هل كان لدي خيار آخر ؟

بقلم : مؤنس نورالدين بدرالدين – لبنان

 
قبل الذكرى السادسة لرحيلِك بقليل ، أُريد أن أعتذر ، لم أستطع الاحتفاظ بهديّتك التي لا تُقدّر بثمن ، فقداني لها جعلني أُغادر بعيداً ، بعيداً عن ذكرياتنا ، بعيداً عن مطعمنا ، وبعيداً عن أماكن تجوالنا ، بعيداً حتى عن قبركِ .

على مقعدي في القطار الذي يأكل الأرض بعد أن يطحنها وراءه ، تعود بي الذكريات إلى ما قبل أن ألتقي بِكِ ، هكذا كانت البداية :

صعدت في سيارة تاكسي متجهاً إلى مكان ما ، لم تكن الأماكن تعني لي الكثير ، أردت أن أبتعد قليلاً عن هذا الشارع ، لقد مللت من تكرار مشاهده ، سألني السائق إلى أين ؟ أجبته إلى الأمام ، سنتوقف حيث يغريني المشهد بالوقوف.

لم يمضِ على هذا الحديث دقائق حتى أتت سيارة فاقدة الفرامل لتصطدم بالتاكسي من ناحية السائق ، من قوة الصدمة طرت من زجاج السيارة المكسور إلى الشارع وذلك قبل ثانية واحدة من ارتطام التاكسي بسيارة ثانية ، عدم وضعي لحزام الأمان أنقذني ، لا أدري ما الذي أوحى لي بعدم وضعه.

الفحوصات في المستشفى أثبتت خلو جسدي من أي كسور ، قال لي الطبيب المعالج : أنت بخير ، ولكن ستبقى تحت المراقبة حتى المساء.
نجاتي من الحادث جعلتني أتساءل ، هل هناك شيء ما مكتوب لي أن أفعله بعد ؟ الوقت قد يُعلمني.

بعدها بأيام كنت أريد الذهاب من شارع إلى آخر ، اختصاراً للمسافة سرت عبر حديقة عامة صغيرة ، تقريباً في منتصفها كان طفل يلهو على سلّم حديدي شكله كالهلال كان يتعلّق فيه من رجليه ، كانت والدته تجلس على مقعد وتراقبه من مسافة لا تزيد عن ثلاثة أمتار ، فجأةً أفلت إحدى رجليه وبقي متعلقاً برجل واحدة ، بالرغم من عدم علو السلّم ومن وجود الرمل أسفله للأمان ، إلا أن سقوط طفل بهذا العمر الصغير وعلى رأسه كان من الممكن أن يؤذيه أو أن يشلّه ، ركضت والدته باتجاهه ، لكني كنت الأقرب والأسرع ، رميت بنفسي تحته و التقطته من كتفيه لحظة سقوطه ، الأم الهلعة تشكرتني جداً وطلبت مني الجلوس إلى جانبها كنوع من الشكر أولاً ، ولكي تلتقط أعصابها من جديد.

سألتني أين أسكن ؟ أجبتها في شقة صغيرة لا تبعد كثيراً عن هذه الحديقة.
تسكن فيها لوحدك ، أليس كذلك ؟.
أجبتها أجل لوحدي ، لكن كيف عرفت ذلك ؟.
لم أكن أعلم ، لكن عندما ذكرت بأن الشقة صغيرة أفقدتُها صفة العائلية.
وأنتِ أين تسكنين ؟.
على بعد بضعة مبان من هنا ، أنا و أبني لوحدنا ، أنا أدعوك إلى العشاء وأصر على ذلك ، لا أقبل الاعتذار ، هل ترى ذاك المبنى ذو الطوابق الخمسة وأمامه شجرة طويلة ؟ أجبتها أجل .

 قالت : الساعة السابعة أنتظرك في الشقة التي تقع شمالاً في الطابق الثاني ، لم أجد أي مبرر للرفض ، ليس لدي شيئاً أفعله ، لذلك وافقت وصلت إلى منزلها في الوقت المحدد ، حاملاً باقة وردٍ لها ولعبة لأبنها ، العشاء كان لذيذاً بالفعل ، قلت لها : ” ماري ” أنت أمهر طباخة عرفتها ، أجابت : لا تتعجب فعملي هو طباخة في مطعم . أصر ” ميشال” أن ألهو معه في لعبته ، كانت السعادة تتراقص في عينيه ، قالت ” ماري” إنه سعيد لأنها المرة الأولى التي يجد فيها من يلاعبه ، سألتها : و والده ألا يزوركما ؟ أجابت : منذ ولادة ميشال وهو غائب عنا ، لا أعلم عنه أي شيء ، فهو لا يحاول أن يتصل أبداً.

في اليوم التالي زرتها في المطعم ، تكررت زياراتي إلى منزلها وإلى المطعم الذي تعمل فيه ، إلى أن دعيتها ذات مساء لمشاهدة مطعم صغير اشتريته وهو متوقف عن العمل ، سألتني ما هذا ؟ : أجبتها : مطعمنا ، عليكِ أن تعملي في مكانٍ يستحق موهبتكِ وأن تكوني سيدة نفسكِ وأن تنالي ما تستحقينه ، ستكوني الطباخة والمسؤولة والشريكة في الأرباح ، أجابت : لماذا دفعت هذا المبلغ من أجله ؟ أنا أشعر بالذنب لأنك دفعته من أجلي ، أجبتها : دفعته من أجلِنا ، وهذا استثمار رابح خاصةً عندما تكون الطباخة أنتِ.

أمضينا أياماً في تجهيز المطعم ، جهّزنا غرفة صغيرة في داخله ل ” ميشال” لكي لا يكون بعيداً عنها ، في هذا الوقت كنت قد أحببتها ومن لا يفعل ذلك ، فهي جميلة ، ذكيّة ، مرِحة وتجيد الأحاديث الشيّقة.

منذ أن افتتحنا المطعم وحركة الزبائن لم تهدأ ، لقد أحسنت اختيار الموقع ، وأكل “ماري” الشهي ومعرفة الناس بها من المطعم السابق ، وأسعارنا الجيدة ، كل هذه العوامل تظافرت لكي تُنجح المطعم.

في النهار كنت أنا و”ماري” و”ميشال” دائماً في المطعم ، وليلاً في منزلها ، أصبحنا ثلاثي لا يفترق.
في العرس كان “ميشال” يبدو رائعاً في البذلة السوداء ، تستطيع أن تقول عريساً ذو ثلاث سنوات ، ” ماري” كانت ساطعة ، الحفلة كانت جيدة جداً ، بعدها أصبحنا عائلة واحدة سعيدة ، “ميشال” كان دائماً حولي ويناديني أبي ، دماثته ولطافته جعلاني أشعر من بداية الطريق بأنه أبني الحقيقي ، أمضينا أوقاتاً رائعة ، لقد كانت من أبحث عنه ، وأنا كنت من تبحث هي عنه ، وكنت أيضاً الرجل الوحيد الذي نال رِضا ابنها فهو لم يكن أبداً يحب الغرباء.

في عيد ميلاده الرابع جهّزنا كل شيء للحفلة ، في الدقيقة الأخيرة قبل بدأها تذكرت ماري عدم شراءها قبعة العيد ل ميشال ، أرادت أن تكون الحفلة كاملة لا ينقصها شيء ، قالت لي : دقائق وأعود ، لن أدعه يحتفل دون القبعة التي يحبها . صعدت إلى سيارتها وانطلقت ، انتظرناها لكنها تأخرت ، بدأ الأطفال حفلتهم ، قُرِع الجرس ، قلت في نفسي : بسبب السرعة نسِيَت مفتاحها ، فتحت الباب ، كان يقف وراءه أثنان من الشرطة ، قال لي أحدهم : السيد موريس ؟ قلت : أجل ، قال يؤسفني أن أخبرك أن زوجتك تعرضت لحادث سيارة ، قلت : حادث ! أين هي ؟ وكيف حالها ؟ أجاب : للأسف ماتت على الفور ، لقد صدمت سيارتها شاحنة .

جلست على الكرسي ، كان الأطفال يدورون في حلقة ، وكنت أشعر بأن المنزل يدور أيضاً عكس دورانهم .
انتهت الحفلة وتفرّق الأطفال ، بدأ ميشال يركض في أرجاء المنزل وينادي والدته ، لم
أستطع أن أقول له شيئاً ، هل سيفهم معنى ” ماتت ” ؟ لا أظن ذلك .
بالنسبة للأطفال ألأهل دائماً موجودون من أجلهم ، أخذته معي في اليوم التالي إلى الجنازة ، أردته أن يعلم قدر الإمكان ما حدث ، لقد فهم بأنه فقد والدته وبأنها لن تعود ، في المنزل لم يقل شيئاً لكنه كان حزيناً ، لم يلهو بألعابه كالعادة ، بل تسمّر أمام التلفزيون يشاهد نشرة الأخبار التي كنت أشاهدها ، بالطبع لم يكن يفهم منها شيئاً ، لكن كان عليه أن ينظر إلى شيء ما بدون أي تفكير ، غيّرت القناة إلى قناة الصور المتحرّكة ، كان ينظر إلى المشاهد للمرة الأولى من دون أن يضحك ، موت والدته سرق منه ضحكته.

في صباح اليوم التالي جهزّت الفطور وأيقظت ميشال لكي يأكل ، أجابني : لست جائعاً ، قلت له : بأنّه عليه أن يأكل لكي ينمو ويكبر ، سألني : إن كنت سأتركه وأرحل ؟ فأجبته : لن أتركك ولو لدقيقة واحدة ، سألني : هل أمي الآن ترانا ؟ أجبته : أجل ، قال : كيف ؟ قلت : أسئلتك أصعب من أن أجِد رداً عليها ، لكنها ترانا بطريقتها الخاصة ، تنظر إلينا من السماء كما يفعل الله.

إلى المطعم أتيت بطاهية جديدة ، حاولت التودّد إليه ، لكنه كان ينفر منها ، لم يكن يستسيغ فكرة دخوله إلى المطبخ و رؤية أمرأة أخرى هناك مكان والدته.
بدأ العام الدراسي وأدخلته إلى المدرسة ، سألتني المديرة إن كان سينتقل من وإلى المنزل في باص المدرسة أم سأوصله أنا ؟ أجبتها : طبعاً أنا من سيوصله.
في أعياد ميلاده كانت صورة والدته حاضرة ، كنت أشاهده يكبر سنة بعد سنة ، إحدى زبونات المطعم الدائمات قالت لي : لماذا لا تتزوج وتحضر له أماً جديدة ؟ أجبتها : لا أريد أن ألقي به في المجهول ، على الأغلب لن يتفق معها ، يكفيه وجودي إلى جانبه ، ويكفيني وجوده إلى جانبي.

في عيد ميلاده التاسع بدأت أنظر إليه وأنا أخطط لمستقبله ، كان الوقت ما زال باكراً للتخطيط للمستقبل ، لكن بدأت أفكّر بالمهنة التي ستناسبه ، لا أدري لماذا لم أصل سوى إلى طريق مسدود ، لربما شعرت بما سيأتي قبل حدوثه.

ذات يوم تلقّيت اتصالاً من مدرسته ، لقد أوقعه أحد المتنمرين أرضاً فانكسر أنفه ، قالوا
لي : بأنهم نقلوه إلى المستشفى ، سألتهم : إن كان قد أخبرهم بأن مصاب بسيلان الدم ؟ فأجابني الصوت القادم من الطرف الآخر : لقد كان فاقداً لوعيه ، ذهبت بسرعة إلى هناك ، سألت الاستعلامات عن غرفته ، ذهبت إليها وقابلت الطبيب المسؤول عنه خارج الغرفة فقال لي : إنه في العناية المشددة ، الكسر في أنفه سطحي ، لكن الضرر كبير في الغضروف الداخلي ، عادةً هذه ليست بمشكلة كبيرة ، لكن لطفل مصاب بالسيلان فهي كذلك ، الدم يتجمّع داخل أنسجته وخلف عينيه ، لقد تمكنّا من تخفيف الضغط وإيقاف النزيف ، إنها عملية مؤلمة لذلك اضطررنا إلى تخديره ، إنه فاقد الوعي الآن ، قد يستمر هذا الوضع بضع ساعات ، إنه بخير حالياً لكنه تحت المراقبة ، نخاف أن يعود النزيف من جديد ، لذلك حالته ما زالت تعتبر حرجة.

جلست إلى جانب سريره وأنا أمسك بيده ، حضنتها بين يدي ، بعد وقت قصير أتت جارتنا اللطيفة التي سمعت بالخبر ، حاولت أن لا تبكي لكنها ما أن وضعت رأسها على كتفي حتى انفجرت بالبكاء ، بعدها قالت لي : اذهب إلى المنزل لترتاح وأنا سأبقى إلى جانبه ، أجبتها : أرتاح ! أرتاح وقلبي ليس معي ، إنه كل شيء في حياتي ، تركتني قائلة : سوف أعود ، إن احتجت أي شيء اتصل بي.

ذات ليلة غفوت قليلاً وأنا جالس أمام سريره ، استيقظت بشكل مفاجئ ونظرت إلى السرير ولم أجده ، ظننت أنه في المرحاض ، فتشت ولم أجده أيضاً ، هل وصل إلى الكافيتريا ؟ ذهبت ولم يكن هناك أيضاً ، سألت في الاستعلامات عنه ؟ فقالت لي الفتاة : بأنه غادر ، تعجّبت وقلت : غادر دون أن أعلم ومن دون إذن الطبيب ؟ ركضت إلى الخارج وأنا أناديه باسمه ، بدأ يرد علي بصوت آتٍ من بعيد ، بدأت أدور في دوامة وأناديه ويجيبني ، قلت له : ميشال ، لا أراك ، أين أنت بالتحديد ؟ أرجوك حدد مكانك ، هز يدي وقال : أبي ، استيقظ ، لماذا تصرخ ، أنا ما زلت في مكاني.

أيام أمضيتها في المستشفى إلى أن عاد سليماً معافى ، ليالي لم أنم فيها ، كنت خائفاً عليه.
ذات صباح أوصلته إلى المدرسة كالعادة وعدت إلى المطعم ، لم أكن على ما يرام ، لم أعلم لماذا ، كنت كالطائر الذي يخشى هبوب العاصفة ، بعد حوالي الساعتين أتت إلى المطعم سيارة الشرطة ، ظننت بأنهم أتوا لكي يتناولوا طعامهم ، لكنهم ما أن دخلوا حتى توجّهوا مباشرة إلي ، قال لي أحدهم : السيد ” موريس” ( هُنا أصابتني قشعريرة ، هذه النبرة ومن ذات الشخص سمعتها من قبل ، هو الذي أخبرني بوفاة زوجتي منذ حوالي ستة أعوام ، شعرت بأن المطعم يدور بي ) قلت له بصوتٍ مُرتجف : أجل ، ثم تابعت : هل ميشال بخير ؟ هل حصل له أي شيء ؟ أجاب : لا تخف ، هو بخير لكننا نحتاجك في قضية صغيرة في مركز الشرطة ، سألته : ما هي القضية ؟ أجاب : هناك سيقولون لك.

أدخلوني إلى عند مسؤول المركز ، هناك طلب مني أن أجلس ، جلست فبدأ بالكلام قائلا : منذ سبع سنوات ونصف فُقد طفل من بلدة مجاورة ، لم نعثر له على أثر ، إلى أن قبض البارحة أحد مراكز الشرطة على إمرأة تتاجر بالأطفال ، من ضمن ما اعترفت فيه هو بيعها طفل لزوجتك ، هنا قاطعته قائلاً : لكن زوجتي لم تشترِ طفلاً ، ميشال هو ثمرة زواجها السابق ، أجاب : هذا ما أخبرتك به ، فهي لم تُرزق بأي طفل من زوجها السابق بل اشترت طفلاً من إمرأة أقنعتها بأنه طفلها وهي لا تريده ، زوجتك لم تكن تعلم بأن الطفل مسروق ، هذه كانت طريقة الامرأة في البيع ، لأنها لو اعترفت بسرقة الأطفال لما استطاعت بيعهم لأحد.

وتابع قائلاً : إذاً زوجتك بريئة من جرم الخطف ، لكنها لم تتحقّق من أصل الطفل ، مع ذلك هذه الجنحة تسقط عنها بسبب وفاتها ، أما بالنسبة لك فقد جرت الحادثة قبل معرفتك بزوجتك ، لذلك لا دخل لك بالقضية ، لكن الآن أصبحت أنت بالنسبة للولد غريب تماماً ، فهو لم يعد أبن زوجتك ولم تعد بالتالي وصياً عليه ، لقد أخذه والداه الحقيقيان اليوم من المدرسة وسيبقى عندهما ، ونظراً لأنه كان تقريباً مُختطف من قِبل زوجتك ، يُمنع عليك الاقتراب منه ، عليك بأن تبقي مسافة فاصلة لا تقُلّ عن مائة متر بينك وبينه ، أجبته : لكنه أبني ، أنا ربّيته ، أجاب : في نظر القانون أنت مُشتبه بالتستر على خطفِه.

وقّعت على أوراق عدم الاقتراب منه أو إزعاج أهله ، وغادرت المركز ، عُدت إلى المنزل ، جلست في غرفته بين أشيائه ، رحت أتأمل الألعاب التي كنت ألهو بها معه ، جلست على الأرض طويلاً إلى أن قفزت قائلاً لنفسي : لقد تأخرت على ميشال ، ثم عدت لأجلس ، لم يعد ميشال ينتظرني ، ولم يعد لي الحق باصطحابه ، كنت أريد سبباً لكي أراه ، لذلك حملت أغراضه وشهاداته المدرسية وذهبت إلى منزل والديه ، كيف عرفت عنوانهما ؟ كان يكفي أن أشغل التلفزيون الألماني على أي محطة لأرى صورة منزلهما وأسمع أخبارهما.

طرقت بابهما ، فتحت لي والدته قائلة : ماذا تريد ؟ أجبتها : لقد أحضرت أغراضه ، أجابت : لا نريدها فقد اشترينا له كل ما يحتاجه ، فأعطيتها شهاداته المدرسيّة قائلاً : في المدرسة هو متفوق وستفخران به كما كنت أنا فخوراً به وسأبقى ، أخذت الشهادات دون أي كلمة شُكر ، في هذه اللحظة كان ميشال قد سمع صوتي فركض إلي ، عانقني بقوة ، لم يتركني إلا بعد أن انتزعته أمه مني انتزاعاً ، قال لي : أبي ألن تدخل ؟ أجابت والدته : لا ، لن يدخل فالرجل على عجلة من أمره ولن يعود إلى هنا أبداً.

يقولون بأن العادة تصبح طبيعة ثانية ، لكن ما جعلني أواظب على ما كنت أفعله لم تكن العادة أو الطبيعة الثانية بل كان حبي له وشوقي لرؤيته ، كنت أستيقظ صباحا كالعادة في الوقت الذي كنت أوصله فيه إلى المدرسة ، أصل إلى هناك وأقف بعيداً ، أراه ينزل من سيارة والده ويدخل إلى المدرسة ، أشعر بالاطمئنان من أجله ، ها هو قد وصل وبصحة جيدة ، ثم أعود في ساعة الانصراف لأراه يصعد في السيارة عائداً إلى المنزل ، لم أكن لأغيب عن مشهد واحد ، كنت أشعر بأني ما زلت مسؤولاً عن سلامته ، إنه كل ما كان قد بقي لي من ” ماري”.

يوم العطلة كنت أذهب إلى الحديقة حيث كانا يذهبان ، كنت أجلس في السيارة وأراقبه من بعيد ، إلى أن أتيت ذات يوم و وقفت بعيداً في السيارة أنظر إليهم ، كان والده البيولوجي يسابقه ويلاعبه ، كانا منسجمان لكن ليس إلى حد الانسجام الذي كان يربطه بي ، الوقت سيكون الحكم ، عندما يكبر قليلاً هل سينساني أم سيبحث عني ؟ لا أدري ، قد لا تكون نهاية العالم بالنسبة له ، أنا سعيد لأجله ، لديه أم و والد وشقيقة صغرى  جميعهم يحبونه ، لكن مهما حاولوا لن يستطيعوا أن يملؤوا الفراغ الذي تركته ، أو على الأقل هذا ما أقنعت نفسي به كنوعٍ من المواساة ،

توجه والده ناحية عربة طعام لشراء شيء ما ، كانت لحظات ثمينة بالنسبة لي لكي أقترب و أكلّمه لكن هذا كان خرق للقانون لذلك لم أجرؤ على فعله ، في هذا الوقت كان ميشال يتكلم مع ولدٍ أكبر منه بقليل ، كلامهما تحوّل إلى شجار ، صرخ ميشال : أبي ، ركضت لمساعدته ، لقد نسيت نفسي ، لقد صرخ أبي وأنا والده ، كنت أقترب بسرعة ، والده البيولوجي اقترب أيضاً بسرعة ، ابتعد الولد عن ميشال وصرنا وجهاً لوجه أنا وميشال و والده ، نظر إلي ميشال وقال :

أبي ، لكن والده البيولوجي لم يدعني أقترب منه بل أخفاه خلف ظهره وقال لي : أنت تعلم بأن البوليس أمرك بعدم الاقتراب منه ، هذه المرة لن أشكوك للبوليس ولكن في المرة القادمة سوف تُسجن.

أحياناً يُجبر المرء على أن يتخذ قراراً لا يعجبه ، لأنه يكون قد وصل إلى مفترق طُرق في حياته ، عليه أن يواجه أو ينسحب من دون خسائر ، إن لم يكن القانون إلى جانبه فعليه أن ينسحب ، أن يذهب إلى اللامكان ، واللامكان هو النقطة المجهولة في حياته ، هو البعد عن أشياء وأشخاص أحبّهم ، كالمطعم الذي أنشأته ، أو كميشال الذي ربّيته ، هذه هي قواعد الحياة التي لا تتغيّر ، القواعد التي قد لا تناسبنا أحياناً.

لذلك ابتعدت عن كل شيء والحزن يأكلني ، أريد أن أرى ميشال ، لكن القانون يمنعني ، القانون الذي لا يعرف الرحمة ، بعت المطعم بثمن بخس ، حملت من أغراضي شنطة واحدة لم أنس أن أضع فيها صُور ماري وميشال ، وانطلقت نحو المجهول ظننت بأن الأيام تمحي الذاكرة ، كنت مخطأً ، هناك قسم من الذاكرة لا يُمحى ، لم أستطع أن أنسى ابتسامة “ميشال” عندما كان يركض باتجاهي لكي أحمله ، الآن هو يركض باتجاه شخصٍ آخر غريب ، مرت سنين وشوقي له تضاعف فعدت إلى المدينة التي كنت أسكن فيها ، لم أجد ” ميشال” أو أهله ، لقد رحلوا ، حاولت أن أستعلِم عن عنوانهم فدخلت في طريق مسدود.

في بلدٍ لا يعرف سوى القانون كان علي توكيل محام ، أوكلت محامي شاب يُدعى ” رايموند ” استخدم “رايموند ” جميع الطرق القانونية لكي يحصل لي على عنوانهم لكن لم يُسمح له بتقديم عنوانهم لي ، سألته عن أسم الصبي الآن ، هل ما زال ” ميشال” أم غيّروه ؟ فأجابني : ممنوع عليه إعلامي بالأمر ، سألته : إن كان يستطيع إحضار صورة حديثة له ؟ فأجاب : هذا خرق لتعهده القانوني ، قلت : وهل شاهدته وتكلّمت معه ؟ أجاب : لدقائق فقط عندما قابلت محامي أهله ، قلت له : ألن تستطيع أن تجعلني أراه لدقائق فقط لكي أعرف كيف أصبح شكله ، وكيف هو الآن تفكيره ، وهل ما زال يتذكرني ؟ أجاب ” رايموند ” : سأستأنف الحُكم ولنرى النتيجة.

في المحكمة رافع المحامي بشكل رائع ، مع ذلك النظام كان ضده ، محامية الأحداث قالت : بأن من مصلحة الصبي أن لا يراني لكي لا يضيع فكرياً بين أبوين ، لديه أب وأم وهو سعيد ولا يلزمه أي شيء آخر ، ظهوري في حياته من جديد سوف يربكه .

 خسرت الحُكم وابتعدت من جديد ، في كتابي الذي كنت أوقّعه أنهيته بعبارة : ( أنا ” موريس ” مجرد أب يحاول أن يلتقي بأبنه ) كنت أوقّع الكتاب بطريقة آلية عندما تقدم شخصٌ منّي ، سألته عن اسمه لكي أوقّع له الكتاب ، أجابني : المحامي “رايموند ” نظرت إليه فابتسم لي ، أعطاني مغلّفاً فتحته فوجدت فيه صورة حديثة لميشال ، تركت المكتب وتمشّيت مع المحامي ، سألته : هل هو من أعطاك إيّاها ؟ وهل ما زال يتذكرني ؟ أجابني “رايموند” : اسحب الصورة وانظر إلى خلفيتها ، على خلفية الصورة كان مكتوباً : والدي العزير ، ما زلت أذكر منزلنا وأذكرك ، أذكر طريقتك بمساعدتي في إطفاء شموع ميلادي ، أذكر والدتي ودموعها التي كانت تذرفها حين أمرض ، لن أنساك ، أحبك ، قبلاتي لك ” ميشال “.
 
 النهاية ……
0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

62 تعليقات
Abeer Hasan
Abeer Hasan
5 سنوات

إنها لمآساة ، أتضامن معك كليّا في حقّك في حضانة الطفل

Moustafa Nassar
Moustafa Nassar
5 سنوات

مع قصصك تحيا الأرواح وتطير إلى عالم أخر حيث الهدوء والأرتياح

مؤنس نورالدين بدرالدين
مؤنس نورالدين بدرالدين
5 سنوات

نبيل محمد الخشن ،، كم أنت رائع في تعليقك ، سلامي ومحبتي لك
عاشقة العراق ، جزيل الشكر لكِ ،،،،،
لجميع من شارك : شكراً لكم

Abbas Rasheed
Abbas Rasheed
6 سنوات

حرف يحلق بجمال معانيه

محمد العبد
محمد العبد
6 سنوات

العودة إلى زمن الرواية العالمية

Ali Jaber
Ali Jaber
6 سنوات

حرفك شاهق حد كل شيئ

Asim Sehli
Asim Sehli
6 سنوات

شكرا لانك تهبنا الحُب والجمال فِي قِصّة واحدة

Nidal Tawil
Nidal Tawil
6 سنوات

رائع في كل كلمة لون

صفاﺀ عيسى
صفاﺀ عيسى
6 سنوات

روعة راقي جميل

نادين عيتاني
نادين عيتاني
6 سنوات

مؤثرة ورائعة

نبيل عمار
نبيل عمار
6 سنوات

بديع الحرف إلى حد البذخ

Toffic Bahe
Toffic Bahe
6 سنوات

عندما أجد قصصك يكون عندي خيار واحد ، أن أقرأها لوحدها

Ibrahim Obeid
Ibrahim Obeid
6 سنوات

جميل جدا راقي ورائع فعلا

Rakan Saleh
Rakan Saleh
6 سنوات

قصّة رائعة ، شكراً لأديب العصر

عاشقة العراق
عاشقة العراق
6 سنوات

قصة جميلة ومؤثرة في نفس الوقت

نبيل محمد الخشن
نبيل محمد الخشن
6 سنوات

أن تنْتزِع مني دمعًةً بعدَ سلسلةِ خلجاتٍ ، هزّت مني القلب والكيان .. فأنت كاتبٌ قصصيٌّ بإمْتياز
رعاكَ الله وسدَّدَ خطاك فأنت شُعْلةً مُنيرةً في أوِساطِ المشاهير وأربابِ القلم .

مؤنس نورالدين بدرالدين
مؤنس نورالدين بدرالدين
6 سنوات

المطالعة الشغوفة ، شكراً لكِ وشكراً لجميع من شارك وشكراً لموقع كابوس الذي عرّفني بكم .
القصّة القادمة هي بعنوان : سيعود غداً

المطالعة الشغوفة
المطالعة الشغوفة
6 سنوات

جميييييييييييلة
معبرة و واقعية
نهايلة لطيفة
ما القصة القادمة؟ ماهي؟ أنا متحمسة لها

Layla Merhi
Layla Merhi
6 سنوات

عندما يكتب الكبار

Hilal Kamareddine
Hilal Kamareddine
6 سنوات

أنها قصة محزنة صاغها فكرا نير وايادي ناعمة شكرا دكتور نقراء القصة وكأننا نعيشها

Sana Isma
Sana Isma
6 سنوات

لا حدود لابداعاتك

طلال حايك
طلال حايك
6 سنوات

من أروع القصص التي قرأتها

Nada Fayyad
Nada Fayyad
6 سنوات

روعة سلمت أناملك المبدعة

Ali Jaber
Ali Jaber
6 سنوات

قصّة راقية جداً وملهمة للادب الرفيع

ياسر الجنابي
ياسر الجنابي
6 سنوات

رائعة تلمس الاحساس من الداخل

Amal Ahmad
Amal Ahmad
6 سنوات

قمة الابداع والتالق في فنّ الكتابة

صوت المطر
صوت المطر
6 سنوات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ مؤنس نور الدين سلمت يمناك على هذا العمل الجميل
من نقاط القوة في هذا العمل هو التوازن في عملية السرد فلا يوجد تسارع ولا يوجد إسراف في السرد بحيث أدى الى ظهور العمق الوجداني في العمل بقوة
أيضا غياب الأبعاد الجسدية والتجسدية لكينونة الشخصيات يعتبر غير مهم فالمهم هو الفكرة والفكرة وصلت بشكل مبسط ودون تعقيدات فمتابعو هذا الموقع هم من جميع أطياف المجتمعات وليس جميعهم أدباء فالعمل أوصل الفكرة للجميع
الفكرة وصلت والحبكة كانت موفقة بشكل ممتاز
الحس الزمكاني موجود بشكل جيد فالكاتب وبشكل مختصر أظهر لنا مكان العمل عن طريق أسماء ابطال العمل وقصة العمل ومن قرأ القصة بشكل دقيق وفهمها سيجد هذا الحس موجود
افضل ما في العمل هو وجود عنصر التشويق دون الإلتفات إلى المشاهد الجانبية التي قد تدخل القارئ في متاهات هو في غنى عنها وتبعد القارئ عن الفكرة الأصلية
شكرا للكاتب وننتظر المزيد

Habib Tahtah
Habib Tahtah
6 سنوات

صحيح لم يكن لديك خيار آخر ، القوانين مجحفة أحياناً

نبيل الخشن
نبيل الخشن
6 سنوات

مدهش بالكامل ..من عمق الابداع

علي فرحات
علي فرحات
6 سنوات

بديعة جدا ومؤلمة جدا.

زر الذهاب إلى الأعلى