العاقوط

في ليلة من ليالي شتاء عام 2012 كنت أحتسي الشاي مع جدي رحمه الله.. كنت أجلس معه يوميًا من بعد المغرب حتى وقت متأخر من الليل.. وكنت أسمع عشرات القصص الغريبة كل ليلة.. وجدي كان بحرًا يزخر في طيّاته بمئات الحكايات المثيرة.. ولكن عقلي كان لا يقتنع إلا بالقليل من هذه الحكايات.. فمعظم هذه الحكايات مليئة بالتفاصيل المُبالغ فيها.. تفاصيل مليئة بالشطحات والغرائب.. أؤمن في داخلي أن هناك خوارق وعجائب في هذا الكون.. ولكن ليس بهذه الدرجة من المبالغات والشطحات التي أسمعها في حكايات جدي!
قص عليّ جدي حكاية مثيرة في هذه الليلة.. ما زال صوته يتردد في أذني حتى الآن.. وما زلت أتذكر تفاصيل وجهه الأسمر وهو يتكلم بلهجة صعيدية بسيطة.. لقد كانت قصة مثيرة في ليلة إكثر إثارة!
إليكم بتفاصيل هذه القصة:
“منذ سنوات طويلة.. كان يقطن في قريتنا رجلًا يُدعى” رضوان”.. خرج “رضوان” من داره في الصباح الباكر ليروي أرضه.. أصابه الملل.. فقد ذهب النهار وأتى الليل بعتمته ومازال ينتظر ارتواء أرضه بالماء حتى آخرها.. أراد أن يكسر ذلك الملل.. فجمّع مجموعة كبيرة من الأحجار وشرع في قذفها في الهواء.. وبينما هو يلقي في الأحجار صفعته يد خفية على وجهه وكاد أن يُغشى عليه.. أصابه الذعر من هول ما حدث.. لم يستوعب ما حدث.. أهذا حلم أم حقيقة..!
لم يمهله القدر ليجمع شتات أفكاره.. فقد تراشقت عليه الأحجار من كل حدب وصوب.. صرخ ونادى بأعلى صوته.. ولكن لا حياة لمن تنادي.. فلا يوجد أي أحد في المنطقة الزراعية في هذا الوقت.. هروّل إلى بيته وهو يصرخ.. طرق باب بيته طرقًا عنيفًا.. فتحت له زوجته الباب.. وسألته عمّا حدث؟ ولكنه صرخ في وجهها ولم يجيبها.. ارتمى على فراشه وغط في سُبات عميق.. لم يخرج من غرفته وظل صامتًا.. وسط دهشة كبيرة من أهل بيته.. حلّت الليلة الثانية بشؤمها.. فقد رأى”رضوان” في المنام رجلًا قبيحًا يقول له: أنت الذي أثرت غضب العاقوط.. الويل لك يا أحمق!
استيقظ مفزوعًا من ذلك الكابوس المخيف.. خرج من غرفته قاصدًا الحمّام.. ولكنه رأى ألسنة النيران تتصاعد من دخل حوش منزله.. أصابه الهلع.. صرخ صرخة قوية زلزلت البيت وأيقظّت الكل.. وهرولوا إلى الحوش ليخمدوا النيران التي اشتعلت.. اطفئوا النيران بعد ساعات من محاولات الإطفاء المتواصلة.. ولكن احترق الحوش بكل ما فيه من ماشية.. كانت ليلة حزينة على رضوان وأهل بيته!
وفي الصباح صمم والد “رضوان” أن يصطحبه إلى الشيخ “جلاف” ذلك الرجل “المبروك” الذي يفسر كل غرائب القرية.. ليفسر ما يحدث معه من غرائب.. قص “رضوان” على مسامع الشيخ “جلاف” كل ما حدث بالتفصيل.. من بداية قذفه للأحجار في الهواء حتى اندلاع الحريق في الحوش وقبله ذلك الكابوس المخيف.. نظر الشيخ نظرة غريبة لعمران وقال له بنبرة هادئة: أنت جلبت غضب جن العاقوط.. والعاقوط اسم لفئة من الجن تقذف الناس بالطوب وتحرق بيوتهم.. ولابد أن تترك البيت حتى تنجو بنفسك وأهل بيتك من أذاهم.. تردد عمران كثيرًا.. ولكن صمّم والده على ترك ذلك البيت الملعون.. فقد كان شديد الخوف من ذلك الجن الغريب.. جن العاقوط! “
فرغ جدي من حكايته.. وقد بدت على وجهه علامات النوم.. لقد أوشك الليل على الانتصاف.. قبّلت رأسه.. وتركته لينام بعد أن وعدني بقصص مثيرة في الغد.. حفر جدي في أعماقي دهشة كبيرة وتساؤلات كثيرة بعد هذه الحكاية المثيرة.. تركني في صراع كبير.. فعقلي يرفض هذه الحكاية.. ولكن شيئًا ما في داخلي يصدقها.. ولكن لابد أن أنهي ذلك الصراع.. لابد أن أجرّب بنفسي.. لابد أن أُثير غضب العاقوط!
خرجت في تلك الليلة عازمًا على إثارة غضب العاقوط.. فجمّعت من الشارع مجموعة كبيرة من الأحجار.. بدأت في رشقها في الهواء.. ألقيت عشرة أحجار ولم يحدث شئ.. يبدو أنها خرافة من خرافات جدي الكثيرة.. هممت بإلقاء الحجر الحادي عشر.. ولكن فجأة شعرت بيد خفية تنتزع الحجر من يدي وتمسكني من تلابيبي.. صفعتني هذه اليد صفعة قوية على وجهي.. شعرت بأن روحي قد خرجت من جسدي.. كانت صفعة قوية جدًا جعلتني أفقد الوعي.. لا أدرى ما الذي حدث بعد ذلك.. ولا أدري كم استغرقت من الوقت وأنا على هذا الحال.. وبعد ذلك شعرت بقدم قوية تركلني .. أفقت مفزوعًا ووقفت.. رأيت أبي يصرخ ويقول: ماذا حدث .. هل ضربك أحد.؟.. وأشار أبي بسبابته ناحية البيت وأكمل قائلًا: وما هذه الأحجار المتناثرة أمام البيت؟
نظرت حيث أشار أبي ورأيت عشرات الأحجار المتناثرة حول البيت.. يبدو أن العاقوط أمطروا البيت بوابل من الأحجار بعد أن فقدت وعيي.. ويبدو أن صوت هذه الأحجار المزعج قد أيقظ أبي من سُباته العميق.. أمطرني أبي بوابل من الأسئلة ولكني لم أنبس ببنت شفة.. غضب أبي لما رآني صامتًا ولم أجبه على أي سؤال من أسئلته.. صرخ في وجهي وقال: لابد أن تخبرني بما حدث؟.. رسمت على وجهي ابتسامة مصطنعة وقلت له: سأخبرك لاحقًا بكل شئ.. سكت أبي وأشاح بنظره ناحية الباب محاولًا إخفاء نظرات الشك.. أمسك بيدي وسار معي حتى باب غرفتي وقال لي: نام الآن ولابد أن تحكي لي كل شئ بعد أن تستيقظ
فقلت له: سأحكي لك كل شئ إن شاء الله
دخلت غرفتي وارتميت على فراشي وذهبت في سُبات عميق.. ورأيت كابوسًا مخيفًا!
رأيت رجلًا دميم الوجه.. قصير القامة.. نحيل الجسد.. أحمر العينين.. جسده ممتلئ بالشعر كأنه قرد.. اقترب مني ذلك الرجل الغريب وقال لي بصوت كفحيح الأعفى: أنت الذي أثرت غضب العاقوط.. الويل لك يا أحمق!
ملاحظة : هذه القصة مُستوحاة من قصة حقيقية.
تذكر/ي أنني رجلًا ولست فتاة .. فاسم “نور” ليس حِكرًا على الفتيات فقط..!
قصة رائعة ..
شكرا يا اخ نور ..
جميييل جدا
تحية للكاتبة نور رائع جدآ استمتعت بالقصة جدآ جدآ بإنتظار المزيد من مشاركاتك
خصوصآ حكايات الاجداد
تشدني جدآ
فهي تحمل روح متجذره في الاعماق
روح الانتماء للماضي
✋
القصة جميلة أخي نور ، وكما قال عمران فأنا أصدقها كوني سمعت بكثير من هكذا قصص في محيطنا ، لكنني أسمع لأول مرة بالعاقوط وكيف أنه يتخصصون برماية الحجارة ههههه ، وهي في الحقيقة ظاهرة موجودة في كل العالم ، فحسب ما أذكر هناك عمارة في لندن تعاني من هذه المشكلة بين الحين و الاخر
سلام عليكم مساء الخير على الجميع
ومبروك العمل للاخ الكريم الكاتب والنشر في الموقع الرائع
في الواقع لا نستطيع القول أننا أمام قصة قصيرة بالمفهوم الأدبي
ربما حكاية شعبية بسيطة من التي تروى في كل بيت ومجلس وتسامر
أو حتى موقف من الذي يمتلؤ ليه قسم التجارب الغريبة مثلا هنا في الموقع وأصلا لو كانت منشورة هناك ما كانا أحد ليدرك الفرق
كذلك بالتأكيد هذا لا يمكن يسمى اقتباس ادبي مجرد حادث أو موقف منقول اومتناقل كما ينقل كلنا على لسان بعضنا العشرات من الأحداث الشخصية الفرديه الىالاوسع اهتمام بين الناس والمجتمع مثل الأحداث السياسية أو رياضية ثقافية إلى آخره
المهم إنك أخي الكريم حسب وجهة نظري المتواضعة لم تكتب قصة قصيره بالمفهوم التقني والفني والأدبي حول التجربة الواقعية التي ذكرت انك استوحيت منها ما كتبت وكما قلنا ليس هنالك من استيحاء بل نقل اوتدوين بغض النظر عن أي إضافة بسيطة في التفاصيل
فمامن حبكةبل مباشرةفي الطرح
ولامن درامه بل مجردسردمبسط لموقف مع احدهم
ولامن مخيلةقصصيةوانمااعادةتدويرلحكايامحكيةبلالمسةقلميةفنية
وباختصاراخي مشكورعلىالمحاولةوتشرفت في قراءةماكتبت
وانصح بالاستراحة قليلا من الكتابة و إعادة الدرس والتدريب والتمرين على فنون كتابة القصة عامة والقصيرة خاصة
ثم الانطلاق من جديد وما دمت أخي تملك الرغبة فإنها خير حافز إن شاء الله لتهذيب وتطويروسقل هوايةوموهبةحضرتك
إلى الأمام في أعمال قادمة بإذن الله أكثر توهج تحياتي حسلام عليكم مساء الخير على الجميع
انتبه البيت سوف يحترق الآن!!!!!
قصة جميلة و حقيقية و كان تحدث كثير في الأرياف لاكثر من سبب أهمها عدم وجود سكان كثيرون فيها و بسبب الأماكن المهجورة و الظلام طوال السنوات الماضية و الحالية،،
و كان والدي دائما يحذرنا من ان نرمي الحجارة لنحو مجهول كي لا نصيب الجن اللي يتجولون ليلا ..و يحذرنا أيضاً من اللعب فوق الأسطح او الأماكن العالية كي نتجنب دف الجن لنا ونحن بالاعلى و كي نتجنب العواقب الوخيمة الأخرى!!
لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه (” إذا كان جنح الليل – أو أمسيتم – فكفوا صبيانكم ؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم ،وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله ؛ فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً ، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله ، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ، ولو أن تعرضوا عليها شيئاً ، وأطفئوا مصابيحكم “)
لذلك أنا اصدق هذه القصة و اقول انها صحيحه مئه في المئه.
تحياتي لك اخ نور
تتمة الكلام ..
اختيار الراوي ..
هل سيكون البطل هو من سيروي القصة ؟ ام انّ إحدى الشخصيات هي التي سترويها ؟ أم انّ الراوي الخارجي هو من سيتكفل برواية احداث القصة !
لاحظ صديقي انك استخدمت راويين في قصتك ، وهذا كارثي فقد افتعلت شرخاً كبيراً في متن القصة ، في البداية كان رضوان هو من يروي الحكاية وعندما اصطحب ابا رضوان ابنه للراقي “جلاف” اصبح الراوي خارجياً .. انتبه
التفصيل ..
لا تفاصيل للشخصيات تذكر في قصتك ولا تفاصيل للزمان والمكان ، لا شيء أبداً وهذت ما قال عنه احد الادباء
(بخلاء الكتابة من يقدمون نصاً كهيكل بيت دون كِساءه)
النفاصيل هي كِساء القصة القصيرة صديقي ، اي نعم لا تتبحر فيها ولكن لا تقتر في استخدامها .
ماهو رضوان وكيف شخصيته ، طويل ام قصير ، احمر ام ابيض ام اسود ، ما لون شعره وكيف يسرحه ، كيف يبدو.. وكذا الامر ينطبق على باق الشخصيات .
ايضا اختيار الزمان والمكان ووصفهما ينطبق عليه الامر ذاته .
لا انوي احباطك ، بل تشجيعك بإظهار الثغرات في اسلوبك وإن شاء الله القادم افضل ، بيد ان قصتك هذه لم تكن افضل من السابقة ، ادرس قواعد القصة القصيرة صديقي وابدأ بعمل جديد وسأكون دائما بانتظارك
تحياتي
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
تحياتي اخ نور وعودة محمودة بعد قصتك الاخيرة
“ومن الكتب ما قتل”
اخي العزيز .. لا اخفيك ان عنوان القصة جذبني لسبر اغوارها فشرعت اطالعها على امل اختلاف واضح وملحوظ بين قصتك هذه وتلك السابقة … ولكن لم ارى تقدّّماً يذكر . القصة تتكون من ثلاثة مراحل اساسية
اولها الحدث الذي بنيت عليه القصة ، أي جوهر القصة ، مثلا انا اريد الان ان اكتب قصة قصيرة فكيف ابدأ !
1-افكر عن ماذا سأكتب .. حسنا وجدتها خرافة قديمة يرويها الجد لحفيده فتتجدد ، الرواية ستكون بطابع رعب ، النهاية ستكون حزينة و البطل سيتعرض لعدة احداث تحبس الانفاس . وكل هذا يتم بعدة اساليب
مثلا اسلوب التدرّج وفيها يقوم الكاتب بالتدرج المرتّب من مقدمة الى عرض(متن +حبكة) فخاتمة أو انه يتبع خطى( الفلاش باك) يذكر النهاية ثم يعود ليفسر الاحداث من البداية والاخر هو الاسلوب العصري او المستجد وفيه يبدأ الكاتب من الحدث المتأزم (الحبكة) ثم يعود إلى الخلف ليفسرها وقد يستخدم هنا الوحي العقلي (الذكريات)
طيب انتهيت من الحدث او من تكوين فكرة عامة عن القصة وبأي طريقة سأكتب هذه القصة ماذا بعد ؟
سأسأل نفسي ما الهدف من هذه القصة ، ما الرسالة التي اريد ايصالها؟ ، غالبا ما يتم ادراج فكرة الهدف علانية في متن القصة واخرون يتركون للقارئ استنتاجها ولكن يجب ان تكون موجودة مستترة بين السطور ..
النسج القصصي وهو الاسلوب اللغوي والذي من المفترض ان يكون سلسا متمازجا منسجما بعيدا عن الركاكة ، لاحظ صديقي انك بدأت بــ “في يوم من الايام” وهذه اسوء بداية قد تفتتح بها قصة قصيرة .
انا اتسائل هنا والفضول يقتلني ، ماهو هذا اليوم ، وهل كان في ليل اليوم ام نهاره ، برداً ام حراً .
طيب انا من قرآتي لقصتك لم اعلم حتى اي شيء عن الشخصيات ، جد وحفيده والاب بينهما ..سوى اسم الحفيد رضوان .
وهنا نأتي الى اختيار الشحصيات .
الشخصية الرئيسية
الشخصيات الفرعية
وطبعا يجب تحديد طابع نفسي لكل شخصية وبناء عليه نكتب الحوار والأفعال الذي تناسب كل منها ، فلا يعقل مثلا ان رضوان الذي يرى ان جده يشطح في سرداته يذهب ليتحرى امر العاقوط ، لماذا قد يهتم فطبعه انه لا يصدق هكذا تراهات .
التتمة في تعليق يليه …