سوهاج

لم يكن الليل مجرد غياب للشمس،
بل كان كائناً حياً يتنفس بين الأزقة، يتسلل عبر النوافذ،
ويجلس بجانبك على الفراش… دون أن تراه.
حين عدت بعد عشر سنوات من الغياب عن بلدي، لم أكن أعلم أنني أعود إلى قلب الكابوس ذاته.

وصلت إلى القرية مع أولى خيوط الغروب. الطريق الترابي المؤدي إليها كأن أحداً لم يمشِ عليه منذ عقود. الأشجار على جانبي الطريق بدت مائلة،
وكأنها تتعقب خطواتي بعينين خفيتين.
كان بيتي الحجري يقف شامخاً في منتصف القرية،
جدران متصدعة، نوافذ مكسورة، ورغم ذلك… بدا كأنه ينتظرني.

حين فتحت الباب، كان الهواء داخل المنزل باردًا بشكل غير طبيعي. الغبار يملأ المكان، لكن ما لفت نظري هو الباب الخشبي الصغير في نهاية الممر.
باب لم أره من قبل. حاولت فتحه لكن لم أستطع. ذهبت إلى النوم ولم أستطع النوم. كان الصمت ثقيلًا مريبًا، لكنه لم يدم طويلاً…

سمعت صوتًا يهمس باسمي.

ظننت أنني أتخيل، لكن الصوت عاد من جديد، أضعاف المرة الأولى، يخرج من خلف الجدار.
اقتربت، وضعت أذني على الحائط… وكان هناك،
همس خافت:
“ساعدني… من فضلك.”
خرجت من المنزل بسرعة وجلست خارج المنزل حتى الصباح، وعدت للداخل بعد أن أشرقت الشمس. أخذت قسطًا من الراحة، ودخلت غرفة والدي القديمة، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
داخله دفتر أسود بصفحات مهترئة.

السطور كتبت بخط مرتعش، تحكي عن طقوس قديمة كان يقوم بها أهل القرية لاستدعاء “الحارس الليلي”،
كيان لا يعيش في الظلام… بل هو الظلام نفسه.
مع مرور الأيام، لاحظت أن جيراني يتجنبون النظر إلى عيني مباشرة. لم يرحب بي أحد، لكن في إحدى الليالي، رأيتهم يتجمعون عند المقابر القديمة، يحملون شيئًا ملفوفًا بقماش أبيض.

وقفت بعيدًا أراقب… كانوا يتمتمون بأدعية غريبة، ثم وضعوا القماش داخل حفرة، وغمروا القوة فوقه التراب بسرعة، قبل أن يهربوا وكأنهم يخشون أن يلتفت إليهم الليل.
عاد الهمس، لكنه لم يعد طالبًا المساعدة… بل صار أمرًا.
“افتح الباب… الآن.”

ذلك الباب الخشبي في الممر بدأ يهتز بقوة.
اقتربت منه، يدي ترتجف، لكني لم أفتحه. عندها، انطفأت كل الشموع في البيت دفعة واحدة.
وعندما التفت خلفي… رأيت ظلًا يقف في زاوية الغرفة،
طويل القامة، بلا ملامح، لكنه يبتسم ابتسامة مخيفة في الظلام.
القرة كانت تعرف أنني لن أنجو. لم يخبرني أحد، لم يحذرني أحد…
في الليلة الأخيرة، وجدت نفسي وحيدًا في المنزل، والهمسات تحيط بي من كل اتجاه.
انفتح الباب دون أن ألمسه، ومن داخله خرجت رائحة كريهة جدًا، مثل رائحة القبور، ومعه صوت ضحكة منخفضة، وظهر الكائن المظلم من العدم.
لم أكتب شيئًا بعد ذلك، سقط مني الدفتر الأسود،
والصفحة الأخيرة كانت مكتوبة بخط مختلف…
“لقد… عدنا.”
النهاية

حرر بجهود مشكورة للمدققة : أزيز الصمت .

1 1 تصويت
Article Rating

مقالات ذات صلة

5 تعليقات
روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
كاتب
روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
4 شهور

تم نشر قصتك على صفحة الموقع بفيسبوك، يسعدنا متابعتك للتفاعل هناك والمشاركة مع القرّاء 🌿
https://www.facebook.com/61573098963302/posts/pfbid0YGH7pNR9X3nnB66fY4NZStrMnrcmqdNRU9xcGafXv3E2BmpqHYikymkgNH6C5L1Al/
كما نرجو من متابعي كابوس الكرام متابعتنا على صفحة فيسبوك، حيث نقدم أنشطة مميزة ومحتوى متجدد باستمرار، ويسعدنا انضمامكم وتفاعلكم معنا.

كرمل
كرمل
4 شهور

رائعة جدا لو انك اطلتها قليلا فقط

فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
4 شهور

اهلا ومرحبا بك ..🌸
القصة تحمل في طياتها إحساسًا عميقًا بالخوف والارتباك، وكأن كل زاوية من سوهاج تتحول إلى مرايا تعكس كوابيس الشخصيات. أسلوب السرد يجعل القارئ يعيش اللحظة مع كل حدث، ويشعر بثقل القرارات وتوتر المواقف. الشخصيات مكتوبة بحرفية، كل واحدة لها صراعها الداخلي الذي يعكس جانبًا من واقعنا اليومي، ما يجعل القصة أكثر قربًا للواقع وأكثر إثارة للتأمل. النهاية، رغم غموضها، تترك أثرًا نفسيًا طويلًا، وتدفع القارئ للتساؤل عن حدود الواقع والخيال، وعن قوة الإنسان في مواجهة كوابيسه الخاصة..

بنت بحرى
بنت بحرى
5 شهور

أدينا بندردش….. ورانا إيه ورانا إيه
بنحكي ونفرفش….. ورانا إيه ورانا إيه
نحب نتعرف…….. ورانا إيه
نحب نتشرف…… ورانا إيه
ومنين يا بلدينا ……وبلدكو إيه؟
أحسن ناس…. أحسن ناس
سوهاج بلد المواويل
سوهاج برج الزغاليل
سوهاج…. يا حبيبي يا حبيبي
سوهاج….. دي عروسة النيل
احسن ناس……احسن ناس

ابداع دق قلبى معه وارتجف… لولا الأخطاء الإملائية لكان الكمال نفسه…استمر
فى انتظار جديدك
سلام 🌹

ابو هشام
ابو هشام
5 شهور

انها مرعبه حقنا ياخي وروعه اهن لوطولت شويه لقد كان الرعب يدب فيني شويه شويه ثم انتهات اتمنئ ان القصه القدمه تكون طويله وشكرا لك تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى