العائلة المنسية: 40 عاما من الفرار والعزلة
عند نزولهم من المروحية بحثوا عن المكان الذي رأوه من الجو حتى وجدوا كوخا خشبيا مهترئا وسط الغابة الموحشة ، فاقتربوا منه بحذر ، فخرج رجل عجوز من الكوخ ، كان حافي القدمين وملتحيا ويرتدي قميصا وسروالا من لحاء الاشجار ، كان منظر العجوز مرعبا وسط الغابة ووسط ذهول الباحثين.
![]() |
| الكوخ الذي شاهده العلماء .. في غابة نائية جدا |
دعاهم العجوز الى الدخول الى الكوخ ، كان الكوخ ضيقا ورطبا ومظلما ليس فيه الا القليل من الاثاث والادوات ليعكس قساوة العيش. وهناك في الداخل تواجد مجموعة من الاشخاص بدت ملامحهم خائفة من القادمين وكأنهم لم يرو انسانا من قبل ، تبين في ما بعد انهم اولاد الرجل العجوز.
حاول الباحثون التعرف على العائلة وتحدثوا مع الرجل العجوز ، وهنا كانت المفاجئة ، فقد عرف الباحثون ان هذه العائلة لم ترى انسانا منذ اكثر من اربعين سنة!.
سبب الاختباء
في ثلاثنيات القرن الماضي كانت روسيا تحت حكم البلاشفة ، وكما هو معروف فان النظام البلشفي الشيوعي كان نظاما ملحدا وحارب كل الاديان في روسيا وهدم الكنائس والمعابد وقتل كل من يدعو الى الدين وحارب الجماعات الدينية من كل الطوائف ، وقد كانت هناك طائفة دينية ارثذكسية اصولية متشددة من المؤمنين القدامى كانت مضطهدة منذ عهد القيصر بطرس الاكبر اوائل القرن الثامن عشر ، وقد بقيت تمارس شعائرها في السر الى ان جاء البلاشفة وبدؤوا حملة تطهير ديني واسعة لكل الطوائف والمعتقدات ، وكانت هذه الطائفة ممن شملهم التطهير.
![]() |
| صورة من عام 1931 لتفجير احدى الكاتدرائيات على يد البلاشفة |
كان كارب ليكوف رجلا قرويا بسيطا عاش مع زوجته اكولينا في قرية بسيطة ، لكنه كان من اتباع الطائفة الارثذكسية الاصولية ، وعند بداية التطهير العرقي عام 1936 شاهد مجموعة من الجنود وهم يدخلول القرى ويقتلون كل من يشكون انه مؤمن ويهدمون الكنائس ، وعند اقترابهم من قريته هرب مع عائلته باتجاه الغابات ، واثناء فراره شاهد الجنود يقتلون اخاه ، فقرر الدخول الى الغابة والبقاء فيها الى ان تستقر الاوضاع ، وقد كانت معه زوجته وطفلاه سافين ذو 9 سنوات و ناتاليا ذات سنتين ، كما اخذو معهم بعض الاغراض مثل مغزل النسيج وبعض الاواني البسيطة والملابس وكتاب الانجيل .
الحياة في الغابة
![]() |
| صورة العجوز كارب ليكوف |
مع مرور الوقت زادت الاوضاع سوءا ، فالبلاشفة حكموا روسيا بيد من حديد مما جعل عائلة كارب ليكوف تستقر داخل غابة التايغا وتعتمد على نفسها في كل شيء رغم صعوبة الحياة ، فالغابة موحشة وخطرة ، كما ان الطقس قاس معظم ايام السنة ، لكن العائلة كافحت من اجل البقاء ، وقد انجب الزوجان طفلين اخرين في كوخهما هما ديمتري عام 1940 و أغافيا عام 1943.
كانت الحياة قاسية على العائلة التي كانت تعاني الجوع دائما ، فالمزروعات التي زرعتها كانت بالكاد تكفيهم ، والطقس البارد كان يجعل العمل او الخروج من الكوخ امرا مستحيلا خاصة في الشتاء.
كان غذائهم البطاطا وبعض البذور ، ولم يأكلو اللحم الا بعد ان كبر الابن ديمتري وبدأ بالصيد عن طريق حفر المصائد او ملاحقة الطريدة حتى تنهار من التعب ، وكان ذلك يستمر اياما عديدة. ومع ذلك بقي الجوع ملازما للعائلة خاصة بعد ان اكل الصدأ الغلايتين اللتين كانت تستعملان للطبخ. اما الملابس والاحذية فقد استعملو لحاء شجر البتولا ونبات القنب لتوفيرها رغم ان البرد كان اشد من ان يحتمل.
![]() |
| العجوز مع ابنتيه |
رغم كل هذا فقد تعلم الاطفال القراءة والكتابة من والدتهم عن طريق كتاب الانجيل ، وقد استعملوا عصا خشب البتولا المغمورة في العسل كقلم وحبر للكتابة. كما حكى الوالدان لاطفالهما عن الحياة خارج الغابة وبأنه يوجد مدن وبشر آخرون يعيشون فيها ، لكنها كانت مجرد مفاهيم غير ملموسة او مرئية بالنسبة لأطفالهم.
عام 1961 ضرب الصقيع في يونيو الارض وقتلت الثلوج كل محاصيلهم فاصابتهم مجاعة اضطروا معها الى اكل الاحذية التي صنعوها من قشور الاشجار ، وقد ماتت والدتهم من شدة الجوع ولم تستطع الصمود.
وعاشت العائلة على هذه الحالة الى غاية اكتشافهم من قبل الباحثين.
الصداقة مع احد الباحثين
![]() |
| صورة للعائلة مع احدى الباحثات |
مع مرور الوقت تقبلت عائلة ليكوف صداقة احد الباحثين وهو حفار يدعى بيروفي سيدوف والذي قضى وقت فراغه في مساعدتهم في الزراعة والحصاد ، كما تلقو بعض المساعدات مثل السكاكين و الشوك و الاقلام و الورق و الشعلة الكهربائية ، كما عرف الباحثون ان عائلة ليكوف لم تعرف بحدوث الحرب العالمية الثانية او بصعود الانسان الى القمر!!.
وقد رفضت عائلة ليكوف الانتقال الى القرية بل تمسكوا بالعيش في كوخهم ، كما ان والدهم قال عندما قدم اليه الملح ان الحياة بدونه لا تطاق ، كما اعتقد ان ورق السلفان هو زجاج قابل للطي!.
بعد مدة ساءت الحالة الصحية لعائلة ليكوف بسبب اتصالهم بالعالم الخارجي فهم لا يملكون مناعة قوية فتوفي سافين ونتاليا بسبب فشل كلوي وتوفي ديمتري بسبب التهاب رئوي ثم لحق الاب بهم ايضا في فيفري عام 1988 ودفنته ابنته الباقية اغافينا بمساعدة الجيولوجيين وعادت للعيش وحيدة في الكوخ رافضة الانتقال منه.
![]() |
| الابنة الصغرى مازالت تعيش لوحدها في الكوخ وترفض ان تغادره .. ويبدو انها سعيدة |
بقيت اغافيا وحيدة في الكوخ وهي في الـ 70 من العمر ولم تغادره الا ستة مرات فقط من اجل العلاج ولقاء المؤمنين القدامى امثالها والقيام بجولة قدمها لها الاتحاد السفياتي على نفقته حيث جالت في عدة مناطق للتعريف بقصتها وعادت الى كوخها من جديد رافضة التخلي عنه ومازالت الى اليوم هناك.
القصة غريبة وقد اثارت استغراب الناس حين سمعو بها كما ان رفض عائلة ليكوف الانتقال الى مكان لائق للعيش غريب جدا فالانسان دائما يسعى الى حياة افضل لكن ربما التعود على الحياة القاسية جعل من العائلة انطوائية لا تقبل حياة جديدة وغريبة وانت عزيزي القارئ مارأيك في هذه العائلة الغريبة؟
المصادر :
– For 40 Years, This Russian Family Was Cut Off From All Human Contact, Unaware of World War II
– Lykov family – Wikipedia
قصص مشابهة :
– ساوني بين وعائلته الوحشية
– الستارة المميتة .. قصة عائلة بيندر الدموية
قصة جميلة جدا ونتطلع الى المزيد من القصص التي تأخذنا بالزمان والمكان فشكرا نور الهدى الاخضرية حفيدة الشهداء
قصة جميلة ، فكرة العائلة رائعة ، لكن لا ينبغي أن يستمروا في هذه العزلة ، الأفضل أن يعيشوا مع البشر
لم أكن أعلم أن الإنسان تضعف مناعته عندما ينعزل عن البشر ، كنت أظن العكس
وانا ايضا لم اكن اعلم
شكرا للكاتبة نور الهدى الاخضرية .انه لشي محزن هذا اللذي حدث لهم حينما يكون الراعي ليس من اختيار الناس تكون هذة هي النتيجة الله وحده يعلم ما حدث لكثير من العائلات قصص لم نعرف عنها بعد شكرا للجميع…
أحيانا تكون العزله عن البشر فى احضان الطبيعه هى الجنه التى نبحث عنها فى الارض
حزنت عليهم كثيراً.. المقال جميل جداً سلمت الأيادي.
دائما اقول انا اسمي نور الهدى وانا من الجزائر انا فتاة ولست رجلا وشكرا لكم
مقال رائع
قصة غريبه فعلا شكرا لكاتب المقال مجهود رائع استمر
سبحان الله
قصه عجيبه لكن ان دلت فأنما على قدره الانسان الجباره في تحدي اسوأ الاوضاع والتعايش مع اشد الظروف ونفوره الدائم والابدي من الظلم والظلمه
تداعيات النظام البلشفي وخاصة فترة حكم ستالين لها تداعيات مروعة علي كافة شعوب الاتحاد السوفيتي.. ولعل قصة هذه العائلة الحزينة.. اختزال.. معبر وحقيقي لما عاشته كافة الشعوب السوفيتية تحت القبضة الباطشة لنظام ستالين وبيريا وغيرهم
مقال شيق وجميل أول مرة أسمع عن هذي العائلة …سؤال لماذا لم تعد تظهر صور المقال عندي ؟!
اعتقد ناس كثر يفكرون احيانا بالهرب فرارا من المشاكل وتعقيدات الحياه او تضييق الحكومات
اذكر ان ابي كان يحدثني عن شخص من اقاربنا بسبب مشاكل معينه ترك اهله ووظيفته المرموقه وذهب ليعيش مع البدو في الصحراء تزوج هناك ورفض ان يعود الى المدينه حتى وفاته الله يرحمه
قد يتعجب الانسان كيف شخص يترك حياة الراحه والترفيه ويذهب ليعيش في كوخ في غابه او خيمه في صحراء
لكن هذه الحياه مليئه بالمفارقات والعجائب والعبر
احسنتي النشر ايتها الكاتبه
الابنه الصغرى رغم أنها في السبعين من عمرها لكنها تبدو بصحة جيدة وبإمكانها الاعتماد على نفسها في توفير قوت يومها .. أظن انها لو انتقلت للعيش في المدينة سوف تمرض والسبب هو ليس بامكانيات المكان بل بحالتها النفسية فهي سعيدة بعيشها بكوخها البسيط وسط الطبيعة ولو كانت طبيعة قاسية وموحشة لكنها اصبحت جزء لا يتجزأ من حياتها .
فعلا ؤ?
العيش بعيدا قد يكون اجدى وارحم من العيش مع الذئاب البشرية …تحياتي للكاتبة ولكم رواد الموقع
وقريبا جدا سيهرب الى الجبال والمناطق النائية كل من يخشى على دينه وسنعيش حياة بدائية جدا نعتمد فيها على مهارات الانسان الأول في محاولة العيش
ربما
مقال جميل أحسنتي النشر
شكرا لكل من شجعني اكيد سيكون هناك مقالات جديدة
احسنت هدى تحياتي من مدينة باتنة
عائلة مكافحة!
في رأيي أنه من البديهي تمسكها بذاك المكان
دائما ما تكتبين المقالات المثير جدا للاهتمام
سلمت على هاذا العمل
مقال جميل ومشوق .. اختي العزيزة عرابب .. لم يقتلوا لأن سياسات النظام الشيوعي في السبعينات تغيرت عن ذاك الذي كان موجودا في الثلاثينات ، اي عندما هربت العائلة الى الغابة .. بعد موت ستالين ومجيء خروشتوف للسلطة عام 1954 تم التبرؤ علنا من سياسات التطهير الديني والسياسي الواسعة النطاق التي جرت في عهد ستالين .. واطلق سراح معظم السجناء وتم اغلاق معسكرات الكولاغ الرهيبة .. تحياتي لك ..
خير ما فعلوا ، الواحد يغبطهم على السكن والإستكنان وراحة البـــــال .
سبحان الله قصة جميلة حزينة شكرا للكاتب جزيل الشكر ❤️
قصَّة مُلفتة لَّلنظر أَعجبني صُمودهُم في الغابة 40 عَامًا هذا بحدِ ذاتهِ إنجاز كبير أمَّا رفضهُم الرُّجوع إِلى القرية رُبَّما السبَّب لأَنَّهُم أَعتادوا العيشَ فِي الغَابة بَّبساطة
الساعة الآن 6:38 صَباحًا
المقال جميل شكرا لكي
أحقا الفتاة الصغرى حية إلى الآن؟
مقال رائع شكرا لكم
انهارت الاتحاد السوفياتي بالتسعينات وعندما اكتشفوا وجودهم بالغابه ب نهاية السبعينات لماذا لم يقتلوا؟
سبحان الله
بنضري هذا العائله عاشت حياه استثنائية .
رأيت القصة في صفحة انستغرامية وراودتني السكوك أنها من موقع كابوس، وكان شكي صحيحا.
على العموم القصة غريبة بعض الشيء يعني كيف استطاعو تحمل البرودة الشديدة في غابة روسية لمدة طويلة كهذه؟!! غريب حقا
عائلة غريبة بحق .. وكم من العوائل يعيشون بمعزل عن البشر تماماً ولا أعلم كيف يقبلون الحياة بهذه الطريقة البدائية ..
مقال جميل ..