فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم

بقلم : نوار – سوريا

منذ فترة اشتريت حقيبةً جميلة و ذهبت بها مختالةً بنفسي إلى إحدى الصديقات ، و إذا بها تفاجئني بأنها اقتنت واحدةً مثلها لكن بلونٍ آخر ، و سألتني عن ثمنها و عندما أجبتها اتضح لي أنها جلبتها بثمنٍ أقل .. لا أخفيكم شعوري حينها فقد استأت و أحسست بأني مخدوعة ، ليس مهماً كم كان الفرق إنما المهم عندي أني تعرضت لعملية نصب ، لا أحب أن أكون مفعولاً به و يستغبيني الآخرون لذا حذفت ذلك المتجر من قائمة المتاجر التي أمر عليها عند ذهابي للتسوق ..

هكذا عمليات صغيرة من النصب يتعرض لها الجميع و صاحب المتجر – المغضوب عليه – و أشباهه يعتبرون من صغار المحتالين الذين قد نصادفهم يومياً في حياتنا ، لكن هناك محتالين من نوعٍ آخر .. أشخاص لا يتكررون و احتلوا مكانهم في التاريخ ضمن قائمة أذكى الأشخاص و أبرعهم في النصب و الاحتيال على مستوى عالمي .. و بطل مقالنا هو أحد هؤلاء الأشخاص و الذي عرف بالرجل الذي باع برج إيفل مرتين ..

لكن قبل الغوص بتفاصيل عملية البيع هذه دعونا نتعرف على هذا الداهية و كيف بدأ بممارسة النصب و الاحتيال

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
ليست هناك معلومات كثيرة عن طفولته

اسمه فيكتور لوستيج ولد في بوهيميا أو ما يعرف حالياً بجمهورية التشيك في 4 يناير عام 1890 ، والده كان عمدة بلدة صغيرة تدعى هوستيني ، برع منذ مراهقته بعمليات النصب التي كانت متواضعة في البداية ، و في سن التسعة عشر كان يتهرب من الجامعة ليذهب و يقامر بلعبة البوكر و البلياردو .. ترك دراسته و أخذ يمارس نشاطاته في الرحلات السياحية على متن السفن المبحرة عبر المحيط الأطلسي بين أوروبا و أمريكا ، و معظم ضحاياه كانوا من الأثرياء الذين يركبون في الدرجة الأولى و الذين لا يتوقعون أن محدثهم اللبق ما هو إلا نصاب محترف و هم بنظره مجرد ضحايا سذَّج.

مما ساعد لوستيج على النصب – إلى جانب ذكائه الحاد و أفكاره الفريدة في الاحتيال – امتلاكه لشكلٍ وسيم يوحي بالثقة ، كما أنه اهتم بأناقته و مظهره الخارجي ، و أيضاً كان بارعاً و يتحدث 5 لغات .. أطلق على نفسه أكثر من 47 اسماً مستعاراً و يمتلك العديد من جوازات السفر المزورة .

و في نهاية الحرب العالمية الأولى ألغت أمريكا هذا النوع من الرحلات السياحية ، فقرر الاستقرار فيها و ممارسة نشاطه هناك تحت اسم “الكونت” ، و لم تمضِ فترة طويلة حتى كان اسمه معروفاً لدى دوائر التحقيق في 40 مدينة أمريكية ، لكنه كان دائماً يفلت من العقاب و لا يترك أي أثر خلفه ..

من أكثر عمليات النصب التي قام بها نجاحاً كانت ماكينة نسخ العملة ، حيث أخذ يعرض على الناس صندوقاً ادَّعى أنه بإمكانه نسخ 100 دولار كل 6 ساعات ، فتهافت الطامعون على اقتناء هذا الصندوق بعد أن عاينوه و اقتنعوا به ، و استطاع لوستيج بيعه بأسعار كبيرة تصل إلى 30000 دولار !! طبعاً الصندوق في البداية ينسخ فعلاً النقود و يستمر بفعل ذلك لمدة 12 ساعة، و بعدها يبدأ بنسخ أوراقٍ بيضاء نتيجة نفاد مخزونه من العملة ، فيعلم المشترون أنهم وقعوا ضحية عملية نصبٍ من الدرجة الأولى لكن متى ؟؟ بعد فوات الأوان ، و تكون النتيجة أنهم حصلوا على 200 دولار فقط بينما خسروا آلاف الدولارات ثمناً لهذا الصندوق المزيف و بالطبع لا يمكنهم الإبلاغ عن الأمر ، فمن هذا الذي يعترف للشرطة أنه اشترى ماكينة لتزييف النقود!!

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
صندوق لوستج العجيب .. يعطيك ورقة مئة دولار كل 6 ساعات .. لكنه لن يقدم لك اكثر من ورقتين !

أستطيع تخيل لوستيج و هو يراقب عيون زبائنه السذَّج و أفواههم الفاغرة انبهاراً بالصندوق و طمعاً بالأرباح الخيالية التي سيحققها لهم .. بالتأكيد ضحك عليهم ملء شدقيه بعد أن ولَّى هارباً و قد ملأ جيوبه بنقودهم .

صفقة بيع برج إيفل

في عام 1925 كانت فرنسا منهكة من آثار الحرب العالمية الأولى ، و تربة صالحة لإجراء عمليات النصب ، لذا وجه صاحبنا نشاطه نحوها ، و تحديداً إلى باريس ، حيث قام بأبرع و أجرأ عملية نصبٍ عرفتها البلاد و جعلت اسمه مخلَّداً في التاريخ .. و الأسطر التالية ستوضح لكم التفاصيل :

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
باريس ما بعد الحرب كانت بيئة خصبة للنصابين من امثال لوستج

جلس فيكتور لوستيج ذات يومٍ ربيعيٍّ يقرأ بعض الصحف ، فلفتت نظره مقالة تتحدث عن مشاكل مدينة باريس بعد الخروج من الحرب ، و من ضمنها إصلاح برج إيفل الذي كان آنذاك آيلاً للسقوط و التكاليف الباهظة لهذا العمل ، مقالة قد لا يهتم لها الكثيرون، لكن مع محتال مثل لوستيج لن تمر هذه المقالة مرور الكرام ، فالأسطر التي قرأها جعلت ذهنه يتفتَّق عن خطة ماكرة تتطلب قلباً قوياً و ثقةً بالنفس و قدرةً على الإقناع ، و جميع هذه الصفات متوفرة في صاحبنا الوسيم الذي قرر أن يبيع برج إيفل .. لا تستغرب عزيزي القارئ فالبرج في ذلك الوقت لم يكن معلماً مهماً تتمسك به المدينة كغيره من الكاتدرائيات و القصور ، و كان منظره بشعاً بعد الدمار الذي طاله أثناء الحرب ، لذلك فإن الفكرة التي خطرت لـ لوستيج لم تكن مستحيلة الحدوث ..

و هكذا جمع فيكتور لوستيج ستةً من تجار المعادن في إحدى الفنادق رفيعة المستوى ، و كان الدليل الذي يجعلهم يصدقونه موجوداً بحوزته ، و هو امتلاكه لبطاقة مزورة تخوِّله التحدث بأسم الحكومة .. جلس بينهم و قدَّم نفسه على أنه نائب المدير العام لوزارة البريد و التلغراف و أخذ يتحدَّث بثقة و طلاقة عن مشروع إصلاح برج إيفل ، و تردُّد الحكومة في الشروع بتنفيذه بسبب التكاليف الخيالية التي تستلزم ترميم البرج و طلائه ، ثم أكمل دون أن يرف له جفن قائلاً : و لذلك قررت الحكومة هدمه و بيعه على شكل خردة .. راقب وجوههم ليرى تأثير كلامه عليهم ، و عندما اطمأن أوضح لهم أن هذا القرار سيُحدِث ضجةً كبيرةً لذا فإن العملية ستبقى سرية في الوضع الراهن ، و قد تم اختيارهم بالذات لما يتمتعون به من سمعة طيبة و محترمة ، و مهمته التي قدم من أجلها هي اختيار واحداً منهم للتعامل معه في هذه العملية .. كان لوستيج متحدثاً ساحراً و له قدرة رهيبة في التأثير على مستمعيه لذا أنصت إليه جميع التجار باهتمام بالغ و ليس ذلك فحسب بل صدقوه أيضاً ..

و لكي يضمن نجاح العملية أراد معرفة من هو الأكثر حماساً من بينهم و الأكثر استعداداً للوقوع في الفخ لذلك أخذهم في جولة لمعاينة البرج ، و لم يغفل عن إكساب موقفه المزيد من القوة ، لذلك أقلهم إلى هناك بسيارة ليموزين كان قد استأجرها مسبقاً لهذه العملية .

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
قرر ان يبيع برج ايفل !

أخذ لوستيج أثناء الجولة يسألهم عن عروضهم التي سيتقدمون بها و التي على أساسها سيقع الاختيار على أحدهم ، و في الواقع كان صاحبنا يعلم مسبقاً من سيختار و هو التاجر آندريه بويسون ، فقد شعر أنه تاجر مغمور سال لعابه للفوز بصفقة برج إيفل التي ستكسبه شهرةً لطالما حلم بها أمثاله ..

ظهرت أمام لوستيج عقبة قد تجعل عمليته تفشل ، و هي زوجة بويسون التي عندما علمت بالمشروع لم ترق لها السرية و الغموض اللذان يحيطان به و كذلك سرعة التنفيذ ، فأفضت بشكوكها إلى زوجها الذي تردد هو الآخر ، لكن لوستيج و بعد خبرةٍ طويلةٍ بالنصب و الاحتيال كان يعرف كيف يتصرف مع العراقيل التي تواجهه ، فاجتمع بمفرده مع التاجر آندريه و أخذ يلمح له أن مرتبه الذي يتقاضاه لا يكفي للعيش ضمن المستوى الذي يريده ، لذلك هو يلجأ لوسائل كسب أخرى و أنه يحتاج لنوعية خاصة من التعامل .. فهم آندريه أن لوستيج ما هو إلا موظف فاسد يتقاضى الرشاوى لذلك اطمأنَّ و عرف أن عرضه سيفوز إن سلمه بعض النقود على شكل رشوة ، فهو يمتلك الخبرة للتعامل مع هكذا نماذج ، و زالت عنه أية شكوك كانت قد ساورته من قبل ، و بذلك انتصر ذكاء لوستيج على حدس المرأة !

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
خدعهم وباعهم البرج ولم يجرؤوا حتى على الابلاغ عنه لدى الشرطة

تمت عملية النصب بنجاح فائق ، و لم يحصل فيكتور لوسيتج على ثمن البرج فحسب ، بل أيضاً حصل على ثمن الرشوة ، و ما إن أصبحت النقود بحوزته حتى فر هارباً مستقلَّاً القطار المتجه إلى فيينا ، أو كما يقال عندنا في هكذا حالات ” شمَّع الخيط و هرب ” .. أما التاجر آندريه بويسون الذي سلم النقود بكل ثقة طمعاً بالمجد و الشهرة اكتشف بعد فترةٍ قصيرةٍ أنه أكبر مغفل ، و خجل من نفسه و شعر بالذل و الإهانة ، لذلك لم يتقدم ببلاغٍ للشرطة و آثر الصمت لكنه بالتأكيد تعلم درساً قاسياً لن ينساه أبداً .. و هكذا مرت عملية النصب بالنسبة للوستيج بسلام بعد أن ظن أن باريس كلها ستنهض للبحث عنه ، الأمر الذي شجعه بعد شهرٍ فقط على العودة إليها و تكرار سيناريو بيع برج إيفل بحذافيره !

كانت هذه الخطوة جريئة جداً و تنم عن مدى استعداد لوستيج للمغامرة ، لكن التاجر الذي اختاره هذه المرة لم تكن ردة  فعله على تعرضه للنصب هي السكوت مثل بويسون ، بل توجه إلى الشرطة و معه العقود و الأوراق التي تثبت عملية النصب ، و كالعادة تمكن صاحبنا من الإفلات و الهرب مجدداً .. و بذلك يكون فيكتور لوستيج قد نجح في بيع برج إيفل مرتين و ربح من ذلك آلاف الدولارات !

من الجدير بالذكر أن جرأة هذا المحتال تخطت الحدود ، فقد طالت عمليات نصبه آل كابوني – و هو أشهر زعماء المافيا في أمريكا – و أقنعه باستثمار 50000 دولار في صفقة سندات ، أبقى أرباحها في حوزته لمدة شهرين لكنه بعد ذلك شعر بتهوُّره و خشي من بطش المافيا إن علموا بحقيقته ، لذلك أعاد إليه النقود مدَّعياً أن الصفقة قد خسرت .. كبر المحتال في عين آل كابوني و أعجب بشهامته لذلك أعطاه مبلغ 5000 دولار مكافأةً له على أمانته ، و هكذا أمن انتقامه و خرج من عنده مرفوع الرأس و بحوزته المكافأة !!

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
حاول خداع زعيم المافيا الشهير آل كابوني ..

في الحقيقة هذا المحتال عرف متى و كيف يتراجع عن تهوُّره ، و أدرك أن اللعب مع هؤلاء أشبه باللعب بالنار مهما بلغت درجة ذكائه ، لذا آثر الانسحاب قبل فوات الأوان ، و معرفة اللحظة التي ستنسحب فيها – برأيي – يعد نجاحاً بحد ذاته .

كان فيكتور لوستيج شديد الاعتداد بنفسه و لا يترك فرصة إلا و يذكر فيها إنجازاته متباهياً بذكائه و قدرته على التلاعب بعقول ضحاياه ، و لأن الاحتيال فن لا يتقنه الكثيرون وضع لوستيج وصايا للنجاح في هذا المجال عرفت بالوصايا العشر ، و هذه هي بنودها :

1 – أثناء لقائك مع الغير ، كن مستمعاً جيداً و لا تتسرع بالكلام .

2 – لا تجعل الملل يبدو عليك ظاهراً أثناء الحديث .

3 – لا تبدِ أي رأي سياسي و انتظر من الآخر فعل ذلك ، ثم وافقه على ما يقول .

4 – اترك المجال للطرف الآخر أن يكشف عن معتقداته الدينية و بعدها أظهر أن لديك نفس المعتقدات و الآراء.

5 – لمِّح من خلال حديثك عن الجنس ، لكن لا تسترسل في هذا الموضوع إن لم تلقَ اهتماماً من الطرف الآخر.

6 – لا تدخل في مناقشة عن الأمراض ما لم يظهر لك المتحدث قلقاً بهذا الشأن.

7 – لا تتدخل في خصوصيات الأشخاص و لا تتعب نفسك في التنقيب عنها ، لأنهم سيبوحون بها في النهاية من تلقاء أنفسهم.

8 – لا تتباهى و تتفاخر ، دع الغير يلاحظ أهميَّتك بكل هدوء.

9 – اهتم بمظهرك و احرص على أن تكون مرتباً دائماً.

10 – لا تجعل الغير يراك في حالة سكر ، و لا تشرب.

نهاية المحتال الوسيم

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
الولع بتزييف النقود وترويجها كان آخر هواياته

استمرت عمليات نصب فيكتور لوستيج و كان آخرها عملية تزييفٍ للنقود هددت الاقتصاد الأمريكي و كادت أن تزعزع الثقة فيه ، استطاع النجاح فيها لفترة من الزمن إلى أن تم القبض عليه في العاشر من مايو عام 1935 في نيويورك ، و بحوزته النقود المزيفة .. و من الطريف أن تعلموا أن من أوقعت فيه هي امرأة و بدافع الغيرة ، فقد أبلغت عنه عشيقته بيللي ماي بعد أن أكلتها الغيرة عندما علمت بأمر علاقته مع امرأة أخرى تدعى ماري كان يهواها أيام شبابه ..

باعتقادي أن فيكتور لوستيج كان يجب أن يضع ضمن وصاياه العشر بنداً ينص على الابتعاد عن النساء و العلاقات الغرامية !!

عملية القبض عليه لم تثنه أو تضعف من عزيمته ، فقد استطاع الهرب في الأول من سبتمبر من مركز احتجازه في منهاتن ، و ذلك بأن صنع حبلاً من ملاءات السرير و نزل بواسطته عبر النافذة ، و الطريف أنه عندما انتبه له بعض المارة تدارك الموقف بسرعة و أخرج خرقة من جيبه و تظاهر بمسح زجاج إحدى النوافذ فظنوه عامل نظافة ! ثم أكمل نزوله و فرَّ هارباً .. لكن هروبه لم يدم طويلاً ، ففي الثامن و العشرين من الشهر نفسه تم القبض عليه في بيتسبرج بعد مطاردة طويلة ،  ثم اقتيد في نوفمبر إلى القضاء في نيويورك و حكم عليه بالسجن مدة 20 عاماً و أودع في سجن الكاتراز .

و هناك في السجن كان لوستيج كثير الشكوى و المطالب ، و كان يضخم الأمور و يدَّعي المرض ، و بحلول السابع من ديسمبر عام 1947 كان لوستيج قد أرسل عدة شكاوى و طلب وصفات طبية قائلاً بأنه مريض ، لكن من شدة احتياله شك الحراس بأنه يعد مؤامرةً ما للهرب ، و أن ادعاءه المرض ما هو إلا جزءاً منها ، لكن عندما تم نقله إلى المركز الطبي الفيدرالي شديد الحراسة في سبرينغفيلد بولاية ميسوري أثبتت التقارير الطبية أنه فعلاً مريض و يعاني من التهاب رئوي وهناك توفي بمضاعفات هذا الالتهاب في 11 مارس 1947 ، و بذلك تكون آخر صفحة في حياة هذا المحتال الماكر قد طويت نهائياً .

فيكتور لوستيج : أشهر نصاب في العالم
سجن الكاتراز الرهيب (الصخرة) كان المحطة الاخيرة في حياة لوستج

في الحقيقة فإن فيكتور لوستيج خلال حياته كان قد نسج حول نفسه العديد من الأكاذيب ما جعل شخصيته غامضة إلى يومنا هذا ، و في سجنه كان يعرف بـ “روبرت ف . ميلر ” و هو أحد الأسماء المستعارة التي أطلقها على نفسه .

من الأقاويل التي حامت حوله أنه ينحدر من أصولٍ أرستقراطية و عائلته ملكت إحدى القلاع الأوروبية ، لكن الوثائق المكتشفة حديثاً تثبت أن نسبه كان أقل تواضعاً ، ففي المقابلات التي تمت معه في السجن قال أنه ولد في بلدة هوستيني و ادَّعى أن والده كان عمدة تلك البلدة ، لكن مؤخراً تم الكشف عن تصاريح أخرى له يصف فيها والده بأنه أفقر الفلاحين و بأنه عاش في منزل كئيب مصنوع من الحجر ، و برَّر امتهانه الاحتيال من أجل البقاء ، لكن هو في الحقيقة قد مارس النصب نتيجة طمعه و جشعه اللامحدودين .

في العام 2015 قرر المؤرخ توماس أندل المولود في بلدة هوستيني أن يبحث في السجلات الناجية من النيران النازية عن وثائق توضح معلومات عن مواطنه لوستيج ، بحث في القوائم الانتخابية و الوثائق التاريخية لكن دون جدوى ، حتى أنه دقق في سجلات المدارس الابتدائية التي من المفترض أن يكون اسم فيكتور لوستيج من بين تلاميذها إلا أن بحثه باء بالفشل ، و كأن هذا الرجل لم يكن له وجود على الإطلاق !!

و على الرغم من الغموض الذي ظل محيطاً بفيكتور لوستيج و عدم معرفة هويته الحقيقية فإنه يظل من أبرع المحتالين الذين عرفهم التاريخ و أشدهم ذكاءً و أكثرهم جرأة في عالم الجريمة المالية .. لقد بقي فترة طويلة يمارس خداعه بإبداعٍ ونجاح رغماً عن أنوف المحققين الذين أصبحت مسألة القبض عليه بالنسبة لهم تحدٍّ أقضَّ مضاجعهم .. كان أشبه بالزئبق يقوم بعملياته بهدوء و يفلت من قبضة العدالة بكل سهولة .

ختاماً

فيكتور لوستيج باع برج إيفل من أجل مصلحته الشخصية و كسب بعض الأموال ، و هو في النهاية قد نال جزاءه العادل ، لكن هناك أشخاصاً باعوا أوطاناً بأكملها تنفيذاً لمصالح الغير و مازالوا طلقاء ، بل البعض صنفهم بالشرفاء ! فهل ستطال هؤلاء يوماً يد العدالة ؟؟

المصادر :

Victor Lustig – Wikipedia

The Man Who Sold the Eiffel Tower. Twice. | History

Victor Lustig – Criminal – Biography.com

0 0 الأصوات
Article Rating

نوار

نور فيصل : كاتبة من سوريا، اتّخذتُ من "نوار" لقباً للكتابة في الموقع، وهو اسمٌ محبّبٌ إلى قلبي وقريبٌ من اسمي. أكتب لأني أجد نفسي في الكتابة، أكتب على سجيتي بعيداً عن زخرفة الكلام وتكلّف البلاغة. أميل في كتاباتي للأدب الواقعي لأنه الأقرب للحياة بكل ظروفها والأصدق تعبيراً عن النفس البشرية. للتواصل: noor10f@yahoo.com

مقالات ذات صلة

58 تعليقات
اروى
اروى
9 سنوات

مقال اكثر من رائع

فيلم (العتبة الخضراء)
فيلم (العتبة الخضراء)
9 سنوات

ههههه تحياتى د/ اياد على تلك الموصوع الشيق

مع خالص تحيات اخوك
محمدهاشم سليمان
مصر / أسوان / النوبة

محمد احمد محمد حماده
محمد احمد محمد حماده
9 سنوات

شكرا لك اختى على المقال مقال رائع جدا
ولكن هناك خطا لا اعرف اذا لاحظه بعضكم ام لا
كيف ارسل لوستيج فى 7 ديسمبر(12)1947 عده شكاوى ومات فى 11 مارس(3) 1947

عاشق الرعب
عاشق الرعب
9 سنوات

مقال جميل اشكر الكاتب عليها ومن وجه نظري المتواضع ان فكتور استغل نقطة الضعف في كل شخص قابله لذالك استطاع الايقاع بهم وخاتمة المقال رائعه اتمنى ان تتحقق في يوم من الايام

عمر العمودي - alamodiomar@ymail.com
عمر العمودي - alamodiomar@ymail.com
9 سنوات

• العدالة لا تموت ولاتهرم ؛ فمهما بلغ خبث وذكاء المجرم لابد أن تصل إليه عدالة الأرض أو السماء !!

احمد نادر
احمد نادر
9 سنوات

وليد الشهري موحود هنا في الكابوس يا اخي في التويتر ما توقف تغريد يعطيك العافيه يا وليد متابعك احمد نادر موضوع جميل اختي نوار يا بنت الشام

سعد بو معيز الدروقي
سعد بو معيز الدروقي
9 سنوات

نابيدي.. اقصد انا من ممتهيني الاحتيال لاكن هدا المحتال كان يفكر وينظر لابعد مكان لاكن النساء لاياتمن علي شي ….واخيرااا سوف اوقف عملي اللا شرعي وسلام لكي اختي نوار

Nour Lawyer
Nour Lawyer
9 سنوات

إذا فلتوا من عدالة الأرض فلن يفلتوا من عدالة السماء

ابو علي علي
ابو علي علي
9 سنوات

اذكر اني قراءة سابقا عن هذا المحتال في احد الكتب الانجليزية -لا اتذكر اسم الكتاب- وفي هذا الكتاب ذكر ان اهم عمليات الاحتيال التي قام بها هي :-
– بيع برج إيفل :- حيث ورد في هذا الكتاب انة استلم مبلغ الرشوة فقط ولم يستلم قيمة حديد البرج الذي يقدر بسبعة الف طن , وهذا خلاف ما ذكر في هذا المقال.
– بيع تمثال الحرية :- وقد اخذ عربون الصفقة من احد رجال الاعمال الاستراليين.
– بيع ساعة بيج بن في لندن.
– تأجير جناح في البيت الأبيض لأحد السواح.
شكرآ للكاتب علی جهدة ,
تحية للجميع,

سليم الودادي
سليم الودادي
9 سنوات

مقال رائع وجيد الف شكر لك كما يقولون القانون لايحمي المغفلين ولوستيج استغل دلك عندي صديق لن يصمد امامه لوستيج وهو من سينصب عليه ههههههه امثال لوستيج موجودون في انحاء العالم لكن ليسوا بدهاء جراة لوستيج ادا كانت معلوماتي صحيحة لم اعد اتدكر جيدا ربما فيلم ليوناردو ديكابريو catch me if you can مقتبس من قصة حياة لوستيج

مديحة عجب
مديحة عجب
9 سنوات

كل شئ له بداية وله نهاية

فتاة
فتاة
9 سنوات

أحسنتِ عزيزتي نوار ..مقالٌ جميل وأسلوبٌ أجمل
تمنياتي لكِ بالتوفيقِ والنجاحِ

القادم اجمل
القادم اجمل
9 سنوات

ما اروع هذا الرجل اتمنى ان يكون في حياتي واعمل معه هههههه لنسرق شركة يوبيسوفت وسوني

اروى
اروى
9 سنوات

مقال اكثر من رائع

"مروه"
"مروه"
9 سنوات

وااااو رائع:) استمتعت جدا بالمقال بكل كلمه فيه.ابدااااع^-^
مع التحيه.

حطام
حطام
9 سنوات

سلمت يداك عزيزتي نوار مقال رائع فكاهي و مشوق أسلوبه هادئ ولا يخلو من عبرة أتمنى أن أصبح بارعة مثلك”تحياتي أختي”

ألكسندرا
ألكسندرا
9 سنوات

سلمت أناملك عزيزاي فعلا أبظعت ولطالما فعلت
قصة رائعة وأسلوبك الأروع زادها رونقا خاصا
تحياتي ..

وليد الشهري
وليد الشهري
9 سنوات

من أجمل المقالات التي قرأتها، وممّا يدعو للأسف والانزعاج، هو أن يسخّر المبدع إمكانيّاته وقواه في طريق الشر، ثم لا يبقى من ذكراه سوى ما يدفع الناس إلى إلحاق اللعائن به.

لا بدّ لقبضة العدالة أن تطال كلّ ظالم، والناجي من عدالة الأرض، لا نجاة له من عدالة السماء.

أشكرك على المقال أختي نوار، وتقبّلي تحيّاتي.

وطن للبيع
وطن للبيع
9 سنوات

تذكرت وأنا أقرأ المقال فيلم (العتبة الخضراء) بطولة إسماعيل ياسين وأحمد مظهر.. حيث أرتدي الأخير دور النصاب إبن الذوات اللبق الوسيم المهندم..مدعيا أنه يمتلك ميدان العتبة بأكمله بالترام الذى يقطعه و بمبنى المطافئ حتى بقسم الشرطة.. وأنه اول كل شهر يأخذ إيجار منهم جميعا.. المهم أن الصفقة تمت واستطاع النصاب أن يبيع العتبة لاسماعيل ياسين… الذي كان يتوهم أنه هو من نصب على النصاب واخذها منه بأرخص الأسعار… وعندما جاء اول الشهر وحان موعد سداد الإيجار ذهب إلى قسم الشرطة يطالبهم بحقوقه وهنا كانت المفاجأة حينما اكتشف انه وقع ضحية لعملية نصب… العجيب أن الأمر حدث بالفعل بعد ذلك وكأن الفيلم كان يتنبأ بذلك!

كنا نحن العرب بالأمس كجسد واحد قطعه الاستعمار والاحتلال إلى أشلاء وقطع وحظائر.. وضعوا على كل حظيرة (##) للحراسة.. و فى زماننا هذا أصبح الانتماء للحظيرة وطنية و الدفاع عن (##) الحراسة عمل وطنى! (اعرف ان ذكاءكم سيخولكم ملأ ما بين الأقواس حرصا على قوانين الموقع).

نوار هكذا أنت دائما وستظلين..براقة مشرقة طيبة كما أرضنا العربية.. خاتمة رائعة بروعة كاتبتها.

باى

هابي فايروس
هابي فايروس
9 سنوات

قدوتي:)

العابث الاخير
العابث الاخير
9 سنوات

قصه رائعه حقا فيها عظه وعبرة لمن يعتبر شكرأ جزيلا

هايدي
هايدي
9 سنوات

مقالة رائعة جداً أخت نوار, أسلوب الكتابة ممتع و شيق, بالنسبة للوستينج فذكائه ملفت للغاية, كان يستطيع أن يعيش بطريقة شريفة ويستثمر ذكائه بطريقة جيدة, لكن الطبع يغلب التطبع.
تحياتي للمبدعة نوار على المقالة الممتعة بحق.

رُويّنة
رُويّنة
9 سنوات

بحييك على الخاتمة الرائعة
مقال مُمتع وموضوعه جديد .. نأمل المزيد من هذه المواضيع

فارس
فارس
9 سنوات

شكراً جزيلاً ، قصة جميلة
اختصرت فأبدعت

بسام
بسام
9 سنوات

مقال رائع استاذة نوار هل أنت رئيسة التحرير ذاتها أم تشابه أسماء؟ و علي كل لديكم أنامل تحسدون عليها

تامر محمد
تامر محمد
9 سنوات

فعلا موضوع أكثر من رائع حضرتك رئيسة تحرير كما يجب أن يكون الله يحفظك

نجمة بحر
نجمة بحر
9 سنوات

هههههههههههههههههه روعة بس كتير ضحكت لما شفت مواقف ه المحتال الطريفة وذكاءو الخارق ههههههههههه
اما عن تساءلك بآخر المقال اختي نوار فخلاني استفيق من ه الضحك وارجع للواقع الماساوي والمرير لي عم نعيشوا وعن حالي ما عندي ثقة بولا واحد من زعاماتنا لانهم بدل ما ينصبوا عالغريب عم ينصبوا على ابناء جلدتهم وبدل ما يصرفوا خيرات الاوطان عالشعوب عم يقدموها هدايا لغيرهم
باعتذر اذا في تعليقي تلميح سياسي بس مافيني ما احكي اذا تعلق الامر بهيك اشخاص
تقبلوا احترامي وكتير مشكورة حبيبتي نوار على ه المقال الحلو 😉

جوليا
جوليا
9 سنوات

مقال رائع
سلمت

منى
منى
9 سنوات

وااو إنسان رائع . حقا أعجبت به

استى
استى
9 سنوات

يا سلام اجمل قصه في العالم هل من مذيد

زر الذهاب إلى الأعلى