البداية الفارغة

في المساء , و آلية أمر يتفاوت تقديره من شخص لآخر , وقفت أمام الباب الزجاجي الكبير الذي يفصل الرصيف عن المطار. يدي اليسرى تمسك بالتذكرة، ويدي اليمنى بحقيبة الظهر التي مارست ما تستطيع من ألاعيب لتصبح أثقل اليوم.
سوف أفشي سرا الآن , فأنا الواقع في حب أبواب المطار الزجاجية لكونها تسهل العبور بلا سؤال. البشر في معظمهم لا يسهلون العبور بهذه الطريقة. البشر يريدون أن يعرفوا وهذه رغبة مشروعة في أغلب الأحوال ومرهقة في بعضها. وهذا المساء كان من الأحوال الثانية.
وقفت لحظة قبل أن يفتح. شيء ما في داخلي أراد التوقف لا التراجع، فقد تجاوزت التراجع بثلاثة أيام حين اشتريت التذكرة وبدأت بحزم الحقيبة. أعنني أردت حقا استحداث ذلك الفعل الصغير الذي تفعله قبل كل شيء كبير: نفس واحد، أو نظرة إلى الخلف، كأن الجسد يريد أن يسجل المكان قبل مغادرته.
نظرت إلى الخلف …الشارع كان عاديا. سيارات وأرصفة وإضاءة بلدية صفراء اللون تحول كل شيء إلى درجة من درجات الخريف حتى في غير موسمه. شخص يمشي كلبه. امرأة تحمل أكياس تسوق في يدين متعبتين. رجل ينظر إلى هاتفه وهو يمشي بالثقة العمياء لمن يعرف طريقه. لا شيء يستوقف. لا شيء يقول: ابق. وهذا بالضبط هو السبب الذي جعل المشي نحو الباب أسهل مما توقعت.
أما عن هذه الحقيبة , فهي حقيبة رجل لا يعرف متى سيعود. فيها قميصان وكتاب واحد لم يقرأه بعد وكتاب آخر قرأه أكثر مما يجب، وصورة طويتها في الجيب الداخلي حين قرر ألا يحملها ثم أعاد تطييها حين أدرك أنه لا يستطيع تركها , الصورة هي الشيء الوحيد في الحقيبة الذي لا يثبت عني شيئا ولا ينفيه. القميصان يثبتان أنني أعتزم البقاء ليلة أو ليلتين على الأقل. لكن الصورة لا تنتمي إلى المنطق. تنتمي إلى شيء آخر لا أعرف اسمه بالضبط
بينما داخل المحطة، كان الضجيج من النوع المحايد الذي لا يخصك ولا يتجاهلك كصوت نهر لا تقف بجانبه. الناس يمشون بالسرعة التي تمشيها الناس حين يعلمون إلى أين يذهبون. وكنت أنا أمشي بالسرعة التي يمشيها من يعرف فحسب أنه يجب أن يكون في مكان ما قبل أن ينطلق شيء ما. ثمة فرق بين الحالتين لا أعرف كيف أصفه بدقة، لكنه موجود.
المطارات في العموم أماكن تريحني. ليس لأنني أحب السفر بالضرورة، بل لأن المحطات أماكن لا يتوقع أحد منك أن تكون شيئا محددا. في المحطة أنت مسافر وهذا يكفي. لا أحد يسألك عن عملك أو حياتك أو ما الذي تفعله في نهاية الأسبوع. الهوية في المحطة اختزلت إلى أبسط صورها: جسد ينتظر وسيلة نقل. وهذا الاختزال مريح في بعض الأيام.
جلست على كرسي بلاستيكي أزرق في آخر الصف. الكراسي البلاستيكية في المحطات لها نوع خاص من القسوة المبررة النابعة عن وظيفتها : ليست لراحتك بل لإبقائك صاحيا حتى يأتي وقت طيرانك. وهذا نوع من الحكمة لا تتوقع أن تجدها في قطعة بلاستيك.
أخرجت التذكرة لأقرأها مرة أخرى كأنني أتوقع أن تكون قد تغيرت منذ المرة الأولى التي قرأتها. لم تتغير. مكتوب فيها اسمي – محمد – ومكتوب فيها وجهة لم أتعود بعد على رؤيتها مكتوبة بهذا الوضوح. وفي أسفل الورقة، بخط اليد الذي لا أعرفه: “إلى السيد محمد ( بضم الميم الاولى )، نتأمل منك المشاركة في هذه الرحلة نحو المجهول.”
ومن تحت هذه العبارة، رسم صغير لمخطط الرحلة — محطات وأرقام ومسافات — إلا أن المحطات كانت جميعها فارغة. لا أسماء. مجرد نقاط على خط مستقيم.
حين وجدت هذه الورقة في البريد قبل ثلاثة أيام، أمضيت ساعة كاملة أنظر إليها وأقلبها وأشمها — نعم أشمها، كأن الورق يمكن أن يخبرك من أين أتى إن ضغطت عليه بما يكفي. الورق لا يخبر بطبيعة الحال. لكن الشم فعل أقدم من التفكير، وحين يعجز التفكير يتقدم الفعل الأقدم.
لم أصل إلى شيء. لا اسم مرسل، لا عنوان عودة، لا ختم بريد واضح. المغلف نفسه كان أبيض ناصعا بطريقة تبدو متعمدة , كأن الرسالة انتقلت من مكانها إلى صندوق بريدي في فراغ تام، دون أن تمر بأيد أو هواء أو وقت.
ومع ذلك فعلت ما طلب مني. اشتريت تذكرة المطار الليلي وحزمت الحقيبة التي لا تعرف متى تعود وجلست في المحطة أنتظر.
—-
قبل أن أخبرك عن الطائرة، يجب أن أخبرك عن فريد , فريد هو ال ….. أو لا , في الواقع، قبل أن أخبرك عن فريد ، يجب أن أخبرك كيف أن الأشياء لا تبدأ من حيث تبدأ. فريد لم يكن أول شيء في تلك الليلة ولا آخرها. فريد أمر قائم بذاته، كالطقس تماما , لا تستطيع أن تقول إن المطر جاء بسببك، ولكنك حين تمشي فيه تشعر أنه يعرفك بطريقة شخصية.
فريد درس الفلسفة في جامعة ما ثم فعل بها ما يفعله كل من يدرسها في الجامعات الفلسطينية: استخدمها أداة لتسمية الأشياء التي لا اسم لها، وأداة ثانية لرفض التسميات حين تصبح أثقل مما يجب. الفلسفة ليست ترفا أكاديميا , فهي ما يبقى حين تذهب الضروريات. حين لا تستطيع أن تضمن الماء ساعتين متواصلتين، فإن السؤال عن معنى الوجود الذي يصبح أكثر تناقضا يمسي أكثر إلحاحا لا أقل.
قال لي فريد مرة في المطبخ الصغير في شقة نابلس التي لم يكن أي منا يدفع إيجارها بانتظام و بينما يصنع القهوة بتلك الطريقة البطيئة المقصودة التي تقول إن القهوة ليست حاجة بل طقس: “محمد، المشكلة في الوصف أنك حين تصف شيئا وصفا كاملا فأنت تقتله. المعنى يحتاج فراغا كي يتنفس.”
“وإن لم تصفه؟” قلت له.
“يعيش ولكنك لا تقدر على احتماله “
فكرت في هذا وقتا طويلا. لا أزال أفكر فيه. المعضلة التي وصفها فريد بين فنجاني قهوة ليست معضلة فلسفية فحسب هي معضلتي الشخصية مع كل شيء أهمني. أصف الشيء فأقتله. أتركه غير موصوف فلا أحتمله. والمسافة بين الاثنين هي المكان الذي أعيش فيه معظم الوقت.
حين أخبرت فريد بالورقة الغريبة واتصلت به لأخبره لأن فريد ” الفريد ” من النوع الذي يجب إخباره بالأشياء الغريبة لسببية تعامله معها دون الدهشة المزيفة التي يقدمها العديد ودون الرفض المتسرع الذي يقدمه آخرون , قال: “هذا شيء سيدمرك أو ينجيك وفي الحالتين مثير للاهتمام.”
“وأنت أيهما تتمنى؟”
فكر. هذه ميزته الكبرى: يفكر فعلا قبل أن يجيب، وهذا نادر بما يكفي لأن يلاحظ. قال: “النجاة أكثر إملالا على المدى البعيد.”
لم أسأله إن كان يمازح لأنني كنت متأكدا أنه لم يكن.
—–
انطلقن الطائرة في الوقت المحدد.
جلست في مقعدي رقم ثلاثة عشر. النافذة على يساري كانت تعكس وجهي بدلا من أن تريني الخارج , فالخارج كان لا يزال ظلاما، ليل السماء يختلف عن ليل الشوارع، ظلام منظم فيه أضواء في أماكن محددة. وبين تلك الأضواء كان وجهي الوجه الأثبت في المشهد.
الوجه في الزجاج لا يتحرك حين تتحرك الأشياء من خلفه , أقصد يجعله يبدو ثابتا بشكل غريب , وجه واحد في وسط كل هذا التحرك. أحيانا أسأل نفسي: هل أنا من يتحرك أم أن العالم من يمر؟ والجواب الفيزيائي الدقيق هو أن الاثنين في حركة والمرجع هو ما يحدد من يمشي ومن يقف. وأنا في تلك الطائرة لم أكن أعرف ما هو مرجعي.
في المقعد أمامي، رجل يناهز السبعين يحمل كيسا أخضر داكنا مرقعا بقماش مختلف اللون على كتف واحدة، كأنه أصلح بدلا من أن يستبدل. كان يتطلع من النافذة بالهدوء الذي يمتلكه من أدركوا أن النظر من النوافذ ليس نشاطا بل حالة. لم يلتفت حين جلست. ولم يقل شيئا. وأنا أيضا لم أقل شيئا.
في المقعد الأيمن من الممر، اثنان في مقتبل العمر يتجادلان بصوت يكفي لأن تسمعه دون أن تحاول. الموضوع: أي جانب من نافذة المطار يعطي المنظر النجمي الأفضل. الفتى يؤكد أن اليسار يتيح رؤية الصفيح كاملا. الفتاة تقول إن اليمين يعطيك الغيوم، والغيوم أهم من الصفيح . قبل أن يتفقنا في الناهية على أن الأفضل هو الجلوس في المنتصف. وهذا حل منطقي جدا لمشكلة لم تكن مشكلة في الأصل. بعض الناس لا يحتاجون مشكلة حقيقية ليجدوا حلا جميلا، وهؤلاء عادة هم الأسعد.
أغمضت عيني. قليلا , لا رغبة مني في مطاوعة النعس , بل لأن هناك لحظات يكون فيها النظر أكثر إرهاقا من عدمه. حين تنظر كثيرا إلى الأشياء من حولك تبدأ في رؤية نفسك في كل منها — الرجل الصامت وكيسه، والاثنان وجدالهما الجميل. وهذا النوع من الرؤية مرهق حين تكون نفسك شيئا لم تسوه بعد.
——
في منتصف الليل، دخل رجل في حدود الخمسين، يلبس قميصا أبيض زره العلوي مفتوح ” طواعية ” و بالطريقة التي يفتح بها الناس الأزرار العليا في اللحظات التي يقررون فيها أنهم أنهوا اليوم الرسمي وبدأوا اليوم الحقيقي. يحمل حقيبة جلدية تبدو أقدم من أصحابها الكثيرين , حيث يظهر كملمس داكن فيه خدوش صغيرة تعطيها طابع الأشياء التي أستخدمت فعلا.
وقف لحظة ينظر إلى المقاعد بالهدوء الذي يكون لمن اعتاد على الدخول إلى أماكن لا يعرف فيها مسبقا ما ينتظره. ثم نظر إلي.
“معذرة.”
“تفضل.”
جلس. فتح حقيبته. أخرج منها ورقة وقلم رصاص.في تلك النظرة الثانية التي أعطاني إياها كان شيء يشبه التعرف , ليس التعرف الشخصي الذي يقول “أعرفك من قبل” بل التعرف الأعمق الذي يقول “أعرف نوعك”.
“أنت تبدو كمن يفكر في شيء لا يريد أن يفكر فيه.”
“أغلب الناس هكذا.”
“نعم، ولكن ليسوا جميعا يصرون على البقاء مستيقظين لأجله.”
لم أجب. وهو لم يلح. أخذ يكتب على ورقته بذلك القلم، كتابة صغيرة تنتهي سطرا وتبدأ سطرا دون توقف واضح. الرجل الكاتب لم يكن يكتب لأحد , كان يكتب لأن ثمة أشياء لا تستريح إلا حين تكتب. وأنا عرفت هذا الشعور.
عن فريد.
فريد لا يطرق الأبواب.
هذا أول شيء يجب أن تعرفه عنه: فريد لا يطرق الأبواب وليس وقاحة منه , وهذا تمييز مهم يجب أن يقال صراحة لأن الوقاحة ومن لا يطرق الأبواب يتشابهان في الشكل يختلفان في الجوهر. الوقاحة تقول: أنا لا أحتاج إذنك. وعدم الطرق عند فريد يقول: الاستئذان شكل من أشكال التصنع في العلاقات التي تجاوزت مرحلة الاستئذان.
فتح الستار ودخل كما يدخل الهواء: من غير استئذان ومن غير ضجة. ووجد نفسه في منطقتي في ساعة بعد منتصف الليل، حاملا حقيبته الجلدية القديمة، ينظر إلى المقعد المقابل.
“المقعد فارغ؟”
“واضح.”
“لا أقصد فيزيائيا.”
هذه الجملة هي فريد في جملة واحدة. يعتقد أن أغلب الأسئلة التي يطرحها الناس على بعضهم ليست عن الأشياء الظاهرة بل عن الأشياء التي تحتها. “هل أنت بخير؟” ليست سؤالا عن الصحة. كل سؤال يحمل سؤالا آخر تحته، وإن أجبت على الظاهر فقط فأنت لم تجب أصلا.
فهمت ما يقصده. وهذا في حد ذاته مشكلة , أن تفهم فريد بسرعة يعني أنك قضيت وقتا في صحبته أو في صحبة ما قاله. الناس الذين يفهمونك بسرعة إما أنهم يشبهونك أو أنهم يحملون نفس الأسئلة. و فريد لا يشبهني كثيرا , لكننا نحمل أسئلة من نفس الفصيلة.
“اجلس.”
فجلس.
وضع حقيبته الجلدية بين قدميه بالطريقة التي يضع بها الناس الأشياء التي يعرفون أنها لن تسرق لأن لا أحد غيرهم يعرف قيمتها. الحقيبة قديمة وجلدها فيه شقوق صغيرة تسير بالتوازي كالأنهار على خريطة. أحببت هذه الحقيبة فورا ,بالطريقة التي تحب بها الأشياء التي تحمل أثر استخدامها بصدق ولا تحاول إخفاءه.
أخرج من جيبه أوراقا مطوية ووضعها على الطاولة الصغيرة ولم يفتحها. هذا أيضا فريدي — يضع الأشياء أمامك ولا يعجل في فتحها. يتيح للحضور أن يكون حضورا قبل أن يفسر.
“كنت أتساءل إن كنت ستركب هذه الطائرة .”
“لماذا كنت تتساءل؟”
“لأن التذكرة التي وصلتك وصلتني أنا أيضا.”
—-
فريد سعيد. خمس وأربعون سنة. ولد في نابلس في حي تتراص فيه البيوت فوق بعضها كالكتب في مكتبة ضيقة — كل بيت يستند على الذي تحته ويحمل الذي فوقه. هذه العمارة الجبلية تعلم سكانها شيئا عن الاتكاء والحمل دون أن تسميه.
أبوه كان يعمل في الحجارة. نجار الأبواب , وهذا التمييز ضروري لمن يفهم: نجار الأثاث يصنع الأشياء التي تعيش داخل البيت، أما نجار الأبواب فيصنع الحد الفاصل بين الداخل والخارج. وهذا الفاصل , أي هذه العتبة هي من أكثر الأشياء فلسفة في أي بيت. كان الأب يقول: “الباب يجب أن يعطي لمن يدخل الشعور بأنه مرحب به. وأن يعطي لمن يخرج الشعور بأنه يستطيع العودة.”
قال لي فريد ذات مرة وهو يتذكر أباه: “طوال عمري أفكر في هذا التعريف. باب يفعل هذين معا هو باب ناجح.”
درس فريد الفلسفة في جامعة ما. أربع سنوات في الجامعة التي تجلس على تلة تطل على مشاهد تستطيع فيها — إن وقفت في الزاوية الصحيحة وكان الهواء صافيا — أن ترى ما يجب أن تراه من أن هذه الأرض تحمل أكثر مما يحمله اسمها.
دراسة الفلسفة لم تكن دراسة عادية. فيها الفلسفة تدرس على مقربة من الحاجز , وهذا يغير المعنى تغييرا جذريا. حين تقرأ عن المسؤولية الأخلاقية وأنت تعرف أن عبورك للمحطة التالية في حياتك يحتاج إذنا من جهة لم تسهم في تأسيس قواعد إذنها، فإن المسؤولية الأخلاقية تصبح أقل نظرية وأكثر جسدا.
تخرج فريد ثم صار يعلم. وتحدث دائما عن الفلسفة كأداة لتسمية الأشياء التي لا اسم لها، ولرفض التسميات حين تصبح أثقل مما يجب. هذان استخدامان عمليان تماما في مجتمع تسمى فيه الأشياء أحيانا لحذفها ولا تسمى أحيانا لأن التسمية خطر.
—-
فتح الأوراق المطوية التي وضعها على الطاولة.
رأيت نفس الورقة التي أعرفها , نفس الطباعة الرقيقة ونفس الرسم الصغير بمحطات فارغة. لكن الكلمات المكتوبة بخط اليد كانت مختلفة. قرأت: “إلى السيد فريد، نتأمل منك المشاركة في هذه الرحلة، فثمة ذنب لا تعرف أنك تحمله.”
قرأتها مرتين. ثم نظرت إليه.
“نعم. ذنب لا أعرف أنني أحمله.” قال فريد.
“وهذا ما يزعجك.”
“هذا ما أرقني ليلتين. لأنني أعرف ذنوبي , أحصيها بدقة مضنية كما يعرف الجراح الجروح التي فتحها. ولكن أن يكون ثمة ذنب لا أعرفه , هذا يعني إما أنني لا أحاسب نفسي بما يكفي، وإما أن ثمة عمى في جزء من ذاتي لا أستطيع رؤيته. وكلا الاحتمالين مقلق.”
“وأنت تصدق من أرسل هذه التذكرة؟”
“لا أصدق بالمعنى الساذج. ولكنني أصدق أن من يكتب هذا يعرف شيئا لا أعرفه عن نفسي. وهذا وحده كاف لأن أجيء.”
“أو أنه نصاب ذكي.”
“النصاب الذكي والحكيم الحقيقي يقولان نفس الشيء في كثير من الأحيان. الفرق ليس في الكلام بل في ما يفعله الكلام بك. الحكيم يفتح أبوابا. النصاب يغلقها بعد أن يأخذ ما يريد.”
“وهذه الرحلة ستفتح أم تغلق؟”
“لا أعرف بعد. ولهذا أنا هنا.”
—–
بعد صمت طويل امتلأ بصوت الطائرة وبعيدان الليل من النافذة، قال فريد شيئا لم يكن في سياق ما سبق. قاله كمن يخرج شيئا ظل يحمله وحده:
“طالب اسمه إياد. كنت أدرس في السنة الثالثة. فتى من نابلس أيضا، من حي مجاور لحي طفولتي. وهذا الجوار الجغرافي أحيانا يجعلك أكثر قسوة مع من يشبهون ظروفك، لأنك تعرف أن المعاذير التي يقدمونها معاذير استخدمتها أنت أيضا.”
“وإياد؟”
“إياد كان موهوبا بطريقة تزعجك لأنها تتجاوز ما تستطيع توجيهه. موهبة لا تلجم بل تحتاج مساحة تصنع فيها طريقها. ذات مرة كتب مقالا عن ما سماه فلسفة المكان الجريح , كيف أن الأمكنة التي عاشت صدمة لا تعود كما كانت، وكيف أن الناس الذين ينتمون لهذه الأمكنة يحملون الصدمة في تكوينهم الوجودي لا كذاكرة بل كبنية. المقال كان استثنائيا.”
“وأعطيته؟”
قال ببطء، بالبطء الذي يكون حين تقول شيئا تعرف أنك أخطأت فيه وتريد أن تقره بصدق لا بتبرير: “أعطيته علامة جيدة. ليست ممتازة. قلت لنفسي إنني أحميه من الثقة المبكرة. لكنني في القرارة — كنت أخشى أن تتجاوز موهبته مشروعيته كمرجع له. لم يكن في جعبتي ما أضيفه على مقاله. ولم أستطع أن أقول له: هنا يمكن التعمق أكثر لأنه كان أعمق مني في هذا الموضوع بالذات. وهذا الشعور , شعور الأستاذ حين يقرأ طالبا يجاوزه ,هذا الشعور لا أستطيع تسميته في وقته.”
“وإياد؟ ماذا حدث له؟”
“بعد عام ترك الجامعة. ذهب إلى عمل. لم أعرف أين ولم أبحث. لم أبحث لأن البحث كان سيثبت شيئا أفضل أن لا يثبت.”
“ربما ترك لأسباب لا علاقة لها بعلامتك.”
“ربما. وهذا لا يريحني. لأنني لا أعرف. وعدم المعرفة لا يبرئ , هو فقط يبقي الذنب معلقا دون حكم نهائي. وهذا أشد وطأة من الإدانة أحيانا.”
—-
سألت فريد في منتصف حديث آخر: “وأنت، هل حاولت مرة الهرب من هنا؟”
فكر. ثم قال: “كان قرارا شبه نهائي. كانت هناك فرصة للعمل خارج فلسطين , تدريس في جامعة في الأردن، ثم ربما بعدها في مكان أبعد. وكنت قريبا من القول نعم.”
“وماذا أوقفك؟”
قال: “صديق جلست معه على شرفة وقال لي: يا فريد، أنت تفكر في الهرب. لم يقلها كاتهام , قالها كمن يشخص حالة. ومن طريقة قوله عرفت أنه كان محقا. وسألت نفسي: ماذا سأحمل معي لو ذهبت؟”
“وماذا وجدت؟”
“وجدت أنني سأحمل نفس الأسئلة. الهرب الجغرافي لا يبدل الأسئلة الداخلية. تذهب إلى عمان أو القاهرة أو لندن وتجد نفس الشيء في المرآة في الصباح. ربما مرتاحا أكثر في بعض الأشياء الصغيرة. لكن السؤال الكبير , لماذا أنا هنا وما الذي أريد فعله بهذا الوجود , ذلك السؤال لا تجيب عليه بتغيير العنوان.”
“إذن بقيت.”
“بقيت. ولكن البقاء وحده ليس شجاعة. البقاء يصبح شجاعة فقط حين يكون اختيارا واضح العيون لا إقامة بالتخدير. وأنا أظن هذا ما جئت لأعرفه , أي البقاءين هو.”
—–
قبل أن يرقد فريد , وهو الذي يمتلك موهبة خاصة في النوم لرجل يحمل هذا الثقل، قبل ذلك قال شيئا أضافه كشيء قرر قوله في اللحظة الأخيرة:
“محمد. أريد أن أسألك شيئا.”
“إسأل.”
“ما الذي تتأكد دائما من تركه وراءك حين تغادر مكانا؟”
الجملة وقفت في الهواء. فكرت. فكرت فعلا، بالجدية التي تستحقها. فتشت في الذاكرة عن نمط، عن شيء اتركه دائما. المفاتيح؟ لا. الكتب؟ أحيانا. الكلمات؟
“لا شيء. أنا أحمل كل شيء معي.”
قال بهدوء، بالهدوء الذي يكون حين يؤكد ظن لا حين يفاجأ: “هذه هي المشكلة.”
ثم أغمض عينيه. ولم يضف شيئا. وبعد دقائق قليلة كان نائما , بذات الطريقة الإرادية التي وصفتها.
وأنا لم أنم. جلست مع جملته. “لا شيء. أنا أحمل كل شيء معي.” ما الذي يعنيه أن تحمل كل شيء؟ يعني أن لا شيء يترك. لا شيء يودع. لا شيء يقال له: أنت لن تأتي معي في هذه الرحلة. الإنسان الذي يحمل كل شيء إنسان ثقيل الحقيبة , حرفيا ومجازا في آن واحد.
حقيبتي ثقيلة. كانت ثقيلة منذ البداية. ووقفت أمام الباب الزجاجي وحملتها بيد واحدة وفكرت: لماذا لا تعرف كيف تكون خفيفة؟
الجواب كان أمامي طوال الوقت. لأنني لم أتعلم ما يجب تركه.
عن ليلى
ليلى ليست في هذه الطائرة.
هذه الجملة يجب أن تقال في البداية لأن الذاكرة لها طريقة في إحضار الناس إلى الأماكن التي لم يكونوا فيها، وتجعلك تحلف بعدها أنك رأيتهم هناك رأي العين. الذاكرة لا تكذب بالمعنى الأخلاقي , لطالما استطاعت إعادة الترتيب فحسب، تضع الناس في المشاهد التي تريدها.
ليلى ليست في هذه الطائرة لكنها موجودة بكل الطرق الأخرى. في الكيفية التي أنظر بها من النافذة بتلك الانتقائية التي تبحث عن الأماكن التي تشبه ما وصفته. في الجانب الذي أختار فيه الجلوس , أي اليسار دائما، لأنها قالت مرة إن اليسار يعطيك السفح كاملا. في الطريقة التي أصمت بها حين يتكلم فريد عن الهرب كأنني أدرك أنه يتكلم عنها أيضا دون أن يعرف.
ليلى موجودة في الطائرة بالطريقة التي يكون بها الغائب أشد حضورا من الحاضر. الحاضر يملأ المكان بوجوده فيشعرك أنك لا تحتاج أن تفكر فيه. أما الغائب فيخلي المكان لكنه لا يخلي الرأس , يبقى هناك بكل ثقله لأن الجسد غائب والذاكرة مزدحمة.
أول مرة رأيت ليلى كانت في ندوة أدبية في رام الله.
الندوات الأدبية في رام الله لها طابع خاص يصعب وصفه لمن لم يحضرها. ليست الصالونات الباريسية ولا المؤتمرات الأكاديمية البعيدة عن الحياة. هي شيء بينهما وبين الشارع , أناس يجتمعون في مكان أصغر من اللازم، يشربون قهوة أعدت في عجلة، ويتحدثون عن الأدب وهم يعرفون أن الأدب في هذه الحالة لا يفصل عن كل شيء آخر. عن السياسة وعن الذاكرة وعن السؤال الذي يكون تحت كل سؤال: كيف نعبر عن هذا؟ كيف تكتب حياة هكذا؟
كانت تجلس في الصف الثالث، على يسار الممر الوسطي. لاحظتها لأنها كانت تكتب , وكتابتها كانت مختلفة. لم تكن تكتب ملاحظات عما يقال بقدر ما كانت تكتب بسرعة تنبع من الداخل، بسرعة من يسابق فكرة قبل أن تهرب. ومن حين لآخر كانت تتوقف وتنظر إلى نقطة بين الشاعر الذي يتكلم وورقتها , نقطة لا شيء فيها، مكان في الهواء يبدو أن لديها فيه شيء تراه لا تراه أنت.
في الاستراحة وقفنا بجانب بعضنا عند طاولة القهوة دونما أي تخطيط مسبق.
قالت , ولم تنظر إلي حين قالت حيث كانت تضيف السكر بتركيز يفوق ما تستحقه العملية: “الشاعر يتعمد الغموض.”
“ربما الغموض هو ما يبقى حين تنتهي الكلمات.”
نظرت إلي آنئذ. نظرة كالمسطرة , تقيس لا تقيم. نظرة فيها ذلك الاهتمام الذي يأتي بلا مجاملة، بلا الابتسامة المسبقة التي يقدمها الناس حين يريدون تشجيع من يتكلم.
“أو ربما هو يخاف.”
“الشعراء يخافون كثيرا.”
“كل الناس يخافون كثيرا. الشعراء فقط يستطيعون بناء بيت من خوفهم والعيش فيه. هذا ليس مدحا ولا ذما. هو وصف.”
توقفت عن إضافة السكر. نظرت إلى الفنجان ثم إلي. كان في نظرتها شيء يشبه القرار بمواصلة الحديث أو بإنهائه. اختارت المواصلة.
“وأنت؟ هل تخاف؟”
“من ماذا تسألين؟”
“بشكل عام.”
“أخاف من الأشياء التي لا اسم لها.”
“هذا وصف كثيف للغاية لنافلة الكلام عند طاولة قهوة.”
“أنت من بدأت.”
وابتسمت هي أيضا , لأول مرة منذ أن لاحظتها في الصف الثالث.
—–
بعد الندوة، وجدتها على الرصيف خارج المبنى تنتظر.
“أنا محمد.”
“ليلى” ثم وضعت الهاتف في جيبها.
“أنت من غزة؟”
“الضفة الآن. ولكن من الغزة أصلا.”
أومأت. كأن هذا يفسر شيئا لم أقله. اللهجة. طريقة وضع الكلمات. شيء في النبرة يختلف بحسب الجغرافيا التي نشأت فيها.
“وأنت؟”
“الناصرة.”
قالت هذا ببساطة لكنها بساطة تحمل وعيا تاما بكل ما تعنيه الجملة في هذا السياق. “الناصرة” ليست مجرد اسم مدينة , هي تحديد لموقع في خريطة معقدة جدا. وثيقة سفر مختلفة وهوية بيد مختلفة وقدرة على العبور من حواجز لا أعبرها وعجز عن العبور من حواجز أعبرها.
وقفنا لحظة في صمت يستوعب هذا كله.
“سيارتي جاءت.”
“في أمان الله.”
“أنت أيضا.” ومشت.
ولم أكن أعرف وقتها أن هذا اللقاء الأول سيصبح المرجع الذي أقيس عليه كل لقاء بعده.
—-
ليلى من الناصرة ولدت هناك ودرست في حيفا وتعمل مترجمة أدبية بين العربية والعبرية. هذه المهنة التي تبدو على الورق جسرا هي في الواقع أشد المهن وحدة ,وأنا لم أدرك هذا حتى شرحته لي بالصبر الذي تشرح به الأشياء التي تعيشها يوميا.
قالت: “التعامل مع ترجمة الأدب لا يشبه الترجمة الوظيفية. حين تترجم تقريرا أو عقدا أنت تعيد صياغة معلومات والمعلومة ذاتها لا تتغير. لكن حين تترجم رواية أو قصيدة فأنت تترجم طريقة عيش وطريقة حلم وطريقة خوف. وهذه لا تترجم , تعاش في اللغة الأخرى.”
“وأنت تعيشينها؟”
“أحاول. وفي المحاولة تضيع أشياء دائما. كل ترجمة خيانة صغيرة.”
“خيانة للكاتب؟”
“للغة. للروح التي في الأصل. حين أترجم كاتبا يكتب عن أرض معينة وسماء معينة ورائحة معينة , اللغة التي أترجم إليها لا تعرف تلك الأرض ولا تلك السماء. وحينها كل ما أستطيع فعله هو الاقتراب. وأحمل على عاتقي كل مسافة الاقتراب.”
وهذا التمييز بين الإرهاق والمسؤولية هو مفتاح لفهم ليلى . هي لا تمانع الثقل. تمانع الثقل الذي لا معنى له.
ليلى التي تعيش في مكان بين مكانين. ليس مجازا بل حرفيا. تعبر يوميا بين عوالم لغوية مختلفة، بين هويات لا تتطابق، بين توقعات متعارضة. العالم العربي يتوقع منها شيئا. العالم الإسرائيلي يتوقع شيئا مختلفا. وبين التوقعين تجلس ليلى وتعرف أنها لن ترضي أحدا تماما , وهذا قرار اتخذته مبكرا: ألا تحاول إرضاء التوقعات بل أن تكون ما هي.
قالت لي في لقائنا الرابع: “أشعر أحيانا أنني مترجمة لنفسي. وفي كل ترجمة يضيع شيء.”
“ما الذي يضيع؟”
فكرت. قالت: “النبرة. دائما النبرة. أنا أعرف كيف أتكلم في كل سياق. لكن النبرة التي أقول بها نفس الكلام تختلف. وأنا أعرف النبرة الأصل تلك التي ولدت بها , وأعرف أن بعض الناس لا يسمعونها.”
“وأنا؟ هل تسمعين نبرتك الأصل معي؟”
نظرت إلي. ابتسمت بتلك الابتسامة التي لا تعطيك إجابة كاملة. قالت: “أكثر من معظم الناس.”
وهذا كان أحد أحلى الأشياء التي قيلت لي في حياتي. ليس لأنه مدح بل لأنه صادق.
—-
ليلى وأنا. وهذا التعبير “ليلى وأنا” يستحق وقفة. حين تقرن اسمين بواو العطف تنشئ كيانا جديدا. ليس ليلى وليس أنا بل شيء ثالث يتشكل في المسافة بين الاسمين.
ذلك الشيء الثالث لم يكن له اسم واضح. لم نكن زوجين حيث الظروف لم تتح ذلك بسهولة. ولم نكن مجرد معارف حيث المعارف لا يتأثرون هكذا بغياب بعضهم. كنا ذلك الشيء الثالث الذي تعرفه ليلى أحسن من أي شخص آخر . الشيء الذي لا اسم له في كثير من اللغات.
“بيننا شيء” وهذا التعبير الفلسطيني البسيط يحمل عمقا لا تحمله ترجمته. الشيء الذي بين شخصين ليس ملكا لأي منهما. هو في الفضاء الذي يصنعانه معا. وحين يبتعد أحدهما فإن الشيء لا يقسم بل يعلق. يظل في ذلك الفضاء ينتظر.
كنا نلتقي حين يتيح الحاجز ذلك. وهذه الجملة تحتوي على حياة كاملة لمن يعيشها. لقاؤنا كان مشروطا بقرار يتخذه موظف لا يعرف اسمينا ولا يعرف أن ثمة شيئا يجمعنا. في يوم يقول: يمكنهم العبور. وفي يوم آخر يقول: لا يمكنهم. ونحن نعيد تنظيم حياتنا ومواعيدنا وتوقعاتنا بناء على ذلك.
قالت لي مرة: ” محمد. نحن علاقة حقيقية في ظروف مستحيلة. هذا لا يجعلنا استثناء. هذا يجعلنا نحن.”
هذه الجملة وقفت في طويلا. ولا تزال واقفة. لأن الظروف المستحيلة ليست استثناءبل هي الشرط العادي. الحياة كاملة في الظروف المستحيلة، والحب كامل فيها، والأشياء الجميلة كاملة فيها. المستحيل جزء من الطبيعي وليس نقيضه.
ليلة السبت
ليلة السبت لم تكن ليلة استثنائية بمظهرها.
أقول هذا لأن الذاكرة لها ميل لأن تضيف إلى اللحظات الكبيرة ما لم يكن فيها أضواء خاصة، أصوات معينة، هواء مختلف النكهة. الذاكرة تزخرف. لكنني أحاول هنا أن أكون أمينا: كان الجو باردا كما يكون في آذار حين يقرر أن يذكرك بأن الربيع لم يصل بعد. والشقة دافئة بالمدفأة الكهربائية التي تصدر صوتا خفيضا كلما عملتصوت مألوف حتى صار جزءا من الصمت لا مقاطعة له. وكان الشاي جاهزا على الطاولة يتصاعد منه البخار بهدوء.
لم يكن في الأمر شيء استثنائي. إلا أن ليلى تصمت بطريقة مختلفة.
وهذا — هذا الصمت المختلف — هو ما يجعل تلك الليلة ليلة بعينها في كل الليالي التي قضيناها معا.
الصمت أنواع. وهذا ليس كلاما فلسفيا مجردا بل ملاحظة عملية يعرفها كل من عاش مع شخص آخر لفترة كافية لأن يميز بين صمتاته.
ثمة الصمت الراضي: الذي يجلس بينك وبين شخص آخر كالوسادة الدافئة. لا يريح فحسب , بل يجسد شيئا إيجابيا. يقول: نحن مرتاحان بما يكفي لأن لا نحتاج ملء الفراغ.
وثمة الصمت المتوازي: الذي يملأه كل منكما بأفكار خاصة لا علاقة لها ببعضها. صمت يحدث في نفس المكان لكنه منفصل , كخطين لا يلتقيان. وهذا ليس سيئا بالضرورة.
وثمة الصمت الانتظاري: الذي تشعر فيه أن شيئا ما على وشك الحدوث وكلاكما يعرف ذلك وكلاكما يتصرف كأنه لا يعرف. هذا الصمت لا يرتاح لأنه مشحون بما لم يقل بعد.
وثمة الصمت الحامل: حين يكون الصمت كيسا مليئا بشيء هش أو ثقيل أو كليهما. يحمل بعناية. لا يوضع بسرعة. صاحبه يعرف أن ما في الكيس سيتغير بمجرد أن يوضع على الطاولة.
صمت ليلى تلك الليلة كان من النوع الأخير. وأنا عرفت ذلك. عرفته بذلك الجزء من الإدراك الذي يعمل قبل العقل و الجزء الذي يلتقط التوترات قبل أن تسمى.
ولم أسأل.
هذا هو الجوهر. وهذا ما يجب أن يقال بوضوح قبل أي شيء آخر , قبل الوصف وقبل التفسير وقبل أي محاولة للتبرير: عرفت أنها تحمل شيئا ولم أسأل , فالخوف الذي يمنع السؤال — وأنا أسميه خوفا لأنه لا اسم أصدق منه — ليس خوفا صريحا. ليس الخوف الذي تعرفه من وجه الخطر المواجه. هو أكثر دهاء من ذلك.
هو الخوف الذي يقول لك بصوت منخفض جدا: إن لم تسأل لن تعرف. وإن لم تعرف سيبقى كل شيء كما هو. وكل شيء كما هو يعني أن ما تخاف خسارته باق. هذا المنطق , وهو منطق يعرف صاحبه في القرارة أنه يعمل لأنه يقدم خيارا مريحا في لحظة تريد فيها الراحة.
جلسنا نشرب الشاي. ليلى تفضل الشاي بالنعناع الطازج بالورقة الكاملة، دائما تتركها تنقع وقتا أطول مما يوصي به أي كتاب عن الشاي. كانت تقول: “الشاي يحتاج وقتا كافيا. الشاي المستعجل مجرد ماء ملون.”
تحدثنا عن أشياء عادية , عن كتاب قرأته هي ووجدت فيه شيئا أثر فيها، خبر في الأحداث رأياه في أوقات مختلفة وتبادلا تعليقا قصيرا عليه. حديث عادي. الحديث الذي يقول: إننا هنا وإن الوقت يسير.
لكنني كنت أحدث نفسي بذلك الصوت الداخلي الذي يعلق على المشهد من خارجه: اسألها. اسألها ماذا في بالها. اسألها لماذا هذا الصمت الذي يتسرب بين الكلمات.
ولم أفعل. مرة بعد مرة، في كل توقف بين جملتين، كنت أؤجل. أقول لنفسي: في الجملة التالية. في فنجان الشاي الثاني. في لحظة أكثر ملاءمة من هذه. والجملة التالية تأتي والفنجان الثاني يأتي واللحظة الأكثر ملاءمة لا تأتي.
في لحظة بعينها — وأنا أتذكرها بدقة غير معتادة لأن الذاكرة تحفظ ما يسبق الأشياء الكبيرة بطريقة مختلفة , رأيت في وجه ليلى ذلك التجمع الذي يسبق الكلام المهم.
الوجه حين يتهيأ للكلام المهم يتغير بطريقة لا توصف بالكلمات تماما لكنها ترى. شيء في العينين يتغير كأن تركيزا ما يعاد توجيهه من الخارج إلى الداخل ثم يعود للخارج بأمانة أكبر. ورقبة تنتصب قليلا. وفم يستعد.
ليلى كانت على هذه الهيئة بالضبط. عيناها كانتا تنظران إلي بذلك التركيز الذي يأتي مع القرار.
وفي تلك اللحظة بالذات , في تلك اللحظة التي أقسم أنني أتذكرها ثانية بثانية … رن هاتفي.
نظرت إلى الشاشة. كانت مكالمة لا تحتمل التأجيل في ذلك الوقت لأسباب لا علاقة لها بهذه الحكاية. قلت لليلى : “لحظة.” قمت. ذهبت إلى الغرفة الأخرى. أغلقت الباب خلفي خلافا لعادتي، أغلقت الباب، كأن جزءا مني أراد فصلا كاملا لا مجرد مسافة.
أجريت المكالمة. لا أتذكر كم استغرقت , في التقدير بضع دقائق، في الإحساس أطول. ثم عدت.
كانت ليلى قد قامت من الأريكة. كانت ترتب الفناجين على الطاولة بتركيز يبدو مفرطا لمهمة بسيطة. من يرتب الفناجين بهذا التركيز لا يفكر في الفناجين.
قالت دون أن تلتفت: “انتهيت؟”
“نعم. آسف.”
“لا شيء.” وابتسمت حين التفتت. ابتسامة حقيقية , ليلى لا تتقن الابتسامة المصطنعة لأنها لا تحاولها أصلا. لكنها كانت ابتسامة وضعت على ما كان في وجهها من قبل، كقطعة توضع فوق شيء آخر ولا تخفيه تماما لمن يعرف كيف ينظر.
جلسنا. وعدنا إلى الحديث العادي. والشيء الذي كانت على وشك قوله بقي حيث كان في ذلك الكيس الحامل، مطويا، ثقيلا، صبورا.
—–
بعد منتصف الليل بقليل، حين كان الصمت قد استقر بيننا بطريقة مريحة ظاهريا , قالت ليلى فجأة:
“محمد. هل تعتقد أن الإنسان يمكن أن يحب شخصين في وقت واحد؟”
توقفت.
السؤال كان واضحا من حيث كلماته ومعقدا من حيث سياقه. سؤال كهذا لا يطرح في منتصف الليل بعد ساعات من الصمت المشحون إلا لسبب. والسبب لا يكون فلسفيا في الغالب.
نظرت إليها. عيناها كانتا تنتظران , بذلك الانتظار الهادئ الذي لا يلح لكنه لا يخفي نفسه. انتظار من يسأل ويريد جوابا حقيقيا لا جوابا مريحا.
كان في يدها فنجان الشاي الذي بات باردا. كانت تمسكه بكلتا يديها , كما تمسك الأشياء حين تحتاج إلى شيء تمسك به.
وبدلا من أن أسألها: لماذا تسألين هذا الآن؟ وبدلا من أن أريح نفسي من الجواب وأقول: أخبريني ما في بالك. بدلا من كل الأشياء التي كان يجب قولها , قلت:
“فلسفيا، نعم. لكن أحد الحبين يكون دائما أقل.”
هذه الجملة.
هذه الجملة بالذات التي أسمعها الآن في هذه الطائرة وأسمع فيها كل ما فعلته بذلك الموقف. جملة فلسفية نظيفة. جملة تجيب على السطح وتتهرب من العمق. جملة تقول: أفهم السؤال وأحوله إلى موضوع نقاش بدلا من أن أسمع ما تحته.
ليلى نظرت إلي لحظة. كان في نظرتها شيء يشبه الخيبة الهادئة , تلك الخيبة التي تسجل ثم تطوى. خيبة من لم يفاجأ.
“نعم. ربما.” قالت. وأعادت نظرها إلى فنجانها.
ما الذي يحدث حين يقفل باب بهدوء؟
لا صوت. لا ضجة. الباب يغلق والمكان يبدو كما كان. الهواء في الغرفة لا يتغير فورا. لكن الباب مغلق. وتلاحظ هذا لاحقا , لا في اللحظة بل حين تحاول الدخول وتجد أن المقبض أثقل مما كان.
ليلى أغلقت بابا تلك الليلة. في اللحظة التي جاء فيها ردي الفلسفي على سؤالها الشخصي , في تلك اللحظة أغلقت بابا كانت قد استغرقت وقتا لفتحه وجاءت تلك الليلة لتدخل منه.
وأنا لم ألاحظ في اللحظة. لاحظت لاحقا , حين توقفت مكالماتها عن البدء بتلك النبرة المفتوحة. حين صارت الأسئلة عن أحوالي أقصر بثانية أو ثانيتين مما كانت. حين توقف بعض الضحك عن كونه ذلك الضحك الذي يفاجئك بأنه جاء من شيء قلته أنت.
تغيرات صغيرة. الصغر الذي يبرر بألف سبب عادي. ولم أسأل. لأن السؤال كان سيجبر الإجابة على الوجود. وأنا لم أكن جاهزا لوجودها.
عن الحديث المشفر
في الطائرة، حين رويت هذا لفريد الذي كان قد استيقظ وأصغى دون أن يعلن، قال:
“أنت عرفت أنها تحمل شيئا ولم تسأل. ولكن هي أيضا لم تقل دون أن تسأل. السؤال لماذا.”
“ربما خافت.”
“من ماذا؟”
“من ردة فعلي. من أن الحقيقة ستغير ما بيننا بطريقة لا تريدها.”
“وأنت؟ لماذا لم تسأل؟”
فكرت. قلت: “لأنني كنت أحمي ما بيننا. أو هكذا أقنعت نفسي. لكن في الحقيقة كنت أحمي نفسي من معرفة أخشاها.”
عن الحديث المشفر
في الطائرة، حين رويت هذا لفريد الذي كان قد استيقظ وأصغى دون أن يعلن، قال:
“أنت عرفت أنها تحمل شيئا ولم تسأل. ولكن هي أيضا لم تقل دون أن تسأل. السؤال لماذا.”
“ربما خافت.”
“من ماذا؟”
“من ردة فعلي. من أن الحقيقة ستغير ما بيننا بطريقة لا تريدها.”
“وأنت؟ لماذا لم تسأل؟”
فكرت. قلت: “لأنني كنت أحمي ما بيننا. أو هكذا أقنعت نفسي. لكن في الحقيقة كنت أحمي نفسي من معرفة أخشاها.”
قال فريد ببطء: “الصمت أحيانا جدار حامي للموحود. تصمت لأنك تحب ولا تريد أن تخاطر. لكن الصمت بدوره يغير هذا الجوهر , اي يصيرها يحولها إلى شيء يبنى على ما لم يقل. والبناء على ما لم يقل بناء هش حتى حين تكون الأسس صادقة.”
“وأنت؟ ذنبك مع إياد هل تشبهه؟”
نظر إلي. قال: “يشبهه في البنية. لا في التفاصيل. أنا أيضا آثرت الصمت , أن أعطي إياد أقل مما يستحق بدلا من أن أقر أنه جاوزني. الصمت كان أسهل من الاعتراف.”
“والاعتراف الآن؟”
فكر طويلا. ثم قال: “الاعتراف الآن لن يعيد إياد. لكنه يغير شيئا في طريقة حملي له. الأشياء المعترف بها أخف من الأشياء المحمولة في الخفاء , حتى حين تكون أثقل في الوزن الحقيقي.”
—-
ما لم تخبرني إياه ليلى في ليلة السبت – وقد آن وقت الاقتراب منه وإن لم يأن وقت كشفه كاملا – ليس كذبا.
وهذا هو ما يصعب تقبله أكثر من أي شيء آخر. لو كان كذبا لكان أسهل. الكذب له منطق يعالجه العقل , من كذب ولماذا وما الضرر. الكذب جريمة لها ضحية وجان. يمكن محاكمته.
لكن ما لم تقله ليلى كان صمتا. وحقيقة مركبة لا تناسب أي خانة جاهزة. وهذا ما يجعله أصعب , لأنه لا يصنف فلا يعالج، ولأن تعقيده الحقيقي يرفض التبسيط الذي يريحك منه.
ليلى كانت تحب بطريقة أوسع من الخط المستقيم الذي يصل شخصا واحدا بشخص واحد. هذا لم تختره كما لا تختار الأنهار مجراها , الماء يسير حيث تسمح له الأرض، والقلب يتحرك حيث يتيح له الإنسان والظرف.
وليلى لم تجد اللغة التي تقول بها هذا دون أن تحوله إلى خيانة. وهو في تقديرها لم يكن خيانة. كان حياة معقدة في ظروف معقدة في مكان معقد. فصمتت. وجاءت تلك الليلة لتكسر الصمت. ولم أتح لها.
الأشياء التي لا تحتمل قبل أوانها لا تختفي حين تؤجل. تنتظر. تكبر في انتظارها. و حين يأتي الآوان يكون الشيء أكبر مما كان حين كان يجب أن يقال.
قلت لفريد في تلك الساعة من الليل التي تكون فيها الأفكار أكثر جرأة: “أنا أعرف الآن ما كانت ستقوله. أو أعرف بعضه. وأعرف أنني لم أكن جاهزا له وقتها.”
“وهل أنت جاهز له الآن؟”
فكرت. قلت: “لا أعرف إن كانت سميته جاهزية. لكنني لم أعد أخاف من معرفته.”
“هذا يكفي.”
“ولكن ليلة السبت مضت.”
قال فريد بهدوء: “الليالي تمضي. لكنها لا تلغي ما كان فيها. وما كان في تلك الليلة , أي القرار الذي كانت ربا تتخذه والباب الذي أغلقته أنت , هذا لا يزال موجودا في مكان ما. لم يتبخر. الأشياء التي لم تقل لا تتبخر — تتحول إلى شيء آخر. والسؤال ليس إن كانت موجودة. السؤال إن كنت مستعدا الآن للتعامل مع ما تحولت إليه.”
جلست مع هذا طويلا في صمت المطار.
ثم قلت: “أريد أن أرى ليلى “
“أعرف.”
“كيف تعرف؟”
“منذ أن بدأت تتحدث عنها كان واضحا. السؤال ليس إن كنت تريد. السؤال هو كيف تذهب إليها بطريقة لا تكرر ما كان. بطريقة تقر فيها بما حدث دون أن تبرره ودون أن تلغيه.”
“بالصدق.”
“الصدق كلمة كبيرة. ما الذي يعنيه عمليا؟”
“يعني أن أقول ما حدث بدون أن أفسره لصالحي. أن أقول: لم أكن حاضرا في اللحظة التي كنت فيها أهم ما كنت تحتاجينه. لأنني كنت أحمي نفسي بدلا من أن أكون حاضرا لك.”
“وبعد قول هذا؟”
“لا أعرف ما بعد. وأوقفت توقعاتي عند هذا الحد.”
قال فريد ببطء: “هذا هو الصدق الكامل. حين لا تعرف ما بعد ولا تدعي معرفته.”
—-
في الساعة التي سبقت الفجر، أخرجت الصورة من الجيب الداخلي.
صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. في الصورة بيت وشجرة وقطعة سماء. لا أحد في الصورة. لكن البيوت والأشجار ملأى بمن عاش فيها ومن زرعها ومن جلس تحتها , الصورة ليست فارغة أبدا.
الصورة ليست لبيتنا. أو هي لبيت كان بيتنا قبل أن أولد وتوقف عن كونه بيتنا. هذا التمييز , قبل أن أولد وتوقف — يحتوي على ثلاثة أجيال وقرار سياسي واحد وحياة كاملة غير مجراها.
من أين أتت هذه الصورة؟ أعطتني إياها جدتي قبل أن تموت وقالت: “احتفظ بها.” لم تقل لماذا. لم تشرح. وأنا لم أسأل لعلمي أن جدتي لم تكن من النوع الذي يفسر ما يقوله. كانت تقول وتثق بأن من يحتاج أن يفهم سيفهم.
طويت الصورة. وضعتها في جيبي.
الفجر جاء ببطء، كما يأتي الفجر في الطائرات الليلية متسللا من جهة المشرق خطا خفيا في البداية، ثم خطا أكثر وضوحا، حتى تدرك فجأة أنك لم تعد في الليل.
استيقظ فريد وهو يصغي لصوت الطائرة المتغيرة . نظر من النافذة إلى الضوء الجديد.
“الصبح هذا يشبه من يجيء ولا يريد إزعاجك.”
“ومع ذلك يجيء.”
“لأن بعض الأشياء لا بد منها حتى لو لم يطلب منها.”
جلسنا في ذلك الصمت الذي يكون بعد الكلام الثقيل , كيف استطيع وصفه ؟ صمت يهضم فيه ما قيل !
قلت: “حين ستعود إلى الفصل، إلى طلابك , ما الذي سيكون مختلفا؟”
قال فريد دون تردد: “المرة القادمة حين يجلس أمامي طالب موهوب، سأعرف أن ذلك الشيء الضيق قد يجيء الخوف من أن يجاوزني. وأعرف أن أعطي رغمه.”
“وإياد؟ إن وجدته؟”
فكر. ثم قال بهدوء: “إن وجدته سأقول له ما لم أقله: أن مقاله كان استثنائيا وأن العلامة التي أعطيتها إياه لم تكن عادلة. وأن ما فعلته كان خوفا أسميته توجيها. هذا كل ما أستطيع فعله — لا أستطيع أن أعيد ما مضى. لكن الاعتراف يغير شيئا في طريقة المضي.”
—
بدأت المحطة الأولى تلوح في الأفق.
والطائرة غيرت إيقاعها بعض الشيئ ذلك التغيير الطفيف في النبض الذي يكون حين يقترب المطار من توقف وشيك. مثل تغيير نبض الإنسان قبل كلمة صعبة.
نظر إلي فريد . قال: “وصلت ؟”
“لا أعرف بعد.”
فكر لحظة. ثم قال: “هذا هو الجواب الأمين الوحيد في أي رحلة.”
والطائرة تباطأت . والمحطة الأولى جاءت. ومضت. ولم أنزل.
و فريد لم يسأل.
والليل يتراجع أمام الصباح القادم ببطء من جهة المشرق. والحقيبة على ركبتي لا تعرف متى تعود. وفي الجيب الداخلي صورة لبيت وشجرة وقطعة سماء.
في تلك الساعة الأولى من الصباح، وقد صار الضوء الخارجي أقوى من انعكاس الوجه في الزجاج، فكرت في ليلى بطريقة مختلفة عن كل ما سبق.
فكرت فيها لا كثقل أحمله ولا كشيء أنتظره , فكرت فيها كشخص يستحق الكلام الواضح. وهذا فرق بسيط في الكلمات لكنه واسع في ما يعنيه.
الناس الذين نحبهم ونخاف فقدانهم نتعامل معهم أحيانا كأشياء نحميها بصمتنا. نفكر: إن لم أقل لن يتغير شيء. لكن الصمت يغير بتلك التغيرات الصغيرة التي لاحظتها في مكالمات ليلى، في الثانيتين اللتين أصبحتا تنقصان من كل جملة.
ليلى خمنت. وخمنت بشكل صحيح على ما يبدو حيث جاءت تلك الليلة لأنها أدركت أن التخمين لم يعد كافيا. وأنا جعلت التخمين ضروريا بصمتي. وهذا ليس لطفا. هذا نوع من الإهمال يلبس لباس الحذر.
حين وصلت الطائرة إلى المحطة التي قررت فيها النزول , لم تكن محطة خططت لها، كانت فقط المحطة التي حين رأيتها من النافذة أدركت أنني يجب أن أتوقف , نظر إلي فريد وقال شيئا أضافه في اللحظة الأخيرة:
“محمد . ما فعلته في ليلة السبت , هذا ليس طبيعتك الثابتة. هذا خوف تصرف في لحظة. والخوف يتصرف في لحظات ثم يمضي إن أتحت له ذلك.”
“وكيف أتيح له؟”
“بما فعلته في هذه الرحلة. سميته. ووجدت شخصا يسمعه دون أن يضاعفه. وأدركت أنه كان خوفا لا حقيقة. الخوف حين يسمى يفقد جزءا من حجمه. لا يختف بل يصبح أقل مساحة.”
قلت: “وأنت؟”
نظر من النافذة. قال: “في هذه الرحلة بدأت. وهذا ليس نهاية بل بداية. لكن البداية كانت تحتاج مكانا كهذا الطائرة .”
“مكانا معلقا.”
“مكانا بين. حين تكون بين مكانين لا يطالبك أي منهما بأن تكون شيئا محددا. أنت حر لأنك لا تنتمي لأي منهما في تلك اللحظة. وهذه الحرية تعطيك شيئا لا تعطيكه البيوت.”
“وما هو؟”
“الوضوح. في البيت تشوش الذاكرة وتشوش التوقعات وتشوش الأدوار. في المطار المعلق بين مكانين أنت مجرد أنت. وهذا كاف أحيانا لأن ترى ما كنت تقاوم رؤيته.”
—
نزلت.
الرصيف كان فارغا في ذلك الصباح الباكر إلا مني. والطائرة أقلعت بعد دقيقتين، يحمل ركابا آخرين إلى وجهات أخرى. ولم أنظر إلى وجهتي. وقفت في بداية الصباح، أستنشق هواء مختلفا عن هواء المقصورة.
أخرجت هاتفي.
كتبت لليلى : “أريد أن أقول شيئا. لا أعرف إن كنت تريدين سماعه…
وقفت وقتا. ثم أضفت: “لا أطلب شيئا. علينا التحدث فقط.”
وأرسلت.
وضعت الهاتف في الجيب الخارجي , لا في الجيب الداخلي حيث الصورة. الجيب الخارجي للأشياء التي أرسلت وصارت في الهواء. الجيب الداخلي للأشياء التي لا تزال خاصتي.
ثم مشيت.
الهواء كان أبرد مما كان حين دخلت المحطة البارحة. الطقس تغير في غيابي , كما يفعل الطقس دائما، لا يطلب إذنا ولا يعلم. ووجدت هذا مريحا اليوم بينما كان يضايقني في أيام أخرى. الأشياء التي تستمر بلا إذنك ليست دائما تحديا. أحيانا هي اعتراف بأن العالم أكبر من قراراتك.
وفي الجيب الداخلي صورة لبيت وشجرة وقطعة سماء. وفي الجيب الخارجي رسالة صارت في الهواء. وعلى الرصيف صباح يبدأ.
بدأت أمشي.
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
اه محمد الأستاذ! كاتب مُدرك الوهم الّتي وصمتُها ذات مرّة بأنّها فُضلى هذا القِسم. تراجَعَت للمركز الثّاني بفضل هذه الرّائعة. مُقتَبَلُها ذكّرني ب Fight or flight ذاك الرّدّ الباطني على ما لا تفترض نفسك انّه إدّ. انّك ترفد كلّ فِقْرة بتعليقات خاصّة -حاشاك أن تكون اِطناب- هي مرآة تأخذ الصّورة المنكسرة وتُمْعِنُ في نحتها.. حتّى انّها نَحَتَت نقّالة عبَرَت بِنا من ممرّات الزّجاج (لديك هواية في تسمية الأشياء بغير اسمها، انّما بذلك تنفخ فيها روحًا جديدًا) الى الفتاة المهووسة بالسُّكّر، وذاك الرّجل الّذي دفع السّياسة لعقل بطلك (الا تتّفق معي في انّ القصّة هي جنين في عقل الكاتب؟ من يدري ماذا كانت اللّوحة العامّة في رأسك، من يدري ماذا كان الإسم الّذي أطلَقْته على أبطالك فغيّرت رأيك!)..
فتنتهي بنا الى روتين ونمط حياة عادي، لكن تذكّرنا أن نلتفت لكل ما حولنا ونتأمّله، سماءً ورصيفًا.
تملك نظرة ثاقبة في علم النّفس، ولكنّه برأيي أكثر علم هَشّ، دع عنك السّرديّة المعطوبة في أنّ النّفس البشريّة معقّدة. لا، هي فقط متراوحة في رياح أصحابها.
عمل رائع، نريد لك مزيدًا 👏✨️🌺