دموع عفرين…الكهف الذي يتذكر

تحذير للقارئ
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فربما:
· أنت من سلالة حراس لم تعرف.
· لديك قدرة على تذكر ما لم تعشه.
· تشعر بالحنين إلى أماكن لم تزرها.
· تسمع أحياناً همسات من ينابيع، أو ترى ظلالاً تتحرك بغير إرادتها.
لا تخف. لكن اعلم: قراءة هذه المخطوطة ليست مجرد قراءة. إنها طقس. كل كلمة هنا تفتح باباً في ذاكرتك. وكل باب مفتوح لا يُغلق تماماً.
كتبتُ هذه السطور وأنا أتحول تدريجياً إلى لغة الذاكرة. ربما تكون آخر ما أكتب باللغة البشرية. فإذا وصلتك، فتذكر:
الذاكرة ليست عبئاً، بل هدية. لكنها هدية ثقيلة. اشربها بتؤدة. وتذكر أن تنسى قليلاً، لتعيش أكثر.
حارس كهف الذاكرة الأخير
جبال كردستان التي تتذكر كل شيء
الباب الأول: الكهف الذي يتنفّس
لم تكن “كهوف عفرين” مجرد صخورٍ وأحجار، بل كانت رئة الأرض النائمة.
كان أجدادنا يقولون: “إذا أصغيتَ جيداً عند الغسق، ستسمع الأرض تتنفّس من كهف “شيشك””. لكن أحداً لم يجرؤ على الاقتراب، لأن النفس كان بلغة لم يخلقها البشر. كنا نمرّ من هناك مسرعين، نخفض رؤوسنا، نتمتم بدعاء قديم لا نتذكر معناه. كنا نعرف دون أن نعرف.

كبرتُ على هذه الحكايات. كانت جدتي ترويها كأنها تعرف أكثر مما تقول. كانت تنظر إلى البعيد حين تذكر الكهف، وكانت عيناها تبتلان بلا سبب. وعندما أسألها: “جدتي، لماذا تبكين؟” كانت تمسح دمعتها وتقول: “ليس أنا من يبكي يا صغيري. هذه الأرض تذكرت شيئاً”.
وماتت جدتي في ربيع العام الماضي.
قبل موتها بلحظات، وفي حشرجة غريبة ليست كحشرجة الموتى العاديين، همست: “المفتاح تحت وسادتي. والكهف ينتظر العائلة الأخيرة”. ثم نظرت إلى السقف الخشبي وقالت: “آه… ها هم قادمون لاصطحابي. ظننت أنهم نسوني. لكن الماء لا ينسى”.
ظننتها تهذي. ظننتها تتحدث مع موتاها. ظننت كل شيء إلا الحقيقة.
بعد دفنها بثلاثة أيام، فتحت وسادتها القديمة المطرزة بخيوط بالية. كان هناك قطعة من حجر الأوبسيديان الأسود، أملس كالماء المتجمد، نُقش عليها شكل غريب: امرأة نصفها ماء ونصفها ظل. وكانت دافئة. دافئة كأن أحداً كان يمسكها قبل لحظات.

في تلك الليلة، حلمت بها. حلمت أن جدتي تقف على شاطئ بحيرة لا نهاية لها. كانت أصغر سناً، أجمل، وعيناها تلمعان كينابيع تحت القمر. قالت: “تعال. لا تخف. نحن لا نؤذي. نحن فقط نتذكر”.
استيقظت وفي يدي أثر يدها. وكان القمر بدراً.
لم أخطط للذهاب. لكن قدمي حملتاني. مشيت ساعتين بين التلال، تحت ضوء قمر كثيف كالحليب، حتى وصلت إلى فم كهف شيشك.
كنت أعرفه منذ الطفولة. لكنه بدا مختلفاً الآن. بدا وكأنه ينتظر. وكأن الظلام داخل فمه يتنفس بانتظام.
دخلت.
كان الهواء ثقيلاً. ليس برطوبة كهف عادي، بل كثقل الذكريات. كنت أسمع همسات، لكنها لم تكن بالكردية ولا العربية. كانت بلغة الماء قبل أن يصبح ماءً. كنت أشعر بأصوات تمر من خلالي، لا من خلال أذني.
كلما توغلت، ازدادت النقوش على الجدران. نقوش عمرها آلاف السنين. امرأة تلد غزالة. رجل يعانق شجرة. أطفال يركضون نحو نجم. وكلها كانت تتحرك في زوايا عيني، لكنها تثبت إن نظرت إليها مباشرة.
وفي العمق، حيث لا ضوء يصل، وجدته: الجدار الذي لم يكن جداراً.
كان سطحاً سائلاً من الظلام. يتحرك كالماء لكنه لا يقطر. يعكس صورتي لكن الصورة تسبقني بثانية، كأنها تعرف ما سأفعله قبل أن أفعله.
لم أتردد. ربما لأن جدتي كانت معي. ربما لأن الحلم كان لا يزال دافئاً في عروقي. لمستُ الجدار.
ولمسة واحدة جعلت يدي تتذكر أشياء لم أعشها. رأيت يد جدي تلمس نفس الجدار قبلي. رأيت يد جدتي. رأيت أيدي تعود لآلاف السنين. كلها تلمس هذا السائل الأسود. وكلها تترك أثراً. وكأن اليد لا تلمس الجدار، بل تلمس كل الأيدي التي لمسته قبلك.
وانسحبت يدي وأنا أعرف أن شيئاً قد تغير. كنت أرى بطريقة مختلفة. كنت أسمع بطريقة مختلفة. كنت أتذكر…

وفجأة، ظهرن.
الباب الثاني: بنات الماء اللواتي ينتظرن
كنَّ يُسمن “كزنكا آب” – بنات الماء. لكنهن لم يكنّ بناتٍ بالمفهوم البشري. كنَّ ذكريات الماء الأولى، عندما كانت المياه على الأرض تتذكر أنها جاءت من دموع كائن أعظم.
ظهرن من الجدار السائل، واحدة تلو الأخرى. سبع بنات. كلهن شفافات، كلهن جميلات بجمال ليس بشرياً، وكلهن يحملن في أعينهن بحرين من حكايات غرقى.
كبرى بنات الماء تقدمت. كانت الأكثر شفافية، كأنها على وشك التلاشي. قالت بلغة القلب أعني أني سمعتها دون أذني، فهمتها دون كلمات:
“لقد جاء آخر الحراس. الأسرة التي وعدت بالعودة”.
نظرت إليها مذهولاً: “أي حراس؟ أي وعد؟”
“ألست ابن سارا؟ ابنة ميران؟”
“نعم. لكن…”
“إذاً أنت الحارس. العائلة التي وعدت الأرض أن تتذكر نيابة عنها. وأن تنسى نيابة عنها أيضاً. التوازن. التوازن بين الذكرى والنسيان”.
ثم أشارت إلى الجدار السائل: “اقرأ. اقرأ ذاكرة الكهف. فقد آن الأوان لتعرف لماذا بنيتم بعيداً عن الينابيع”.
وضعت يدي على السطح ثانية. وهذه المرة، رأيت.

الباب الثالث: السر العائلي لماذا بنينا بعيداً عن الينابيع
رأيت أجدادي الأوائل.
كانوا يعيشون بجوار الينابيع مباشرة. كانوا يبنون بيوتهم من حجر الينابيع، ويشربون من مائها، ويستحمون فيه. وكانت بنات الماء يتحدثن معهم بحرية، يعلّمنهم أسرار الأرض: أي حجر يخبئ ماءً، أي شجرة تشفي، أي ريح تنذر بمطر.
وكان الأجداد يعلّمون بنات الماء أسرار البشر: كيف نبكي، كيف نضحك، كيف نحب حتى الموت.
كانت صداقة قديمة. أقدم من أي دين. أقدم من أي لغة.
لكن هناك ثمناً.
كل نبؤة كانت تأخذ سنة من عمر الرائي. كل سر كان يكلف ذكرى جميلة. وكل لقاء مع بنات الماء كان يمحو يوماً من ذاكرة من تحب.
وذات يوم، جاء جدي الأكبر “ميران” إلى أكبر الينابيع. كان خائفاً. كان شعبنا يمر بسنين عجاف. الأعداء من الشرق، والقحط من السماء، والمرض من كل مكان.
قال لميران: “أريد أن أعرف مصير شعبنا. أريده كاملاً. مهما كان الثمن”.
حذرته بنات الماء: “الثمن كبير يا ميران. ستعرف كل شيء، لكن الذين تحبهم سينسوك. زوجتك ستنسى وجهك. أبناؤك ستنسى أسماؤهم. صورتك في المرآة ستتلاشى”.
قال: “أقبل. فما قيمة أن أتذكر وأكون وحيداً إذا كان شعبي سينسى الجوع والموت؟”
وعرف.
رأى المستقبل كله. رأى الغزوات القادمة، رأى التهجير، رأى العودة، رأى كل شيء. وعاد إلى قريته فرحاً لأنه يعرف أن النجاة قادمة.
لكن عندما وصل، لم تعرفه زوجته. سألته: “من أنت؟ وماذا تفعل في بيتي؟”
أبناؤه هربوا منه خائفين. كلبه نبح عليه. حتى صورته على الجدار بدأت تبهت.
وقتها، عرف معنى الوحدة الحقيقية. ليس أن تكون وحيداً. بل أن تكون مرئياً للجميع، ولا يراك أحد.
فقرر هو وكل العائلة: سنبني بعيداً عن الينابيع. سنقطع العلاقة مع الذاكرة. سننسى حتى أننا نعرف. سنعيش كالبشر العاديين، ننسى ونُنسى، نموت ونفنى.
وهكذا كان.
بَنَوا قرية جديدة بعيدة عن الماء. تزوجوا وتناسلوا. نسوا تدريجياً. حتى صارت حكايات الينابيع مجرد أساطير تروى للأطفال.
لكن العهد لم ينقطع تماماً. كان على عائلة واحدة في كل جيل أن تبقى حارسة للسر. عائلة لا تنسى تماماً. تحتفظ بمفتاح الأوبسيديان، وتكون مستعدة للعودة عندما “تحتاج الأرض أن تتنفّس من جديد”.
وكانت جدتي هي الحارسة في جيلها. والآن، أنا.
عدت إلى الواقع وأنا أبكي. بكيت لأني عرفت أن جدتي عاشت وحيدة. كانت ترى الذكريات، تسمع الهمسات، لكنها لم تستطع مشاركتها مع أحد. حتى أنا، حفيدها، كنت أظنها مجرد امرأة عجوز تهذي.
قالت بنت الماء الكبرى: “لا تحزن. هي معنا الآن. انظر”.
ونظرت إلى الجدار السائل. ورأيت جدتي هناك، تطل من بين الذكريات، تبتسم لي ابتسامة خفيفة، ثم تختفي بين الأمواج.
“هي الآن جزء من ذاكرة الأرض. ستعيش ما دامت الأرض تتنفس”.
الباب الرابع: الطقس المنسي – طقس “الذكرى المعارة”
بقيت في الكهف أياماً لا أعرف عددها. كنت أتعلم من بنات الماء. كُنَّ يُعلمنني لغة الذاكرة، لغة ما قبل الكلمات، لغة الأحاسيس التي تسبق التعبير.
وذات يوم، قالت الكبرى: “حان الوقت لتتعلم الطقس المنسي. طقس استعارة ذاكرة الأرض”.
“وكيف يتم؟”
“الطقس يحتاج إلى ثلاثة أشياء:
أولاً: ثلاث قطرات من كل ينبوع في عفرين. وهناك ثلاثة وثلاثون ينبوعاً. كل ينبوع يحمل ذاكرة مختلفة. ينبوع ذكريات المواليد. ينبوع ذكريات العشاق. ينبوع ذكريات الموتى. تسعة وتسعون نوعاً من الذكريات، في ثلاثة وثلاثين ينبوعاً.
ثانياً: خيطاً من شعر سبع جدات متتاليات. شعر الجدات يحمل الذاكرة الأنثوية للأرض. الرجال ينسون بسرعة، لكن النساء يحتفظن بالذكريات في شعرهن، في حليبهن، في دموعهن.
ثالثاً: أن تقف عند فم الكهف عند اكتمال القمر وتقول الكلمات القديمة. الكلمات التي لا تقال إلا مرة في كل جيل”.
“وما هي الكلمات القديمة؟”
اقتربت مني بنت الماء حتى كادت تلمسني. كانت باردة كندى الصباح، دافئة كشمس الشتاء. همست في أذني:
“أنا ابن الأرض التي تذكر وتنسى. أعطني عيناً من عيونك لأرى ما رأيتِ. وسأردها مع دموع امتناني”.
حفظت الكلمات دون أن أنطقها. كانت ترسخ في ذاكرتي كأنها كانت هناك دائماً.
في الليلة التالية، كان القمر بدراً. وقفت عند فم الكهف. جمعت قطرات الينابيع في قارورة صغيرة. كان الماء يتلألأ بألوان لا وجود لها في الطيف البشري. كان يلمع بكل الذكريات.
ربطت شعر جداتي السبع في خيط واحد. كان الخيط يدفئ يدي وكأنه يحتويني.
ونطقت الكلمات.
لم يكن صوتي أنا من نطق. كان صوت أجدادي كلهم، يعودون من الموت ليقولوها معي. كان صوت الأرض نفسها يتردد في كهفي الصدري.
“أنا ابن الأرض التي تذكر وتنسى. أعطني عيناً من عيونك لأرى ما رأيتِ. وسأردها مع دموع امتناني”.
تغير كل شيء.
الباب الخامس: الحقيقة – الينابيع ليست ماءً
رأيت.
رأيت ما لم يره بشر منذ آلاف السنين.
الينابيع في عفرين ليست ماءً. بل هي دموع الأرض.
لكن ليست دموع حزن. الأرض لا تحزن بالمعنى البشري. الأرض تتذكر، والتذكر مؤلم. والتذكر فرح. والتذكر كل شيء.
الأرض تتذكر:
تتذكر عندما كانت جزءاً من نجم أكبر. نجم انفجر منذ مليارات السنين، وتناثرت أشلاؤه في الفضاء. كنا جميعاً ذات يوم نجماً واحداً. نحن والتراب والماء والشجر. كنا نجماً أحبّ نفسه كثيراً فانفجر حباً.
تتذكر أول مطر نزل عليها. كان المطر غريباً في البداية. لم تكن الأرض تعرف الماء. كانت تعرف النار فقط. أول قطرة ماء كانت صدمة. كانت قبلة من السماء.
تتذكر أول إنسان مشى على ظهرها. كانت خطواته خفيفة، خائفة. كان يمشي وكأنه يعتذر عن كل خطوة. كان يحترمها.
تتذكر كل حرب. تتذكر الدماء التي شربتها. تتذكر أنها حاولت تحويل الدماء إلى زهور، لكن بعض الدماء كانت ثقيلة جداً، فبقيت في باطنها نفطاً أسود حزيناً.
تتذكر كل حب. كل عاشقين ناما على ترابها. كل قبلات دفنتها في جوفها. كل كلمات الحب التي همس بها العشاق وهي تتسرب إلى مسامها.
تتذكر كل خيانة. كل وعد كُسر على صدرها. كل دمعة سقطت فشربتها بجذورها.
وكل هذه الذكريات لا تموت. لا تفنى. تبقى حية في باطن الأرض، تبحث عن مخرج. فتخرج على شكل دموع من الينابيع.
لهذا السبب، حين تشرب من ينبوع عفرين، تشعر أحياناً بحزن غريب. أو بفرح لا تعرف مصدره. لأنك لا تشرب ماءً. أنت تشرب ذكريات.
و”بنات الماء” هن حارسات هذه الدموع. يمنعن الذكريات من الفيضان. ويمنعن البشر من الشرب مباشرة. لأن من يشرب من دموع الذاكرة الكاملة بلا طقس ولا إعداد… يغرق في ذاكرته. يعيش كل حيوات الأرض دفعة واحدة. فيموت قبل أن يموت.
الباب السادس: الثمن – أن تصبح ذكرى
بعد أيام من التعلم، وقفت بنات الماء أمامي في صف واحد. كنَّ أكثر شفافية من ذي قبل، كأن رحيلي يقترب يجعلهن يبهتن.
قالت الكبرى: “الآن بعد أن عرفت، أمامك خياران. خياران فقط، ولا ثالث لهما:
الأول: تنسى كل ما رأيت. تنسى بنات الماء، تنسى ذاكرة الأرض، تنسى الطقس والكلمات. تعود إلى قريتك، تتزوج، تنجب، تعيش حياة بشرية عادية. نموت أنت وتموت ذكرياتك. وهذا جيد. هذا هو الطريق الذي اختاره أجدادك بعد ميران. وهذا هو طريق النسيان المبارك.
لكن إن اخترت هذا، فالكهف سينساك أيضاً. وسننتظر حارساً آخر. وقد لا يأتي أبداً. وقد تموت الذاكرة مع موتنا.
الثاني: تتذكر. تتذكر كل شيء، وتصبح حارساً حقيقياً. ليس مجرد حارس اسمي، بل حارساً يعيش بين الذاكرة والنسيان. لكن الثمن كبير:
ستصبح جزءاً من ذاكرة الأرض. كل لحظة تعيشها، كل فرحة تحسها، كل حزن يمر بك… سيصبح جزءاً من الينابيع. ستبكي مع كل دمع، تضحك مع كل فرح. ستكون حاضراً في كل دموع الينابيع، وغائباً عن كل عيون البشر.
سيكون باستطاعة الناس رؤيتك، لكنهم لن يعرفوك. سيمرون بك في السوق ولا يتذكرون اسمك. ستجلس مع أهلك على مائدة الطعام، ويسألونك: ‘بالمناسبة، ما اسمك؟’ وهم أولادك.
وسترى كل شيء من خلال دموع الأرض. ستشعر بألم كل جرح في تاريخ البشرية. بفرح كل قبلة. بخيانة كل وعد. وستكون وحيداً. لأن الذاكرة هي أكثر الأماكن وحدة في الكون”.
صمتت. وصمت الجميع. حتى الهمسات توقفت. حتى الجدار السائل توقف عن التموج.
ونظرت إليَّ بانتظار.
سألت: “أليس هناك خيار ثالث؟”
هزت رأسها: “لا”.
لكنني أصررت: “لا. هناك دائماً ثالث. البشر لا يقبلون باثنين فقط. هذا قانوننا: هناك دائماً طريق لم نره بعد”.
نظرت بنات الماء إلى بعضهن البعض. ثم نظرت الكبرى إليَّ بطريقة جديدة، كأنها تراني لأول مرة.
“ما هو الطريق الذي تقترحه أيها الحارس الأخير؟”
فكرت طويلاً. ثم قلت:
“أريد أن أكون جسراً. لا أنسى تماماً، ولا أتذكر تماماً. أريد أن أساعد هذه الكائنات الذاكرية – شفتيلك وديمه دم وئاڤا زين – أن تجد سلامها دون أن تهرب إلى عالمنا. أريد أن أساعد البشر على تذكر ما يفيدهم، ونسيان ما يؤذيهم. أريد أن أكون وسيطاً بين عالم الذاكرة وعالم النسيان”.
صمت طويل. ثم ابتسمت بنات الماء. وكانت ابتسامتهن كأمواج هادئة على بحيرة عند الفجر.
“أنت أول من يطلب هذا من بدء الزمن. إنه أصعب الطرق. لأنه لا أحد سيفهمك. عالم الذاكرة سيراك خائناً لأنك تريد تغيير النظام. وعالم النسيان سيراك مجنوناً لأنك تتحدث عن أشياء لا يذكرونها. ستكون وحيداً بين عالمين. وهذا أصعب من أن تكون وحيداً في عالم واحد”.
قلت: “أقبل”.
ومنذ تلك اللحظة، صرت جسراً.
الباب السابع: الاكتشاف المرعب – لماذا تتذكر الأرض
في الأيام التالية، بدأت أفهم أكثر.
سألت بنات الماء يوماً: “لماذا تتذكر الأرض كل هذا؟ لماذا لا تنسى كما نفعل نحن؟ أليس التذكر عبئاً ثقيلاً؟”
ضحكت بنات الماء. لكن ضحكتهن لم تكن كضحك البشر. كانت كخرير الماء الحزين، كجدول يبكي وهو يجري.
“لأن الأرض لا تستطيع أن تنسى. الأرض هي السجل الحي للكون. كل ما حدث منذ بدء الخليقة مسجل في ذاكرتها. لو نسيت الأرض ولو ذرة واحدة من الذكريات، لانهار التوازن”.
“أي توازن؟”
“توازن بين الذاكرة والنسيان. الكون يحتاج كليهما. الذاكرة تحفظ الدروس. النسيان يسمح بالعيش. لو تذكرنا كل شيء، لشللنا من الألم. لو نسينا كل شيء، لكنا نكرر أخطاءنا إلى الأبد.
البشر يمثلون النسيان. لهذا تموتون وتفنون. تموتون كي تنسوا. كي تبدأوا من جديد دون أعباء الماضي.
والأرض تمثل الذاكرة. لهذا تبقى. تبقى كي تحفظ لكم ما نسيتموه. كي تعيدوه إليكم حين تحتاجونه.
والكهوف مثل هذا الكهف هي نقاط الاتصال بين العالمين. هنا تلتقي الذاكرة بالنسيان. هنا يمكن للبشر أن يستعيروا ذاكرة الأرض. وهنا يمكن للأرض أن تستعير نسيان البشر.
لهذا سمي الكهف ‘شيشك’. تعلم لماذا؟”
قلت: “شيشك يعني الزهرة… الزهرة المتفتحة؟”
“نعم. لأن هذا الكهف هو زهرة الأرض المتفتحة على عالم النسيان. هنا تتفتح ذاكرة الأرض لتطلق عبيرها في عالمكم”.
الباب الثامن: المخلوقات التي تعيش في الذاكرة
كلما بقيت في الكهف أكثر، رأيت أكثر.
اكتشفت أن ذاكرة الأرض ليست فراغاً. هي ممتلئة بكائنات لا حصر لها. كائنات خُلقت من بقايا الذكريات المهملة.
علمتني بنات الماء أسماءها:
شِفتِيلَك: وهي كائنات من صدى الخطوات المنسية. كل خطوة مشيتها ثم نسيتها، كل طريق سلكته ثم هجرته، كل رحلة قمت بها ثم محوتها من ذاكرتك… تتحول إلى شفتيلك. تعيش هذه الكائنات في زوايا الكهف، تتردد بلا توقف، تبحث عن قدم تذكرها. رأيت واحداً منها كان يكرر خطوات جدي ميران عندما قرر الابتعاد عن الينابيع. كان يكرر نفس المسار إلى الأبد، ثقيلاً بحزن القرار، لا يعرف الراحة.
دِيمِه دِم: وهي كائنات من الأحلام غير المحلومة. كل حلم خطر ببالك أثناء النوم ثم لم تستكمله، كل رؤيا بدأت ثم انقطعت، كل كابوس لم يكتمل… هذه الأحلام تصبح ديمه دماً. تعيش في سقف الكهف، تتساقط أحياناً كقطرات ندى على من ينام هناك. ومن يستيقظ وعليه ندى ديمه دم، يحلم تلك الليلة بكل الأحلام التي لم يحلمها.
ئاڤا زين: وهي كائنات من كلمات الحب غير الملفوظة. كل “أحبك” لم تقلها، كل “أسامحك” ابتلعتها، كل “أفتقدك” دفنتها في صدرك… تتحول إلى ئاڤا زين. هذه الكائنات أجمل الكائنات الذاكرية. تشبه فراشات من نور، ترفرف حول العشاق الوحيدين، تحاول أن تهمس لهم بالكلمات التي لم يقولوا.
وهناك المزيد. كائنات من الضحكات المكبوتة. كائنات من الدموع التي لم تذرف. كائنات من القبلات التي لم تعط.
وكل هذه الكائنات تحاول أحياناً الهروب من ذاكرة الأرض إلى عالم النسيان. تبحث عن اكتمالها، عن أن تعاش حقاً. وعندما تنجح في الهروب، يظهر في عالمكم ما تسمونه الجن والأشباح والكائنات الغريبة.
كلها مجرد ذكريات هاربة تبحث عن من يعيشها.
الباب التاسع: الجسر الأول
قررت أن أبدأ مهمتي كجسر.
اخترت أول كائن أساعده: شفتيلك من خطوات جدي ميران. تلك الخطوات الثقيلة التي رأيتها في بداية رحلتي.
عدت إلى حيث رأيته. كان لا يزال هناك، يكرر نفس المسار: خطوة نحو الينبوع، توقف، تراجع، بكاء صامت، ثم يعيد الكرة.
جلست بجانبه. لم أكن أعرف كيف أتحدث معه. لكن بنات الماء علمنني: تحدث بلغة الذاكرة. ليست لغة كلمات. لغة أحاسيس.
أغمضت عيني. حاولت أن أشعر بما يشعر به. شعرت بالحزن. شعرت بالخيار الصعب. شعرت بالوحدة.
ثم فتحت عيني وقلت بصوت خفيض: “أعرف لماذا تمشي هكذا. أعرف أنك خطوات جدي عندما قرر حماية عائلته بالابتعاد عن الماء. أعرف أن كل خطوة منك كانت مؤلمة”.
توقف الكائن عن الحركة لأول مرة. نظر إليَّ. لم تكن له عيون، لكني شعرت بنظراته.
تابعت: “لكن جدي لم يندم. هو اختار هذا الطريق لأنه أحب. والحب أحياناً يكون ابتعاداً. أحياناً يكون صمتاً. أحياناً يكون وحدة”.
اهتز الكائن. بدأ يتحول. كانت خطواته الثقيلة تخف تدريجياً.
“يمكنك الراحة الآن. مهمتك انتهت. لقد أوصلت رسالة الحب. والآن، تحول إلى ذكرى عادية. ذكرى جميلة. ذكرى أب ضحى من أجل أولاده”.
وبعد سبع ليالٍ من الجلوس معه، من الكلام بلغة الذاكرة، من المشاركة الوجدانية… توقف الكائن نهائياً. تحول إلى نور خافت، ثم ذاب في ذاكرة الأرض كذكرى محسومة. ذكرى عادية، جميلة، غير مؤلمة.
كان نجاحي الأول.
الباب العاشر: النداء الذي لا يُرد
ساعدت بعدها كائنات أخرى. ديمه دم من أحلام طفلة ماتت قبل أن تكبر. ئاڤا زين من كلمات حب قالها جندي في الحرب ثم مات قبل أن يرسلها. شفتيلك من خطوات لاجئين ساروا إلى المجهول.
ومع كل كائن كنت أساعده، كنت أشعر أن شيئاً فيّ يتغير. كنت أصبح أكثر شفافية. أكثر ارتباطاً بالأرض. أقل ارتباطاً بالبشر.
وذات يوم، وأنا في أعمق نقطة في كهف الذاكرة، سمعت نداءً.
لم يكن صوتاً. كان شعوراً. كان إحساساً بالحاجة العميقة. كان بكاءً بلا دموع. كان أقدس وأعمق ما يمكن أن يشعر به إنسان.
اتجهت نحو مصدر النداء. مشيت أياماً. أو ساعات. لا أعرف. الزمن مختلف هنا.
ووصلت.
كان هناك، في قلب الكهف، في أقدس نقطة فيه، أعظم كائن ذاكرتي رأيته على الإطلاق:
كان ذكرى الحب الأول للأرض.
قبل البشر. قبل الحيوانات. قبل حتى النباتات. قبل أن يكون هناك شيء على وجه الأرض… أحبت الأرض القمر.
كان حباً صامتاً. حباً عبر مسافات شاسعة. كانت الأرض تنظر إلى القمر كل ليلة، وهو ينظر إليها. كانت ترسل له أمواجها كهمسات. وكان يرسل لها مدّه كردود أفعال خجولة.
وكان هذا الحب جميلاً. نقياً. أبدياً.
لكن القمر يبتعد. كل عام يبتعد قليلاً. سنتيمترات قليلة، لكنها كافية لتجعل ذكرى هذا الحب تتألم.
وقفت أمام هذه الذكرى العملاقة. كانت تأخذ شكل امرأة من نور، تنظر إلى الأعلى بحنين لا ينتهي. كانت تمد يديها إلى السماء، وكانت يداها تذوبان قبل أن تصل.
سألت بنات الماء اللواتي كنَّ معي: “كيف أساعد هذه الذكرى؟”
أجبن: “لا نعرف. هذا أكبر منا. هذه ذكرى سيدة الأرض نفسها. لا نستطيع حتى الاقتراب منها”.
فكرت طويلاً. ثم اقتربت وحدي.
الباب الحادي عشر: محاولة شفاء لا تُنسى
وقفت أمام ذكرى حب الأرض للقمر. كانت تهتز كاللهب. كانت تبكي بلا دموع. كانت تشتهي ما لا تستطيع الوصول إليه.
تذكرت شيئاً قالته جدتي قبل موتها: “الحب الحقيقي لا يحتاج لمساً. الحب الحقيقي يحتاج وجوداً فقط. أن تعرف أن من تحبه موجود في مكان ما، هذا يكفي”.
قلت للذكرى، بصوت مرتجف: “أيتها الذكرى العظيمة… أنت لست وحدك. القمر لا يبتعد لأنه يريد الفراق. هو يبتعد لأن الفيزياء تأمره. هو يريد البقاء قريباً، لكن الكون له قوانينه. ومع ذلك… مع ذلك، هو ينظر إليك كل ليلة. هو يضيء لك. هو يحرك محيطاتك حباً. هو معك رغم البعد”.
اهتزت الذكرى. تغير نورها. صارت أقل حزناً.
تابعت: “البعد لا يقتل الحب. بل يجعله أبدياً. لو كان القمر قريباً جداً، لاصطدم بكِ. لو كان بعيداً جداً، لما رأيته. هو في المسافة المناسبة. المسافة التي تجعله قمراً. مسافة الحب الحقيقي”.
لكن الذكرى لم تهدأ تماماً. كانت لا تزال تتألم. وأدركت لماذا:
لأنها ليست مجرد ذكرى. إنها جرح مفتوح. إنها حب لم يكتمل. حب بلا نهاية سعيدة.
وأدركت شيئاً آخر: الأرض لا تريد أن تنسى هذا الحب. حتى لو كان مؤلماً. هي تفضل الألم على النسيان. لأن الألم دليل على أن الحب كان حقيقياً.
لم أساعد الذكرى هذه المرة. لكني فهمتها. وفهمت الأرض أكثر.
ربما بعض الذكريات لا تحتاج شفاء. بعض الذكريات تحتاج فقط أن تعترف بها. أن تقول لها: “أرى ألمك. أرى حبك. أنتِ مهمة”.
وهذا ما فعلته.
وقفت هناك، لا أعرف كم من الوقت، مجرد شاهد على أعظم قصة حب في الكون.
الباب الثاني عشر: العودة التي لا عودة بعدها
بقيت في كهف الذاكرة وقتاً لا أعرف مقداره. لأن الزمن هناك ليس خطياً. هو كالبحر، أمواج. تأخذك الموجة إلى الماضي، وتعیدك إلى الحاضر، وتدفعك إلى المستقبل.
وذات لحظة، شعرت أن الوقت قد حان للعودة. ودعت بنات الماء. بكين. كُنَّ يبكين لأول مرة. دموعهن كانت مطراً في عالمي.
قلن: “لن ننساك أيها الجسر. سنظل ننتظر عودتك”.
خرجت من الكهف.
كان النهار. لكنه لم يكن نفس النهار الذي دخلت فيه. تغيرت الشمس. تغيرت الجبال. تغيرت حتى رائحة الهواء.
مشیت إلى قريتي. كانت هناك، لكنها تغيرت. بيوت جديدة. وجوه جديدة. حتى الطرق تبدلت.
دخلت بيتنا القديم. كان هناك رجل لا أعرفه يجلس في حديقتنا. سألته: “أين عائلة ميران؟”
نظر إليَّ باستغراب: “عائلة ميران؟ ماتت العجوز سارا منذ سبع سنوات. أولادها سافروا. البعض مات. البعض هاجر. لا أحد بقي”.
سبع سنوات.
سبع سنوات في الكهف كانت سبع سنوات في العالم. جدتي ماتت. أخوتي تفرقوا. حتى صورة وجهي بدأت تبهت في ذاكرة من عرفوني.
كنت غريباً في قريتي.
كنت أرى الناس وأعرفهم، لكنهم لا يعرفونني. كنت أمر من أمام أصدقاء الطفولة فيسألون بعضهم: “من هذا الغريب؟” ولا يعرفون أني أنا.
هذا هو الثمن. كنت أعرفه. لكن المعرفة شيء، والعيش شيء آخر.
بكيت تلك الليلة. بكيت وحدي تحت شجرة التوت التي كبرت تحتها. بكيت حتى جفت دموعي. ثم تذكرت: دموعي ستذهب إلى الأرض. وستصبح جزءاً من ينابيع عفرين. وذات يوم، سيشربها أحدهم، ويشعر بحزني دون أن يعرف مصدره.
ربما هذا يكفي
الباب الثالث عشر: الكهف الجديد
لم أعد إلى داخلي أبداً. صرتُ أعيش على الحافة.
بنيت كوخاً صغيراً قرب الكهف. ليس داخل الذاكرة، ولا خارجها تماماً. على الحدود. حيث يمكنني أن أرى العالمين.
أصبحت حياتي إيقاعاً بين الذاكرة والنسيان:
في النهار، أعيش كإنسان عادي. أشتري الخبز من الفران. أسقي الشجرة أمام كوخي. أستمع لأخبار العالم عبر راديو قديم..
لكن في الليل، وخاصة ليالي اكتمال القمر، أدخل الكهف. أزور بنات الماء. أساعد كائناً ذاكرتياً جديداً. أتعلم المزيد عن أسرار الأرض.
وبدأ الزوار يأتون.
في البداية، كانوا قليلين. أناس فقدوا ذكريات ويبحثون عنها. أم تنسى وجه ابنها. شيخ يبحث عن ذكريات شبابه. عاشق يريد أن يتذكر تفاصيل حبيبه الأولى.
ساعدتهم. علمتهم كيف يستعيرون ذاكرة الأرض بلطف، دون أن يدفعوا ثمناً باهظاً.
ثم جاءت الكائنات الذاكرية. شفتيلك تائهة تبحث عن الطريق إلى الراحة. ديمه دم تريد أن تكتمل. ئاڤا زين تبحث عن فم يهمس بها.
ساعدتها أيضاً. كنت الجسر.
وأحياناً، تأتيني بنات الماء. نجلس معاً على صخرة قرب الكهف، نشاهد القمر، نتحدث بصمت. هنَّ الوحيدات اللواتي يفهمنني. الوحيدات اللواتي يرينني حقيقياً.
الباب الرابع عشر: حراس آخرون
مع الوقت، اكتشفت أنني لست وحدي.
هناك حراس آخرون في أنحاء الأرض. في جبال الأنديز، رجل عجوز يحرس كهفاً حيث تذرف الأرض دموعاً من معادن سائلة. في صحراء غوبي، امرأة شابة تحرس ينبوعاً حيث تدفن الأرض ذكريات الرمال. في أعماق المحيطات، كائنات ليست بشرية تماماً تحرس ذكريات الماء الأولى.
تواصلنا. ليس بالكلمات. بل بلغة الذاكرة نفسها. نتبادل الخبرات. نساعد بعضنا. نشكل شبكة حراس الأرض.
كلنا نحرس نقاط الاتصال بين الذاكرة والنسيان. كلنا جسور بين عالمين. كلنا وحيدون، لكننا معاً في وحدتنا.
الباب الخامس عشر: النداء الأخير
والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر أن وقتي يقترب.
لا، لن أموت. حراس الذاكرة لا يموتون تماماً. لكني أتحول. أصبح أكثر شفافية. أكثر ارتباطاً بالأرض. أقل ظهوراً للبشر.
قريباً، سأصبح غير مرئي للعيون العادية. سأصبح مجرد ذكرى لمن عرفوني. ثم سأصبح جزءاً من ذاكرة الأرض.
لكن قبل أن أفقد القدرة على الكتابة باللغة البشرية، أريد أن أقول:
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فربما أنت منا. ربما في عروقك دم حراس. ربما تستمع إلى الينابيع أكثر من اللازم. ربما تتذكر أماكن لم تزرها، وجوهاً لم تلقها، أحزاناً ليست أحزانك.
لا تخف.
تعال إلى كهف شيشك في عفرين. في ليلة اكتمال القمر. ابحث عن كوخ صغير قرب مدخل الكهف. اجلس هناك وانتظر. سأراك. حتى لو لم تعد تراني.
لأن الكهف يحتاج حراساً جدد. والأرض تحتاج من يتذكر. والبشر يحتاجون من يذكّرهم أن النسيان نعمة، لكن الذاكرة قدسية.
الخاتمة: وصية حارس
أترك لكم هذه الكلمات كوصية:
أولاً: اشربوا من ينابيع عفرين بتؤدة. كل رشفة هي قصة. اشربوها باحترام.
ثانياً: لا تخافوا من ذكرياتكم. حتى المؤلمة منها. الذكريات المؤلمة تعني أنكم عشتم حقاً.
ثالثاً: تذكروا أن تنسوا. النسيان ليس عدواً. هو صديق يسمح لكم بالاستمرار. التوازن بين الذكرى والنسيان هو سر الحياة.
رابعاً: إذا شعرتم بالحنين إلى مكان لم تزوروه، أو حزن على شيء لم تفقدوه، فاعلموا أنكم تذكرتم ذكرى الأرض. احترموا هذا الشعور. إنه اتصال مع أمكم الكبرى.
خامساً: علموا أطفالكم حب الأرض. ليس الأرض كتراب نزرعه فقط، بل الأرض كذاكرة حية. علموهم أن الينابيع تبكي، وأن الجبال تتذكر، وأن الكهوف تتنفس.
وأنا هنا، على حافة العالمين، أكتب هذه الكلمات الأخيرة. يدي ترتجف. صوتي يبهت. صورتي في المرآة تبدأ في التلاشي.
لكنني لست حزيناً.
سأصبح قريباً جزءاً من دموع عفرين. سأكون في كل رشفة ماء يشربها طفل. في كل دمعة تذرفها عروس. في كل قطرة ندى على زهرة لوز.
سأكون الذاكرة التي لا تموت.

وأنتم، يا من تقرأون، أنتم النسيان الذي يحيي.
وهكذا يكتمل التوازن.
من حارس كهف الذاكرة الأخير
في جبال كردستان التي تتذكر كل شيء
تم العثور على هذه المخطوطة في كوخ مهجور قرب كهف جاهزة شيشك في ربيع عام 2024. كُتبت بخط اليد على ورق قديم، وبجانبها قارورة صغيرة من ماء الينابيع، وخيط من شعر سبع جدات، ومفتاح من حجر الأوبسيديان الأسود. لم يعثر على كاتبها. يقول أهالي القرية إنهم لا يتذكرون أن أحداً عاش هناك قط.
حرر بجهود مشكورة للمدققة والمحررة: رؤى قلعه جي.
مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.
اهلا بكم
ها قد جئت ولو متاخرا للتعليق على المقال الاسطورة للكاتبة الاسطورة الحية لوريكاتا الاخوة والاخوات اشبعوا المقال فحصا وتدقيقا من جميع الجوانب لا مجال للزيادة عليهم ارض تتنفس وتبكي وذاكرة متجددة متجذرة من ازمان سحيقة
عبقرية لوريكا في مزج عبق الارض ودموعها مع اساطير حية متجددة لقد مددت جسرا من مدينتي درنه التي تعتبر من اساطير ليبيا قديما وحديثا جسرا يصل كهوف عفرين وشلالاتها لقد تعددت الاماكن والاسطورة واحدة
كتاباتك رائعة وفريدة اجمعيها في كتاب اساطير عفرين في عيون لوريكا دمتي مبدعة وتقبلي مروري المتواضع.
صديقتي لوريكا اشكرك على الردود الصريحه والصادقه فأنتي خير مثال لشعب كوردستان الابي . هل تعلمين لوري انه وبسببك عزمت اتعرف على شعب كوردستان بأكثر من وسيله وكانت احداها هي التلفاز
مسكت الريموت وقعدت امامه ساعات ابحث عن قنوات كورديه وفعلا وجدت اكثر من قناة وتابعت الاخبار والموسيقى واكثر شيء تابعت قناة كانت تشغل موسيقى هادئه وتبث تصوير لأرض وجبال كردستان يا الهي يالها من جبال لاتوصف مهما وصفت لك.منازل بنيه وبيضاء بأعالي الجبال الخضراءالجميله تابعت هذه القناه تقريبا ساعه ولم امل ابدآ وحينها فهمت معنى كلامك عن الأرض وبالذات عن هذه الجبال الشامخه
اما عن قنوات الاخبار بلغتكم فأستغربت ان الاحرف مقاربه للعربيه وبعض الكلمات تكتب مثل العربيه والاختلافات الاخرى ليست صعبه فبمجرد التمعن والمحاوله بفهم الكلمه انجح بدون جهد كبير بفهمها.
اما عن الموسيقى والرقص فاتعجبت كثيرا من رقصة الأكراد المرتصه والمرتبه وشفتها مشابهه كثيرآل رقصات بلاد الشام
اما عن الجمال يا الهي فقد رأيت مالا يوصف هنا وربما اذا وصفت سيمنع اصدقائي المشرفون من ظهورها تعليقي ههه ولكن سأكتفي بقول ان ربي وضع جمال ثلثي العالم كله في اخوتنا الاكراد فسبحان من خلق وصور
من ناحية اللغه فلكم الفخر بلغتكم الأم ولاباس بالعربيه والانجليزيه اذا امكن فالعالم يعترف بالعلم والمعرفه وليس بالحصر في لغه محدده
وايضآ ببعض مناطق اليمن لهم لغه غير العربيه ولكنهم درسوا العربيه بحكم التواصل مع من حولهم
شكرآ لوري على ردودك
دمتي دائما بخير
صديقي أبو محمد👏🏻👏🏻👏🏻
قرأت كلماتك… وعيناااي دمعتاا. ليس حزنااا، بل فرحاا.
أن تجلس ساعات أمام التلفاز تبحث عن قنواات كوردية، فقط لأنك قرأت أسطورتي… هذا هو كل ما أردته من الكتابة. أن أحرك فضولااا. أن أفتح باباا. أن أقول: 👈🏻هذا نحن. تعاااال انظر.
و الجباال التي رأيتها… نعم. هي كردستان. الجبال التي إذا رأيتها، تفهم لماذاا نحن عنيدون. لماذا لاا نستسلم. لماذاا نتمسك بالأرض كأنها أمنااا.
الموسيقى والرقص… كردستان بلاا موسيقى ليست كردستاان. هي نبض الأرض. تغنيها الجبال، وترقص لها النسااء والرجال معاا، وكأنهم يقولون للحياة: 👈🏻نحن هنا. رغم كل شيء.
شكرااااااا لك. لأنك منحتني لحظة أرى فيهاا أن كلماتي لم تذهب هباء. أن هناك من يستمع، ويبحث، ويرى، ويتأثر.
كردستاااان ترحب بك يااا صديقي. لأنك دخلتها من باابها الأوسع: باب القلب..👏🏻👏🏻🫡
لوريكاااا🪷💪🏻
صديقي ابو محمد🪷🫸🏻
وأخيراااااا🫣اااا…
الاصطناعي 2050… هذا اللقب جديد. هل يعني أنني رووبوت من المستقبل؟ 🥲🔪 أم أنني إنسانة عااادية تعيش في زمن غير زمانها؟
لااا تجب. فقط اعلم أنني سعيدة لأنني جعلتك تبتسم، وتسأل، وتفكر. وهذااا هو كل ما أتمناااه من كتابتي.
دمت بخير ياااا صديقي، ووردة الجبال تهديك تحية من كهف شيشك. 🌷
لوريكاااااا✌🏻🌟
صديقي ابوو محمد
أما عن لغز لوري…
قلت: فشل وسيفشل الجميع بحل لغزك، فما بااالك بتوجوموري النايم. ههههه😅🫢
صدقت. توجو موري نااايم، وأنا أحيانااا أتمنى لو كنت ناايمة مثله. لكن الحقيقة أنني لست لغزااا معقدا. أنا فقط… امرأة من كوردستان، تحب الأرض، وتكتب الحكااايات، وتترك للقارئ حرية أن يرى فيهاا ما يريد. بعضهم يرى أسطورة، وبعضهم يرى هرطقة😅، وبعضهم يرى مرآة لروووحه. وكلهم على حق..✌🏻😉
صديقي ابو محمد…
أما عن سؤااالك: هل اللغة العربية لغتك الرسمية في منطقتك وبين ناااسك؟
سأجيبك بصراحة، لأنك تستحق الصدق.
نحن في كردستااان، لغتنا الأم هي الكورددية. نتحدث بها في البيوت، وفي الشوااارع، وفي الكهوف. نغني بها، نحلم بهااا، ونبكي بهاا. هي لغة جداتنا، ولغة الأساطير اللي رضعناها مع الحليب.
لكن العربية… العربية كانت مفروضة علينا سابقااا. في المداارس، في الدواائر، في كل مكان رسمي. كنااا ندرسهااا كما ندرس الرياضيات: لأنها مطلوبة، لا لأنها مختارة.
لكن مع الوقت، والعمر، والقراااءة، والاحتكاااك… صاارت العربية أكثر من مجرد لغة مفروضة. صارت جسرااا. جسرااا بيني وبين قراء مثلك، بيني وبين مصر واليمن وكل مكااان. صرت أحبهااا. لا كبديل عن الكورديية، بل كإضافة. كأنها أخت كبرى تعلمت منها كيف أوسع دااائرتي.
اليوم…
نحن ندرس اللغتين معاااا. الكوردية لهويتناا، والعربية للتواصل مع العالم العربي. وهذا جميل. لأن الإنسان لااا يضيع حين يتعلم لغة جديدة. بل يتسع. يصبح قادرااا على أن يحكي أسطورته لأكثر من شعب.
وما كتبته في 👈🏻دموع عفرين… لو كتبته بالكوردية فقط، لماااا وصل إليك. وهنا تكمن قيمة العربية: أنها جعلت أسطورة كوردية تصل إلى قلب يمني ومصري وسوري واردني،،،ووو… وهذا هو السحر الحقيقي..✌🏻😉