الخوف

ليلة شتوية عاصفة… المطر يتساقط بلا انقطاع، ويبدو وكأن لا نهاية قريبة لهذا الطقس العاصف.
جلس فؤاد على الأريكة، وأدار جهاز التلفاز، وأخذ يتنقل بين القنوات. أحسّ بالسأم، فذهب إلى المطبخ، وأعدّ فنجانًا من القهوة، واحتساه ببطء، دون أن يستمتع بمذاقه الساخن.

خطرت له فكرة: لمَ لا يقوم بجولة بسيارته في هذا الطقس الذي يعشقه؟
ارتدى ثيابه واتجه إلى سيارته، أدار محركها، وانطلق بلا هدف، يجول في شوارع المدينة الخالية من المارة، والمبتلّة بمياه الأمطار.

جال طويلًا في الشوارع المقفرة، ثم قرر أن يسلك أحد الطرق الزراعية.
ظلام دامس يلف كل شيء، والمطر لا يزال يتساقط، والريح تعصف. الأشجار المصطفّة على جانبي الطريق بدت كأشباح ضخمة تعبث الرياح بأغصانها.

أصبحت الرؤية غير واضحة بسبب تكاثف الضباب على الزجاج الأمامي، فأدار ممسحة الزجاج بأقصى سرعة، وهو بالكاد يتلمّس طريقه.
وفجأة، عند أحد المنعطفات، صدمت السيارة شيئًا ما. سمع ما يشبه صرخة مكتومة ممزوجة بالألم.

أحسّ بالرعب والخوف… ومضى في طريقه دون أن يتوقف، وقلبه يكاد يقفز من بين أضلعه.
ترى، ماذا اصطدم به؟ لا بد أنه شخص كان يعبر الطريق… ولكن ما الذي جاء به إلى هذا الطريق المظلم في هذه الليلة؟ إنه حظه العاثر وقدره.

زاد من سرعة سيارته، والأفكار تتزاحم في رأسه:
هل يذهب إلى قسم الشرطة ليبلغهم؟ لا شك أنهم سيتهمونه بالهرب وترك المصاب ينزف حتى الموت…

نظر في المرآة، فرأى سيارة تتبعه. لا بد أن أحدهم وجد الرجل ملقى على الطريق، وشكّ بأنه هو من صدمه، وها هو يطارده لينتقم منه.
ضغط على دواسة الوقود بقوة، فازدادت سرعة السيارة بشكل مخيف.

أخذ من في السيارة خلفه يرسل إشارات تحذيرية بمصابيحه، فازداد خوفه. قلبه يخفق بعنف، والعرق يتصبب منه رغم برودة الطقس.
وعند أحد المنعطفات، انزلقت السيارة، واصطدمت بعنف بشجرة، ثم انقلبت.

غرق فؤاد في ظلام دامس… ولم يعد يشعر بشيء.

توقفت السيارة التي كانت خلفه، وترجّل منها رجلان. اتجها نحوه، فوجداه غارقًا في دمائه وقد فارق الحياة.
قال أحدهما لصديقه:
“لا بد أنه نفس السائق الذي صدم ذلك الكلب الضخم الذي وجدناه ميتًا وسط الطريق وقمنا بإبعاده… ولكن ما الذي دعاه إلى القيادة بهذه السرعة في هذا الطقس السيئ؟ لقد حاولنا تحذيره، لكنه لم يستجب.”

إنه قدره… للأسف.
لكن الإجابة كانت عند فؤاد، لو بقي حيًا:
إنه الخوف… فمن الخوف ما يقتل.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: رؤى قلعه جي.

مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.

3.7 3 الأصوات
Article Rating

علي فنير

علي محمد فنير ، مكان الولادة الزنتان - ليبيا. أديب ليبي اكتب القصة والشعر منذ سنة 1990 عضو في موقع كتاب وادباء ليبيا : بلد الطيوب ولي فيه عدة أعمال منشورة تم اضافتي كقصاص في معجم القاصصين الليبين للأستاذ الدكتور عبدالله مليطان لدي مجموعة قصصية نشرت سنة 2007 تحتوي علي 28 قصة قصيرة بعنوان : خيال الشوق

مقالات ذات صلة

guest
25 تعليقات
مستشعر بالطرف الآخر
مستشعر بالطرف الآخر
1 شهر

قصة رائعة يا علي الفنير. ،،

وملهمة في نفس الوقت ،،.

احسنت

علي فنير
علي فنير
1 شهر

مستشعر بالطرف الاخر ….صديقي العزيز شكرا لك جزيل الشكر علي مرورك وتعليقك ….سعيد ان القصة لاقت استحسانك ….تمنياتي لك بكل الخير ودمت ودام تواصلك

مستشعر بالطرف الآخر
مستشعر بالطرف الآخر
30 أيام
ردّ على  علي فنير

و لا يهمك يا عم علي و لا يهمك ..

ربنا يخليك ، و يخلي ابداعاتك ، و تطرقك لمواضيع و مسائل ، يا ما من الناس وقعوا فيها ، و ألحقوا بأنفسهم الضرر .!!..

فخليك يا أخ علي او يا عم علي ، علشان تدلعك شوي ، فخليك كما انت في ساحة هذا النوع من الإبداع ..

وربنا يخليك لنا و يحفظك .

علي فنير
علي فنير
29 أيام

ربنا يخليك ويحفظك انت كمان ….تحياتي ليك واضحي مبارك وكل عام وانت بخير 🙏🙏

كميممستشعر بالطرف الآخر
كميممستشعر بالطرف الآخر
28 أيام
ردّ على  علي فنير

لك كل التحية و كل عام وانت بالف خير يا اخ علي

عبده علي الفهد
عبده علي الفهد
1 شهر

حييت وبقيت✋

علي فنير
علي فنير
1 شهر

🙏🙏🙏

عبده علي الفهد
عبده علي الفهد
1 شهر

مبدع كما عهدناك
تقبل تحياتي ✋🌹

علي فنير
علي فنير
1 شهر

اسعدني مرورك وتعليقك صديقي العزيز عبده الفهد
تقبل تحياتي واحترامي ودمت ودام تواصلك

علي فنير
علي فنير
1 شهر

اجمل تحية لك وميض وسعيد ان القصة نالت اعجابك …..نقطة الرجوع هي ان يعود ادراجه ليري بمن اصطدم ليسعفه …..او يستجيب لتنبيهات السيارة التي خلفه.
ولكن للاسف ما ان يقدم الانسان علي فعل ما نتيجة خوف او تهور حتي يصبح الرجوع بالزمن الي الوراء مستحيلا
ولا يبقي الا ان يتحمل الانسان العواقب او الهرب
والاغلب الهرب ….قليل من البشر من يملك الشجاعة لتحمل العواقب لذا نجد مراكز الشرطة تغص رفوفها بالقضايا المسجلة ضد مجهول

تحياتي لك وميض وتمنياتي لك بكل خير

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  علي فنير

🙏🙏🙏

ابو العز
ابو العز
1 شهر

سلمت يداك أخي العزيز على هذه القصة التي جعلتني أتنفس برائحة المطر وأشعر ببردها
وببراعة قلمك أثبت لنا أن النوايا الطيبة قد تكون أحيانا هي الوقود الذي يحرقنا دون أن ندري فالرجلان اللذان حاولا تحذيره بمصابيح السيارة كانا يمدان له يد النجاة لكنه قرأها بعين الهارب كأنها نذير هلاك وهذا هو المطب النفسي الذي نقع فيه جميعاحين نسقط مخاوفنا الداخلية على تصرفات الآخرين فنرى الود هجوما والحرص مطاردة ولعل المفارقة الأكثر وجعا في هي أن بطلنا كان يبحث عن السكينة في ليلة عاصفة يحبها فانتهى به الأمر ضحية لنفس الهدوء الذي كان يرجوه..والطريق الذي سلكه لم يكن زراعيا فحسب بل كان طريقا لتعرية هشاشته أمام غريزة البقاء التي خانته في اللحظة الحاسمة

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  ابو العز

أهلا بصديقي العزيز ابو العز اسعدني تعليقك وتواصلك ايها المبدع المميز ….نعم صديقي العزيز هو الانسان وغريزته البدائية الخوف فمن الخوف ما قتل احيانا يقراء الانسان الاشارات قراءة خاطئة فتكون النهاية.
قرأت مرة عن جزار وصاحب مطعم كانوا جيران ابن صاحب المطعم ضرب ابن الجزار بينما كانوا يلعبون دخل الجزار علي صاحب المطعم وهو يحمل ساطور في يده ليعاتبه عتابا رقيقا وهي عادة كل الجزارين ان يخرج ليتكلم معك والسكين او ابشاطور في يده ولكن صاحب المطعم اعتبره هجوم قاتل كانت هناك آنية علي النار بها ماء يغلي اخذ الرجل الانية وقذفها علي وجه الجزار جن جنون الرجل ليقوم بضربه بالساطور اكثر من مرة ويقتله.

تحياتي ابوالعز وفي انتظار جديدك الممتع والمثير

ابو العز
ابو العز
1 شهر
ردّ على  علي فنير

أهلا ي أستاذي الكريم ومثالك عن الجزار وصاحب المطعم هو القنبلة الفكرية التي تفسر لماذا تقع الحروب والمآسي بين البشر بدم بارد..فأنت هنا لمست وترا حساسا وهو سياق البيئة فالجزار لم يدرك أن أداة رزقه هي أداة رعب في عين غيره وصاحب المطعم لم يدرك أن جاره جاء ليعتب لا ليذبح وهذا هو الفخ الذي نقع فيه جميعاحين نعجز عن رؤية العالم بعيون الآخرين ونكتفي برؤيته من ثقب مخاوفنا الضيق
​المفارقة الموجعة في كلامك هي أن الماء المغلي كان سلاحا دفاعياً في نظر صاحبه لكنه كان فتيل الانفجار الذي حول الجزار من جار معاتب إلى قاتل هائج…وكأنك تقول لنا إن الخوف لا يقتل صاحبه فقط بل يحول المحيطين به إلى وحوش رغما عنهم…تماماً كما حدث مع فؤاد حين حول أضواء المساعدة إلى سوط مطاردة…ففي الحالتين ي اخي كان
الوهم هو المخرج والمنتج والممثل الوحيد على مسرح الجريمة
​أشكرك لأنك أخذت الحوار لمستوى أعمق…فهذه الأمثلة هي التي تعري هشاشة النفس البشرية وتجعلنا نعيد التفكير ألف مرة قبل أن نصدر حكماً أو نسيء فهم إشارة عابرة..فالحياة ي أخي العزيز ليست ما نعيشه بل هي ما نفهمه عما نعيشه
وسوء الفهم هو المقصلة التي لا ترحم أحداً

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  ابو العز

اخي وصديقي العزيز ابو العز …فعلا سؤ الفهم هو المقصلة التي لا ترحم في كل مناحي الحياة
ان نعيد التفكير الف مرة قبل ان نصدر حكما او نسئ الفهم افضل من الندم .

تحياتي ودمت بخير

نوار
نوار
1 شهر

لو بقي جالسا على الأريكة يحتسي القهوة في بيته الدافئ كان خيرا له، لكن قدره جعله يخرج في هذا الجو الماطر ليحدث ما حدث.. مبدع كالعادة أستاذ علي، دمتَ بخير

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  نوار

اسعد الله مساءك نوار …انه القدر ولحظة النهاية لانستطيع ان نغير فيها شيئا.
تحياتي لك ودمتي ودام تواصلك

كرمل
كرمل
1 شهر

ما حدث له يذكرنا كيف يمكن للخوف أن يسبق الحقيقة
فيكبر في داخل الإنسان حتى يبتلع تفكيره
لم يكن هناك خطر حقيقي كما تخيل
لكن قلقه أعماه

قصة جميلة وحزينة 🌷 دمت بخير أستاذ

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  كرمل

كرمل اسعد الله مساءك اسعدني تعليقك وتواصلك نعم هو القلق والخوف اعماه وابتلع تفكيره في لحظة هاربة من الزمن فكانت النهاية
تحياتي لك

كرمل
كرمل
1 شهر
ردّ على  علي فنير

🌻🙏

أسعد
أسعد
1 شهر

قصه جميله أستاذ علي ومعبره :مثلا لاي أنسان ياأخي حتئ لو أصتدمت بشئ يااخي أنزل طبيعي وتفقد ماذا هناك وابلغ الشرطه وابلغ الاسعاف لعليك شئ هذا شيٍ مقدار بعضهم والله يصدم بني أدم ويهرب ويترك المصدوم ينزف حتئ الموت لاكن أخرتها يندم لانه هرب ويقول ليت والله اني نزلت واذا انسان في زحم او في طريق ضيق خفف السرعه او اذا كان هناك ضباب ولاتستطيع الرؤيه يااخي جنب علا طرف حتئ يروح الضباب :أشكرك أستاذي علي:

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  أسعد

اسعد مرحبا بك.صديقي وشكرا علي تواصلك وتعليقك …..احيانا الخوف يتغلب علي الانسان يرتكب حماقة في لحظة فاصلة هاربة من الزمن ولا يعلم انها ستصبح بصمة سوداء في حياته.
اتذكر في ثمانينات القرن الماضي كان هناك برنامج في التلفزيون الليبي عن الجرائم للاسف كان هناك رجل عجوز في لقاء بسبب صدمه لشاب في ليلة ممطرة ولم يسعفه بل نقله بسيارته الي غابة وتركه هناك ينزف حتي الموت الطبيب الشرعي قال بان الشاب مات موتا بطيئا مؤلما استمر يعاني ثلاثة ايام قبل ان يموت.
الانسان مخلوق غامض تصرفلته غير متوقعة في الخير والشر علي حد سواء

احمد علي
احمد علي
1 شهر

انه التوهم، والخوف، الكلب لا اهمية له مقارنة بدعس إنسان، لكنه في النهاية روح تتنفس ولها حقها، يجب ان تتساوي ارواح مخلوقات الكوكب مع البشر ولو كانت كلابا..

بصفتي شخصا عاشقا للكلاب ومربي لها، فان دعس احدها يجب ان يقابل بالسجن كدعس انسان تماما، قصة جيدة استاذي علي.. عمت مساءا

علي فنير
علي فنير
1 شهر
ردّ على  احمد علي

صديقي العزيز احمد ….عمت مساء واهلا وسهلا بك
كل الارواح سواشية في حقها في الحياة اوافقك الرأي تماما ……للاسف اصبحت الرحمة عملة نادرة هذه الايام
تحياتي ودمت ودام تواصلك وفي انتظار جديدك

احمد علي
احمد علي
1 شهر
ردّ على  علي فنير

احييك..

زر الذهاب إلى الأعلى
25
0
Would love your thoughts, please comment.x