سينما الموت: القصة الحقيقية لمذبحة أورورا

واحدة من أبشع المآسي في تاريخ الولايات المتحدة

في ليلة العشرين من يوليو عام 2012، كانت مدينة أورورا في ولاية كولورادو الأمريكية تستعد لعرض واحد من أكثر الأفلام المنتظرة لذلك العام، الجزء الثالث من سلسلة باتمان “The Dark Knight Rises”. امتلأت قاعات السينما بالمئات من المشاهدين، أجواء من الحماس واللهفة تسود المكان، ولم يكن أحد يتخيل أن دقائق قليلة فقط ستحول تلك الليلة من فرح وترفيه إلى واحدة من أبشع المآسي في تاريخ الولايات المتحدة.

شاب واعد على حافة الانهيار

blank

الشاب الذي حمل الموت إلى قاعة السينما كان يدعى جيمس إيغان هولمز، من مواليد ديسمبر 1987 في سان دييغو بولاية كاليفورنيا. منذ طفولته كان يوصف بالذكي والهادئ وأظهر براعة في العلوم والرياضيات ما أهلهُ للحصول على منح دراسية وانتقل لاحقاً إلى كولورادو ليكمل دراسته في برنامج الدكتوراه في علم الأعصاب بجامعة كولورادو دنفر. بدا مستقبله واعداً لكن شيئاً ما في داخله كان ينكسر تدريجياً. زملاؤه لاحظوا انعزاله وتوتره المتزايد وكان قليل الكلام وغريب الأطوار وفي عام 2011 بدأ فشله الدراسي يظهر بشكل واضح حتى انسحب من البرنامج. خلف هذا الفشل كانت هناك صراعات نفسية عميقة إذ تبين لاحقاً أنه يعاني من اضطرابات عقلية وهلاوس وأفكار انتحارية لكنه لم يكن يخضع للعلاج الكافي ولم يعتبر في نظر السلطات خطيراً لدرجة منعه من شراء الأسلحة.

التخطيط الدقيق للمجزرة

خلال أشهر طويلة خطط هولمز بدقة لجريمة مروعة، اشترى بشكل قانوني أربع قطع سلاح بين مسدسات وبندقية هجومية وبندقية صيد واقتنى آلاف الطلقات عبر الإنترنت، كما جهز نفسه بمعدات عسكرية كالخوذة والسترة الواقية وقناع غاز، لم يتوقف عند ذلك بل حول شقته إلى فخ قاتل مليء بالمتفجرات والأسلاك المتفجرة وكأنه أراد أن يزرع الموت في كل مكان يحيط به.

ليلة الرعب في قاعة السينما

blank

وفي تلك الليلة المشؤومة، اشترى جيمس تذكرة للعرض الأول للفيلم في قاعة مكتظة، جلس لبضع دقائق ثم غادر عبر باب الطوارئ وعاد بعد قليل وهو يرتدي ملابس سوداء بالكامل، خوذة ثقيلة على رأسه، قناع غاز يغطي وجهه، وسترته الواقية تحمي جسده. دخل بهدوء وكأنه داخل إلى معركة وألقى قنابل دخانية أربكت الحضور وغطت المكان بسحب خانقة ثم بدأ يطلق النار بشكل عشوائي من أسلحته على مئات الأشخاص الجالسين أمام الشاشة. المشهد كان مرعباً: صرخات تتعالى، أشخاص يركضون مذعورين نحو الأبواب، آخرون يسقطون أرضاً جرحى أو قتلى، وأمهات تحاول أن تحمي أطفالها تحت المقاعد بينما الرصاص يخترق كل شيء. خلال دقائق قليلة قتل هولمز اثني عشر شخصاً وأصاب سبعين آخرين بجروح متفاوتة وبعضهم ظل يعاني إعاقات دائمة حتى اليوم.

“أنا الجوكر”: القاء القبض والمحاكمة

blank

لم يحاول الهروب بعيداً، عندما وصلت الشرطة بسرعة إلى مكان الحادث وجدته جالساً بجوار سيارته خلف السينما ببرود غريب لم يقاوم ولم يبدو عليه أي توتر، بل قال بهدوء للضباط: “أنا الجوكر”، في إشارة إلى شخصية العدو الشهير لباتمان. لكن الواقع أن هذا لم يكن سوى غطاء لاضطراباته العقلية العميقة وعندما فتشت الشرطة شقته وجدت كميناً مميتاً من المتفجرات والفخاخ التي استغرق خبراء القنابل أكثر من يومين لتفكيكها.

خلال التحقيق اعترف هولمز أنه خطط للهجوم منذ وقت طويل وأن هدفه كان قتل أكبر عدد ممكن من الناس. تحدث عن هلاوس وأفكار مسيطرة كانت تدفعه للقتل والانتحار لكن بالنسبة للادعاء العام كان كل ذلك محاولة للتهرب من المسؤولية فشراء الأسلحة والتخطيط ووضع المتفجرات كلها خطوات مدروسة بدقة وهذا يعني أنه كان مدركاً تماماً لما يفعل.

المحاكمة التي بدأت عام 2015 جذبت اهتماماً هائلاً من الإعلام والرأي العام. هيئة الدفاع أصرت على أن هولمز مريض عقلياً يعاني من الفصام وأنه بحاجة إلى علاج لا إلى عقوبة. بينما ركز الادعاء على أن الجريمة لم تكن لحظة جنون عابرة بل مخططاً منظماً استمر شهوراً وأنه يجب أن ينال العقوبة القصوى. جلسات المحكمة كانت ثقيلة على الحضور فقد عرضت صوراً من داخل قاعة السينما بعد المجزرة، وأدلى الناجون وعائلات الضحايا بشهادات تقطع القلب عن تلك الليلة التي فقدوا فيها أبناءهم وأحبتهم.

حكم تاريخي وأثر لا يُمحى

blank

بعد محاكمة استمرت شهوراً وفي السابع من أغسطس 2015 نطقت هيئة المحلفين بالحكم: إدانة جيمس هولمز في 165 تهمة بينها القتل العمد والشروع بالقتل وحيازة المتفجرات وحكم عليه بالسجن المؤبد دون أي إمكانية للإفراج المشروط إضافة إلى أكثر من ” ثلاثة آلاف سنة سجن عن بقية التهم”.

ملاحظة عن الحكم القضائي:

الحكم على جيمس هولمز السجن المؤبد مدى الحياة 12 مرة (واحدة عن كل ضحية قُتلت)، إضافة إلى أكثر من 3,318 سنة سجن عن بقية التهم.

المقصود هنا أن المحكمة لم تكتفِ فقط بالحكم عليه بالسجن المؤبد عن جرائم القتل بل أضافت سنوات إضافية عن كل تهمة أخرى غير القتل، مثل:

  1. محاولات القتل (لأن أكثر من 70 شخصاً أُصيبوا).
  2. استخدام الأسلحة النارية بشكل غير قانوني.
  3. حيازة واستخدام متفجرات (الشقة المفخخة).

كل جريمة من هذه الجرائم لها عقوبة بالسجن وفق القانون الأمريكي، وعندما تُجمع كلها معاً، وصل المجموع إلى أكثر من 3,318 سنة سجن، تُضاف إلى أحكام السجن المؤبد. والسبب في هذه الطريقة هو أن النظام القضائي الأمريكي يريد أن يضمن بشكل قطعي أن الجاني لن يخرج أبداً، حتى لو تم إلغاء بعض الأحكام في الاستئناف.

blank

نقل بعدها إلى سجن “ADX Florence”، أكثر السجون تحصيناً في الولايات المتحدة، حيث يعيش في عزلة شبه كاملة.

المجزرة تركت جرحاً غائراً في المجتمع الأمريكي وأعادت إلى السطح النقاش الدائم حول سهولة اقتناء السلاح وفشل النظام الصحي في التعامل مع المرضى النفسيين الخطرين والآثار النفسية والاجتماعية المدمرة لمثل هذه الجرائم على الناجين وأسر الضحايا ورغم إعادة افتتاح السينما بعد ترميمها، فإن قاعة أورورا ستظل مرتبطة في ذاكرة الجميع بواحدة من أبشع لحظات الرعب الجماعي التي عاشها العالم المعاصر.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

15 تعليقات
همس الصوت
همس الصوت
8 شهور

مقال رائع، لكن لما أراد قتل ناس غرباء، اريد فهم الغموض ده

سارة فايز
سارة فايز
9 شهور

أحييكي استاذة مها على الترجمة واختيار الموضوع.. مختصر لكنه في الصميم.. فسر كل شيء وقال كل حاجة..
بالنسبة لي المتهم الاول والجاني الاول هم تجار السلاح.. اتاحة القتل السهل المجاني.. لا اعرف كيف يسمح بشراء رشاشات بمثل هذه السهولة!! بالمنطق ممكن يتاح شراء مسدس يحتوي على ٣ طلقات فقط هذا ممكن اوافق عليه…… لكن بيع اي سلاح للافراد العادية يحتوي على كم هائل من الطلقات هذا ما لا افهمه او استوعبه سوى الترويج للقتل المجاني..
شخصية المجرم من البداية نظروا اليه كآلة مجرد عقل ذكي ونسوا ان النفس البشرية لها انحرافتها بعيدا عن الذكاء والغباء.. مفهوم مؤسف سائد ايضا في الدول العربية، ان الذكي سيكون شخص صالح وهذا غير حقيقي.
العقوبات بآلاف السنين شيء مضحك ايضا وخارج نطاق العقل.. هو يستحق الاعدام وقبله تجار السلاح واللي باعله الاسلحة.. لذلك اوقفوها لانهم يمسكوا الذيل ويتركوا الرأس.
شكرا لكي مرة اخرى على مشاركة هذه الجريمة التي تحمل الكثير داخلها.

ضل الضلام
ضل الضلام
9 شهور

اتذكر الحدث جيدا فقد جعلني ابحث عن الفيلم لمشاهدته و حتى خيل الي انه دعاية لنجاح السلسة القوية لبتمان ،،تقمص الشخصيات ليس بالمضهر الخارجي فقط بل تقمص كامل فكري و جسدي ،،،يعني الفيلم يسرق من الواقع ثم ينعكس الواقع ليتشبه بالفيلم ،،عجيب امرنا البشر ،،وبالذات في امريكا هناك من يتحول لعيش حياة متقمصة من الافلام او الانمي بشكل كلي ،،،اللوك والمشية و طريقة الحديث يعني باسلوب نسخة شبه اصلية واسلوب حياة كامل ،،،ربما يكون مرض وربما هو غباء مطلق ،،فمنهم من تقمص سوبر مان وباتمان و ثانوس و الرجل الحديدي و هارلي كوين الممتازة ،،،المشكلة تبداء من الاعجاب الشديد بالشخصية لتتحول لهوس مرضي ،،،ولما كل هذا الجد

علا النصراب
علا النصراب
9 شهور

الجوكر لعنة وحلت علينا ..فقد تجسدت فيه كاريزما عالية وحكمة سوداء تبرر الشر بشكل بدا أنه منطقي ..الجوكر من اخطر الاعيب السينما ..حتى الطيبين يحبون كاريزمته والاشرار يتقمصونه .. صانع هذه الشخصية جعل الجماهير تنسى باتمان تمامًا والأضواء كلها سلطت على الجوكر ..لم يحب أحد الحمل الوديع ..الجميع اغرم بالذئب الماكر

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
9 شهور

النظام الاجتماعي في امريكا غريب ومتناقض بيع الاسلحة بسهولة الحرية الزائدة ججعلت الحياة فيها صعبة ومليئة بالمآسي

حمدكو
حمدكو
9 شهور

يرجى من كتاب المواضيع التجرد من العاطفة … يجب ان لا يكون هناك دور لعاطفة في تناول الموضوع … يجب ان يكون صاحب الموضوع على الحياد
مثال
مقتبس (وفي تلك الليلة المشؤومة)
ليش مشؤومة ؟! هنا تدخلت العاطفة وعليها ان لا تتدخل … اذا كانت هذه الليلة مشؤومة في نظر الضحيا وصاحب المقال المتعاطف مع الضحايا فانها ليلة مجيدة مباركة باركها الرب في علاه بالنسبة للمجرم
فلماذا لا يتبنى صاحب الموضوع اثناء طرحة وجه نظر المجرم؟!
وانا ارا ان لا نكون مع الضحية ولا مع المجرم ونتناول الموضوع بحيادية تامة
هل تستطيعون فعل ذلك . بكل تأكيد تستطيعون . اذا كان هناك وعي عند تناول مثل هذه المواضيع

ثم هذه طبيعة المجتمعات الامريكية التي قامت على الدم.

Vampire
Vampire
9 شهور

تخيل تكون رايح تشاهد فيلم في امان الله وتلاقي واحد مضطرب نفسيا بيفتح عليك النار 12 شخص ده رقم قليل كويس موقعش عدد اكبر من الضحايا يبدو ان مستر هولمز سايكو بات فاشل في التصويب اعرف واحد صديقي اسمه سايمون غوست رايلي في الm.i 6 البريطانية task force 141 special ops كانت الطلقة بتضرب 4 مع بعض المهم رحم الله الاخوة الامريكيين علي راي شاغي it’s a mad world 🌎

حمزة عتيق
حمزة عتيق
9 شهور

في البداية وقبل كل شيء أُبارك عودة الموقع للعمل! كنت أظنه أمسى صفحة من الماضي لولا أني قررت تفقّده! الشكر موصول للأستاذ العزيز الغالي إياد. كم افتقدته وافتقدت الموقع فلنا فيه ذكريات لا تنسى.

عودة إلى المقالة أعلاه، الفيلم بحد ذاته كان قد ألقى لعنته على الممثل الذي أدى شخصية “الجوكر” في الجزء السابق على ما أعتقد، المعظم يعلم بما حدث للمثل “هيث ليدجر” وكيف أن شخصية الجوكر قد ألقت بظلالها عليه فما لبث إلا أن أنهى حياته في غرفته منعزلًا عن الناس.

ولا أستبعد أن القاتل المذكور في المقال أعلاه قد اتخذ من شخصية الممثل في الفيلم السابق مثلًا، فأراد أن يحاكي أسلوبه في القتل أو في برودة المشاعر أثناء إلقاء القبض عليه على حد سواء!

بصراحة الممثل أبدع في أداء الدور، وصحيحٌ أن الساعات والأيام التي قضاها يتدرب على شخصية الجوكر قد أودت به، إلا أن النتيجة كانت رائعة ومعظم النقاد أشادوا بالفيلم عموما وبأداء الممثل على وجه الخصوص، والدليل أنه ربح الأوسكار حتى بعد موته!

صحيح أن المقال يتحدث عن جزء آخر صدر فيما بعد، ولكن بما أن القاتل قد فعل ما فعل وذلك قبل أن يشاهد العرض الرسمي للفيلم، فذلك لا يترك مجالًا للشك أنه كان متأثرًا بالإصدار السابق ” Batman the dark knight ”

شكرًا جزيلًا للكاتبة على أسلوب الطرح وعلى فكرة المقال.

تحياتي!

حمدكو
حمدكو
9 شهور
ردّ على  حمزة عتيق

الموقع جميل يحتاج الى تنسيق اكثر في العرض كما انه لا يحتاج الى وقفة لفترات طويلة لا داعي لها كما انه لا يحتاج الى تطوير في الشكل العام للموقع فالثبات جيد يجعل الزائر الا يتوة بين فترة واخرى وان كانت طويلة …

أسعد بن عبدالله البدراني
أسعد بن عبدالله البدراني
9 شهور

كم من جريمة ترتكب
ويتم تبريرها بالأمراض النفسية والجنون !!!

حامد
حامد
9 شهور

وما اكثر المجانين في هذا العالم
والابرياء هم من يدفعون الثمن

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
9 شهور

‏واقعة حزينة ومؤثرة ومذبحة مأساويه بالفعل ‏شكرا للأخت الكاتبة إن شاء الله القادم أفضل تحياتي ‏واقعة حزينة ومؤثرة ومذبحة مأساويه بالفعل

Vampire
Vampire
9 شهور

تعليق قصير علي غير العادة وسطرين متكررين يبدو انك منزعج لسبب ما

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
9 شهور
ردّ على  Vampire

ههه ‏يا تسلم أخي الحبيب على الاهتمام والسؤال بالفعل يكتشف الغامض والمثير يستنج ‏بالعقل الكثير فان بير ‏الرجل الكبير هههه

‏بالفعل هي مستغربة من أبو الجرايد لا يكون احد بس منتحل اسمي ههه

‏لا أخي الحبيب بس الأخت الكريمة صاحبت المقال يعني لا ترد على التعليقات فقلت ليش اكتب تعليق مطول وفي الاخير يمكن ما احد ينتبه عليه

‏ومن ناحية أخرى يعني لابد من شوية التشجيع يعني كما يقولون لا يموت الذيب ولا يفنى الغنم ههه

‏اما الإضافات لك لا والله هذي مشكلة في الكيبورد تصير معي أحيانا بس ينتهي التعليق تجد الكيبورد يعود في بعض الكلمات من البداية من جديد دون أن انتبه ولا تظهر عندي غير بعد ما ارسل التعليق يعني راح أحاول اشوف ما هي المشكلة في بعض الاحيان تصير مش دائما

‏يا تسلم أخي الحبيب شوف سحرتني حتى اكتب جريدة من جديد ما يقدر أبو الجرايد ما يتحمل ههه

‏الله يعزك ويرفع قدرك و أنت من الأصدقاء والإضافة الرائعة في كابوس أخي الحبيب شكرا على الاهتمام وشكرا على هذا القلب الطيب الذي يعني ما يعني غيره الله يعطيك ما في بالك ويفرج همك يا رب نورتني واسعدتني 😚💐💐

غيث
غيث
9 شهور

واو. جميل السرد والمقال

زر الذهاب إلى الأعلى