لون جديد

ما أبعدَ اليومَ عن الأمسِ.. سكنت الصحافة لُبَّهُ فيما انصرَمَ من أيام، وتعهّدَ بأن يكون فارِسًا حُسامُهُ الكاميرا. أمّا اليوم، فقد رَسا بالباخرةِ وتأبّطَ بِضاعَةً لمّاعَةً وقَصَدَ وَكرَهُ العلمي.
كان الجري هو النظام، فما عُدّت الدقائق القلائل حتّى وصل إلى مختبره المعزول وسط الجِبال. أمّا كيف وصل إليه، فالجواب عند مركبةٍ نفّاثةٍ ما لبث أن ركنها في زاوية خاصّةٍ متناءية.
“دِكٌّ” من عُلَبٍ زجاجيّةٍ يُشِعُّ كلٌّ منها بِرَونَقٍ خاص، وهياكل عظمية من أغرب ما كان، وورقٌ مُبعثَرٌ على طاولاتٍ مبعثرةٌ هي الأخرى.. كانت تلك هي المظاهر التي قابَلَها، كمُقابلة كل يوم، فورَ دخولِهِ دار العِلم والعَمل.
أخذ الباحث يتأمّل كل شبر، لا للفحص، بل كي يتدبَّرَ حيِّزًا لِمادَّةٍ جديدةٍ تحمل في طيّاتها لغزاً فريداً… حجرٌ ما كَكُلّ حجرٍ في اللونِ والمَلمَس، اقتنصه أثناءَ مغامرةٍ اختُتِمت بالسّلامة. بعد أن أزاحَ ما أزاح ووضّبَ ما وُضّب، ثَبَّت الحجرَ وغلّفه بصفيحة قصدير قبل أن يعطي للراحة حقَّها ويأوي لمخدعه، تارِكًا المَعمَلَ في سكينةٍ لا يقطعها غير هديرِ المحرّكات.
سديلُ الّليل أمعَن في سَتْرِهِ لِمَبنىً من طوبٍ وفولاذ، سَتْرٌ لم يمنع هِرَّةً من التّسلُّل عبر نافذة ليس الإغلاق في قاموسها. فأخذت تجول قافزةً تارةً ومتبخترةً تارةً. عن حركتها نجم الضّرر، ولِحُسنِ الحالِ أضرَّت بالهَشِّ من المُعِدّاتِ فَحَسْب. وبعد أن زارت المزار، هربت وهي غير المُلاحَقة، من ذات الشُّبّاكِ عديمِ المِقبض؛ تارِكَةً ليس آثار المخالب فقط، بل شظايا المُحَطَّمِ كذلك.
بزغ الفجر وأينع نشاطٌ متجدّدٌ لدى الباحث، آبَ لمَعملِهِ وهو يقلّبُ في رأسه دُرَّةَ الأحجامِ.. “الذرّات أصغر الموجودات”، هذا ما يُسَلِّمُ به العلم، لكنه من يومِهِ يرفض تصديق الصِّغَرِ. الضآلةُ كذبة، كل ما لا تراه العين المجرّدة عُرضَة لاحتمالات تكوينيّة جديدة. ما أدراه؟ الذرات نفسها متباينة الأحجام.. وربّما أصغرها قد انزوى على قُطرِها، فتقلّصت الذرّةُ وصارت رأسًا على عقب! ولماذا لا يبالغُ ويفترضُ ما لا يُرى في محاضرات معهده؟: أنَّ الذرة لا تُرى ليس لأنها صغيرة؛ بل لأنّها منذ هبطَ رأسُها وارتفع باطنها دخلت مجالًا زمكانيًّا لا ترصده غيرُ المجاهر.
خفتَت همساتُ عقله ودلف للمَعمَلِ أخيرًا. لصدمته، غَضَّ الطَّرْفَ عن محيطه المملوء بالكبسولات المكسورة واتَّجَهَ بِحَسرةٍ، مثل رصاصةٍ صوبَ إعصار، ناحيةَ مِنضدةٍ ظنَّ أنّها لِكَنزِهِ حافظة. طابِعا الغموض والتساؤل هما العنوان، يا تُرى ماذا حلَّ بالمفقود؟ عنَّت في بالِه خواطر الشوقِ واللهفةِ للجواب. بانَ طرفُ الخيط، وهو المُتَجاهَلُ سابِقاً المُدْرَكُ لاحِقاً: شظايا الزجاج.
“عَجَبُ العِجاب!، ما لهذه الفوضى مُسَبِّب؟!”. خرجَت هذه الكلمات بعفويّة، لم يظن لوهلة أنه سيلقى جوابًا. ولكن جاء مُواء فريقٍ من القطط في الجِوار كَجوابٍ لسؤالهِ غيرِ الاستنكاري.
على الفور، هَمَّ بالوثب من النافذة، بَيْدَ أنَّ تراجُعاً منه بَدَر عندما التقطت عيناه مسافةً حالَت بينه وبين الكائنات اللطيفة. تَسَمَّرَ “سَمير” حيثُما راجَعَ خطوات القفز، وراقَبَ عشيرة النُّمور الصغيرة مكتسيةً بِلونٍ فريدٍ ما استطاع وصف بهائه، فما كان منه إلّا أن انفصلَ عن جوِّ الصرامة العلميّة، وجَلَب آلَةَ تصويرٍ كان قد أودَعَها صندوقَ مُقتنياتٍ احتلَّهُ الغُبار.
حاكى شَغَفَ الأمس سراب اليوم، الصحافة، بأن صوَّرَ المنظَرَ وثغره باسِم. لون جديد، لم يستعصِ عليه أن يفطن لمصدره. لا بد أن الهررة عبثت بالحجر، فانسكب مستخلصه عليها، فكانَ ما كانْ.
والقدَر جميل، أحيانًا يصفع وأحيانًا يؤازِر. بالأمس فقط تبرَّمَ “سمير” من مهنته، ولعن سابع جد لبرنامج “يانصيب” الحكومي؛ برنامجٌ عيّنتهُ الحكومة لتوزيع المهن على المواطنين بعشوائيّة.
والصدفة أيضًا جميلة، فلولاها ما حضرت هذه الومضة التي نازعت الحكومة في سطوتها على الباحثِ “سمير”، ولَما طَفقتِ القطة تميطُ العباءَةَ عن الحجر العجيب.. هو نفسه لا يدري ماذا كان المُرادُ، يترك الأمور للسّليقة!
هي مسألةُ أسابيعَ توالت وانجلى منها حصادُ الفلاح. جُلُّ مطمع “سمير” هو أن تتلمَّظَ روحه الصحافة، فتهجره الكآبة، غير أنَّ مبلغ نجاحه فاق ذلك. الصحف التي رصدت مشاركاتِهِ عبر وسائل التواصل تزيّنت باسمه، والفنّانون ترنّموا باللون الجديد، بالظاهرة الفنّيّة الإعجازيّة.
ما كان في حُسبانِ الشاب الوحيد أن مادّةَ اللونِ الجديد ستجعل منه رجل صحافةٍ تجني صوره الرّبح الوفير ويجذب صنيعه عُشّاقَ المَجهول.
(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) صدق الله العظيم.
تحرير، مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.
صديقي العزيز
wave manipulator
القصة جميلة وهي تعكس اسلوبك المميز في الكتابة تمنيت لو كان بها المزيد من التفاصيل
في انتظار جديدك فأنت احد المميزين في الموقع
تحياتي
فكرة غريبة ومميزة
أحسنت حقا بانتظار جديدك 👍
اتفق ما شاء الله اسلوبه متطور ..
السلام والرحمة والاكرام على جميع الاحبة
كيف حالك يافادي
حسنا ..
لا استطيع انكار وجود تقدم كبير
في اسلوب السرد لديك
كما في اختيارك للمفردات
ارى انك حافظت على ولعك بانتقاء كلمات
نوعا ما تعتبر احترافية
ومع ذلك خففت كثيرا جرعة التعقيد فيها
الموضوع جاء مميزا جديدا غير مطروق قبلا
الحبكة قوية
التشويق بلغ الحد
اعجبتني جدا هذه المرة
ليست مجاملة فأنا في الادب كحد السيف
انما هو واقع
تابع على نفس الوتيرة
بوركت جهودك ايها المميز دائما
تحياتي
مُضحِك. فهذه القصّة وُلِدَت قبل سَعَف وبالسّاديّة مسكون وغيرها ممّا شرّفتني بإفاداتك فيها ومِمّا تجاهلتيها.. أذكر أنّي كنتُ في ساحة المدرسة أخطّط لاستثمار الوقت وبثّ الرّوح في اللون الجديد.. فألّفتُ نحو ثلاثمائة كلمة، قبل أن أزيدها الضِّعف بفكرة أكثر غرابة هي السّخرية من الأحجام.
وُلِدَت وكنتُ في أوائل سنّ السّادسة عشرة، وضاعفت كلماتها بعد جيل السّابعة عشرة.
المحرّر، سامح الله، نقّح بزيادة ونصّصَ ما لم أُنصِّصهُ بِسُلطان، وعدّلَ كثيرًا فقلب تَترى لِ يُرى!
شكرًا، نحن من ننتظر جديدك! نريدُ لكِ مُشاركة قبل نهاية هذا العام!
لو كان هذا الحال فالامر معكوس
اذا انت بدات في سن مبكرة باستعمال مفردات
يمس جانبها بعض التعقيد
ثم اوغلت في استخدام هذا الاسلوب عبر السنوات
بل وطورته واضفيت عليه من التعقيد ما اضفيت
لانه اعجبك
لاضير منه على فكرة
كل المشكلة ان بعض القراء امثالي
يعتبرون قراءة قصة او جزء من رواية
عبارة عن رحلة ممتعة
تنسيهم ضغوط وهموم ساعات اليوم
لهذا يتمنونها بسيطة سلسة لاتتعب التفكير
انما اجزم بوجود كثيرين
يستمتعون بطريقتك ايما استمتاع
بعد اربعة اشهر تقريبا
سآخذ اجازة طويلة ان سمحت ظروف العمل
وساشارك بعدة مواضيع ان شاء الله
لكن ترفق بي عندها
ولا تقصفني برصاص فتاك 😅
مرحبا فادي 🌷 ..
نقدّر نصك الاصلي جدًا .. لكن الاستاذ اياد سابقًا هو من اجرى التعدلات بهدف تحسين النص .. و كان الهدف من التعديلات هو تحسينها من ناحية الاسلوب والوضوح .. وليس تغييرًا للفكرة او تقليلًا من عملك ..
شكرًا لتفهمك اخ فادي ..
يا لها من قصة ثريّة ..
الذي شدني فيها ليس فقط التحول الذي مر به سمير .. بل الطريقة التي صورت فيها الصدفة .. وكأنه كان شريك خفي له يبني معه مصيره 🌷 ..
لكن ما يحيرني .. ليس ما حدث لبطل القصة بل ما لم ينتبه له ..
يعني اذا كان افتراضه ان الذرّة اختفت لانها انقلبت الى مجال لا يُرى .. فكيف يجزم ان ما اكتشفه لاحقًا هو ظهور لشيء جديد .. يعني لا مجرد انزلاق في اخر حدود ادراكه ؟؟ .. المعنى يا فادي .. هل كان سمير يكتشف العالم فعلاً ؟.. ام كان يعيد بناءه على قدر ما يستطيع ان يراه ..
هذه النقطة غير واضحة بالنسبة لي ..
عدى ذلك القصة كذا 👍 ..
بمعنى ممتاااازة ..
تحياتي وبانتظار جديدك ..
هو مجرّد وسيلة كي أحشُرَ فكرتي الغريبة، وهي تمويه كتابي لِأزيد عدد الكلمات لا أكثر هيهي 😆
بالمناسبة اذهبي للمقالة الرئيسية، جينيس كابوس، تصحيح صحّحتُه.
هههههه واضح التمويه الاحترافي 😂 ..
لكن لو أتينا للجد عجبني كيف انك قلبتها لأسلوب عوضًا عن أن تكون حشوًا وخلاص ..
تمام .. سأرى .. شكرا لحرصك واهتمامك ..
ابدعت اخ فادي الى الامام ..
قصه رائعه هذا النوع خيال علمي فلسفي ابدعت اخي تحياتي لك🌹
تحيّة ووردة لأحلى أبو هِشام✨️ 🌹