ومضة من كتاب حديث مع الكوكب

حديث مع الكوكب هو كتاب فلسفي بصبغة قصصية من تأليف الكاتب المصري الراحل توفيق الحكيم.

تتخذ القصة منحناها عندما يزور الراوي مغارةً في جبل المقطم، في صدفةِ حنينٍ قادته لها ساقاه بعد الحرب العالمية الثانية.

وعندما يتوغل الراوي في الجبل أكثر، يعثر على مغارةٍ ما، ليس معروفًا إن كانت القديمة بعينها أم لا؛ لكن المعروف هو أن فيها حفرةً كالبئر، بل لِسان، ولسانٌ تعجّب الراوي من المحدّثِ به: كوكب الأرض.

نعم، الراوي صدح في البئر بعبارة “من أنت” ليأتي الصوت مُقابلًا بالمثل. حينها ظنّ أنه صدًى.. وعليه، أبدى إعجابه بعبارة “صوت جميل” ليُجفَل بالرد الذي أوحى بأن هذا البئر الذي لا قرار له، حيٌّ واعٍ: شكرًا.

هنا شُحِذَت فلسفة الخوف، فالراوي، حتى مع أنه شُكِرَ، إلّا أنه برّر خوفه برد الفعل الطبيعي عندما يصادف العقل ما لا يمكنه تفسيره. والخوف الفعلي الناجم عن ضرر وخطر ما يلبث أن يزول في لحظة، ليسترد العقل منطقه مخلّصًا.

وما لم يُجبَل عليه معظم الناس، إستعادتهم للثبات ودرءِ هزة الخوف، هو ما حاوله الراوي بتعسُّر.

فنشبت بينه وبين الحفرة محادثة تبيّن منها الأخير أن الناطق من الحفرة ما هو عفريتٌ أو روح من الأرواح، إنّما كوكب الأرض بغلافه ومحيطاته.

على أن تقديم هذه المعلومة بهذه البساطة كان ليحرم القارئ من مناظرة لطيفة دارت بين البشري والكوكب، وهي تعنّت الأخير عن تقديم نفسه دون طورِ غرابة، إذ أنه يتحدث بالألغاز ويشير للراوي بأنه “شيءٌ غيرك” تمامًا كما يتحدث إليك برغوث ويسألك عن كُنهِك!

من هنا بدأ عنوان فرعي- الإنسان والبرغوث.

تفرّعت منه مقارنة أجراها الكوكب بين الإنسان والبرغوث، مفادها أن الأول أقدر من الثاني على القفز، وذلك أنه بالتناسب يستطيعُ قفزةَ الإنسان من الأرض إلى سطح عمارة ابنة عشرينَ طابقًا. فيرد عليه الراوي بأنه يقفز بفكره، وهو ما شجع الأرض على طرح ما يُدرَك بالفكر لا الجسد: وهو التعرف على محدّثه.

هنا، كاد كوكب الأرض يكشف عن هويته لكنه أسبقها بتشبيه بلاغي أعاده لموضوع البرغوث وكيف أنه يعيش على الجسد مستمدًّا منه الدفء والزاد والحياة، ويغرز في سبيل ذلك إبرتهُ في الجلد ممتصًّا منه الدم. ثم، يُسقِط ذلك على الإنسان مدعيًا بأنه يعيش على سطح الأرض مستمدًا منها حياته ومستخرجًا منها البترول بآلاته.

وبعد توضيحٍ فطن الفطين، لكن الدهشة لم تزل.. كيف يمكن لكوكب أن يتحدث ويتصرّف؟

هذا ما سُئِل، وما أُجيبَ كانت خُلاصته:

إن الأرض كائن حي، يسير وينجذب ويُقاوم جاذبيات الفضاء.

ربما مكمن الاستغراب هو أني أحدثك باللغة البشرية، حالُ هذا استغراب البرغوث إن حودثَ بالبرغوثية.

إن للموجوداتِ لغةً واحدة: الحياة، وهي تختلف باختلاف تركيبة الحي. فهي المظهر والجوهر الذي يَلُمُّ شمل أكبر المجرات وأصغر الإلكترونات.

بعدها يعترف الكوكب بأن لغته الأصلية، على عكس محدّثه، أفعالٌ ما أقوال. قوامها قائم على سياسة التحرك وحساب المسافات والأفلاك وما خالفَ ذلك من أشعّة وجاذبية بدقة تفاديًا للارتطام مع إخوته الكواكب.

وفي العِبرةِ خبايا لا يستطيع عقل الإنسانِ لفهمها سبيلًا.

ولمّا استفسر الراوي عن مقصد الكوكب، أردف الأخير بما معناه:

وجود الإنسان ضِمن بيئة هو الأضعف فيها، خلق عنده تركيبة عقلية متفرّدة تعمل حسْبَ منطق إنساني بحت، وهذا مختلف كل الاختلاف عم تركيبة الكواكب العقلية.

ومن هذا المنبر ننتقل للعنوان الثاني- حيوان ضعيف الأسلحة

والمقصود هنا هو الآدمي بين الحيوانات والحشرات، الضواري منها ذات الأنياب والثعابين منها ذات السّموم والمهاجرات منها ذات الأكناف.

وحتى السمك لديه قدرة إعجازية على السفر من محيط لآخر.

أمّا الإنسان، فمجرّدٌ هو من مزايا مبنويّة أو عضليّة تُعينه على مطاردة الطرائد والفتك بالجواميس.. لذلك لجأ هذا الضعيف للإبداع الخلّاق، فَطَفَقَ يصنع الأنياب من خشاشِ العِظام والحجارة. واستمر حالهُ على هذا حتّى تبلورت في مخّه خلايا خاصّة أخذت تنموا وتنموا.

وانتهى مطافهُ بتعويض نقصه الطبيعي، كالأجنحة بصنيعٍ مِثلها.

وكذا آلاتٍ تغذّيه وأسلحةٍ تحميه جنبًا إلى جنب مع زعانف بها يغوص. فالتفكير الخلاق ارتقى بهذا الأعزل.

العنوان الثالث- سلاحه العقل الخلّاق،

جاء موضّحًا وجهة نظر الكوكب، فالتفكير قوّة، ولا يجيدها غير الإنسان.

ذلك أن طائر السمّان في غِنًى عن التفكير طالما قوته الطبيعية تُتيح له السفر عبر قارّتينِ وَيَمٍّ شاسعٍ دونما توقّف، وهذا ما لا يقوى عليه محرّك طائرة.

بعد ذلك بادر الراوي بوصف التفكير بأنه نعمة الإنسان الكبرى، فيعارضه الكوكب قائلًا بأن النعمة والنقمة ألفاظٌ إنسانية لا تتماشى مع الحياة، فالشيء الوحيد الذي يتماشى معها هي ضرورة الحياة نفسها.

ويضيف بأن التفكير الخلاق قد خلق لمعشر الإنس تصورات مغلوطة كفكرة أن كل ما على الأرض قد وُجِدَ لهم.

-أو ليس هذا صحيحًا؟! قوبلت بِ -لو كان للبعوض أن يتصور مثل تصوركم لظنَّ القميص الذي يتقافز إليه وُجِدَ ليحميه.

وأنا قميصيَ الغلاف الجوي الذي تعتقدونه مُسخَّرًا لحمايتكم من الأشعة القاتلة.

دافعَ إذ ذاكَ الراوي عن أهداف الفِكر البشري، مدّعيًا أن مساعيه أكثر من مجرد ضرورة حياة، مستدلًّا لإثبات ذلك بالسفر للفضاء.

فالإنسان غادر حاضنته سعيًا لفضاءٍ مجهول.

فدافع الكوكب بدوره:

إن هذا أيضًا ضرورة حياة، فهي في النهاية شحذٌ للسلاح، التفكير الخلّاق يحتاج تجديدًا وإعمالًا كي لا يصدأ ويأخذ في تراجعٌ يحيلُ القويَّ ضعيف.

نعم، أعنى الكواسر صاغرة في وجه إنسانٍ ذا فِكر.

والراوي بدوره يؤيد:

صِدقًا قُلت. حتّى بني الإنسان بين أجناسهم عِراك.

دولة صغيرة مثل هولندةَ حكمت شعبًا ضخم التعداد (إندونيسيا) بامتيازها الفِكري.

العنوان الرابع- المعرفة الإنسانية

تحت هذا العنوان لخّص الراوي ما توصّل إليه، ألا وهو أن كل حيٍّ له طرائقه في الحفاظ على الحياة، وأن الإنسان كان حيوانًا كُتِبَ عليه الفناء لولا صنيعه، لكن، ولكن مُباغِتة؛ بماذا يا كوكب يا عزيز تفسّر الأديان والفنون؟ ألا يعني هذا أننا أكثر من آلة فِكرية؟

على أنّ الكوكب باغت الحجّة مباشرة، وأشار له بأن لا يفصل بين التفكير الخلّاق والدين والفنون. ذلك أن البشر ما داموا يصنعون ويبتكرون، فإنهم يطوّرونَ فهمًا لفكرة الخلق والإيجاد، بالتي سيفهمون نظرية التسلسل الخلقي، وأن لا موجود دونَ موجِد.

فسيصلون لاستنتاج الأسمى والأرقى: الله عز وجل.

ومع تقدّم السطور يبزغ دور الفن، فالأوّلون رسموا الماموث على الجدران، كي يزدادوا علمًا به، فالإنسان وحده من يحتاج التفكير كي يقي ذاته من شر الموجودات الأخرى (وذلك يشمل البرغوث من العنوان التالي).

فيحتج الكوكب بذلك على تفاهة فصل جهاز التفكير عن الفن والدين.

العنوان الخامس: الوجود والعدم

-أنت تتحرك وتداوم الحركة منذ أكثر من أربعة آلاف مليون سنة.. لماذا.. ما هي الغاية؟

هذا مستهل العنوان، سؤال الراوي الذي بيّن الكوكب سخافته:

هذه أسئلة إنسانية لا معنى لها تنتجها أذهان الإنسان القائمة على أبعاد ومقاييس زمنية محددة تتبنى وجهة نظر السبب والنتيجة.

ما هذا حالُنا، فنحن لا نعرف سوى الحياة والوجود.

عندما سمع الراوي ما سمع، سأله عن “العدم” فتقودنا السطور اللاحقة لمفارقة لغوية طريفة استعملها الكوكب وهي “وجود العدم” فما دام العدم، بمعناه المعدوم، يدخل حيّز الموجود، باللغة الخاضعة لتركيب جهاز عقل البشر.

ثم يحاور الراوي الكوكبَ عن الموت، فيُشرَحُ كيف أن موت البشر يعني تغيُّرًا ظاهريًّا لأشكال الأحياء، وينتهز الكوكب هذه الفرصة للتهكم من عالم المعاني، وذلك بعد أن يشرح عن نفسه وكيف أنه حتّى بعد أن تبتلعه الشمس ويقطن جوفها سيبقى حيًّا مع تغيّر شكله والاحتفاظ بطاقته ومادّته إذ لا موت ولا فناء للمادّة.

العنوان السادس: الوعي والشخصية

حرصًا على استكمال الفرصة النادرة، يُحاور الراوي الكوكبَ عن صلته الإجتماعية بزملائه الكواكب.

فيكون رد الأخير أنْ لا عبرةَ غير حساب المسافة بدقة تجنُّبًا للتصادم.

وهذا ما تُيَسِّرُهُ عقولهم المختلفة عن عقول بني آدم.

هنا تعجّب الراوي وسأل: وهل لكم عقول؟

-لو كنّا مجانين لوقع التصادم بيننا في كل لحظة، ولما استطعتم للحياةِ سبيلًا.

هذه بذرةٌ لاستفسارٍ عن العقل الكوكبي، لا بد من طرازٍ آخر هو.. لكن عل هي واعية؟

هنا أجاب الكوكب: كيف الوعي وهي من طراز آخر؟

ثم استطرد قائلًا بأن الوعي والشخصية خاصة بالإنسان وحده.. ومع تقدم السطور، يعزّزُ الرأي بطرح مثال: النحل وهندسياته (الهندسة السداسية).. فمع إبداع النحل، كما الناسجات من الحشرات، هو لا يعي أبدًا ما فعله إنما يُقادُ له بفعل الغريزة.

وعلى عكس الإنسان، لا يتأمل أو يعي الجمال.

مع نهاية العنوان، يدّعي الكوكب أننا معشر البشر نبالغ بِ “تصوّر” أن كل الكائنات العُليا عاقلةٌ.

فيدافع الراوي مستمدًّا مفهوم “التّصور” فيقول بأن هذا مِمّا لا يمكن تصوره، فتنشأ معضلةٌ يستعملها الكوكب لفرض رأيه:

تصوّرك بالعقل الواعي يدفعك لحدود ونطاقات معيّنة لا يمكنك تجاوزها.

العنوان السابع: الكائنات الخفيّة

طبعًا الراوي ادّعى في المقابل أن حدود التصور يمكنها تصوير كائنات خفية غير مرئيّة تحوس ويفزع لها الوجدان.. والمقصود هنا هو أي شيء مجهول كالفضائيين أو الفايروسات وما خالَفَهُما.

وينبثق من هذا تساؤلات عن وجودها وكينونتها وهل تشعر وتتدخل في الشؤون أم لا.

والكوكب عاد لموضوع البرغوث وأسقطه على هذه التساؤلات، والمعنى هل نرى ما بداخل البرغوث؟

ليناور الراوي بقوله إن الواحِدَ يعرف ما بجسمه مرئيًّا كانَ أم مخفيًّا.. ورُدّت المناورة بسؤال الكوكب: هل أنت أيها البشري تعرف ما بجسمك من فايروسات.

فما كان من الراوي حينها إلّا أن تعذّر بالمحاولة.. محاولة معرفة كل شيء والولوج للأسرار ونبش المعلومات.. فما باحَ الكوكب سابقًا: المعرفة وحب المعرفة هما السلاح الإنساني الوحيد.

وكالعادة، هذه زاوية رؤية لا يقبلها جسمٌ من مادّة وطاقة غُرِزَت داخلهما معرفة تتّسم بحركة الطاقة والدقة في المسار.. فهي معرفة لا تستجيب للتطويع.

إذ ذاك، استعان الراوي بمقارنة استفهاميّة، هي دحر فكرة وجود فايروسات خفية فيه، مع عدم استبعاد وجود مخلوقات خفيّة لدى الكوكب.. مستفيضًا بادّعاء أن بعضًا من الناس عاشروا، بالأحرى أقسموا معاشرة كائنات خفيّة.

عندها افترض الكوكب افتراضَين: صِدقَ القسم، فالكون أشدوسع من أن يشمل صنفً واحدًا، وربما الأصناف الأخرى موجودة ومحمية من حدقات الأعين البشرية ذات الطاقة المحدودة.

ومن هذه الأصنافِ غيرِ الواعي ذو القدرة على التدخل مسارات وأفلاك الإدراك عند الكائنات الأخرى، فلا يُبْصَرُ بذلك.

والافتراض الثاني هو أن هذه الكائنات ما هي إلا تصورات وأضغاث وتهيُّئات العقل الخلّاق الذي يُحيلها شيئًا يؤمَن به.

العنوان الثامن: الإيمان والتفكير 

الكلمة الأخيرة كانت ركيزة العنوان الثامن، فبدايته أنْ تأمّل الراوي فكرة الإيمان وزادها أهمّية بأن عدّها مِلكة إضافيّة لملكات الإنسان.

فتأمّل الكوكب شارِحًا: الإيمان يقوّي الإصرار عند الإنسانِ وغيره

فبدر تسؤل عن وجود الإيمان لدى مخلوقاتٍ أخرى.. وهو ما أيّده الكوكب ضاربًا مثلًا بالنمل.. فنشاطه دون وعي يوحي بأن وراءه قوّة كالإيمان.

فتقاطع جديث الإثنان بتحديد مقصد الراوي وهو إيمان العقيدة.

ليتضح من علم الكوكب أن العقيدة إنسانية بحتة نظرًا لأنها في الأساس فكرة.. فكرة يرتسم على معالِمها الوعيُ.

ويقرنُ بعدها الإيمان بالعمل.. فكل عمل يسبقه تفكير.

يجمع الراوي الخطوط ويستنتج أن التفكير، ما دام يسبق العمل؛ فهو يسبق الإيمان كذلك. وهذه سمة إيمان العقيدة.

إذ إنه قبل الإهتداء إلى خطوة نهائية، يمر المفكّر بعواصف من الإحتمالات وغيرها.

وهذا، بدعمٍ من الراوي لاحقًا، ينطبق على مرحلة التشكيك قبل التّسليم بالدين والدعوة له في دابِر الزّمان. والعمل في سبيلهِ إيمانٌ.

أدلى الكوكب بدلوه إذ قال بأن الإيمان والإصرار على العمل (والوعي به) سيتحول لطامّة إذا وُجدً في مجتمعات الحيوانات الثابتة.. فسنرى تحوّلاتٍ سياسية في ممالك النحل والنمل!

هنا أردف الراوي حُجَجَه وتقوّل بأن الحشرات التي يهددها التفكير لا يوجد لديها مشكلات مشكلات إجتماعية تدعوها لتحويل مملكة النحل، مثلًا، إلى جمهورية.

وتعود لنا فكرة قوة الحياة التي جُبِلَت عليها الكائنات على لسان الكوكب، فيدافع عنها بأنَّ حلّال مشكلاتها هي طاقة الحياة المتمركزة في تركيبها.

وهذا على عكس الإنسان، فعضلته المستحدثة، العقل الواعي، يخلق المشكلات بمفرده.

العنوان التاسع: مسؤولية الفكر

أسفل هذا العنوان ظهرت مسؤولية الفكر، ذاك الذي دورانه واستمراره تُرهن فيه فرصة الإنس الوحيدة في الحياة.. فلا بد من تحييد الإمكانات ودحض الهلاك والإهلاك.

برأي الكوكب، مقدار الفِكر، إلى جانب مقياسًا للنُّبل الفرديّ، فهو أيضًا مدعاةٌ لابتلاع الحضارات ومداولتها.

موضِّحًا أنَّ كلمة “بلع” هي مقصده من الوصف الأوّل وهو “اختفاء”.. إذ لا شيء يختفي.

فالحضارة عندما يجمد فِكرها، تبتلعها حضارة أخرى هي أقدر من الأولى على التفكير. فالشيء موجود، لكنه عُرضة لأن يُتَداوَل وعرضة لِسَلْبِ كنوزه وزهرة قوّته.

في هذا السّياق يتسائل الراوي عن الإتجاهات، إذ لا حركة دون اتّجاه. فَيُدَلُّ على الأمام لا الخلف، فالعرجون له موضع ثابت ولن يُمسي الغد ليلةً إلّا بتغيّر أحوال الشمس ودورانها.

طيّب، عرفنا الوُجهة، لكن من أين لنا وقود لنحرّك عجلة التقدّم؟

هذا كان سؤالًا خِتاميًّا من الراوي، أُجيبَ عليه بعناصر التنمية النباتية (منطقي، لأنه كوكب)..

فوقود العجلة هي بيئة صالحة ومناخ متلائم.. تمامًا مثل كل زرعٍ طيّب.

والنبات الطيب، يعتاز هواءً وضوءً.

العنوان العاشر: الهواء والنور

إثر نهاية العنوان التاسع، بادر الراوي بالسؤال عن مصير المزروع، أمستقلٌّ نموّه أم بالزّرعِ مرهون؟

ليكون ردّ الكوكب ثنائيَّ القُطب: ينمو وحده (يقصد النبات البري أو طرح فضلات الدّواب) ويا سلام لو وجد من يغدقه بالسماد ويسخو عليه في الإنفاق، جالِبًا له أحسن البذور دون أن يَصُدَّ عنهُ النور والهواء. حينها يُزرعُ زرعًا.

إعترض في النهاية الراوي على التسليم بوجود البذور والهواء والنور دون نقص، فهي في خَلَدِهِ ليست دائمة التوفُّر، والسبب هي الموانع. ولمّا سأله الكوكب عن هذه الموانع، لم يُفْلِح في ترقيمها.

فرأى أن يُريحَ الكوكب من طول الحديث وأن يفرنقِعَ لتأخر الوقت.. عندها عبّر الكوكب عن سروره بمعرفته، فأجابَ الراوي ساخرًا: بمعرفة برغوث على سطحك!

ولم يتوانى عن إبداء استعداده بل وتقديم دمه لبرغوث يحادثه عن همومه!

فوجد الكوكب هذا المَقال فرصة ليطبّق التشبيه:

” أنا أيضًا أقدّم لكم، عن غير علم، دمي وكنوزي من بترول وذهب وماس وثمار. ولا أسألكم شيئًا غير توزيعها بينكم بالعدل، بلا ظلم ولا طغيان ولا عدوان!”

ووَدّع الإثنان بعضهما في نخاية العنوان.

يستكمل الكتاب الأحداث والعودة ونضوج الشخوص ويستفيض بالفلسفة.. هذه محاولة متواضعة لتلخيص اللقاء الأوّل.


رابط الكتابة :

كتاب حديث مع الكوكب

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

4 تعليقات
ابو العز
ابو العز
10 شهور

قراءة هذا النص كانت تجربة فريدة من نوعها تأخذ القارئ في رحلة غير متوقعة بين التأمل والدهشة تبدأ من مشهد يبدو بسيطًا في مغارة بعد الحرب لكنه سرعان ما يتحول إلى فضاء حي ينبض بالحياة وكأن الأرض نفسها تتحدث مع كل من يقرأ تشعر وكأنك جزء من الحوار مستمعا لكل صدى وصوت، متسائلا ومتأملا في ما وراء الكلمات، وفي الوقت نفسه مندهشا من قدرة النص على جذبك إلى عالمه الرمزي العميق

ما يجعل النص مميزا هو أنه لا يمنح إجابات جاهزة بل يترك لك الحرية لتتساءل عن علاقتك بالوجود بين الخوف والمعرفة وبين الحقيقة والوهم كل كلمة تحمل طبقة من المعنى وكل فكرة تدفعك إلى التفكير بعمق في ما نأخذه كأمر مسلم به والصوت الخارج من البئر يتحول إلى صدمة ذهنية تحرك العقل وتفتح أبواب التساؤل بحيث لا تكون القراءة مجرد متابعة أحداث بل تجربة تحفز على مواجهة الأسئلة الداخلية وإعادة تقييم المعتقدات التي اعتدنا قبولها دون اختبار

ومع تقدمك في القراءة تكتشف أن قوة النص تكمن في التوازن الرائع بين بساطة المشهد وعمق الرسالة الفلسفية تتقاطع مشاعر الدهشة والارتباك مع شعور دائم بأن كل كلمة تحمل مفاجأة جديدة فيتحول الحوار الرمزي مع كوكب الأرض إلى رحلة عقلية وعاطفية متكاملة تشعر معها بأنك مشارك فعليا في استكشاف الوعي والوجود وليس مجرد متلق للأحداث هذه التجربة تجعل القراءة أكثر من مجرد نص إنها رحلة ممتدة في النفس تترك أثرا طويل الأمد وتذكرك بقدرة الأدب على الجمع بين العمق والفلسفة وبين الدهشة والجمال بطريقة تبقى عالقة في الذهن وتحث على العودة للتأمل والتفكير أكثر

وفي النهاية يدرك القارئ أن النص لا يمر مرور الكرام بل يترك أثره في كل من يغامر بالدخول إلى هذا الحوار الرمزي مع الأرض والوجود إنه يحفز على مشاركة الانطباعات والأسئلة الجديدة لتصبح تجربة القراءة تجربة جماعية ممتدة حيث يتحول كل قارئ إلى جزء من النقاش حول المعنى والوجود وما بين الظاهر والمخفي النص هنا ليس مجرد قصة تقرأ بل تجربة شاملة تشعل العقل والخيال معا وتدفع القارئ لإعادة النظر في دوره في هذا الكون وفي معنى الخوف والمعرفة والحقيقة، لتظل أثرها باق طويلا بعد إغلاق الصفحة، وتذكرك بأن الأدب قادر دائما على فتح نوافذ جديدة للتفكير والإحساس

شكراً صديقي Wave Manipulator على هذه اللمحة الرائعة من كتاب حديث مع الكوكب بصراحة، جمال النص وروعة الرمزية جعلاني أندمج تماما مع كل كلمة حتى شعرت وكأنني جزء من الحوار ذاته مع الأرض والوجود.يبدو تعليقي كتحليل فالنص دفعني للتفكير بعمق في كل فكرة ورمز، رغم أنني ما زلت أطور نفسي أدبيا وفكريا استمتعت بكل لحظة وأدركت أن هذا النص قادر على تحويل تجربة بسيطة إلى رحلة ذهنية وعاطفية غنية تترك أثرا طويل الأمد وتفتح أمامي نوافذ للتأمل والإبداع شكراً على هذه اللحظة الملهمة التي جمعت بين الدهشة والجمال والفلسفة.

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
10 شهور

‏صحيح بالمناسبة أخونا الكريم اعتذر على شي من القسوه ‏في الرأي والنقد بخصوص احد تعليقات ‏على قصة أدبية لكم نشرة من فترة ‏في قسم الآداب ربما كان عنوانها عن كوكب غامض شيء من هذا القبيل
‏اعتذر لو كان سياق ذلك التعليق تجاوز قليلا حدود النقد البناء ‏وفي انتظار أعمال أدبية ومواضيع ثقافية لكم أخرى إن شاء الله أجمل وأمتع تحياتي

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
10 شهور

‏تحية لكم أخونا الكريم واي ميلتر ‏والمعذرة لو كتبت الاسم بالعربي لانه عندي مشكلة في موضوع القص واللصق على الكيبورد
‏تسلم أخي الكريم واضح ما شاء الله لديكم إطلاع واسع اذ ‏ليس بالسهل أبدا اختيار موضوع ثقافي مثل هذا فكيف لو كان من أقلام كتاب كبار ومنهم توفيق الحكيم وغيره
‏أهنيك يا أخي الكريم على إعادة الحياة في قسم المكتبة وتحفيز ‏الرواد في الموقع إلى المزيد من شغف القراءة و إعادة التواصل مع الكتاب ككتاب بجلدتيه ومحتواه ‏وليس مجرد اقتباسات ‏من هنا أو من هناك على أي منصة ومحرك بحث فالماده ‏الغذائية وثقافيا والعلمية والروحية للقراءة والوعي لا تأتي من خلال كم ‏عبارة مقصوصة من كتاب ‏إنما تأتي من خلال نهم سطوره اي الكتاب وفصوله وسياقه والتبحر في اعمق كنوزه لتعم فائدته ويتغذى ‏العقل والروح من معينه
‏شكرا لكم أخونا الكريم وفي انتظار القادم الممتع بإذن الله

ههه ‏ما شاء الله عليكم أستاذ كل هذه القراءات ‏والمسرحيات فقط لي توفيق الحكيم فماذا عن باقي الأسماء والأقلام والكتاب
‏ما شاء الله تبارك الله مو قلت لكم أستاذ لازم تعمل قسم يخص المقابلات الشخصية حتى نجري معكم مقابله وتطلعنا فيها على تاريخكم ‏العامر معالم الثقافة والاطلاع والأدب و ‏ثم الكتابة بالطبع

‏تحياتي لكم أستاذ ومشكور على كل هذا المجهود الذي أعاد الموقع الى رونقه ‏والنشاط الى. ‏الكثير من أقسام كل التحية والتقدير إلى جنابكم الكريم أستاذنا العملاق تحياتي

اياد العطار - ادارة
المدير
اياد العطار - ادارة
10 شهور

تحية كبيرة للاخ العزيز Wave Manipulator

لاشك ان الكاتب الكبير توفيق الحكيم من رواد وفطاحلة الادب العربي الحديث .. لم اقرأ له هذا الكتاب .. لكني قرأت له في مراهقتي .. اهل الكهف .. بجماليون .. الملك اوديب وغيرها .. وشاهدت له مسرحية عودة الروح .. ويوميات نائب في الارياف ..
هذا الحوار الفلسفي مع كوكب الارض رائع بمعنى الكلمة ويحمل الكثير من المعاني التي تقترب من التحديات التي لازالت تواجهنا اليوم .. كالتلوث .. واستنزاف الموارد الخ .. رغم ان الكتاب مضى عليه اكثر من خمسين عاما ..

ساحاول طبعا قراءة الكتاب في وقت فراغي .. فأسلوب الحكيم يجذبي دوما ..

تقديري واحترامي وبانتظار المزيد من ابداعاتك

زر الذهاب إلى الأعلى