التربية..بين الشوارع والتعليم

مرحبًا يا أصدقاء، لدي موضوع محيّر لطالما أردت طرحه، لكنني كنت أؤجله ظنًا مني أنه لا يستحق كل هذا التهويل.

منذ مدة يسيرة امتهنت مهنة التدريس في الطور الابتدائي، وأكثر ما ألاحظه كمعلمة هو اختلاف شخصيات الصغار. وإذا أردت التصنيف، فسأقول إن 60% منهم أطفال شديدو النشاط بطريقة لا توصف؛ من العناد إلى الطيش الطفولي، بل إن فئة منهم وصلت إلى حد قلة الاحترام واستعمال الألفاظ النابية.

كثيرًا ما استنزفت طاقتي وأنا أبحث عن طريقة أُحكم بها تنظيم صفي الذي تعتريه الفوضى بين الحين والآخر، ولم أعد أعلم يقينًا: أهذا الانفلات بسبب قلة خبرتي، أم أنه سمة من سمات هذا الجيل؟

في جيلي، أي ما بين سنة 2000 وجيل إخوتي في التسعينات، لم نكن هكذا. لا أذكر أننا أتعبنا أساتذتنا إلى حد الصراخ. مهما حاولت استرجاع ذاكرتي، لا أذكر أستاذًا كان يصيح بنا وعيناه تمتلئان غضبًا ونفاد صبر… كنا أكثر هدوءًا.
لكن من جهة أخرى، كانت مدارسنا أفضل من حيث المساحات والبيئة. أما اليوم، فأعمل في مدرسة خاصة، عبارة عن بناء متعدد الطوابق، يكاد النفس ينقطع وأنت تتسلقه، وإن انزلقت قدمك فالشهادتان أقرب إليك من المستشفى.

يتناول الأطفال وجبتي الفطور والغداء داخل الفصل، أما الاستراحة فلا تتجاوز عشر دقائق في سطح المدرسة، وسواء اتسع هذا السطح فإنه يظل ضيقًا؛ يصطدم فيه هذا بذاك، وتكثر الحوادث، ويكاد الأستاذ يُصاب بنوبة قلبية وهو يراقبهم.

في المقابل، كانت ساحة مدرستي قديمًا واسعة لدرجة أن الذهاب إلى المراحيض كان أشبه بنزهة. كانت مليئة بالأشجار، محاطة بأسوار قصيرة، وبوابة تشبه بوابات القصور. كنا نركض حتى تُستنزف طاقتنا، فلا يبقى لدينا ما نُفرغه داخل القسم. أما اليوم، فالأطفال يملكون طاقة هائلة لا يجدون منفذًا لتصريفها.

ومن جهة أخرى، تغيّرت ألعابنا وأطعمتنا. كنا نقضي وقتنا خارج المنزل تحت الشمس، أما اليوم فالأهل مشغولون والخطر حاضر، فلا يخرج الطفل إلا نادرًا، فيقضي يومه بين جدران البيت، إما يقفز وسط صراخ الكبار، أو يغرق في الشاشات. أما الطعام، فحدث ولا حرج… سكر سريع الذوبان، وطاقة بلا ضابط.

كل هذا قادني إلى فكرة ثقيلة لا أستطيع الهروب منها: هل ما زالت التربية تجدي نفعًا مع هذا الجيل؟ هل نحن أمام خلل في الأساليب، أم أمام واقع جديد لم نُحسن قراءته بعد؟

نرى أطفالًا لطفاء، لكنهم يتأثرون بغيرهم بسرعة، بل أجد نفسي أحيانًا أمام طفل يعرف من الألفاظ ما كنت أجهله وأنا في السادسة عشرة! أفكان ذلك جهلًا منا أم فرط معرفة منهم؟

نلقي اللوم على الآباء، لكن حين تلتقي أحدهم، قد تجده مثقفًا واعيًا، أو بسيطًا طيبًا… فتتساءل بدهشة: كيف خرج هذا من ذاك؟

ورغم كل شيء، لا أنكر براءتهم. بل إنك حين تتأمل أكثرهم شغبًا، تراه ضعيفًا لا يقوى حتى على رعاية نفسه، ولو قسوت عليه امتلأت عيناه بالدموع… فتجد نفسك فجأة في موضع الظالم أمام طفل لا حول له ولا قوة.

لكن الغريب أيضًا أنك حين تحاورهم، تجد لديهم فصاحة وتجربة تفوق أعمارهم… كأن الزمن اختلط، فأصبح العمر لا يطابق الجسد.

وهنا، لم يعد السؤال بسيطًا كما بدأ… بل يتشعب ويتعمّق:
هل النموذج التعليمي المطبق حاليًا في عالمنا العربي هو الأكثر تواؤمًا مع واقع وبيئة مجتمعاتنا، أم كان بالإمكان أن يكون أفضل مما هو عليه الآن؟

وإذا كنا نتحدث عن التعليم كمنظومة متكاملة، فما المواصفات التي ينبغي أن تتوفر فيها فعلًا؟ من المؤسسة المدرسية والإدارة المسؤولة عنها، وصولًا إلى المعلم، وانتهاءً بالمناهج الدراسية والوسائل التربوية؟

وإذا سلّمنا بوجود خلل ما، فمن هي الحلقة الأضعف في هذه السلسلة: الإدارة، أم المعلم، أم الطالب؟ ومن يتحمل العبء الأكبر في هذا التراجع؟

وهل انتهى فعلًا زمن التعليم التحصيلي القائم على التلقين، حيث يكون هامش المبادرة لدى الطالب محدودًا، وحان وقت الانتقال إلى تعليم يقوم على البحث والاكتشاف، وعلى كيفية الوصول إلى المعلومة في زمن أصبحت فيه المعرفة في متناول اليد؟

وأخيرًا… هل هناك نموذج تعليمي ناجح يمكن أن نحتذي به، نموذج اطلعنا عليه أو عايشناه، سواء في مؤسسات محلية أو تجارب عالمية، يثبت أن الأمر ليس مستحيلًا كما يبدو؟
أم أن الحقيقة الأعمق… أننا لا نواجه فقط أزمة تعليم، بل نواجه جيلًا جديدًا يحتاج إلى فلسفة تربية جديدة بالكامل؟


بعيدًا عن الحديث عن المنظومة التعليمية بشكلها العام…

أود أن أطرح عليكم، أعزائي القراء، بعض الأسئلة من واقع تجربتكم الشخصية أيام الدراسة:

هل سبق أن تعرضتم لمعاملة غير جيدة من أحد المعلمين، شعرتم حينها أنها كانت مقصودة وتجاوزت حدود التوجيه التربوي؟

هل واجهتم أي شكل من أشكال التنمر أو المضايقات من زملائكم الطلاب خلال تلك المرحلة؟
وإذا نظرتم إلى أنفسكم في ذلك الوقت، كيف كنتم تصنفون شخصيتكم داخل الصف؟ هل كنتم تميلون إلى أن تكونوا من الطلاب المشاغبين، أم من الطلاب المنتظمين والهادئين؟

شاركونا تجاربكم بكل صدق، فشهاداتكم جزء مهم من فهم الصورة الكاملة.

تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.

5 1 تصويت
Article Rating

رنا رشاد

المغرب

مقالات ذات صلة

8 تعليقات
.....
.....
1 شهر

طريقة جميله لطرح الموضوع
بالنسبه لي انا انظر لهذا الجيل بإعجاب أكثر بكثير من نظرة استنكار أو تعجب حتى مع قبح الفاظهم و التي هي بالنسبه لي أمر هين التعامل معه
لكن ما يبهرني أكثر هو عمق تفكيرهم و طرحهم لها ربما لأننا الان لا نمرس سياسة القمع على الأطفال لمجرد انهم اطفال و نسمح لهم بالكلام و التعبير و التجربه .
طرقهم في كل شي تبهرني أكثر من جيلنا قديما
صحيح اني لا اعمل في مجال التدريس لكن لدي اخت صغيره ، كذالك اتعامل مع عدد لا بأس به من الأطفال و أكرر اني معجبه بهم بشده بل حتى فضاعة الفاظهم لا تجعلني اغضب بل اتعاطف معهم و أسعى لإصلح مافيها من سوء .
أما عن تجربتي في المدرسه فنعم تعرضت للتنمر من طالبات و معلمات اتذكر في الصف الأول تم حبسي في دورة المياة الخاصه بالمدرسه من قبل بعض الطالبات لم أخبر عائلتي ولا المعلمات لانه في تلك الأيام لم يكن أحد ليهتم فقد حاولت أن اشتكي لمحاولة تنمر أخرى ولم يتغير شيء
مع اني كنت طفله مسالمه نادرا ما اختلط مع الاطفال كذالك اتذكر معلمات يصرخون علينا لأتفه الأسباب و في تلك الأيام الضرب كان لابأس به (اي اني تعرضت لنصيبي من الضرب )
أما عن اللعب فا حاليا اشعر ان هنالك مساحه للعب أكثر من قبل ففي ايامي خصوصا الفتيات لم يكن مسموح لنا أن نلعب لا في المنزل ولا في الخارج لذا المدرسه كانت متنفس لبعض الصغيرات أن يركضن بعيدا عن تشدد الأهل .
فا اذا سنقوم بمقارنه يجب أن تكون مقارنه عادلة على الأقل
ففرق الزمن بيننا و بينهم سبب طبيعي لتكون هذه الاختلافات وهذا لا يعني أنهم اسوء و نحن افضل ( شخصيا أرى هذا الجيل افضل منا بمراحل لكن هذه وجهة نظري الشخصية )
أما ختاما
لا أرى أن مشكله فيما تمرين فيه فهو طبيعي تماما كل معلمه عرفتها سوا حاليا أو قديما تشتكي من نفس السبب
من المُلام ؟
لا أحد ، هذه مرحلة طبيعيه و مع الصبر و مساهمة الأهل و المدرسه كل شيء سيؤتي بثمارها بإذن الله
كتب الله أجرك و أعانك الله على صعوبات هذا العمل 🤍

Last edited 1 شهر by .....
رنين
رنين
1 شهر

المسؤولية الكبرى و الاولى للتربية في نظري يتحملها الوالدين و تكون من المنزل و ليس من المدرسة ، اذا الطفل تعلم من اهله الا يهدأ و الا يصلح سلوكه الا بالضرب و الصراخ فسوف يفعل نفس الشيء في مدرسته لهذا يضطر المعلمون ان يتعاملوا بنفس القسوة و القمع فيصبح هذا الشيء طبعا فيهم و هناك من يتجاوز الامر بشكل مفرط فيبالغ في أذيته و يخرج اسوء ما فيه خاصة في ايامنا عندما كنا صغارا كان المجتمع اقل علما و وعيا و لم تكن هناك مفاهيم عن اساليب التربية او حقوق الطفل للاسف .

هذه اجوبتي على الاسئلة المطروحة :

*هل سبق أن تعرضتم لمعاملة غير جيدة من أحد المعلمين، شعرتم حينها أنها كانت مقصودة وتجاوزت حدود التوجيه التربوي؟
-كما ذكرت سابقا كان المعلمون في المدرسة الابتدائية من شدة الحزم و القسوة يتفننون في ايذائنا نفسيا و يمكن ان يتعرض القسم كله للضرب او العقاب بمختلف اشكاله فقط بسبب مزاج المعلم ! اتذكر ذلك اليوم جيدا عندما عاقبتنا المعلمة جميعا لانني بقينا خارج الصف ننتظها حتى اتت و دخلنا معها ، و باليوم التالي مباشرة جاءت فوجدتنا جالسين في مقاعدنا و ارادت ان تعاقبنا مجددا لانها هذا اليوم عقلها قال لها كان عليهم ان يبقوا في الخارج ! اتذكر انني كنت طفلة هادئة جدا مؤدبة مطيعة و خجولة ، لكنني وقتها نفذ صبري فقمت من مقعدي ، وقفت ، واجهتها بقوة ، نظرت اليها بحدة ، عاتبتها على هذا التصرف و وضحت لها انها عليها ان تكون دقيقة و تعطي لنا أمرا واضحا لكي نطبقه . كانت اول مرة ارى تلك المعلمة تهتز و تستغرب “كيف لهذه التلميذة ان تواجهني !” تغيرت ملامحها و لون وجهها ، صمتت و لم تعرف كيف تجيب و طلبت من الطلاب ان يدخلوا الى الصف و أنهينا الحصة و من يومها لم تعد تعاقب احدا . حصل نفس الشيء مع معلم آخر لكنني هذه المرة لم ألمه و لم اتكلم معه ، فقط هو اخبرنا شيئا عن نفسه فصفق له الجميع إلا انا لم اصفق و هناك نظر إلي باستغراب و هو الآخر تغيرت ملامحه فعرفت ان رسالتي قد وصلت ، من يومها لم اعد اتعرض لأي لوم او عقاب او صراخ منه بل اصبح يحبني و يشجعني و شخصيته تغيرت معنا كلنا و معي انا بشكل اكبر !

*هل واجهتم أي شكل من أشكال التنمر أو المضايقات من زملائكم الطلاب خلال تلك المرحلة؟
– نعم بالتاكيد تعرضت للتنمر و المضايقات لكنها لم تكن سيئة الى ذلك الحد لانني انسانة مسالمة بطبعي و اتجنب المشاكل قدر الامكان .

*وإذا نظرتم إلى أنفسكم في ذلك الوقت، كيف كنتم تصنفون شخصيتكم داخل الصف؟ هل كنتم تميلون إلى أن تكونوا من الطلاب المشاغبين، أم من الطلاب المنتظمين والهادئين؟
-كنت منظمة و هادئة فوق المطلوب و هذا للاسف اضعف شخصيتي نوعا ما و لم اخرج من قوقعة الخوف و الخجل و الانغلاق الا بعد ان تجاوزت منتصف العشرينات لكن شخصيتي لم تنضج و تنطلق حتى وصلت الى الثلاثين .

شكرا رنا رشاد على الموضوع و الأسئلة الممتعة .

كرمل
كرمل
1 شهر

عندما كنت صف ثالث ابتدائي
كان عنا معلمة العربي لم يكن أحد يطيقها
حتى تشبه الانسة منشن في سالي
الفرق انها هذه قصيرة
كانت لما بنت ما تحل الواجب
او تشاغب في الصف تشد أذنها بقوة حتى تحمر تصرعها + بهدلة طويلة

ليس تنمر لكن عموما لم اكن اخذ حقي بسهولة في مواقف
ولا ارد على اي استفزاز او تعليق ساخر
كنت ضعيفة وخجولة جدا
اصمت حتى لا ادخل في مواجهات مع احد

المدرسة لم تكن اجمل شيء في حياتي
بسبب شخصيتي وبعض المعلمات

احمد علي
احمد علي
1 شهر

وأنا صغير كنت هادئا ومنطويا للغاية وأكره البشر ، ايضا كنت لا أذهب للصف طيلة السنة الا أوقات الأمتحانات فقط ، لم أواجه الكثير من المضايقات من المعلمين أو الطلاب ، لم يكن لي زملاء صف لانني لم اكن اذهب من الاساس ..

كانوا يتقاضون المال لتجديد اجازتي المرضية الدائمة ههههه ، كانت الأمور جيدة معي صراحة اثناء تلك الفترة .. سؤال خفيف ورقيق .. عمت مساءا

UCF
UCF
1 شهر

هؤلاء الأطفال يحيرونك بالفعل فإذا كنت صارم وحازم معهم كرهوك وخافوك وان كنت لطيفا وطيبا احتقروك ولم يحترموك

Be happy -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
Be happy -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
1 شهر

مبارك نشر الموضوع
بالنسبة لي كانت شخصيتي انطوائية ماكان الي اصدقاء ومابحب الاختلاط بحدا الاغلب الكل كان شايف حالو مش عارف ع ايش وبالنسبة للتنمر اكيد تعرضت لالو من المعلمين والطلاب

أسعد
أسعد
1 شهر

حقآ مشاغبين ههههههههههههههه. لماذا سميت التربيه قبل ان يكون التعليم التربيه تربيه الطفل وتعليمه الاداب قبل العلم ثانين العلم. ههههههههههههههه الدلع لاينفع يبغون بكوره من بواكير الكهرباء وفلق مثل ايام زمان هههههههههههه ثانين التربيه من قبل الاهل وتعليم اطفالهم السلوك الصحيح وكيف يحترمون الاساتذه : كان في استاذا يضربني بشده لااعلم لماذا كان يضرب الكل لاكن انا بزيده والله العظيم رغم انني كنت مواظب وذكي مشاء الله عليا لاكن كان فيه سكر كان ينفعل من الهمس ههههههههههه لقد سامحته من قلبي لانه صار مريض وتدهورت حالاته:
وكان لدي أستاذ كان يعطيني اقلام ودفاتر كان يشتري لاابناه واشتر لي مع أبناه لانه كان يعرف حالتي الماديه في صغري😭😭انني أحترمه بشده بشده بشده حتى والله انني اشاهده ماذا اقول تعجز الكلمات عن وصف شعوري اتمنى لو ارد له قليل من معروفه واحسانه برك الله في المعلمين وجزاهم الله عنا خير الجزاء: صحيح هناك معلمين قساه لاكن القاسى يمثل نفسه ولايمثل التعليم وانصح الاباء ان يعلمو ابناهم احترام المعلمين واتمنى من المعلمين ان يعطو الاطفال دروس عن أحترام المعلمين واحترام الاشخاص الكبار :شكرآ لك استاذه علا مقالك الجميل 🌹

أسعد
أسعد
1 شهر
ردّ على  أسعد

اهلن وميض لقد تاخرت عن الرد لانني مريض لقد قتلتني الحراره منذو امس وذهبت للدكتور صباحآ واعطاني حقن وعلاج حرارتي تنخفض وترتفع نسال الله العافيه :ردي علا سوالك :عندم تربي طفل بالخوف ستصنع رجل جبان وكاذب وفاشل: اما عندما تربي طفل بالتربيه الصحيحه والضمير ستربي رجل حر يختار الصح من الغلط ولايتردد في قول الحق اين يكن: شكرآ على سؤالك.

زر الذهاب إلى الأعلى