العائلة المنسية: 40 عاما من الفرار والعزلة

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

ستكون رحلتنا اليوم الى روسيا حيث جرت احداث قصتنا الغريبة والمؤلمة في نفس الوقت ..  بداية القصة كانت عام 1978 عندما كانت مروحية تحلق فوق منطقة غابات التايغا ، وهي مناطق شاسعة في روسيا تغطيها الغابات والثلوج معظم السنة وتعرف كمنطقة غير مكتشفة كليا وغير مؤهولة نظرا لانعزالها وبرودتها وكذا انتشار الحيوانات البرية المفترسة مثل الدببة والذئاب ، كانت المروحية تحمل مجموعة من الباحثين الجيولوجيين الذين كانوا يقومون بمسح الاراضي والبحث عن خام الحديد ، كانت المروحية تبحث عن منطقة للهبوط وكان الباحثون يتأملون المناطق الشاسعة علهم يجدون مكانا للهبوط لكنهم شاهدوا مجموعة من اخشاب الصنوبر مثبتة على ارتفاع 6 الاف قدم فوق سطح الجبل ، ولأن المنطقة نائية وغير مأهولة فقد استغرب الباحثون وجود هذه الاخشاب المثبتة على شكل كوخ.

عند نزولهم من المروحية بحثوا عن المكان الذي رأوه من الجو حتى وجدوا كوخا خشبيا مهترئا وسط الغابة الموحشة ، فاقتربوا منه بحذر ، فخرج رجل عجوز من الكوخ ، كان حافي القدمين وملتحيا ويرتدي قميصا وسروالا من لحاء الاشجار ، كان منظر العجوز مرعبا وسط الغابة ووسط ذهول الباحثين.

blank
الكوخ الذي شاهده العلماء .. في غابة نائية جدا

دعاهم العجوز الى الدخول الى الكوخ ، كان الكوخ ضيقا ورطبا ومظلما ليس فيه الا القليل من الاثاث والادوات ليعكس قساوة العيش. وهناك في الداخل تواجد مجموعة من الاشخاص بدت ملامحهم خائفة من القادمين وكأنهم لم يرو انسانا من قبل ، تبين في ما بعد انهم اولاد الرجل العجوز.

حاول الباحثون التعرف على العائلة وتحدثوا مع الرجل العجوز ، وهنا كانت المفاجئة ، فقد عرف الباحثون ان هذه العائلة لم ترى انسانا منذ اكثر من اربعين سنة!.

سبب الاختباء

في ثلاثنيات القرن الماضي كانت روسيا تحت حكم البلاشفة ، وكما هو معروف فان النظام البلشفي الشيوعي كان نظاما ملحدا وحارب كل الاديان في روسيا وهدم الكنائس والمعابد وقتل كل من يدعو الى الدين وحارب الجماعات الدينية من كل الطوائف ، وقد كانت هناك طائفة دينية ارثذكسية اصولية متشددة من المؤمنين القدامى كانت مضطهدة منذ عهد القيصر بطرس الاكبر اوائل القرن الثامن عشر ، وقد بقيت تمارس شعائرها في السر الى ان جاء البلاشفة وبدؤوا حملة تطهير ديني واسعة لكل الطوائف والمعتقدات ، وكانت هذه الطائفة ممن شملهم التطهير.

blank
صورة من عام 1931 لتفجير احدى الكاتدرائيات على يد البلاشفة

كان كارب ليكوف رجلا قرويا بسيطا عاش مع زوجته اكولينا في قرية بسيطة ، لكنه كان من اتباع الطائفة الارثذكسية الاصولية ، وعند بداية التطهير العرقي عام 1936 شاهد مجموعة من الجنود وهم يدخلول القرى ويقتلون كل من يشكون انه مؤمن ويهدمون الكنائس ، وعند اقترابهم من قريته هرب مع عائلته باتجاه الغابات ، واثناء فراره شاهد الجنود يقتلون اخاه ، فقرر الدخول الى الغابة والبقاء فيها الى ان تستقر الاوضاع ، وقد كانت معه زوجته وطفلاه سافين ذو 9 سنوات و ناتاليا ذات سنتين ، كما اخذو معهم بعض الاغراض مثل مغزل النسيج وبعض الاواني البسيطة والملابس وكتاب الانجيل .

الحياة في الغابة

blank
صورة العجوز كارب ليكوف

مع مرور الوقت زادت الاوضاع سوءا ، فالبلاشفة حكموا روسيا بيد من حديد مما جعل عائلة كارب ليكوف تستقر داخل غابة التايغا وتعتمد على نفسها في كل شيء رغم صعوبة الحياة ، فالغابة موحشة وخطرة ، كما ان الطقس قاس معظم ايام السنة ، لكن العائلة كافحت من اجل البقاء ، وقد انجب الزوجان طفلين اخرين في كوخهما هما ديمتري عام 1940 و أغافيا عام 1943.

كانت الحياة قاسية على العائلة التي كانت تعاني الجوع دائما ، فالمزروعات التي زرعتها كانت بالكاد تكفيهم ، والطقس البارد كان يجعل العمل او الخروج من الكوخ امرا مستحيلا خاصة في الشتاء.

كان غذائهم البطاطا وبعض البذور ، ولم يأكلو اللحم الا بعد ان كبر الابن ديمتري وبدأ بالصيد عن طريق حفر المصائد او ملاحقة الطريدة حتى تنهار من التعب ، وكان ذلك يستمر اياما عديدة. ومع ذلك بقي الجوع ملازما للعائلة خاصة بعد ان اكل الصدأ الغلايتين اللتين كانت تستعملان للطبخ. اما الملابس والاحذية فقد استعملو لحاء شجر البتولا ونبات القنب لتوفيرها رغم ان البرد كان اشد من ان يحتمل.

blank
العجوز مع ابنتيه

رغم كل هذا فقد تعلم الاطفال القراءة والكتابة من والدتهم عن طريق كتاب الانجيل ، وقد استعملوا عصا خشب البتولا المغمورة في العسل كقلم وحبر للكتابة. كما حكى الوالدان لاطفالهما عن الحياة خارج الغابة وبأنه يوجد مدن وبشر آخرون يعيشون فيها ، لكنها كانت مجرد مفاهيم غير ملموسة او مرئية بالنسبة لأطفالهم.

عام 1961 ضرب الصقيع في يونيو الارض وقتلت الثلوج كل محاصيلهم فاصابتهم مجاعة اضطروا معها الى اكل الاحذية التي صنعوها من قشور الاشجار ، وقد ماتت والدتهم من شدة الجوع ولم تستطع الصمود.

وعاشت العائلة على هذه الحالة الى غاية اكتشافهم من قبل الباحثين.

الصداقة مع احد الباحثين

blank
صورة للعائلة مع احدى الباحثات

مع مرور الوقت تقبلت عائلة ليكوف صداقة احد الباحثين وهو حفار يدعى بيروفي سيدوف والذي قضى وقت فراغه في مساعدتهم في الزراعة والحصاد ، كما تلقو بعض المساعدات مثل السكاكين و الشوك و الاقلام و الورق و الشعلة الكهربائية ، كما عرف الباحثون ان عائلة ليكوف لم تعرف بحدوث الحرب العالمية الثانية او بصعود الانسان الى القمر!!.

وقد رفضت عائلة ليكوف الانتقال الى القرية بل تمسكوا بالعيش في كوخهم ، كما ان والدهم قال عندما قدم اليه الملح ان الحياة بدونه لا تطاق ، كما اعتقد ان ورق السلفان هو زجاج قابل للطي!.

بعد مدة ساءت الحالة الصحية لعائلة ليكوف بسبب اتصالهم بالعالم الخارجي فهم لا يملكون مناعة قوية فتوفي سافين ونتاليا بسبب فشل كلوي وتوفي ديمتري بسبب التهاب رئوي ثم لحق الاب بهم ايضا في فيفري عام 1988 ودفنته ابنته الباقية اغافينا بمساعدة الجيولوجيين وعادت للعيش وحيدة في الكوخ رافضة الانتقال منه.

blank
الابنة الصغرى مازالت تعيش لوحدها في الكوخ وترفض ان تغادره .. ويبدو انها سعيدة

بقيت اغافيا وحيدة في الكوخ وهي في الـ 70 من العمر ولم تغادره الا ستة مرات فقط من اجل العلاج ولقاء المؤمنين القدامى امثالها والقيام بجولة قدمها لها الاتحاد السفياتي على نفقته حيث جالت في عدة مناطق للتعريف بقصتها وعادت الى كوخها من جديد رافضة التخلي عنه ومازالت الى اليوم هناك.

القصة غريبة وقد اثارت استغراب الناس حين سمعو بها كما ان رفض عائلة ليكوف الانتقال الى مكان لائق للعيش غريب جدا فالانسان دائما يسعى الى حياة افضل لكن ربما التعود على الحياة القاسية جعل من العائلة انطوائية لا تقبل حياة جديدة وغريبة وانت عزيزي القارئ مارأيك في هذه العائلة الغريبة؟

المصادر :

For 40 Years, This Russian Family Was Cut Off From All Human Contact, Unaware of World War II
Lykov family – Wikipedia

قصص مشابهة :

ساوني بين وعائلته الوحشية
الستارة المميتة .. قصة عائلة بيندر الدموية

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

45 تعليقات
طارق الليل
طارق الليل
5 سنوات

قصة جميلة جدا ونتطلع الى المزيد من القصص التي تأخذنا بالزمان والمكان فشكرا نور الهدى الاخضرية حفيدة الشهداء

گاندي
گاندي
5 سنوات

قصة جميلة ، فكرة العائلة رائعة ، لكن لا ينبغي أن يستمروا في هذه العزلة ، الأفضل أن يعيشوا مع البشر

لم أكن أعلم أن الإنسان تضعف مناعته عندما ينعزل عن البشر ، كنت أظن العكس

زهرة الامل
زهرة الامل
5 سنوات
ردّ على  گاندي

وانا ايضا لم اكن اعلم

محمود تايب
محمود تايب
5 سنوات

شكرا للكاتبة نور الهدى الاخضرية .انه لشي محزن هذا اللذي حدث لهم حينما يكون الراعي ليس من اختيار الناس تكون هذة هي النتيجة الله وحده يعلم ما حدث لكثير من العائلات قصص لم نعرف عنها بعد شكرا للجميع…

Loreen
Loreen
5 سنوات

أحيانا تكون العزله عن البشر فى احضان الطبيعه هى الجنه التى نبحث عنها فى الارض

سوسو❣
سوسو❣
5 سنوات

حزنت عليهم كثيراً.. المقال جميل جداً سلمت الأيادي.

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
5 سنوات

دائما اقول انا اسمي نور الهدى وانا من الجزائر انا فتاة ولست رجلا وشكرا لكم

عصام الككليبي
عصام الككليبي
5 سنوات

مقال رائع

احمد
احمد
5 سنوات

قصة غريبه فعلا شكرا لكاتب المقال مجهود رائع استمر

ابا الثعبان
ابا الثعبان
5 سنوات

سبحان الله
قصه عجيبه لكن ان دلت فأنما على قدره الانسان الجباره في تحدي اسوأ الاوضاع والتعايش مع اشد الظروف ونفوره الدائم والابدي من الظلم والظلمه

اشرف.......
اشرف.......
5 سنوات

تداعيات النظام البلشفي وخاصة فترة حكم ستالين لها تداعيات مروعة علي كافة شعوب الاتحاد السوفيتي.. ولعل قصة هذه العائلة الحزينة.. اختزال.. معبر وحقيقي لما عاشته كافة الشعوب السوفيتية تحت القبضة الباطشة لنظام ستالين وبيريا وغيرهم

اميرة مكلاوية
اميرة مكلاوية
5 سنوات

مقال شيق وجميل أول مرة أسمع عن هذي العائلة …سؤال لماذا لم تعد تظهر صور المقال عندي ؟!

احمد كامل
احمد كامل
5 سنوات

اعتقد ناس كثر يفكرون احيانا بالهرب فرارا من المشاكل وتعقيدات الحياه او تضييق الحكومات
اذكر ان ابي كان يحدثني عن شخص من اقاربنا بسبب مشاكل معينه ترك اهله ووظيفته المرموقه وذهب ليعيش مع البدو في الصحراء تزوج هناك ورفض ان يعود الى المدينه حتى وفاته الله يرحمه
قد يتعجب الانسان كيف شخص يترك حياة الراحه والترفيه ويذهب ليعيش في كوخ في غابه او خيمه في صحراء
لكن هذه الحياه مليئه بالمفارقات والعجائب والعبر
احسنتي النشر ايتها الكاتبه

متابعة موقع كابوس
متابعة موقع كابوس
5 سنوات

الابنه الصغرى رغم أنها في السبعين من عمرها لكنها تبدو بصحة جيدة وبإمكانها الاعتماد على نفسها في توفير قوت يومها .. أظن انها لو انتقلت للعيش في المدينة سوف تمرض والسبب هو ليس بامكانيات المكان بل بحالتها النفسية فهي سعيدة بعيشها بكوخها البسيط وسط الطبيعة ولو كانت طبيعة قاسية وموحشة لكنها اصبحت جزء لا يتجزأ من حياتها .

زهرة الامل
زهرة الامل
5 سنوات

فعلا ؤ?

بنت العرب
بنت العرب
5 سنوات

العيش بعيدا قد يكون اجدى وارحم من العيش مع الذئاب البشرية …تحياتي للكاتبة ولكم رواد الموقع

غريبة
غريبة
5 سنوات

وقريبا جدا سيهرب الى الجبال والمناطق النائية كل من يخشى على دينه وسنعيش حياة بدائية جدا نعتمد فيها على مهارات الانسان الأول في محاولة العيش

زهرة الامل
زهرة الامل
5 سنوات
ردّ على  غريبة

ربما

فؤاد السقا
فؤاد السقا
5 سنوات

مقال جميل أحسنتي النشر

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
5 سنوات

شكرا لكل من شجعني اكيد سيكون هناك مقالات جديدة

سامي
سامي
5 سنوات

احسنت هدى تحياتي من مدينة باتنة

المطالعة الشغوفة
المطالعة الشغوفة
5 سنوات

عائلة مكافحة!
في رأيي أنه من البديهي تمسكها بذاك المكان
دائما ما تكتبين المقالات المثير جدا للاهتمام
سلمت على هاذا العمل

اياد العطار
اياد العطار
5 سنوات

مقال جميل ومشوق .. اختي العزيزة عرابب .. لم يقتلوا لأن سياسات النظام الشيوعي في السبعينات تغيرت عن ذاك الذي كان موجودا في الثلاثينات ، اي عندما هربت العائلة الى الغابة .. بعد موت ستالين ومجيء خروشتوف للسلطة عام 1954 تم التبرؤ علنا من سياسات التطهير الديني والسياسي الواسعة النطاق التي جرت في عهد ستالين .. واطلق سراح معظم السجناء وتم اغلاق معسكرات الكولاغ الرهيبة .. تحياتي لك ..

واحد من الناس
واحد من الناس
5 سنوات

خير ما فعلوا ، الواحد يغبطهم على السكن والإستكنان وراحة البـــــال .

ام سيلينا
ام سيلينا
5 سنوات

سبحان الله قصة جميلة حزينة شكرا للكاتب جزيل الشكر ❤️

Maher
Maher
5 سنوات

قصَّة مُلفتة لَّلنظر أَعجبني صُمودهُم في الغابة 40 عَامًا هذا بحدِ ذاتهِ إنجاز كبير أمَّا رفضهُم الرُّجوع إِلى القرية رُبَّما السبَّب لأَنَّهُم أَعتادوا العيشَ فِي الغَابة بَّبساطة

الساعة الآن 6:38 صَباحًا

Mark
Mark
5 سنوات

المقال جميل شكرا لكي

اية
اية
5 سنوات

أحقا الفتاة الصغرى حية إلى الآن؟
مقال رائع شكرا لكم

عرابب
عرابب
5 سنوات

انهارت الاتحاد السوفياتي بالتسعينات وعندما اكتشفوا وجودهم بالغابه ب نهاية السبعينات لماذا لم يقتلوا؟

رأي فتاة
رأي فتاة
5 سنوات

سبحان الله

توبي
توبي
5 سنوات

بنضري هذا العائله عاشت حياه استثنائية .

ريمة ⁦❤️⁩
ريمة ⁦❤️⁩
5 سنوات

رأيت القصة في صفحة انستغرامية وراودتني السكوك أنها من موقع كابوس، وكان شكي صحيحا.
على العموم القصة غريبة بعض الشيء يعني كيف استطاعو تحمل البرودة الشديدة في غابة روسية لمدة طويلة كهذه؟!! غريب حقا

تامر محمد - محرر -
تامر محمد - محرر -
5 سنوات

عائلة غريبة بحق .. وكم من العوائل يعيشون بمعزل عن البشر تماماً ولا أعلم كيف يقبلون الحياة بهذه الطريقة البدائية ..

مقال جميل ..

زر الذهاب إلى الأعلى