الرصاصة التي لم تنطلق

لم يكن الصمت في ساحة المعركة يعني الأمان يوماً؛ بل كان مجرد فاصل زمني مرعب بين قذيفة وأخرى ، استلقيتُ على بطني فوق أرضية الطابق الخامس من مبنى مهدم كانت جدرانه قد تحولت إلى هياكل مثقوبة بفعل القصف المستمر منذ ثلاثة وأربعين يوماً ، وتحتي امتد شارع رئيسي تحول إلى مقبرة للسيارات المحترقة والكتل الخرسانية المتشابكة ، مشكلاً خط التماس الفاصل بين وحدتنا وبين قوات العدو ؛ حيث لم تكن هناك أسماء للأماكن هنا بل فقط إحداثيات وخرائط ممزقة وأوامر عسكرية صارمة تزن كل رصاصة.

كانت البندقية القناصة تضغط بثقلها البارد على كتفي وبدا معدنها الأسود الداكن وكأنه امتداد طبيعي لجسدي بعد هذه الأسابيع الطويلة من الترقب ، ونبضي في صدري منتظم وأنفاسي محسوبة وبجانبي كان راشد المراقب التكتيكي الخاص بي يجلس القرفصاء في الظل وعينه اليسرى ملتصقة بعدسة منظار المراقبة الميداني ويده اليمنى تقبض على جهاز الاتصال اللاسلكي لم نكن نتحدث إلا عند الضرورة القصوى ففي هذا المكان لا يجلب الصوت العالي سوى الموت.

مسح راشد قطرات العرق التي تجمعت على جبينه بكم سترته العسكرية المتربة وهمس بصوت خشن أشبه بحفيف ورق جاف:

“حركة في القطاع الثالث.. الزاوية الشمالية الغربية خلف حطام المدرعة المحترقة.. إنه يحاول التخفي في نقطة عمياء”

حبستُ أنفاسي تلقائياً وأزحتُ عيني نحو عدسة القناصة وحركتُ السبطانة ببطء شديد مليمترًا تلو الآخر ، حتى استقر تقاطع العلامة الحمراء في منتصف العدسة على مسار الهدف ورأيته ..!

جندياً من قوات العدو يرتدي زياً مموهاً يغطيه الوحل الرمادي ويتسلل بحذر شديد ، ملتصقاً بالجدران ، حاملاً على ظهره حقيبة اتصالات عسكرية ضخمة ومميزة ، لم يكن جندياً عادياً بل كان مراقباً مدفعياً متقدماً أسوأ كابوس لأي وحدة مشاة فوظيفته هي التسلل وتحديد مواقعنا لضربها بالمدفعية الثقيلة.

قال راشد بصوت آلي يقرأ بيانات البيئة والمسافة وكأنه آلة حاسبة بشرية:

” المسافة أربعمائة وخمسون متراً وسرعة الرياح أربعة أمتار في الثانية نحو الشرق والهدف سيخرج من خلف المدرعة بعد ثلاث ثوانٍ.. خذ الطلقة حين يكون مكشوفاً “.

وضعتُ إبهامي على صمام الأمان ، انزلق إصبعي السبابة إلى داخل قوس الزناد وشعرتُ بنبضات قلبي تتباطأ وتستقر في حالة الانفصال التام التي أتقنتها لسنوات حيث تعزل نفسك عن كل شيء وعن الخوف والإرهاق وتصبح مجرد ناقل للموت ، استقر التقاطع الأحمر تماماً على النقطة التي سيظهر فيها صدر الجندي ، ضغطتُ على الزناد بخفة أسحب الفراغ الأول بانتظار اللحظة المثالية بين شهيق وزفير.

خرج الجندي من خلف الحطام ، فكان مكشوفاً تماماً وهدفاً مثالياً لا يمكن إخطاؤه ولكن في تلك اللحظة بالذات تعثر بقطعة حديد ملتوية ، سقط على ركبتيه ولم ينهض فوراً بل تخلى عن حذره فجأة وأسند ظهره إلى إطار المدرعة المحترقة وكأنه استسلم لثقل حقيبته وللتعب المتراكم ثم ألقى بندقيته أرضاً بإهمال غريب وأدخل يده المرتجفة في جيب سترته الداخلي ومن خلال عدستي المكبرة التي كانت تَقرب وجهه لدرجة رؤية خطوط الأوساخ المتعرجة وتشققات شفتيه.

رأيته يخرج صورة ورقية صغيرة وجورب طفل رضيع ، ظل يحدق في الصورة ، انقبضت ملامحه وانهار شيء ما في داخله ، رأيت كتفيه تهتزان بعنف فكان يبكي دموعاً حقيقية حارة شقت طريقها عبر الغبار المتراكم على وجهه تاركة خطين داكنين ، كان يمسح الصورة بإبهامه بحنان مفرط وهي حركة مألوفة.. مألوفة جداً.

في تلك اللحظة لم أعد أرى جندياً معادياً بل رأيت نفسي قبل عامين أجلس على حقيبتي العسكرية في محطة الحافلات وأفرك صورة ابنتي بنفس الطريقة ، أتحسس شريط شعرها الصغير الذي احتفظت به كتعويذة ، أبكي بصمت خوفاً من ألا أعود إليها فلقد ضرب هذا المشهد وتراً عميقاً في داخلي واعتقدت أن تدريبات القنص القاسية قد قطعته للأبد وللحظة لم يعد هذا الرجل هدفاً تكتيكياً بل إنساناً محطماً وأباً أُلقي به في هذه المطحنة ليموت وحيداً خلف حطام معدني.

ارتخى إصبعي عن الزناد قليلاً ، تدفق الهواء الساخن إلى رئتي دفعةً واحدة وكأنني كنت أغرق وطفوت للتو على السطح ، همس راشد الذي لاحظ تأخري بنبرة حادة يشوبها القلق والتوتر:

ماذا “تنتظر؟ إنه هدف مكشوف.. أطلق النار قبل أن يتحرك!”

لم أُجب …كانت عيناي ملتصقتين بالعدسة أرى تفاصيل الانهيار الإنساني أمامه فإذا ضغطت على الزناد الآن سأمزق صدره وهو ينظر إلى طفله وسأقتل لحظة ضعفه وسأكون أنا الوحش الذي يخافه كل أب في هذه الحرب ، تذكرت كل التعليمات الصارمة والقواعد التي تحكم هذا المكان البشع لكنني شعرت بشفقة طاغية وبثقل الإنسانية الذي تمرد فجأة على أوامر القتل.

قلت بصوت خافت جداً وكأنني أختنق بكلماتي:

” لا أستطيع يا راشد.. إنه أعزل تقريباً ويبكي وهو يحمل صورة طفله ولا يمكنني قتله في هذه اللحظة.”

فأدار راشد رأسه نحوي بسرعة وعيناه تشتعلان بغضبٍ مكبوت تحت خوذته وقال:

“هل فقدت عقلك؟ هذا ليس نادياً لتبادل المشاعر ؛ بل نحن في حرب إنه مراقب مدفعية وإذا لم تقتله سيقتلنا جميعاً.. اقتله الآن.. هذا أمر!”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة ، طعمه كالرماد كان بإمكاني إنهاء حياته بحركة بسيطة لكنني اخترت غير ذلك، رفعتُ رأسي عن العدسة وسحبتُ إصبعي بالكامل من داخل قوس الزناد ؛ ثم أرجعت صمام الأمان إلى وضعه وأخذتُ نفساً عميقاً وقلت بحزم زائف محاولاً التغطية على هشاشتي:

” لن أطلق النار على رجل يودع عائلته.. دعه وشأنه فلن يشكل خطراً وهو في هذه الحالة المنهارة سيبحث عن طريق للفرار.”

صمت راشد لثانية ونظر إليّ باشمئزاز أدركته رغم الظلال الكثيفة في غرفتنا ثم قال وهو يعود للتركيز في منظاره بقسوة:

“ستندم على هذا الترف الأخلاقي فهذا المكان لا يكافئ النوايا الحسنة.”

مرت دقيقتان ببطءٍ مميت بدا وكأنهما دهر ، عدتُ لأنظر عبر عدسة بندقيتي إلى مكان الجندي فقط لِأُطمئن نفسي أنني اتخذت القرار الصحيح ؛ لكن الصدمة جمدت الدم في عروقي فلم يكن يبكي ولم يفر بل كان لا يزال جالساً والصورة وجورب الطفل في حجره ولكن يده اليمنى كانت ممدودة داخل سترته تسحب ببطء سلكاً دقيقاً متصلاً بحقيبة الاتصالات على ظهره ويضغط على زر الإرسال في جهاز لاسلكي دقيق.

الدموع على وجهه كانت حقيقية نعم ، فكان يبكي لأنه كان يودع عائلته بالفعل يودعهم لأنه كان يعرف أنه بمجرد إرسال الإحداثيات ستكشف إشاراته اللاسلكية موقعه وأنه لن ينجو من رد فعلنا فبكاؤه كان حقيقياً لكن إصراره العسكري كان أقوى ، لقد استغل اللحظات التي منحته إياها رحمة قناصٍ غبي مثلي لينهي عمله ، فجأة…! رفع نظره مباشرة نحو المبنى الذي نختبئ فيه ، لم يكن يرانا بالعين المجردة لكنه كان يعلم أننا هنا.. لقد حدد النقطة.

كمين مدفعي! صرختُ بأعلى صوتي متخلياً عن كل قواعد التخفي والصوت يمزق حنجرتي:

“راشد اترك كل شيء وتراجع فوراً “

ضغطتُ على الزناد بوحشية فانطلقت الرصاصة مدوية تُمزق الصمت الثقيل ، أصابت الطلقة كتف الجندي فأسقطته أرضاً بقوة وتناثرت دماؤه على حطام المدرعة لكن الأوان كان قد فات تماماً فالإرسال قد تم.

قبل أن أتمكن من التراجع خطوة واحدة ، شق الهواء أزيز مرعب وصوت صفيرٍ حاد قادم من السماء يتزايد بسرعة جنونية؛ كأن وحشاً أسطورياً يهبط من السحاب، لم أمتلك سوى جزءٍ من الثانية لألقي بنفسي جانباً نحو الزاوية الأكثر متانة في الغرفة ، ضربت القذيفة المدفعية سقف الطابق الذي نعلوه مباشرة فانفجار أصم أطاح بكل ذرة هواء في المكان ، لم أسمع الصوت بقدر ما شعرت به يمزق أحشائي.

تطايرت الكتل الخرسانية كأسياخ معدنية محمومة وقُذفتُ بقوة هائلة نحو الجدار الخلفي وارتطم ظهري بالإسمنت القاسي ، انهارت فوقي قطع من السقف المتهالك ، امتلأ المكان بغبار كثيف أبيض حجب الرؤية تماماً ورنين حاد ثقب طبلة أذني عازلاً إياي عن ضجيج الانهيارات المتتالية للمبنى حاولت تحريك أطرافي فكان الألم يعتصر ضلوعي وتتنفس رئتاي التراب لكنني كنت أستطيع الحركة.

سعلتُ بشدة وبصقت دماً ممزوجاً بالرمل ، زحفتُ على بطني وسط الأنقاض أبحث عن بندقيتي وعن زميلي وسط الدخان الخانق وصرخت بصوت متقطع:

“راشد…!”

انقشع الغبار قليلاً بفعل تيار هواءٍ بارد مر عبر الجدران المنهارة ، رأيته على بُعد أمتار قليلة ونصف جسده السفلي مدفون تحت لوح خرساني ضخم سقط من السقف وما تبقى من جهاز المراقبة محطم بجانبه. اقتربتُ منه زاحفاً متجاهلاً الشظايا التي كانت تمزق ركبتي ومرفقي مع كل حركة.

كان راشد ينظر إلى سقف الغرفة المفتوح الآن على السماء الدخانية وعيناه مفتوحتان باتساع والدم يتدفق من فمه وصدره بغزارة يلون غبار الأرضية باللون القاني فأمسكتُ بيده الباردة وحاولتُ سحب اللوح الخرساني بكل ما أوتيت من قوة أصرخ وأدفع لكنه لم يتزحزح ميليمتراً واحداً.

وَجه راشد بصره نحوي ببطء شديد ، لم يكن هناك غضب في عينيه الآن بل برود قاتل ونظرة رجل يدرك أن نهايته قد حلت بسبب خطأ تافه ارتكبه غيره ، حاول التحدث فخرجت الكلمات مع فقاعات من الدم متقطعة وحشرجية:

” أخبرتك.. هذا المكان.. لا يعترف.. بالرحمة.”

لم يكمل جملته بل ارتخى جسده تماماً وسقطت يده من بين يدي وسكنت حركته للأبد ، جلستُ بجانبه وسط الانهيارات الصغيرة التي كانت لا تزال تتساقط من الجدران ولم أشعر بالخوف من الموت في تلك اللحظة بل شعرت بشيء أثقل وأكثر فتكاً شعور ابتلع روحي بالكامل ، نظرتُ إلى يدي المرتجفة اليد التي رفضت الضغط على الزناد قبل دقائق ؛ فالتعاطف الذي سكن قلبي للحظة عابرة لم ينقذ إنساناً بل قتل رفيق سلاحي وكشف موقع وحدتي بالكامل وتسبب في تدمير نقطة ارتكازنا الاستراتيجية.

مرت ستة أشهر على ذلك اليوم وكنت أستلقي على بطني مجدداً ولكن هذه المرة فوق تلة صخرية باردة في الجبهة الشرقية ، اختفت ملامح الإنسانية التي كنت أحتفظ بها ودُفنت تحت أنقاض ذلك المبنى مع راشد وعدسة القناصة أمامي والمراقب الجديد بجانبي يتلو إحداثيات الرياح بصوت آلي رتيب قال المراقب:

” حركة في القطاع الأمامي وجندي معادي يحاول سحب زميله المصاب.”

حركت السبطانة واستقر التقاطع الأحمر على صدر الجندي الذي كان يجر زميله بجهد يائس ، كانا أعزلين وخائفين وعلامات التعب واضحة، رأيت ملامح الرعب في وجه الجندي السليم وتعلقه بيأس بحياة زميله فقبل ستة أشهر ربما كنت لأتوقف وربما كنت لأرى فيهما أخوين أو صديقين يحاولان النجاة ، أما الآن فلم أرَ سوى أهداف في ميدان الرماية ، حبست أنفاسي وانزلق إصبعي على الزناد لم يكن هناك أي تردد ولا نبضة قلب زائدة ولا ذكرى تتسلل إلى عقلي ثم ضغطتُ على الزناد فانطلقت الرصاصة واخترقت الصمت لتسقط الجندي السليم فوق زميله المصاب وسحبتُ الترباس لإخراج المظروف الفارغ وإدخال رصاصة جديدة ببرود تام فلقد تعلمت الدرس بالطريقة الأقسى وحُفرت قاعدته في صدري بالدماء ففي العالم المدني قد يكون التعاطف نُبلاً لكن هنا الرحمة في ساحة الحرب خيانة.

تحرير وتدقيق: ‏Be happy.

مراجعة وإشراف: رنين.

5 2 الأصوات
Article Rating

ابو العز

فلسطين

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x