المقلب الأخير

كانوا ثلاثة شبان عابثين، يلهون ويمرحون ويجيدون حبك المقالب لأهالي القرية، ثم يغرقون في الضحك عندما يرون الدهشة أو خيبة الأمل مرسومة على وجوه ضحايا مقالبهم. كان يطيب لهم ذلك.

كانوا يتراقصون فرحاً وبهجة بنجاح هذه المقالب ويضحكون طويلاً. كان في تلك القرية الصغيرة رجل مسن يتولى شؤون مقبرة القرية. كان رجلاً عجوزاً بسيطاً ودرويشاً، لا يخلو من البركة، وأهالي القرية يكنون له كل الاحترام والتقدير. كان يقوم بحراسة المقبرة وتغسيل وتكفين الأموات مقابل مبلغ بسيط من المال يكفي قوت يومه.

اجتمع الشبان الثلاثة ذات ليلة يتسامرون، واقترح أحدهم أن تكون ضحيتهم القادمة حارس المقبرة العجوز. تخيل الجميع وجه العجوز بعد اكتشافه للمقلب وضحكوا طويلاً. عادوا إلى بيوتهم، وفي النهار التالي بدأ تنفيذ المقلب. كان المقلب عبارة عن أن يحمل اثنان منهم رفيقهم الثالث للمقبرة على أنه ميت، وهم يتظاهرون بالحزن عليه ويحملون كفنه وما يلزم، ويسلمونه لحارس المقبرة ليقوم بتغسيله وتكفينه، وعندما يبدأ في نزع ثيابه يقوم من مرقده ليفزع العجوز.

كتموا ضحكات كادت أن تخرج من أفواههم وهم يرون العجوز يتجه إلى الحجرة ليرى صديقهم ويعده لدفن لائق. أرهفوا السمع لصرخات الرجل العجوز وضحكات صديقهم، ولكنهم لم يسمعوا شيئاً. سمعوا صوت العجوز ينادي عليهم، قال لهم: «صديقكم ميت، وأخشى ألا أستطيع نزع ثيابه عنه!». اتسعت حدقات عيونهم من الخوف وصرخوا صرخة واحدة: «ولكنه حي! إنه فقط مقلب لإخافتك». أجاب العجوز: «ادخلوا وتفحصوه!».

دخل الشابان ليجدا صديقهما ميتاً، عيناه شاخصتان. هزاه بعنف: «استيقظ أرجوك وكفاك تظاهراً بالموت، لقد أخفتنا حقاً».. ولكنه لم يستيقظ ولم يجب. نظرة أخرى فاحصة وأدركوا الحقيقة المرة؛ لقد مات رفيقهم حقاً.

غادروا المقبرة وهم يتعثرون في القبور المتناثرة، يقعون ويقومون من هول الصدمة، وقد لوث التراب وجوههم وثيابهم. حاولوا أن يسخروا من ذلك الرجل الطيب، فانتهى المقلب بمأساة أنهت كل مقالبهم وإلى الأبد.

0 0 الأصوات
Article Rating

علي فنير

علي محمد فنير ، مكان الولادة الزنتان - ليبيا. أديب ليبي اكتب القصة والشعر منذ سنة 1990 عضو في موقع كتاب وادباء ليبيا : بلد الطيوب ولي فيه عدة أعمال منشورة تم اضافتي كقصاص في معجم القاصصين الليبين للأستاذ الدكتور عبدالله مليطان لدي مجموعة قصصية نشرت سنة 2007 تحتوي علي 28 قصة قصيرة بعنوان : خيال الشوق

مقالات ذات صلة

21 تعليقات
ابو راشد
ابو راشد
7 شهور

قصة رائعة وفيها العبرة بأن لا نهزا بمشاعر الآخرين ونتمنى السوء ولو كان مزاحا فقد يتحقق لقد أخذوا الدرس الذي لا ينسى شكررا

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  ابو راشد

شكرا اخي ابوراشد علي مرورك وتعليقك تحياتي لك

اياد العطار - ادارة
المدير
اياد العطار - ادارة
7 شهور

تحية طيبة اخي العزيز علي .. قصة رائعة كالعادة .. حقنة رعب مركزة ومختصرة .. مباشرة في العضل! .. اسلوبك يعجبني فعلا والقصة تحفة بصراحة .. بانتظار جديدك وتقبل تقديري واحترامي

علي فنير
علي فنير
7 شهور

اخي العزيز إياد….. يوم جميل مشرق ملئ بالسعادة والتفآول لحضرتك شكرا لك جزيل الشكر ….اسعدني اعجابك بالقصة وبأسلوبي في الكتابة لك كل الحب والتقدير والاحترام ودمت انت والموقع بألف خير .

Manal🌹
Manal🌹
7 شهور

السلام والرحمة والاكرام على جميع الاحبة

كيف حالك اخي علي

اسعد الله اوقاتك وانار ايامك بكل ماتتمنى

احب هذا النوع من القصص القصيرة جدا .. احسها مثل الفلاشات المضيئة التي تومض في عتمة الليل فتجعل كل شيء يتجلى بوضوح شديد مفاجئ ثم يعود الغموض ليسود

جميلة جدا في مغزاها ومعناها وكذلك في مبناها
متقنة .. بكل بساطة مختصر لكن مفيد وممتع جدا

كل الشكر لقلمك

تحياتي ومودتي

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  Manal🌹

منال ….. اسعدني وجودك وتعليقك كل السعادة وبدون مجاملة اقدر كل كلمة راقية تكتبينها وكل تعليق جميل ووجودك ليس مصدر سعادة لي بل لكل من يكتب في هذا الموقع الرائع
تمنياتي لك بأيام وسنين سعيدة مديدة

لوريكا
لوريكا
7 شهور

الموت لم يكن عقابا، بل كان الرد الصامت على استهتارهم. العجوز لم يخَف؛ بل كشف لهم أن الحياة ليست مقلبا
✌️✌️🌺🌺

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  لوريكا

لوريكا العزيزة شكرا لمرورك وتعليقك هناك أشياء في الكون محضور ان نسخر منها لاننا سنكتشف كما تفضلتي بذكره بأن الحياة ليست مقلبا تحياتي لك وتمنياتي لك بكل الخير والسعادة

سارة فايز
سارة فايز
7 شهور

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
العبرة: إن اللعب مع الدرويش بموتة 🙏
شكرا على الطرح أستاذ علي فنير 🌷🤍

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  سارة فايز

العزيزة سارة شكرا علي مرورك وتعليقك تمنياتي لك بكل سعادة وخير ……سؤال هل ستكونين مشرفة في مقهي كابوس الادبي والعام ؟؟؟ اتمني ذلك

سارة فايز
سارة فايز
7 شهور

*** تنويه يا جماعة إن ( مقهى كابوس ) قد عاد ***

والجديد وجود [ المقهى الأدبي & المقهى العام ]

💫💫💫💫💫💫💫💫💫💫💫💫

قاهر
قاهر
7 شهور
ردّ على  سارة فايز

ماذا تنتظرين ضعي هناك موضوع يثير نقاش أزلي مثلا افتحي نقاش عن معضلات مثل نحن مخيرون أم مسيرون 🤔
مثلا الله يعلم بحدوث الشر قبل حدوثه فلماذا لايوقف الشخص السيئ عن الفعل الخبيث مثل قتل طفل اواواو

هيا هيا سارسورتي فجري قنبله مدويه هناك

Last edited 7 شهور by قاهر
سارة فايز
سارة فايز
7 شهور
ردّ على  قاهر

ازيك يا قاهر.. منور
ممكن تقوم بنفسك بكتابة تعليق تثير فيه الموضوع في ركن الزاوية الميتة على المقهى الادبي.. وتنتظر الردود

قاهر
قاهر
7 شهور
ردّ على  سارة فايز

حسنا ساره الجميله سافعل بأقرب وقت 👍

فرح
فرح
7 شهور

مرحبا استاذ علي يا مبدع ليبيا كيف الحال اتمنى ان تكون بخير …
أبدعت بالقصة حقأ ..وانتظار كل جديد يتالق باسمك في الموقع …🤍

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  فرح

شكرا لك أيتها العزيزة فرح انا بخير والحمد لله سرني مرورك وتعليقك كل السرور جعل الله كل ايامك فرح مع قرب حلول العام الجديد تحياتي

شهد
شهد
7 شهور

عاشت ايدك… استمتعت بالقرآة جدآ 🥹☀

علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  شهد

العزيزة شهد شكرا لك علي مرورك وتعليقك اسعدني اعجابك واستمتاعك بالقصة …..كل التقدير والاحترام مع تمنياتي لك بكل الخير والسعادة

قاهر
قاهر
7 شهور

فكره جيده جداً لكني احتاج لتواطؤ عدة أطراف كي اجعل الميت ينهض أثناء صلاة الجنازه😁🤣واستمتع بمشاهد الرعب بين وجوه المصلين أثناء هروبهم من المسجد 🤭

Last edited 7 شهور by قاهر
علي فنير
علي فنير
7 شهور
ردّ على  قاهر

صديقي العزير قاهر تعجبني فيك روحك المرحة وتعليقاتك التي تنبض بالحياة هي فكرة جيدة ولكن اخشي ان تتحول الجنازة الي جنازات من توقف قلوب البعض من الرعب .
سأحكي لك قصة واقعية حدثت في بلد مجاور في احدي السنين :
كان هناك سائق سيارة نقل خفيف يحمل في الخلف تابوت فارغ وكان الوقت شتاء أشار له احدهم توقف صعد البيك اب من الخلف حيث التابوت الجو كان برد وبدأ المطر يتساقط فتح الرجل التابوت ونام فيه ليتقي المطر توقف السائق لرجلين آخرين ركبوا هم ايضا في الخلف بجانب التابوت مضي السائق بالسيارة وفجأة تحرك غطاء التابوت وأخرج الرجل يده ليري ان توقف المطر ام لا هنا اصيب احد الرجلين بالرعب وقفز من السيارة وهي تمشي النتيجة رضوض وكسور وجرعة رعب تكفيه مدي الحياة

قاهر
قاهر
7 شهور
ردّ على  علي فنير

اشكرك نبهتني لبعض العواقب التي لم احسب لها حساب ممنون اخي علي

زر الذهاب إلى الأعلى