رحلة نهاية الأسبوع

كانت الرحلة في أولها رحلة نهاية الأسبوع المعتادة، هذه المرة قررنا الذهاب إلى الجبال مكان بعيد عن صخب المدينة لنقضي فيه يوماً كاملاً، والسعادة تملأ قلوبنا. كنت في السيارة أنا وأمي وأختي وأبي.
بدأت السيارة تشق طريقاً متعرجاً لم يُذكر في أي خارطة، تحيط به أشجار متشابكة تحجب ضوء الشمس.. بدأت الشمس بالغروب ولم نصل إلى وجهتنا إلى الآن.
سألتُ أبي بتردد: لماذا لم نصل إلى الآن؟ الضوء بدأ يختفي، وسيصبح الوضع أكثر خطورة إذا أظلم الوقت ونحن هنا.
أوقف محرك السيارة فجأة ونظر إلى الخلف بعينين مليئتين باالخوف وقال: حسناً، اذكروا الله يا بناتي ولا تخافوا، يبدو أنني أضعتُ المكان الذي كنت أريد الوصول إليه، سأنزل لأصلي المغرب وبعدها نرى ما سيحدث.
صرخت به أمي ويداها ترتجفان خوفاً: هل أنت مجنون؟! ستتركني مع ابنتيك هنا بمفردي وتنزل في هذا المكان المخيف؟!
رد قائلاً: لن أتأخر ولن أدع صلاتي وإذا وجدت مصلى للنساء سأدعيكم لتصلّوا وترتاحوا قليلا ً، استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه..
ونزل أبي من السيارة وأمي تبكي وترتجف خوفاً، أغلقنا أبواب السيارة وبدأنا نستغفر الله ليخرجنا من هذا المأزق، كل ذلك يحدث وأختي نائمة لا تعلم ماذا يجري.
بعد عدة دقائق من الخوف والرعب، عاد أبي بابتسامة غريبة تشق فمه من اليمين إلى اليسار، وعيناه أصبحتا أكثر اتساعاً، لم يلاحظ أحد ذلك سواي! حين رأته أمي همت قائلة: هل وجدت شيئاً؟ هل رأيت أحداً؟ أخبرني ماذا حدث
كان أبي يشغل محرك السيارة في هدوء تام دون أن ينطق بحرف، وبدأ السير في نفس المنعطفات المتعرجة، ولكن هذه المرة كان كأنه يعلم الوجهة تماماً..
توقف فجأة عند منزل في وسط الاشجار الكثيفة التي تحيطه من كل جانب و في هذا المكان شبه الخالي، خرج منه شابان في مقتبل العمر. نزل أبي من السيارة دون أن ينطق بحرف، حياه الشابان وكانوا يتحدثون ولم نكن نسمع شيئاً كنا ننظر فقط من خلف نوافذ السيارة إلى حركات أيديهم وأعين الشابين الموجهة نحو السيارة كأنهما نمران وجدا فريستهما…
بعد مدة من الحديث استغرقت خمس دقائق تقريباً، عاد أبي وفتح باب السيارة بهدوء تام والتفت إلى الخلف محدثاً أمي: أيقظي هذه البلهاء وهيا لننزل عند هؤلاء الأشخاص، يبدون طيبين جداً وقد دعونا للمبيت عندهم الليلة بحكم أن الوقت قد تأخر..
قاطعته أمي قائلة: لن أنزل في هذا البيت ولو كلفني الأمر حياتي..
أعاد أبي رأسه للأمام ثم تنهد تنهيدة قوية، والتفت برقبته إلى الخلف مرة أخرى، ولأول مرة في حياتي رأيت أبي يصفع أمي!
كنت أشاهد الموقف برعب شديد، وسرت برودة عالية في جسدي لا أعلم سببها، بكى كل شيء داخلي حين شاهدت أمي تُصفع من أبي، وكان آخر ما بكى عيناي..
استيقظت أختي على بكاء أمي وقالت بنعاس شديد: ماذا حدث؟ ما بها أمي؟ لماذا نحن هنا؟
قاطعتنا أمي قائلة: لننزل ولنرى ماذا سيحدث..
نزلنا جميعاً وقادنا أبي إلى المدخل، ورأيت الشابين مرة أخرى، لكن تلك المرة لم تكن من خلف النوافذ بل في الهواء الطلق ولا يحجبنا عنهم شيء. وبطبيعة الحال، كما هي العادات في ديننا، يُفصل الرجال عن النساء..
خرجت طفلة صغيرة ونحن واقفون خلف أبي بينما كان الرجال يتحدثون، فقادتنا إلى ديوان النساء. حين دخلنا كان المكان تشع منه رائحة غريبة تشبه رائحة الحناء، استقبلتنا امرأتان تبدوان في العقد الثلاثين من عمرهما، حيتا أمي وأنا وأختي، وقدمتا لنا عشاءً فيه ما لذ وطاب مأدبة تمتد من بداية الديوان إلى نهايته..
بدأت بالأكل وبجانبي أختي وكنت أهمس لها: ألا ترين أن المكان غريب؟ انظري إلى وجوههما، الكحل الأسود في أعينهما نازل إلى الخدين وأحمر الشفاة لونهُ كالدم.. ما بالهما تضعان المكياج هكذا؟
رددت أختي قائلة: إنهن بنات قرية، وفي مكان شبه معزول ،بالطبع لا يعلمن فنون التجميل مثلنا.
نظرت إلينا إحدى المرأتين بابتسامة متسعة وأسنان تشع بياضاً وسألت: ما اسماكما؟
رددتُ أنا بحذر : ريم، وهذه أختي الصغيرة ريماس
فقالت: هممم، أسماء جميلة..
شعرت بضيق مفاجئ يكمن في صدري كأنه جبال مستقرة فوقه، نظرتُ إلى أمي لأجدها غارقة في حزنها ولم تأكل شيئاً. أنهينا العشاء وساعدتهما أنا وأختي في رفع الصحون إلى المطبخ. قادتانا إلى غرفة النوم ثم قالتا: ما رأيكن أن نريكن عادات زواجنا؟
تحمسنا جميعاً، كنا نريد أن نغير مزاج الحزن والضيق الذي واجهناه في هذه الرحلة. تحولت شاشة التلفاز إلى ما يشبه البث الحي والمباشر لما يحدث في المكان المجاور.. ولكن ليتنا لم ننظر..
على شاشة التلفاز ظهرت فتاة مستلقية كجثة شاحبة، وحولها تجمع غريب.. امرأة عجوز، وطفلة صغيرة، ورجل قصير كأنه طفل لكنه يمتلك شارباً. بدأوا بطقس وحشي لا يستوعبه عقل بشري أخرجت العجوز منشاراً وبدأت بتقطيع رجلي الفتاة حتى الفخذ. وفجأة، توقفت العجوز عن الحركة ووضعت المنشار جانباًورفعت رأسها، ونظرت مباشرة نحو الشاشة، نحونا تماماً، وتحركت شفايفها الجافة ببطء لتهمس بصوت خافت تردد صداه في الغرفة: ريماس…
شهقتُ أنا في تلك اللحظة، وتجمد الدم في عروقي. نظرتُ إلى أختي ريمان، التي لم تتحرك ولم تتكلم، بل ظلت مسمرة عينيها على الشاشة بنظرة غريبة، نظرة لم أرها فيها من قبل، خالية من أي خوف نظرت لأمي لأجدها غارقة في همومها لا تنظر حتى الى الشاشة..
تابعتا المرأتان النظر إلى التلفاز بابتسامة عريضة… بتروا رجليها تماماً ثم غطوا جسدها وبدأوا يبخرون المكان ويدورون حولها ويعطرونه بخلطات عطرية نفاذة. كانت الكاميرا تتحرك بطريقة غريبة تبحث عن تفاصيل مرعبة، ورجال يغطون رؤوسهم يطوفون حولها كالأشباح.. وفجأة ارتفعت زاوية الكاميرا لتكشف السقف فقط، واختفت العروس عن الأنظار.
التفتُّ بذعر نحو النافذة التي من المفترض أن تكون عاكسة، لأرى بشراً بملامح ممسوخة وحادة للغاية وقاسية، يحدقون فينا مباشرة عبر الزجاج العاكس وكأنهم يقرأون خوفنا..
أدركت أننا وقعنا في أسر قبيلة من الجن الذين يستعبدون بنات الإنس ويزوجونهن لأبنائهم بعد بتر أرجلهن لضمان عدم هروبهن.
نظرت لامي لأعيد تركيزها.. التفتت إليّ و نهضت بهدوء مصطنع، تحاول جاهدة إخفاء رعبها، وقالت بصوت يرتجف:
شكراً لكم، لم تقصروا أبداً.. أكرمتمونا بالطعام والشراب وكل شيء، ولكن وجب علينا الرحيل الآن، وعندما تأتون لزيارتنا ،سنكرمكم بكل ما نملك..
حاولوا منعنا، وارتفعت الأصوات: اجلسوا.. لن تذهبوا. في تلك اللحظة، لاحظت طفلهم الصغير ممدداً على الأرض، وفجأة، ارتفع صوت أذان الفجر بعيد يتردد صداه عبر الجبال دب الذعر في أوصالهم، وانكمش الصغير مرعوباً
لم أتمالك نفسي، فبدأت أقرأ القرآن بصوت مرتفع وثابت، ورتلت من سورة الشرح:
{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب}
توقفتُ وتحديت خوفهم قائلة: أتعلمون ما معنى الآيتين؟ فإذا فرغت من أعمالك وانتهيت منها فاجتهد في عبادة ربك، واجعل رغبتك وقصدك إلى الله وحده.
تبدلت ملامحهم فوراً، واشتعلت عيونهم غضباً ووحشية وتحولت ملامحهم الى مسخ وتشققت جدارن المنزل. التفتت إليّ أمي برعب وصرخت : اسكتي! لا تزيديهم غضباً واقتادتنا مسرعة نحو باب الغرفة..
في تلك اللحظة الحرجة بينما كنا نتدافع للخروج وعند عتبة الباب التفتت أختي بهدوء أثار جنوني أنا وامي وقالت: إن كان لديكم عريس فأنا أولى به من أختي ريم.
صرخت أمي: لا، لا ينفع لأي منكما..
وركضنا مسرعين الى باب المنزل .
في تلك اللحظة تذكرت أبي وأن الذي قادنا إلى هنا لم يكن أبي، بل كان شيئاً آخر تماماً….
انمحت الصور فجأة، وتلاشت الغرفة المظلمة، واختفت الوجوه الحادة، لكن الشيء الوحيد الذي بقي عالقاً هو رائحة عطر قوية ونفاذة ملأت خياشيمي بعنف…
فتحتُ عينيّ فجأة لأجد نفسي في غرفتي، دقات قلبي تقرع كطبول الحرب وأنفاسي متلاحقة. تنهدتُ بارتياح تام، وعلمتُ أنه كان مجرد كابوس بشع، وأنني الآن في أمان منزلنا
التفتُّ لأرى أختي ريماس تقف أمام المرآة، ترش من زجاجة عطرها.. نفس الرائحة النفاذة التي شعرتُ بها في الحلم. قلتُ لها بابتسامة مرتعشة: الحمد لله، أني أستيقظت لقد رأيت كابوساً مروعاً..
استدارت أختي ببطء، وابتسمت لي نفس الابتسامة العريضة التي شقت فم أبي في الحلم، وقالت بصوت هامس، وهي تضع الكحل بنفس طريقة الامرأتان وكأنها تكمل حديث العجوز على الشاشة: ريم، لا تقلقي.. لقد قبلتُ أنا الآن العروس الجديدة..
لمحتُ بقعة دم صغيرة تجف عند كاحلها، وشعرتُ بتجمد كلي يسيطر على جسدي، ولم أستطع حتى الصراخ
The end
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
قصة مشوّقة، والفكرة المركزية : قبيلة من الجن تستعبد بنات الإنس وتبتر أرجلهنّ لمنع هروبهنّ فكرة موحشة وأصيلة، تُبنى عليها أجواء رعب حقيقية.
النهاية ممتازة. الانتقال من “الكابوس” إلى الاستيقاظ الكاذب، ثم انكشاف أن الأخت صارت هي العروس الجديدة، مع بقعة الدم عند الكاحل والعجز عن الصراخ إغلاق موفّق يترك القارئ في الصورة لا في التفسير. تفصيلة الابتسامة التي “شقّت فم الأب” ثم تعود على وجه الأخت رابطٌ ذكي يجمع بداية الكابوس بنهايته.
كذلك مشهد التلفاز/البثّ المباشر للطقس الوحشي فكرة بصرية موفّقة، والتفاتة العجوز نحو الكاميرا لتهمس بالاسم لحظة قشعريرة حقيقية. وصفة الوجوه الممسوخة عبر الزجاج العاكس مؤثّرة أيضاً.
مقطع تلاوة سورة الشرح فيه شرحٌ زائد: بعد الآيتين تأتي جملة “أتعلمون ما معنى الآيتين؟” ثم يُفسَّر المعنى حرفياً. وقع الآية على الجن (تشقّق الجدران، اشتعال العيون) كان كافياً وحده؛ الشرح يكسر التوتر ويحوّل لحظة الرعب إلى درس.
صفعة الأب لحظة قوية جداً . لكنها تمرّ بسرعة. لو تُركت الصورة تتنفّس قليلاً لكان أثرها أعمق.
وأخيراً، ثمة هفوات لغوية بسيطة تستحق تدقيقاً أخيراً (باالخوف، شفايفها، جدارن، المرأتان في موضع “المرأتين”).
عمل واعد وصاحب حسّ رعب حقيقي، ولو ضُبِطت هذه التفاصيل لصار أشدّ إحكاماً. بالتوفيق
واووو، تحديث المواضيع يتم بشكل كليا، اي باستراتيجية ” الموجات ” فكل المواضيع تتغير مع بعضها في نفس الوقت، ايضا الصور لاتتوقف عن اثارة انتباهي، تبا، لا استطيع ايقاف الاشادة بها وبتصميمها الفريد، الاحترافية هنا تتصاعد تماما كادخنة المصانع الكبيرة، هههه..
ايضا واضح ان اسم الكتابة كتبته من العربية الإنجليزية، تقريباً الاسم.. لين النمر!
واووو، اسما قويا للغاية، اهنءك علي هكذا اسم..
ايضا بالنسبة للقصة لا اعرف كيف اصف هذه التفاصيل الدموية القوية، قبيلة من الجن تختطف بنات الانس وتقطع ارجلهن لضمان عدم هروبهن، ههههه، الامرخطيرا للغاية،خيالا خطيرا ايضا، بخصوص الاب شككت في امره عندما ترك نساءه هكذا وحدهن في تلك البيئة المرعبة، تقريبا هذا ايضا من اول الاعمال التي المح بها هذا الخيال القوي المبدع، النهاية كانت ايضا مذهلة وبها شيء من التلاعب الذكي، استمتعت بالمرور من هنا حقا.. عمت مساءا
قصة مشوّقة ومتصاعدة بشكل ممتاز، خصوصًا في بناء التوتر من الرحلة العادية إلى الرعب التدريجي ثم الانقلاب المفاجئ في النهاية. تفاصيل الأجواء كانت قوية وحاضرة، مثل الطريق المظلم ورائحة العطر، وهذه لمسات موفقة أعطت العمل طابعًا حسيًا واضحًا.
قد يفيدك فقط تقليل بعض الإطالة في الوسط للحفاظ على الإيقاع، وتوضيح انتقالات معينة (خصوصًا تغيّر سلوك الأب) بشكل أدق لزيادة الترابط. النهاية كانت لافتة ومخيفة، لكن ممكن تقوي أثرها أكثر بتمهيد خفيف قبلها.
بشكل عام، عمل جميل ومليء بالخيال والرعب النفسي .. استمري.