مسرحيّة الجِياع

بين جَنباتِ سطورٍ تزخرُ بخيانة زوجية وتصوير واقعي للطبقة المُعدَمة، يكتب لنا توفيق الحكيم مسرحيّة أُحاديّة الفصل بعنوان الجِياع.
تبدأ المسرحية بتصوير مائدة فاخرة مُزدانة بألذ الأصناف، تتواجد في كازينو بقرب النّيل حيث الزينة الضوئية وفخامةُ الخِدمة هُنَّ العناوين.
يُجالِسُ المائدة رجل ثري يدعى عزّت بك، ويمضي المستَهَلُّ بِهِ محادثًا النّادل عبده بخصوص التجهيزات التي من المفترض إتمامها تهيُّئًا للقاء غرامي مع زوجة صديقه.
تشمل التجهيزات أنواعًا غاليةً من اللحوم والفواكه والمشاوي، ويحرص عزّت عليها رغمًا عن شبعه، إذ هو الآخر من أثرياء القوم ولا تخلو أيّامه من عزومات.
بعظ أن إستماتَ الحريص يحرص والنادل يطمأِن، تلصّصَ بمقربةٍ من المائدةِ كلبٌ ضال، فطفلٌ يبيع بطاقات اليانصيب فَهِرّة.
أمّا الطفل والكلب فطُرِدا بالهشهشة، وأما القطة فرّت بفِرارِهِما.
في أعقاب اللاحِقِ من المُجرَيات، تتأخر زوجة الخليل وسط ضيقٍ وحيرةٍ من عزّت بك، فالعهدُ أن تنسَلَّ من الحفلة الخيرية التي دُعِيَت إليها رفقة بعلها، متعذّرةً بعذرٍ ما، وتخالط الحبيب.
وجاءَ بعدها صوتٌ ينادي النّادل، لسوء طالع عزّت، فصاحبهُ صديقهُ عبد الغني.
ينخرط الإثنان في نقاش ودّي حول خيانة شريكة عبد الغني له.
طبعًا عبد الغني رصدها مع صديقٍ آخر له، فيشرحُ لعزّت كيف أنها كذبت عليه بشأنِ تعبٍ أصابها ذريعةً لخيانتها له مع صديقٍ في كازينو مجاور لولا الصدفة لما واجَهَهُ
عزّت ظنّ أنه هو المقصود، فجاءت ردوده مترنّحة بين الرهبة والرجاء. حتّى أخيرًا تبيَّنَ أن مقرَّ الخيانة لا يميلُ له، فاستقرَّ على رأيٍ هو تبرئة الخائنة، واصفًا صنيعها بأنه طاهرٌ بريء لا غرابة فيه بالنسبة لامرأة متقلّبة المِزاج، وهو ما أيّده صديقه.
غير أنّ شوق عزّت لها دفعه للتحرّي عن نواياها، إذ هو الآخرُ لا يزال يُكِنُّ لها بعضَ الوِد. ولما استبينَ أن الطرف الآخر في الخيانة هو مبغوضٌ كَرؤوف عُلوي، طَفَقَ يغيُّر رأيه.
فبالنسبةِ له، إن كانت الخيانة لا بد منها، فلتكن إذن في مصبِّ من يستحق.
لذا فقد غيّر رأيه واتّهمها بأنها خائنة قد “ضُبِطَت” متلبّسة.
وهذا الوصف لم يلقى إلّا الإستهجان من طرف زوجها الذي ارتأى أن يستقرّ على رأي عزّت الأول: أنها خائنة بريئة طاهرة.
وانصرفَ عبد الغني تارِكًا عزّت يعض أصابعه في سخط. رَجَعَ عبده واضطرّ أن يلغي الطلبيّة ويُهدِرَ قِسطًا واسعًا من الزّاد.
لكن لحظة! مرّة أخرى يظهر طفلٌ متردِّمُ الهندام، حاملًا بطاقات اليانصيب وعلبة لجمع السّجائر.
يقع نظر عزّت عليه فيدعوه للمائدة وسط معارضة غير مُجدية من النّادل المُستحقِر. ويبدو فيما يبدو أنَّ صدمة الأوّل من ما جرى له قد غيّرت أخلاقه، فسابقًا لم يعترض على النادل عبده بينما ينهر الطفل السابق والكلب الضّال.
أمّا الآن، فهو يتلطَّفُ على الصغير الذي يُبدي كمًّا هائلًا من عِزّة النّفس إذ يعرض في مقابل أكلةٍ -يُعلَمُ من العازِم عليها أنّها لن تتعدّى جنيه واحد- بِطاقَتَي يانصيب الواحدة منها بقيمة ألف جنيه، بعد استعداد عزّت لدفع المبلغ دون بِطاقة.
يُقتادُ مسار الحديث لنمط شغل الطفل، إذ لا يصح له أن يشتري البطاقات ويستفيد من فُرَصِها، فهذا مخصص للزبائن، ويشيرُ لهم عزّت بِ “أصحاب البطون الممتلئة” الذين يتعطّش الواحد فيهم للألوف ولو بلغ ثراءُهُ عقارات عِدّة.
عمومًا ولعجبِ الصغير، عزّت حال دونه ودون العرض تعفُّفُهُ عن الرّبح.
يجيءُ الطعامُ لبندقة، إسمُ الصغير، فيأكل. ووسط أكلِهِ الشره يتأمّلُهُ عزّت ويسأله عن حالِ الطعم، وفي كل مرّة يردّد بندق أو “بندقة فارغة” على رأي النّادل عبده (لأن جيبهُ خاوٍ؟ يُسائِلُ عزّت عبده الذي ينصرف لاحِقًا) لفظ الجلالة.
ثم يتحدث عزّت مع بندقة عن أحواله في الشّوارع، ليجيب بندقة بكلمات مفتاحيّة سرعان ما يفطن إليها عزّت.
-الحاتي- بائع الكباب وإيثارُ شلّة الفقراء الصّغار على القطط والكلاب.
-الصناديق- صناديق المهملات بقشور فاكهتِها التي تُزاحمهم فيها الحكومة والقطط، معذورةٌ القِطط فهي كما هُم تُنْهَرُ من العمّال.
يأتي عبده بالبرقوق والكباب، فيُطعَمُ المِسكين ويُلفُّ حول رقبته منديل. يتناول من البرقوق واللحم ممتنًّا غير مصدِّق، ويتراءى له أن شلّته من أصحابه من ذوي نفس الإحتياجات لن تصدّق بدورها.. وسيقوم بوصف طعمِ طعامٍ حقيقي تناوله لأول مرة كزبون محترم..
وعزّت في خضم هذا لا يزال متأمِّلًا متعجِّبًا شهيّة الصغير، سائِلًا عن الطعم، والجواب لا يزال لفظ الجلالة. يسأل بحرقة الإعجاب عن سعادته بمقدار الطعام القليل، ولم يتلقّى الجواب.
ذلك أنّه بعد سؤاله، ظهرت زوجة صديقه الخائنة: شوشو.
وشوشو هذه تظن أن لها حقًّا في المعاتبة، فبعد أن ادّعت أن تأخرها سببه تناولها العشاء في الحفلة الخيريّة، أشارت لبندقة وعاتبت بصيغة سؤال استنكاري عزّت استبدالها بهذه “القذارة”.
فما كان من عزّت إلّا أن قال بأنّه لم يستطع إيجاد قذارة كي يستبدلها بها، ودافع عن براءة الطفل وأنه لا يصح وصفه بهكذا ألقاب.
ولما حمّت شوشو العِتاب، تزحزح الطفل وقال بأنه شَبِعَ وآن له المغادرة. وأدرك عزّت بالقريحةِ أنّه يريد إخلاءَ مَكانٍ لِشوشو، فأبى إلّا أن يبقى.. وإن شاءت المرأة فهناك كرسي ثالث.
إلّا أنّ شوشو صرّحت برغبتها بالرحيل لبرودة الجو وأنها رغمًا عن كل شيء (مثل الظرف الوهمي بأنّ أصحاب المائدة الخيريّة أصرّوا على مشاركتها إيّاهم، تحجّجت بذلك عندما لمّح عزّت لازدواجيّة توجُّهِها في التعشّي) كانت تنوي أن تتعشّى مع عزّت. ما منعها هو عدم قدرتها على جمع مائدتين في آن.
فاستغلّ عزّت هذا المقال ليُعلن رأيه:
هنالك من يستطيع الجمع بين ثلاث موائد وربما أكثر وأكثر من يدري؟ هنالك طِراز من الجِياع يقضون من حياتهم كلّها بين الموائد، ولا يملئون أبدًا ما يشعرون به دائمًا من فراغ.
ولم يأبه الرجل بسؤال المرأة عن من يرمي.. بل توجّه للطّفل وأعطاه ثمرة برقوق جعلت بندقة يهتف مبتهجًا بأنها حلوةٌ كالسُّكَّر.
بهجة الطفل دفعت عزّت للتوجه من جديد للخائنة وباحَ بما معناه أن شطرًا صغيرًا من زهيدِ الأمور كفيل بإدخال السرور على قلوب الجِياعِ البسطاء، على عكس الجِياع الأغنياء.
والتمسَ بندقة من عزّت، في تردّد، ثمرات برقوق تكفي أصحابه، ليكون ردُّ الرجل بأن مسموحٌ أخذ الطاولة كُلُّها، وحمّلها في لُفافةِ جريدة ناولها الطّفلَ عِوَضًا عن الإعتماد على علبة لمّ السجائر.
في شبه وسوسة، تُذكّر شوشو عزّت بأنه لطالما كان متأفِّفًا من جشع فلّاحيه، غير أنّه لم يكترث، وراح يشيّع الطّفل إلى الخارج خِشيَةَ أن “يُضبَط” من من يظنّون بأن حقيرًا مثله لن يناسبه إلّا سرقة ما في يده.
وسبق ذلك أت خاطب عزّت بما مفاده أن أصحاب الإملاق دائمًا ما يُضبطون، فيما يُعَدُّ الضبط كلمة جارحة لبعضهم (فيما نظر لشوشو، ذلك أن زوجها ظنّ بأن كلمة “ضبط” مهينة).
أصرَّ عزّت أن يُغادِرَ بندقة بشرف، تمامًا كما دخل للكازينو.
فتهكّمت شوشو من شرفه، وبقيت وحيدةً مغتاظَةً لِيُسْدَلَ السِّتار.
رابط الكتاب: مؤسسة هنداوي – الجياع
لماذا قطعوا رأس هذا الرجل ووضعوه في زجاجة؟
https://youtu.be/r-kWEG7jF8M?si=jXr2WYZJ81v95Rxw
الطبيب نجيب محفوظ والأجنة المشوهة
https://youtube.com/shorts/FqIXhvVKNoM?si=PKFXpQHjf0Udchmw
حكاية مكررة في زمننا هذا كثر اطفال الشارع للاسف الشديد.. وبالمقابل هناك طبقة تصرف الكثير في الامور التافهة.
مقالك أصاب لب المسرحية.. الحكيم يصور جوعين: جوع الفقراء للخبز، وجوع الأثرياء للمعنى.
أما خيانة الزوجات فليست حدثا عاطفيا بل رمز قوي:مرآة لانحطاط طبقي (خيانة في كازينو × جوع في الشوارع)و تعبير عن فراغ الأغنياء الروحي و تظهر ازدواجية الأخلاق عند السلطة (نناقش شرف الخائنة ونطرد الطفل الجائع)
المفارقة الأجمل: خيانة الأغنياء الفارغة تقابلها وفاءة الطفل الجائع لأصدقائه.
العبقرية أن الحكيم يحول قضية شخصية إلى اتهام لمجتمع كامل…
تحياتي لك وبأنتظار مقالك القدم
روكسانا✌️✌️🌺🌺
أعني يا صاح هذا غير طبيعي الأدب مذهل توفيق الحكيم يكتب بدم قلبه.. ليست العبرة بكلمات تصف الآتي والراحل بل بالمشاعر والتصوير الواقعي وإيقاع الرسالة الأخلاقية ويا للهول أستطيع عيش حياة كاملة مكرّسة لمطالعة نصوص كلاسيكية نُذِرَت لتكون فيّاضة بتلك العاطفة الذهبية.
والموت للجوع ولسياسات الرأسماليين الجشعين!
والأهم هو أن نحتوي المحتاج، خاصة الأطفال.
ويجب علينا خيانة زوجاتنا.
بالفعل الأدب مذهل ……وليس فقط توفيق حكيم من يكتب بدماء قلبه بل هم الكثيرون ممن رسخوا حياتهم واحاسيسهم لتكون حبيسة الأقلام والأوراق……
موضوع جميل اخي ……. مميز بتفكيرك جدا …
تحياتي لك واعتذر عن تلك الماهمة البسيطة للكلماتك
….تحيات لك
فرح