السلطان الحائر

مسرحية السلطان الحائر تُعتبر من روائع الكاتب الأسطوري توفيق الحكيم.
تجري المسرحية في ثلاث فصول زمَن المماليك.

الفصل الأول يعرض مشهدًا لمحكوم عليه مكبَّلًا بعامود، ويرافقه الجلّاد؛ حيث يبدو على المحكوم عليه الإنزعاج الشديد من حالته بينما يمتعض الجلّاد.. نستطيع أن نفهم من مجرى الحوار أن تهمة المتهم به يجب أن تبقى طيّ الكِتمان، إذ كلّما حاول المحكوم عليه الدفاع عن نفسه وتسفيه تهمته، صاح به الجلّاد بأن يكظم تهمته في صدره وإلّا أُطيح برأسه، وذلك امتثالًا للأوامر.

بطبيعة الحال، المحكوم عليه يستمر في إبداء انزعاجه من وضعه، فهو ليس بآثم، ومع ذلك فإنه سيُعدم مع بزوغ الفجر.

blank

تدور حلقات وصل من المحادثة الكوميدية بين الاثنان، ويصل الأمر لنقطة حاسمة عندما، في لفتة مشبوهة، يقرر المحكوم عليه دعوة الجلاد لطيّب المسرّات، وبهيجِ الأوقات.. وذلك بعد اقتراحات متباينة في غاياتها ثابتة في مغزاها؛ أن يُفَكَّ وثاقه.
فتارةً نراه يدعو لدخول الخمّارة ثم بيت الغانية بجوارها..

على أن الجلّاد كان له اليد العليا في هذا الصدد فنادى الخمّار ليأتي بقدحين من الخمر، فيصيرُ الاثنان نديما كأس.

الخمّار بدوره استغرب، وهنا يتعرف القارئ على هوية المحكوم عليه، أسرَ النخّاس (تاجر رقيق) فهو حسنُ السيرة.
لكن التهمة توانَت في الظهور.

لاحقًا، يسكر الجلّاد.. وينكّت في ما ينكّت أغنيةً قد نظمها:

يا زهرة عمرها ليلة!
عليك السلام من المعجبين
إذا أذّن الفجر غدًا تُقطفين،
ويسقط عنكِ رداء النّدى!
وفي سلّة من حطب ترقدين،
وتخفت من حولكِ ألحاني!
ويبرق في الجوّ نصل الرّدى؛
مضيئًا في يد البستاني!
يا زهرة عمرها ليلة!
عليكِ السلام عليكِ السلام!

الإسقاط الشاعري واضح على معضلة النخّاس، ولم يستحسن الأمر.

وبما أن الجلاد سكران، فقد تلافظَ سوءً مع خادمة الغانية، التي ظهرت لاحقًا في المشهد، والخادمة هي الأخرى عزيزة نفس، فقد نزلت لتؤدّب الجلاد، الذي -مع عودة شيء من الوعي له- يتراجع عن إهاناته الداعرة مباشرةً للغانية.

والغانية كانت قد جاءت خلف الخادمة لاحقًا، وهذه معلومة تقل أهمّية عن دورها الرئيسي في هذا الفصل.

لقد انضمت الغانية إلى المجموعة، وتعرّفت على النخّاس وتعجبت من حاله، فما كان منها إلّا أن تحايلت على القانون..
ومحل القانون من الإعراب هو أنّ ما يحدّد موعد الإعدام هو أذان الفجر.

لمّا جاء المؤذن لتأدية الأذان، دعته الغانية لاحتساء مشروب ساخن، وسط معارضة الجلاد الذي رضخ لاحقًا عندما علم أن لا شأن له بتأجيل الإعدام.

لكن الوزير وصل لاحقًا، واستنكر عدم إعدام المجرم، ليتحجج الجلاد بأن المؤذن تغافل عن عمله.
وهو ما أنكره الأخير وجماعته عندما خرجوا من دار الغانية، واصفين المسؤول عن الحُكم بأنه كان مخمورًا ليبقى الجلاد في موضع الغدر مذهولًا.

بعدها ظهر النّخّاس ليُحامي عن ذاته، مُخبرًا الوزير بأنه بعث ظلامة للسلطان ليرى فيها.. ليجيب الوزير بالإيجاب، معلنًا عن محاكمة سرّيّة في الساحة. (أي أن تكون الساحة خالية)

ظهر موكب السلطان وقاضي القضاة، أجابَ السلطان التماس النخّاس بالمحاكمة العادلة. وينكشف لنا في جلسة الحكم، على لسان الوزير، أن النخّاس وصف السلطان بالعبد!

والإشكال ليس هنا، فالسلطان، بل سائر السلاطين، إنّما كانوا عبيدًا.. النخّاس يدّعي بأن السلطان لا يزال عبدًا.

هذا الإدعاء يثبته النخاس، إذ يقصُّ على السلطان قصة طفولته قبل خمس وعشرين سنة، عندما انتشله من براثن قريةٍ داهمها المغول.. وسار به للسلطان الذي اشتراه بألف دينار.

وعندما يجتمع الوزير، السلطان وقاضي القضاة لمناقشة الإدعاء، يعلم السلطان الحقيقة، وهي أن لا أوراث ثبوتية تثبت عتقه من طرف السلطان الأسبق.

هنا، بزغت شخصيات الحلفاء.
الوزير أيّد قطع الرقاب، فالسيف يحل المشكلات ويبعث على الرهبة. أما القاضي فيؤيد القانون: السلطان يعتبر متاعًا من متاع الدولة، ولا ينقض هذا المبدأ غير مزاد علني يُشترى فيه ثم يُعتَقُ من بعد ذلك.

يحتار السلطان بين الحل السريع الذي يعرّضه للخطر والحل المُهين الذي يجلب له الصفاء والأمان، لكنه في النهاية يقرر: يختار القانون.

الفصل الثاني، ولو أنه استهل بحوار لشخصيتين ثانويتين: الإسكافي والخمّار ومصالح كل منهما في شراء السلطان (جعله يروّج للأحذية واتخاذه خليلًا لزبائن الخمّارة) فقد كان حدثه الرئيسي هو المزاد بعينه.

يزايد الجمهور، فيقف المبلغ في النهاية على ثلاثين ألف درهم من شخص مجهول، يكشف لاحقًا أنه مُرسَل من طرف سيّد له، ولذلك لا يحق له التوقيع على وثيقة العتق.
ولمّا هدّده الوزير، خرج سيّده ليدافع عنه.

نعم، إنها الغانية قد وكّلت مُزايدًا.
في الأجزاء القادمة يستنكر كل من الوزير والجماهير فكرة أن “عاهرة” ستبتاع السلطان.. وهي تصرُّ على أن لا تعتق السلطان مباشرة لأنها اشترته بحر مالها.
المثير للملاحظة هنا هي أنها لعبت على حبل المغالطة ولسان حالها:
كيف يا قاضي القضاة تريد مني شراء شيء لأتخلى عنه؟
أليست التجارة أخذًا وعطاءً؟ فإذا سُلِبَ المُبتاع، راحت قيمة العطاء.

والسلطان الحنون يحاول المناورة، فتكشف له الغانية أنها تريده لها وحدها.. زاعمةً أن كسر السلاطين يدعوا الآخرين لدرء همزهم ولمزهم الخاص. وتتشبّث برأيها حتّى بعد أن تحجّج السلطان بمهام منصبه وتعوضّه بفكرة أنها ستشاطره بيتها ليعمل فيه.

ولا شيء من هذا يُعجب السلطان، على أنه أخيرًا يذعن للقانون، ذلك الذي أصرّ على الإلتزام به مهما كان الطريق موحِلًا.

وعلى هذا قبل السلطان أن يكون عبدًا للغانية لمدة ليلة.. حتّى إذا طلع الفجر أُعتِق.

لا يغيب الجلّاد والمؤذن عن القصة، لكن أدوارهم حتّى اللحظة ثانوية.. يتشاجران ويُلامُ المؤذن على ذلك الفجر وقضية السَّكَر.
ذاك الفجرُ قد حرّر النخاس وهو من تاجر مرة أخرى بالسلطان.

blank

الفصل الثالث خِتامي.. السلطان في بيت الغانية.. الوزير يفك جمع الرعايا.. الإسكافي والخمّار يُراهنان على طهارة المجلس.

يتكشف لنا أن الغانية كانت في الأساس تستقبل أصدقاء زوجها من وراء سِتار، فلمّا ذاع صيتها بالسوء تخلّت عن السِّتار وصارت كما هي.. رقصت وعند قدميه تذلّلت والطعام له حضّرت.
لا شيء مشبوه..
السلطان بدوره شبّه وضعه بوضع شهرزاد وشهريار مع قلب الأجناس! إذ حريته مرهونة بشهريارة عند مطلع الفجر، ويحسن له الامتثال لها حتى موعده.

غير ذلك، سألته الغانية عن الحب وعمّا إذا يحتفظ بذكرى من جميلاتٍ يلقاهن.. فيدحض وعن مشاكل الحكم يشير.

في أرجاء الساحة اجتمع الوزير وقاضي القضاة.. ورغبة من القاضي في إقصاء الهمز واللمز السيء بين الرعايا، يقرّر تغيير جلده.

لقد كان القاضي ممثّلًا للقانون فيما مضى.. أمّا الساعة فهو يضحّي به في سبيل شرف وحرية السلطان.. ويقترح على الوزير أن لا ينتظرا الفجر، بل أن يحرّرا السلطان في عاجِلٍ قريب.

بُغْيَةَ ذلك، يستدعي القاضي المؤذن -وهو لم يجد غضاضة في الكذب بشأن الأذان مجدّدًا لأنه هذ المرة لغاية أسمى- ويأمره بأذان الفجر والدنيا دامِسٌ ليلها.

وما إن أذّن حتّى خرجت الغانية واحتجّت كما صوتُ الجماهير..
ولم تستطع التلاعب بالمصطلحات.. الوعد كان أن يُعتَقَ السلطان عند الفجر.. لكن وجه المسألة هو هُوِيّة الفجر.. أذان أم نجوم؟

إستوفت وثيقة العتق إذن شروطها لكن هيهات!
السلطان يعترض ويأبى إلّا أن يُستعبد حتّى الفجر الفِعلي.

مع ذلك، وتسنُّنًا بقاضي القضاة الذي اعترف بأن غايته هي إنقاذ السلطان، لم تشأ الغانية إلّا أن تُنافسه في هذه الغاية، فعتقت السلطان في الحال.

لم تنزل قطرة دم واحدة في سبيل حل معضلة العبودية، وهذا ما أدّى لكل هذه الوقائع والتي اختُتِمت بالسلطان مقدّمًا ثروة، هي ياقوتة مودعةٌ عمامته، ذُكر في فصول سابقة بأنه انتزعها من جُند المغول، للغانية؛ وبدورها ودّعته مُخفيةً العَبَرات.

عمل بديع وفكرة جذّابة، سخرية وعِبَر، لغة بسيطة ومرحة؛ هكذا هي أعمال توفيق الحكيم الأيقونية.

0 0 الأصوات
Article Rating
المصدر
رابط لتحميل الكتاب

مقالات ذات صلة

4 تعليقات
اياد العطار - ادارة
المدير
اياد العطار - ادارة
8 شهور

اخي العزيز ويف .. تحية لجنابك الكريم
مقال جميل كالعادة واختيار الموضوع اجمل
بالطبع ادب الكاتب الكبير توفيق الحكيم لا يعلى عليه
بانتظار المزيد من ابداعاتك
تقديري واحترامي

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
8 شهور

‏رائع رائع أخي المبدع فتى الامواج الابداعيه ‏استمر استمر أيها الجاحظ الصغير ههه ‏سوف يكون لك شأن عظيم بإذن الله في المستقبل تحياتي يصغيرالكبار

ضل الضلام
ضل الضلام
8 شهور

ادب توفيق الحكيم له ميزان ثقيل لكني كناقد فساكون مع لجنة التحكيم العادلة ..المسرحية حين تنقشها كقصة قصيرة تلستزم ذكاء حاد حتى لا يضجر القارئ من تواتر الاحداث و الشخصيات التي تخرج فجاءة من العدم و يكون العقل ملزم بربط كل شخصية مع الاحداث و حركاتها في المخيلة ..ابداعك يلزمه دئما كالمسرحية مشهد يجمد اللحضة و هو كمدرسة اخرجت ابرز الممثلين و لبد لمن اراد الغوص اكثر في عالم الادب فعليه تجاوز حاجز المسرح ربما…
المسرح بصفة عامة عميق و فن لوحده بحر و للاسف يصيب عقلي بالارباك منذ الصغر لانه يعطل مخيلتي تحياتي على كل مجهود بذلته واتمنى لك ايصال رسالتك المرجوة

اشرف سنار
اشرف سنار
8 شهور

انت فرفور أجمل مسرحيات يوسف إدريس المخطتين. الفرفور ايام الجيل الجميل انا لدي مكتبة متوارثة بها مخطوطات ودوريات من العشرينيات

زر الذهاب إلى الأعلى