته مرتبة، مقنعة، كأنها خيط نجاة أُلقي لها في بحرٍ يغرقها.
لكن عندما فهمت الجزء الذي لم يقله صراحة…
ارتعبت.

هزّت رأسها بعنف، تراجعت، ورفضت.
“لا… لا يمكن… لن أسمح لك…”
لكنّه كان هادئًا بشكلٍ مخيف.
نظر إليها بعينين ثابتتين، وقال:
“ماري… سأخرج أيضًا. أثق بي.”
كذب.
لأول مرة…
ولآخر مرة.
لم تكن لديه خطة للنجاة.
كانت لديه خطة واحدة فقط…
أن تنجو هي.

في تلك الليلة، بدّل الأماكن.
بمساعدةٍ سريعة، وتحت غفلة الحراس الذين لم يعودوا يدققون كثيرًا في الوجوه، خرجت ماري… ودخل هو مكانها. ارتدى ثيابها، جلس في الزاوية، رأسه منخفض، كما تفعل كل السجينات اللواتي تعلمن أن الاختفاء هو النجاة المؤقتة.
لم تنظر خلفها وهي تغادر.
لم تستطع.
في صباح اليوم التالي، نُودي اسمها.
أو… الاسم الذي كان لها.
اقتيد هانز، دون مقاومة. لم يرفع رأسه، لم يتكلم، فقط سار… كأن الطريق واضح منذ البداية.
العربة…
الناس…
الصمت…
ثم المقصلة.
وسقط النصل.
لم يُكتشف شيء… في حينه.
لم يشك أحد. لم يكن أحد يهتم بما يكفي.
لكن في المشرحة…
حين أصبحت الجثث بلا أسماء، وبلا استعجال…
اكتُشف الأمر.
لم تكن ماري.

blank

كان رجلًا.
أما هي…
فقد نجت.
لكن النجاة… لم تكن كما تخيلت.
بعد أيام، حين استوعبت ما حدث… تذكرت كلماته، ابتسامته، وهدوءه الذي لم تفهمه وقتها.
“سأخرج أيضًا.”
همسٌ كاذب…

لكنه كان أثمن هدية.
عاشت.
لكنها لم تعد كما كانت.

وهنا انتبه إياد للرجفة البسيطة التي ظهرت على شفتيها عندما واصلت قائلة: جُنّت المسكينة..

نظر إياد إليها، وقد حاول أن يستعيد توازنه بعد ثقل الحكاية، فتنفّس ببطء وقال بنبرةٍ فيها شيء من العناد المغلّف بالمنطق:
“أظن… أن هذه القصة مجرد توارث شعبي لا أكثر.
يستحيل أن يضحي أحد بحياته بهذه الطريقة… ليس بهذا الهدوء… ولا بهذا اليقين.”
كان يحاول أن يُمسك بخيط العقل…
أن يُقنع نفسه أن ما سمعه يمكن تفسيره، يمكن وضعه في خانة “القصص”… لا “الحقيقة”.
ضحكت.
ضحكة هذه المرة… كانت مختلفة.
أدفأ… وأعمق… وزادتها جمالًا بطريقةٍ غير مريحة، كأنها تعرف شيئًا لا يريد هو تصديقه.
نظرت إليه، بعينين فيهما لمعة خفيفة، وقالت:
“لو سمعك الخطيبان… لحزنا لقولك.”
مالت برأسها قليلًا، كأنها تتأمله من زاوية أخرى، ثم أضافت بابتسامةٍ هادئة:
“لكن لا بأس…”
توقفت لحظة، وكأنها تفتح بابًا جديدًا في ذاكرةٍ لا تنتهي.
“سأحكي لك حكاية أخرى…”
نظرت نحو Place de la Bastille، حيث الليل يزداد عمقًا، والظلال أطول، ثم عادت إليه وقالت:
“ونرى…”

في تلك الأيام، كان اسم عائلة de Lamotte-Villasson family كافيًا ليكون حكمًا بالإعدام، وكان جوزيف واحدًا من تلك الأسماء التي لا تحتاج إلى تهمة.
لم يكن رجلًا استثنائيًا، بل هادئًا، بسيطًا، وجد نفسه فجأة في مواجهة قدرٍ لا يمكن التفاوض معه. أُخذ من منزله دون مقاومة، وكأنّه فهم أن هذا الزمن لا يُجادل. لكن القصة لم تبدأ به… بل بها.

دولفين… Delphine de Lamotte-Villasson.
لم يكن جمالها عاديًا، لم يكن مجرد ملامح جميلة، بل حضورًا يُربك. شعرها الأشقر ينسدل كضوءٍ ناعم، وعيناها الزرقاوان تحملان صفاءً لا يليق بزمنٍ فقد الإيمان بكل شيء. كانت جميلة بطريقة تُزعج، ولهذا… رآها.

في قاعة المحكمة، حيث كان القاضي Antoine Quentin Fouquier-Tinville يوزّع الأحكام ببرودٍ عسكري، وقعت عيناه عليها. لم تكن نظرة عابرة، بل بداية شيءٍ آخر. في المرة الأولى، اكتفى بإطالة النظر، وبأسئلة لا تخص القضية. في المرة الثانية، وصلها كلام مبطّن عبر وسيط: “يمكن إعادة النظر في الحكم.” تجاهلت.
لكن الرسائل لم تتوقف. في المرة الثالثة، أصبحت أوضح: “يمكن إنقاذه… لكن ليس مجانًا.”

وقفت أمام الكلمات طويلًا، ثم مزّقتها، كأنها ترفض أن يكون للحياة ثمن.
هذا الرفض… لم يمر.
في الجلسة التالية، لم يكن في عيني القاضي نفس الاهتمام، بل برودٌ قاسٍ يشبه الحكم. اقترب منها بعد انتهاء الجلسة، وقال بصوتٍ منخفض: “هناك دائمًا ثمن… يا سيدتي.” نظرت إليه بثبات، رغم العاصفة داخلها، وأجابت: “وليس كل شيء يُشترى.”

ابتسم… وكأن الإجابة لم تغيّر شيئًا.
في صيف 1793، سقط جوزيف تحت شفرة المقصلة. لم يكن موته حدثًا استثنائيًا، بل رقمًا آخر في قائمة طويلة. قيل إنه حاول الهرب، وقيل إنه لم يكن وفيًا كما ظنت حتى أنه خانها مع احدى وصيفاتها… لكن كل ذلك لم يعد مهمًا. لأن الحقيقة، في ذلك الزمن، لم تكن تغيّر المصير.
وبعد أيام، أُعيد فتح ملفها. لم تُدان بجريمة جديدة، بل بذنبٍ واحد: أنها قالت “لا”. اقتيدت إلى سجن Conciergerie، حيث الجدران باردة، والليل طويل، والأسماء تُنادى كل صباح… ولا تعود.

blank

كانت تجلس هناك بهدوءٍ غريب، لا تبكي ولا تتوسل، كأنها تقبّلت الثمن الذي اختارته.
في ذلك المكان، كان هناك حارس يُدعى لارو… Laro. رجل بسيط، لا يبحث عن البطولة، لكنه تعب من تكرار الموت. حين رآها، توقف. لم تكن الأجمل فقط، بل الأكثر هدوءًا… وكأنها لا تنتمي لهذا المصير.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ شيء صغير يتغيّر.
لم يكن وحده. كان له صديق يعمل معه في ترتيب الملفات وتنظيف غرفة السجلات. في ذلك الزمن، حيث كانت الفوضى تغطي كل شيء، كان ترتيب الأسماء هو الفارق الوحيد بين الحياة والموت. وهنا، بدأ تدخلهما الصغير… الخطير.

كل ليلة، أثناء تنظيف الغرفة، كانا يبدّلان مكان ملفها. يضعانه بين ملفات مؤجلة، أو يؤخرانه في الترتيب، مرة… ثم مرة… ثم مرة أخرى، حتى صار التأجيل عادة، وصارت النجاة المؤقتة أسلوب حياة.
لم يكونا ينقذانها… بل يشتريان لها وقتًا.
ومع مرور الأيام، أصبح اسمها لا يُنادى.

ثم، فجأة… في عام 1794، سقط Maximilien Robespierre، وانتهى Reign of Terror، وتوقفت المقصلة عن الجوع.
فُتحت الأبواب… وخرجت.
ليس لأنها انتصرت، بل لأن الموت… انشغل بغيرها.
سكتت الفتاة لحظة، ثم نظرت إلى إياد، وابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن عينيها لم تبتسما.
“يقول البعض… إنها ذهبت إلى الحارس الذي أنقذها، وطلبت منه الزواج.”
توقفت، وكأنها تزن الفكرة.
“لكنه رفض… لأن الطبقية، حتى بعد الثورة، لا تموت بسهولة.”
ثم أضافت، بصوتٍ أكثر هدوءًا:
“وآخرون يقولون… إنها عاشت قليلًا فقط، ثم ماتت بداء الرئة.”
نظرت إليه مباشرة:
“لكن الحقيقة؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة… مؤلمة:
“لم تنجُ.”

blank

نظر إليها إياد، وقد عقد حاجبيه قليلًا، كأن الفكرة لم تستقر في رأسه بعد:
“لا أؤمن… أن التضحية يمكن أن تصل لهذا الحد.
لو كان خانها… كانت ستخونه، على الأقل لتُنقذ حياتها.”
قالها ببساطة رجلٍ يرى الأمور بخط مستقيم، بلا انحناءات ولا مناطق رمادية.
ضحكت.

لكنها لم تكن ضحكة سخرية… بل ضحكة من يعرف أن العالم لا يسير كما نظن.
هزّت رأسها بخفة، وقالت:
“إياد… أنت تكتب عن العفاريت، لكنك لا تؤمن بأغرب شيء في هذا العالم… الحب.”
توقفت لحظة، ثم مالت نحوه قليلًا، وعيناها تلمعان بشيء غامض:
“ألم تسمع بقصة Napoleon Bonaparte؟ حتى الأباطرة… لم يسلموا منه.”

ذلك الرجل لم يكن عاديًا. وُلد من رحم الفوضى، من صرخة French Revolution، حين سقطت التيجان تحت أقدام الجياع، وصعد هو كقدرٍ لا يُقاوم. في عام 1789 كانت Paris تحترق، وفي داخله كان شيء آخر يشتعل… طموح لا يشبع، وقلب يبحث عمّن يفهمه.

blank

ثم جاءت هي… Joséphine de Beauharnais. لم تكن الأجمل في عصرها، لكنها كانت الأخطر. امرأة تستطيع أن تجعل رجلًا لا ينحني لأحد، ينحني لحرفٍ من اسمها. كتب لها رسائل كأنها اعترافات جندي مهزوم، كان يربح المعارك ويخسر نفسه فيها. أما هي، فكانت تحبه… نعم، لكن بطريقتها؛ ببرود أولئك الذين تعلموا كيف يبتسمون دون أن يمنحوا القلب كله.
ومع مرور السنوات، ومع اتساع إمبراطوريته، بدأ صوت السياسة يعلو فوق صوت القلب. الإمبراطور لا يحتاج قصة حب… بل يحتاج وريثًا. في عام 1810، تركها… لا لأنه توقف عن حبها، بل لأنه قرر، لأول مرة، أن يخون قلبه من أجل العرش.

blank


دخلت حياته امرأة أخرى… Marie Louise of Austria. زواج لم يولد من الشغف، بل من توقيع سياسي بارد. أحبها كما يحب الغريق خشبة نجاة، رأى فيها الاستقرار والامتداد وربما الخلاص من ماضيه مع جوزفين. لكن القلوب لا تُخدع بسهولة… كانت تنظر إليه كإمبراطور لا كرجل، وكان ينظر إليها كقدر لا كخيار.

blank


ثم جاءت النهاية. في عام 1815، سقط كل شيء، وانتهى مجد الرجل الذي هزّ أوروبا. نُفي إلى جزيرة بعيدة، Saint Helena، وهناك لم يكن هناك جيش ولا مجد ولا هي. فقط رجل… وقلبه.
لم تأتِ. لم تنتظره. بل اختارت حياة أخرى، ورجلًا آخر: Adam Albert von Neipperg.
وفي 5 مايو 1821، أسدل الستار. مات… لا كإمبراطور، بل كرجل لم يُحَب كما أراد. تُروى الحكاية أنه أوصى بقلبه… أن يُنتزع، أن يُحفظ، أن يُرسل إليها… كأن آخر ما يملكه في هذه الحياة، أراد أن يضعه بين يدي امرأة لم تطلبه يومًا…لكن للأسف عندما رأته اشمأزت منه وطلبت من حراسها أن يأخذوه بعيدا.
ويقال أنه الآن موجود بمتحف هنا.
لكن الفكرة التي بقيت… أقوى من الحقيقة نفسها:
أن رجلًا هزّ أوروبا… انتهى به الأمر حكاية قلبٍ لم يجد مكانه.
وهنا المفارقة الجميلة القاسية:
جسده مستقر في قبره…
أما قلبه—في الروايات—فما زال تائهًا بين التاريخ… والحب الذي لم يكتمل.”

سكتت.

ثم نظرت إلى إياد، وعيناها هذه المرة تلمعان بشيء يشبه التحدي:
“والآن قل لي… هل ما زلت تعتقد أن الخيانة دائمًا أسهل من التضحية؟”
أما إياد…
فلم يُجب فورًا.
لأن شيئًا داخله… بدأ يتزعزع.
بين منطقٍ كان يثق به…
وحكايات تثبت أن القلب، أحيانًا… أحمق بما يكفي… ليكون عظيمًا.

حاول إياد أن يُخفي ارتباكه، أن يعيد التوازن لصوته الذي بدأ يميل نحو شيءٍ لا يفهمه، فضحك بخفةٍ مصطنعة وقال:
“لا… لا، لا يمكن للحب أن يولّد تضحيات كهذه. ربما من أجل الوالدين… من أجل الأبناء… هذا مفهوم. لكن من أجل العشق؟ أراه بعيدًا جدًا… أقرب للخيال منه للحقيقة.”
كانت كلماته مرتّبة… منطقية… لكنها، بطريقةٍ ما، بدت باردة في هذا المكان. تغيّرت ملامحها؛ لم يكن الغضب صريحًا، بل خفيفًا، كشرارةٍ صغيرة، لكن كافية لتكسر هدوء وجهها.

نظرت إليه، وقالت بنبرةٍ أقل نعومة:
“ألم تُحب من قبل؟”
سؤال بسيط… لكنه نزل عليه كضربةٍ غير متوقعة. فتح فمه ليجيب… ربما ليتهرّب، ربما ليكذب، أو ربما—لأول مرة—ليكون صادقًا. لكن صوته لم يخرج.

— “Monsieur! Il est tard. Vous devez partir.”سيدي، تأخر الوقت، يجب أن تغادر …

صوت الحارس. كان حادًا، حاسمًا، لا يقبل التأجيل. وقف قرب July Column، ملامحه كما هي… صارمة، كأن الليل لا يغيّر فيه شيئًا، وأشار بيده بوضوح: الوقت انتهى، والمكان لم يعد للزوار.

تنفّس إياد ببطء، كأن الواقع عاد فجأة، وقطع ذلك الخيط الغريب الذي كان يشدّه إلى ما يحدث. استدار ليخبرها أنه سيغادر…
لكنّه تجمّد.

كل شيء داخله توقّف. لم تعد هي. المقعد نفسه… الضوء نفسه… لكن الجالس هناك لم يكن الفتاة. كان شابًا. وجهه شاحب، ملامحه حادة، وعيناه تحملان ذلك الحزن الذي لا يُفسَّر… لا يُحكى… بل يُعاش، كأن الزمن مرّ عليه ولم يمر.
تراجع إياد خطوة دون وعي. قلبه لم يعد ينبض، بل يطرق، بصوتٍ مسموع في أذنيه، في صدره، في كل شيء. برودة مفاجئة تسلّلت إلى أطرافه، وشيء ثقيل جثم على أنفاسه. هذه ليست قصة… هذه ليست فكرة… هذا ليس طبيعيًا.

“ما…”
لم يستطع إكمال الكلمة.
ابتسم الشاب. ابتسامة حزينة… لا تخيف بقدر ما تُوجع. نظر إليه مباشرة، وقال بصوتٍ هادئ، كأنه يأتي من مكانٍ بعيد:
“إياد… أنت عظيم.”
توقّف لحظة، ثم أضاف:
“وقلبك… مميز. لهذا… أنا هنا من أجلك.”
صمت قصير، كأن العالم كله ينتظر ما سيحدث. وقبل أن يفهم… قبل أن يهرب… قبل أن يُقنع نفسه أنه يحلم—اختفى. ببساطة. كأن الهواء ابتلعه، كأن المكان تذكّر فجأة أنه لا يجب أن يكون هنا.

وقف إياد وحيدًا… لكن ليس كما كان قبل دقائق. الليل لم يعد جميلًا، الضوء لم يعد دافئًا، والمدينة لم تعد مجرد مدينة. كان جسده باردًا، لكن جبينه مبلل بالعرق، وعيناه تبحثان في الفراغ، كأنهما ترفضان تصديق ما حدث.
“شبح…” همسها لنفسه.
لأول مرة في حياته، لم يكتب عن الأشباح… بل رآها. حقيقية. واضحة. تنظر إليه… وتعرف اسمه.
ضحك… ضحكة قصيرة، مكسورة.
“أنا… الذي لم أرَ جنيًا في حياتي…”

ثم سكت. لأن السؤال كان أثقل من أي تفسير. من كان؟ هل كان ذلك الشاب هو نفسه الذي تحدّثت عنه ” هانز”؟ ذلك الذي اختار أن يموت… لتعيش من يحب؟ أم كان شيئًا آخر… شيئًا لم يُكتب بعد… ينتظر إياد ليكتبه؟

نظر مرة أخيرة إلى Place de la Bastille… ثم استدار ببطء. هذه المرة لم يكن يعود إلى الفندق فقط، بل كان يعود برأسٍ ممتلئ بالأسئلة، وقلبٍ—لأول مرة—يخاف أن يُصدّق.

تنويه:
هذا العمل هو إهداءٌ صادق من “عبد الله المغيصيب”و”أزيز الصمت” إلى الأستاذ إياد، تقديرًا لجهوده، واعترافًا بجميله في صناعة هذا الفضاء الذي لم يعد مجرد منصة… بل أصبح بيتًا نأوي إليه، وعائلةً ننتمي لها؛ نحن منه، وهو منا.
أما هذا النص، فهو ليس قصةً خالصة، ولا مقالةً بحتة… بل هو قصمقالة، تمشي على حدٍّ فاصل بين السرد والواقع. يبدأ بنبض الحكاية، حيث تتنفس الشخصيات وتتحرك المشاعر، ثم يغوص تدريجيًا في عمق التقارير والوقائع الحقيقية، ليمنح النص جذورًا ثابتة في أرض الحقيقة، دون أن يفقد جناحيه في سماء الأدب.
إنه عمل يحاول أن يزاوج بين الدفء الإنساني والدقة الواقعية، بين الخيال والوثيقة، ليخلق تجربةً تحمل طابعًا شعريًا ودراميًا خاصًا… تجربة لا تُقرأ فقط، بل تُعاش.

المصادر :

  • كتاب “Les Martyrs de la Révolution” ل جوليس كلاريتي: يروي قصصًا عن الأشخاص الذين ضحوا بحياتهم خلال الثورة.
  • كتاب “Les Héros de la Révolution” ل جورج دوفور: يتناول قصصًا عن الأبطال الذين قاتلوا من أجل الثورة.
  • موقع “Histoire pour tous”: يحتوي على مقالات عن قصص التضحية والفداء خلال الثورة الفرنسية.
  • موقع “La Révolution française”: يحتوي على وثائق ومقالات عن الثورة، بما في ذلك قصص عن التضحية والفداء.

4.1 8 الأصوات
Article Rating

عبد الله المغيصيب - مدير عام الموقع

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ‏أخوكم عبدالله من السعودية ومن مواليد دمشق ، ‏عاشق ومحب لموقع كابوس على الخصوص ومتابع له من عام 2018 ، ‏اهتم في معظم الجوانب الثقافية المختلفة المفيدة في العموم ، لكن ‏مجال عملي بعيد كل البعد عن هذه الاهتمامات وهو يتعلق في مجال النقل المدرسي والجامعي. للتواصل على الايميل : abdllhhop@gmail.com رقمي على واتساب خاص : ٠٠٩٦٦٥٧١٠٨٨٣٢٦

مقالات ذات صلة

151 تعليقات
لوريكا
لوريكا
3 شهور

لي رد عليك😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂
بس لاخد نفس،

لوريكا
لوريكا
2 شهور

ياااا خليفة عبد الله التاسع عشر

ضحكتك على الغريق يسري عجبتني… بس لا تنسى إنك واااعدني بسر. 🤨😂

إذا طلع سرك مش قد المقام… والله لأغرقك معاااه في نفس البحر 🌊🤣

فستان التايتانيك؟ لااااا يا مولاي… قررت فستان غوااصة. عشان أغرق بأناقة. 🤿😂

أنتظر السر… وجهز طوق النجاة ودواااء الضغط. 😂💊💀.

اخخخخخخ ياربي،راح اموت من الضحك😂😂😂😂😂😂

لا تنسى تحط الورد على مكان اللي غرق فيه معالي الوزير🌼🌻💐🏵️🪻🌹🥀🌺🌷🍂🪷🍁🌸🍄💮🌾

لوريكا
لوريكا
3 شهور

اخخخخخخخ ياربي،مبين راح نضل نعلق على المقال ،لحتى تروح من الواجهة😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂

يا أستااااذ، دخيلك ،لا تموت من الضحك قبل لاا تسمع السر اللي وعدتني فيه… لأنه إذا مت، رااح أضطر أروح للمقهى وأقرأ وصيتك على أهازيج فرسان لوريكااا 🤣يا أستاذ عبد الله، والله أنا خايفة عليك أكثر من خوفي على يسري… إذا ضحكت زيادة بهالشكل، راح ندفنك جنبه في قاااع البحر 💀😂😂😂😂😂

وراح تذكر يسري، وترمي باقة ورود في المكان اللي غرق فيه، يا أستااذ، هاد مش تكريم، هاد اسمه استفزاز للروح البحرية😂😂😂

اخخ يااربي ،يسري يسري المسكين… خلاص نعاه الإعلام الرسمي لكابوس: لقد غرق قبل أن يحكم، وسيظل اسمه يتردد في المقهى مع كل فنجان شاهي سوري ☕🕯️😂😂😂😂😂😂😂😂😂😂

تحياتي لك يا كابتن التايتانيك الجديد😂😂😂

RAWAN
RAWAN
3 شهور

خارج عن حدِّ التوقعات،
تُستقرأ كحكِاية
بين سرد الواقِع .. التاريخ .. ثُمَّ الخيال يطغى ليُكمِلَ الحكاية ~

لوريكا
لوريكا
3 شهور

ههههه أستاذ عبد الله، يسري المسكين… والله إني حزينة عليه، بس بنفس الوقت ما قدرت أمسك ضحكتي 😂

يسري يااا رجل… غرق في أول مهمة له، قبل لا يوصل نص الطريق. أنت قلت عليه 👈🏻سد منيع؟ طلع 👈🏻سد رملي😂 أول موج جاااب اجله هههه

والله لو كان يعرف إن مصيره كذااا، كان استقال من منصبه واعتزل السياسة… أو على الأقل كان طلب من إدااارة كابوس بدل عيني 😂

أنا اقترح بعد هذه الحادثة الأليمة… نرفع اسم يسري إلى قائمة الشرف باسم 👈🏻أول وزير دفاع في التاريخ يغرق قبل لا يمسك المفاااتيح 🤣

وتكريمااا له، راح أشعل له شمعة بالمقهى جنب البغبغان… وأعمل له طوق نجاة من ورق، علهالا تخفف عليه 😂

أما إنت يا أستاااذ… شكلك ضحكت فوق الحطام أكتر من الناجين… والله نحسبك كنت مستني الفرصة من زمان عشااان تتسلم القيادة 🥴😂😂😂😂😂😂👀👀

تحياتي لك يا كاابتن التايتانك الجديد، وللغريق البطل يسري… ووعد بالمقهى نعمل له مراسم تأبين، وشاهي سوري زيادة عشان نبل حالنا من الضحك اللي خلص طاقتنا 😂🤍🌹..اخ ياربي،انااا كنت ناوية ما ارد،بس ما قدرت امسك حالي على الرد😂😂😂😂😂🔪🔪🔪😂😂😂😂😂😂😂

عمت مساءاااااء🙏🏻🙏🏻🙏🏻🙏🏻

غيمة
غيمة
3 شهور

سحابة ابداع سقت خيال القارئ وقصة تستحق القراءة اكثر من مرة وتذكرني( قصة ذهب مع الريح )نهاية المقال كانت مفاجأة وعبقرية من الكاتبة عبدالله المغيصيب وازيز الصمت ما شاء الله دويتو ناحج استمروا

Wave Manipulator
Wave Manipulator
3 شهور

Wave Manipulator
أُعلِنُ نصبَ رايتي عالِيَةَ السّارِية، بَيِّنَةَ النّصر!
هذا هو جواب اللُّغز. القهوة الطّازجة والمحبوبة!
والشَّمس!

Wave Manipulator
Wave Manipulator
3 شهور

والله يا رفيق أنّه لغزٌ عُضال! مطلوب منّا كتابة اسمائنا في مقال منشود لا نعرفه إلّا بفك شيفرة أبيات قصيد. خلطبيطة والكل بيدوّر 😆

Elvenheart - مدير الإشراف
Elvenheart - مدير الإشراف
3 شهور

السلام عليكم ورحمة الله , الأخوان الكبيران عبد الله وأزيز
قمتما بعمل عظيم جدا , لو كنتما أمامي لقمت بالتصفيق هههه

بقيت لمدة أتأمل معاني المقال , المقال ليس بسيطا , إنه مزاوجة بين الأدب الغض وبين الواقع المرير , نعم , كما وصفتما
لكنه يملك طبقات من المعنى أستشفها مع كل دفقة كلمات
المعاني كانت جميلة جدا في مقالكما , أن الحب أعظم شيء , أعظم هدية
أن الإيمان بالحب هو من أعظم الإيمان وأن حيازته تجعلك تتسلى عن كل حيازة أخرى

أحببت هذه المعاني وعن طريق إهدائكما لها إلى الأستاذ كبير الأساتذة إيادنا العطار , صار مقالكما تحفة أدبية جمييلة جدا

مشكوران يا أخوين , أبدعتما
آمل أن أستطيع رؤية رد فعل الأستاذ الكبير إياد ههههه سأبدئ رحلة البحث عنه في التعليقات
مثلما كان الأستاذ يبحث عن شيء بين أروقة باريس , أو عن معنى , فأنا أبحث عنه هو بنفسه في أروقة التعليقات هههههههه , آمل أن لا يحصل لي سراب وتخيل كما جرى له أمام Place de la Bastille هههههههه ꉂ(˵˃ ᗜ ˂˵)
ربي يحفظكم ويطيل أعماركم ويزيد مداد قلميكما سيلانا لكي تكتبا روائع أخرى على غرار هاته

والسلام عليكم ورحمة الله في رعاية الله

Elvenheart - مدير الإشراف
Elvenheart - مدير الإشراف
3 شهور

لقد وصلت إلى تعليق الأستاذ إياد على مقالتكما .. وبجملة واحدة تعليقه يدل على كاريزما عالية .. سبحان الله وتحس بالشبه بين تعليقه وبين شخصية إياد العطار المتجولة في باريس .. الباحثة عن شيء متسامي عن معنى .. شخصية نفييسة جدا وتبحث دوما عن الجوهر المفقود ولا تصدق بسرعة أول ما تقع عليه عيناها ! أو أنني هكذا أفهم
جزاه الله خيرا , ورفعه المكان الذي يستحق في لسان الصدق وإسباغ النعم دوما …
وفق الله الجميع ياا رب

Last edited 3 شهور by Elvenheart - مدير الإشراف
Elvenheart - مدير الإشراف
Elvenheart - مدير الإشراف
3 شهور

أهلا عزيزي عبد الله , بالطبع سيكون هناك فيديو , كما تشاء وكما تحب وكما يحب الجميع
نعم الأخ ونعم الرفيق ونعم الشخص الذي يساند أنت
في حفظ الله ورعايته أخي

أسماء - مديرة التحرير والنشر والإشراف بقسم الادب
الادارة
أسماء - مديرة التحرير والنشر والإشراف بقسم الادب
3 شهور

نص اخاذ، لا يكتفي بسرد حكاية بل يفتح ابوابا كاملة على الشعور والتاريخ والانسان. التنقل بين باريس الحية وظلال الثورة، وبين الواقع والخيال، جاء بانسياب مدهش يجعل القارئ اسير كل سطر. اكثر ما يميزه هو قدرته على ملامسة فكرة الحب والتضحية بعمق صادق، دون ادعاء او مبالغة. عمل ناضج، يثبت ان بعض الكتابات لا تقرأ فقط… بل تعاش وتحس، وتبقى عالقة في الداخل كانها جزء من ذاكرة لم نعشها، لكنها اصبحت لنا..
أشكر المدير عبد الله المغيصيب والمشرفة أزيز على جهودهما المبذولة على هذا المقال الغني بالمعلومات الدسمة، انها لبادرة طيبة منكما في إهدائه للسيد إياد، هدية ممتازة😊

روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
كاتب
روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
3 شهور

بجد القصة دي خدتني حتة تانية خالص 😍
فكرة الحب والتضحية خلتني أفكر بجد… هو ممكن حد يعمل كده فعلًا؟
والسرد كان مشدود جدًا ومخليني مكملة من غير ما أحس بالوقت😍
والنهاية بصراحة عملتلي صدمة حلوة ✨
عاش جدًا على الإبداع ده 👏🤍

زر الذهاب إلى الأعلى