عِنْدَمَا اِحْتَرَقًت الْسَمًاء (الجزء الثاني)

مرّت الشهور كأنها سنوات.

لم تعد سجى تحسب الوقت كما كانت تفعل من قبل. في الماضي، كانت الأيام تُقاس بالمحاضرات الجامعية، بالامتحانات، بالمناسبات العائلية الصغيرة. أمّا الآن، فالأيام تُقاس بعدد القتلى في الأخبار، بعدد الطوابير الطويلة للحصول على الماء، بعدد الصواريخ التي تسقط في الليل وتُرعب الجميع.

في خيمة الحاجة فاطمة، تعلمت سجى كيف تعيش حياة النزوح، كيف تتكيف مع غياب كل شيءٍ اعتادت عليه، كيف تتحمل الجوع والعطش والبرد، وكيف تصبح قطعة قماشٍ باليةٌ سقفًا وحيدًا يحميها من السماء التي ما عادت تحمل سوى النار.

كل يوم، كانت تبدأ الصباح بالخروج إلى الطابور، حيث تقف النساء ساعاتٍ طويلةً بانتظار حصّة الطعام القليلة. لم يكن هناك سوى القليل من الدقيق، القليل من الأرز، أحيانًا بعض العدس أو الفاصولياء المعلّبة التي تأتي كمساعدات، لكنها كانت شحيحة.

عادت مرةً إلى الخيمة بعد انتظارٍ دام أكثر من ثلاث ساعات، تحمل كيسًا صغيرًا من الطحين وبعض العدس، فاستقبلتها الحاجة فاطمة بوجهٍ مُرهقٍ لكنه مبتسم:

“بارك الله فيكِ يا ابنتي… لولاكِ، لما كنتُ قادرةً على الوقوف في هذا البرد.”

جلست بجانبها تُساعدها في عجن الدقيق بالماء القليل المتبقي، ثم أخذت تُشعل الحطب خارج الخيمة، حيث تحوّل المكان إلى مطبخٍ جماعيٍّ للنساء اللواتي يحاولن صنع أي شيءٍ يسدّ رمق أطفالهن.

كانت الدموع تترقرق في عيون بعض النساء وهنّ يعصرن آخر ما لديهنّ من طعام، كانت الأمهات تُطعم أطفالهنّ، لكنّهنّ ينسين أنفسهنّ. لم يكن هناك شيءٌ يكفي الجميع.

بعد الإفطار، كانت سجى تتولى تنظيف الخيمة، ثم تجلس مع عمران، ابن الحاجة فاطمة، الذي أصبح صديقها الوحيد في هذا الخراب.

كان عمران شابًا حادّ الذكاء، رغم أنه لا يستطيع الحركة إلا على كرسيه المتحرك، لكنه كان يُحاول دائمًا أن يبثّ الأمل في من حوله. كان يُمازحها أحيانًا، رغم بؤس الأوضاع، ويقول:

“أتعلمين يا سجى؟ لو لم تكن غزة تحترق، لكنتِ الآن في قاعة المحاضرات تدرسين، وكنتُ أنا في الجامعة أُناقش أمور الفلسفة والأدب.”

فتبتسم له قائلة:

“ومن قال إنني لم أكن سأكون في قاعة الأدب أيضًا؟ كنتُ دائمًا أحب الروايات.”

فيرد بابتسامةٍ جانبية:

“إذًا، سنكون زميلين في عالمٍ آخر… عالمٍ لم يولد بعد.”

لكن سرعان ما يُقطع حديثهما بانفجارٍ بعيد، أو بأخبارٍ جديدةٍ تصل إلى المخيم.

كل يوم، كانت الأخبار تأتي محمّلةً بالموت.

في أحد الأيام، كانت النساء جالساتٍ أمام خيامهنّ، عندما اقترب أحد الرجال المرهقين العائدين من الخارج، وقال بصوتٍ متهدّجٍ:

“القصف دمر خزاعة بالكامل… لا أحد يعرف كم قتلوا هناك.”

شهقت بعض النساء، وبدأت إحداهنّ تبكي بحرقة:

“كان أخي هناك! لا أعلم إن كان حيًّا أم لا!”

وفي اليوم التالي، جاء خبرٌ آخر:

“مجزرة في الشجاعية… عشرات العائلات أُبيدت بالكامل.”

وفي مساءٍ بارد، وصلت الأخبار عن كارثة أخرى:

“قصفوا جنين بالكامل… لم ينجُ أحد من إحدى العائلات، الأب، الأم، الأطفال، حتى الرضيع!”

كان الموت ينتشر كالوباء، ولم تعد غزة قادرةً على عدّ شهدائها.

كل ليلة، كانت سجى تنام وهي تفكر: “من سيكون التالي؟ هل سأموت غدًا؟ هل ستموت الحاجة فاطمة؟ عمران؟ هل سيأتي الدور علينا كما أتى على غيرنا؟”

لكن رغم كل شيء، رغم الجوع والخوف والموت، وجدت سجى نوعًا من الطمأنينة في هذه الخيمة الصغيرة.

كانت الحاجة فاطمة تحبها كابنتها، وكانت تُمسك يدها في الليل وتهمس لها:

“لا تخافي يا ابنتي… الله لن يتركنا.”

وكان عمران يُحاول دائمًا أن يُخفّف عنها، رغم حالته، رغم الألم الذي يسكن جسده، لكنه كان يملك عزيمةً لم ترها في أحد.

وفي بعض الليالي، حين يكون القصف بعيدًا قليلًا، كانت سجى تُمسك ببقايا دفترٍ وجدته بين الركام، وتبدأ بكتابة خواطرها، كأنها تُحاول أن تحوّل هذا الدمار إلى كلماتٍ تنبض بالحياة.

لكنّها كانت تعلم، في أعماقها، أن الأسوأ لم يأتِ بعد.

وكانت غزة، بكل ما فيها، تنتظر المصير القادم.

حلّ رمضان على غزة ولم يحمل معه سوى مزيدٍ من الجوع والموت.

كان القصف لم يتوقف، والمساعدات أصبحت شحيحة إلى حدٍّ لا يُطاق. الطعام لم يكن يُكفي ليومٍ واحد، والماء بالكاد يكفي لغسل الوجوه، أمّا النار، فكانت تُشعلها النساء بالحطب أو ببقايا البلاستيك المُحترق، حتى صار الهواء خانقًا، مشبعًا بالدخان ورائحة الاحتراق.

في الليلة الأولى من رمضان، جلست سجى قرب الحاجة فاطمة، تحدّق في الطعام الهزيل أمامها: قطعة خبزٍ يابسة، بضع حبات زيتون، وشيء من العدس المطبوخ بماءٍ أكثر من العدس نفسه. كان هذا إفطارها وإفطار الحاجة فاطمة وعمران.

تمتم عمران ساخرًا وهو يدفع صحنه جانبًا:

“أمّي، هل هذا هو الإفطار أم أننا ما زلنا صائمين؟”

نظرت إليه الحاجة فاطمة بحزنٍ وقالت:

“احمد الله يا بني… هناك من لم يجد حتى هذا.”

شعرت سجى بغصّةٍ في قلبها، لكنها لم تستطع الردّ. لم يكن هناك شيءٌ لتقوله. كانت تعلم أن أطفالًا كثيرين ناموا الليلة الماضية دون أن يأكلوا شيئًا.

وفي الليل، كان البرد قارسًا. لا يوجد كهرباء، لا مدافئ، لا أغطية كافية. كان عمران يرتجف من البرد، بينما سجى تُحاول تدفئة يديها بالنفخ فيهما، لكنها تعلم أنه لا جدوى من ذلك.

“سجى، هل تعتقدين أننا سننجو من هذا؟”

كان عمران يسألها بصوتٍ هادئٍ وهو يحدّق في سقف الخيمة الممزّق.

نظرت إليه، كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتان من التعب والجوع، لكنه كان لا يزال يحتفظ بذلك البريق في نظراته، ذلك البريق الذي جعلها تشعر بالأمان في وسط هذا الجحيم.

“لا أعلم، عمران… لكن يجب أن نحاول.”

ابتسم لها ابتسامةً صغيرةً، ثم همس:

“أحيانًا، عندما تتحدثين، أشعر أنكِ أقوى من الحرب نفسها.”

شعرت بحرارةٍ غريبةٍ تسرّي في قلبها. لم تعرف كيف تفسّر ذلك الشعور، لكنها أدركت شيئًا واحدًا: عمران لم يكن مجرّد صديقٍ لها بعد الآن.

مرّت الأيام ثقيلة، والموت صار روتينًا يوميًا.

كان الناس يموتون من القصف، من المرض، ومن الجوع. كانت سجى تسمع عن أطفالٍ فارقوا الحياة لأنهم لم يجدوا حليبًا يشربونه، وعن شيوخٍ قضوا لأن أجسادهم الضعيفة لم تحتمل البرد القارس.

كانت الحاجة فاطمة تصلي كل ليلةٍ وتبكي، تدعو الله أن يرحمهم، أن ينقذهم، لكنّ الموت كان أسرع من الدعاء.

وفي إحدى الليالي، حين كانت سجى جالسةً بجانب عمران، لاحظت أن وجهه كان أكثر شحوبًا من المعتاد، وأنه يتنفس بصعوبة.

“عمران، هل أنت بخير؟”

هزّ رأسه بصعوبة وقال بصوتٍ خافت:

“إنه صدري… أشعر بألمٍ رهيب.”

وضعت يدها على جبينه، كان متعرقًا وساخنًا. التفتت إلى الحاجة فاطمة بقلقٍ شديد:

“إنه مريض… يحتاج إلى دواء!”

هزّت الحاجة فاطمة رأسها بأسى:

“دواؤه لم يعد متوفرًا منذ شهور… إنه يحتاج إلى ‘فنتولين’، لكن من أين سنجده الآن؟”

فنتولين… كان دواءً للربو، لكنه نادرٌ جدًا في هذا الحصار.

لم تتردد سجى لحظةً، وقفت وقالت بحزم:

“سأذهب إلى المستشفى… قد أجد هناك بعض الأدوية المتبقية.”

ارتعبت الحاجة فاطمة وقالت بسرعة:

“لا يا ابنتي! المستشفيات لم تعد آمنة، لقد قصفوا مستشفى الشفاء الأسبوع الماضي، والاحتلال يقتحم المستشفيات ويعتقل الأطباء!”

لكنّ سجى لم تكن تسمع. كانت تُفكر فقط في عمران، في عينيه المُتعبة، في كلماته التي ظلّت تتردد في عقلها: “أشعر أنكِ أقوى من الحرب نفسها.”

كانت تعلم أنها قد لا تعود، لكنها لم تستطع الوقوف مكتوفة اليدين.

حدّقت إلى عمران، الذي كان ينظر إليها بعينين مليئتين بالقلق، ثم تمتم بصوتٍ ضعيف:

“لا تذهبي، سجى… لا أريد أن أفقدك.”

تجمدت للحظة. لم يقلها مباشرةً، لكنّها شعرت بها… ذلك الشيء الذي ينمو بينهما وسط هذا الدمار، وسط هذا الجحيم.

لكنّها لم تستطع التراجع.

“سأعود، عمران… انتظرني.”

ثم خرجت إلى الليل المظلم، بينما كانت القنابل تُضيء السماء كالنجوم المشؤومة.

خرجت سجى إلى الليل البارد، حيث كانت السماء ملبدة بالدخان والنيران تتراقص على أطراف المدينة كألسنة شيطانٍ جائع. الهواء كان مشبعًا برائحة الموت، خليطٌ من الغبار والدم والبارود، يجعل التنفس ثقيلاً، كأن الهواء نفسه مسموم.

تحركت على أطراف قدميها، محاولةً ألا تُحدث أي صوت، تُراقب الشوارع التي بدت كمدينة أشباح. المباني التي كانت يومًا مأهولة بالحياة، تحوّلت إلى هياكل مدمّرة، كأنها بقايا حلمٍ قديمٍ احترق تحت القصف.

كان الطريق إلى المستشفى طويلاً، لكنه لم يكن خطيرًا فقط بسبب المسافة، بل لأن الطائرات المُسيّرة كانت تحوم فوقهم كنسورٍ تبحث عن فريسة، والقناصة يترصدون أي حركةٍ في الشوارع المهجورة.

تحركت سجى بسرعة، تجتاز الأزقة الضيقة، حيث تكدّست الجثث المغطاة بالغبار. كانت هناك أقدامٌ بارزة من تحت الركام، وأذرعٌ متيبسة ممدودة في الهواء كأنها تطلب النجدة، لكن لا أحد ليستجيب.

في إحدى الزوايا، رأت طفلاً جالسًا وحيدًا على الرصيف، كان بالكاد يتحرك، وعيناه متسعتان تحدقان في الفراغ. اقتربت منه، انحنت ومسحت على رأسه:

“يا صغيري… أين أهلك؟”

لم يجب. فقط نظر إليها بعينين ميتتين، ثم همس بصوتٍ مخنوق:

“أمي تحت البيت… نائمة.”

شعرت قشعريرة باردة تسري في جسدها، لكنها لم تستطع البكاء. البكاء لم يعد رفاهيةً ممكنة في هذه المدينة التي ماتت ألف مرة.

اضطرت لتركه هناك، رغم أن قلبها كان يصرخ، لكنها تعلم أن الوقوف طويلاً يعني الموت، وأنها إن لم تصل إلى المستشفى، فإن عمران قد لا ينجو.

واصلت سيرها، مُتخذةً زوايا المباني المهدّمة كغطاء، لكن فجأةً، دوّى صوت الطائرة المُسيّرة في السماء، كطنين دبورٍ قاتل. جثت بسرعة إلى الأرض، تحجرت أنفاسها، وانتظرت.

في لحظة، دوّى صاروخٌ صغير من الطائرة، أصاب مجموعةً من النازحين أمامها. لم يكن هناك وقتٌ للصراخ، فقط تحولت الأجساد إلى أشلاءٍ مبعثرة، والغبار ارتفع، حاملاً معه رائحة اللحم المحترق.

كانت سجى ممدةً على الأرض، يداها ترتجفان، قلبها يكاد ينفجر من الرعب. هل هذه نهايتها؟

لكنّ الطائرة ابتعدت، وكأنها اكتفت بعدد القتلى الذين أخذتهم معها.

سجى لم تُضِع لحظةً أخرى، رفعت جسدها المرتجف، وركضت، ركضت كما لم تركض من قبل، كأنها تهرب من الجحيم نفسه.

حين وصلت إلى مستشفى “الناصر”، كانت الفوضى تعم المكان. عشرات الجثث مُلقاة عند المدخل، بعضها مُغطى ببطانياتٍ، والبعض الآخر لم يكن لأحد الوقت ليغطيه.

دخلت إلى الداخل، لكن المشهد كان أسوأ. كانت الأرض مغطاةً بالدماء، الجدران مليئة بثقوب الرصاص، والممرضون يركضون بين الجرحى، بينما الأطباء يجرون العمليات الجراحية بلا تخدير، لأن الأدوية نفدت منذ أسابيع.

تقدمت نحو طبيبٍ كان منهمكًا في خياطة جرحٍ مفتوح على بطن أحد الجرحى. تحدثت بصوتٍ مخنوق:

“لو سمحت… أحتاج فنتولين.”

لم يرفع الطبيب عينيه عن عمله، لكنه ردّ بصوتٍ متعب:

“الأدوية مفقودة… نبحث عنها نحن أيضًا.”

شعرت سجى كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.

“لكن… هناك شابٌ مصابٌ بالربو… سيموت إن لم يحصل على الدواء!”

تنهد الطبيب، مسح جبينه الملطخ بالدماء وقال بصوتٍ متحشرج:

“نحن جميعًا نموت هنا، يا أختي.”

لكن فجأةً، تدخلت ممرضةٌ كانت تقف خلفهم وقالت بصوتٍ حذر:

“انتظري هنا… ربما هناك شيءٌ في المخزن القديم.”

اختفت للحظات، ثم عادت وفي يدها عبوة صغيرة من فنتولين.

“هذا كل ما تبقى… خذيه بسرعة.”

أمسكت سجى بالدواء كما لو أنه كنزٌ ثمين، شكرتهما بسرعة، ثم خرجت من المستشفى، وعقلها لا يُفكر إلا في شيءٍ واحد: يجب أن تعود قبل فوات الأوان.

كانت الرحلة إلى المخيم أصعب من الذهاب. صوت القصف كان يقترب أكثر، والجنود بدأوا يزحفون إلى المناطق الجنوبية، وكانوا يقتلون أي شخصٍ يتحرك.

ركضت عبر الأزقة، سمعت طلقات الرصاص خلفها، لكنها لم تلتفت. لم تتوقف حتى رأت أخيرًا خيمة الحاجة فاطمة.

دخلت بسرعة، قلبها يكاد يخرج من صدرها، وعيناها تبحثان عن عمران.

كان مسجى على الفراش، شاحبًا، وكأنه يقترب من النهاية.

“عمران! أتيتُ لك بالدواء!”

رفعت رأسه بحذر، وساعدته على أخذ أول جرعة.

مرت ثوانٍ ثقيلة… ثم شهقت الحاجة فاطمة وهي ترى أنفاسه تهدأ، وصدره يتحرك بسهولة أكبر.

نظر عمران إليها، وابتسم ابتسامةً متعبةً وقال بصوتٍ خافت:

“كنت أعلم… أنكِ ستعودين.”

سقطت دمعةٌ على خدها، لكنها لم تقل شيئًا. فقط أمسكت بيده، وشعرت أنها، رغم كل هذا الجحيم، لم تكن وحدها.

الليالي أصبحت طويلةً وثقيلةً كأنها دهورٌ ممتدة، والموت بات رفيقًا دائمًا يخيّم على المخيم، لا يُفرّق بين طفلٍ أو شيخ، امرأةٍ أو رجل. كل شيءٍ هنا هش، كل شيءٍ مهددٌ بالزوال في لحظة.

كانت سجى تجلس بجانب عمران في الخيمة، تحاول أن تملأ الفراغ القاتل بكلماتٍ لا تدري إن كان لها معنى. في الخارج، كان القصف لا يتوقف، كأن السماء قررت أن تمطر نارًا بدل الماء، لكنهما تعلّما أن يتجاهلا ذلك، أن يعيشان رغم كل شيء.

“أتصدقين يا سجى؟” قال عمران بصوتٍ هادئٍ رغم المرض الذي لا يزال ينهش جسده.

“ماذا؟” التفتت إليه، رافعة حاجبها.

“أنا لم أرَ الحرب هكذا من قبل… كنت أظن أنها مجرد أصواتٍ في الأخبار، لكنني الآن… أشعر وكأنها تجلس بجانبنا، تراقبنا، تبتسم بسخرية.”

ابتسمت سجى رغم الألم الذي يعشش في صدرها. “بل نحن من نراقبها، نعيشها، ونقاومها. الحرب لا تنتصر إن كنّا ما زلنا أحياء.”

ضحك عمران بصوتٍ خافت، ثم قال وهو ينظر إلى عينيها: “إذن أنتِ تعتبريننا منتصرين؟”

تلاشت ابتسامتها ببطء، نظرت إلى الجدران المهترئة للخيمة، إلى الأجساد النائمة من شدة الإرهاق والجوع، ثم همست: “لا أدري… ربما.”

كان الجو داخل الخيمة دافئًا بشكلٍ غريب رغم البرودة القاتلة في الخارج. ربما لأن القصف كان بعيدًا تلك الليلة، أو ربما لأن وجودهما معًا كان يمنح كلاً منهما بعض الدفء الذي تلاشى من حياتهما منذ زمن.

لكن القلق بدأ يتسلل إليهما شيئًا فشيئًا، فقد مرّ يومان منذ أن خرج والد عمران للبحث عن مكانٍ أفضل، ولم يعد.

الحاجة فاطمة كانت تجلس عند مدخل الخيمة، تُحدّق في الأفق بعينين غارقتين في الخوف. كانت تُمسك بيدها مسبحة قديمة، تُحرّك خرزاتها بين أصابعها ببطء، وكأنها تتمسك بشيءٍ لا تراه، شيءٍ أكبر من الحرب والموت.

سجى جلست بجانبها، وقالت بهدوء: “ربما وجد مكانًا آمنًا ويحتاج وقتًا ليعود.”

لكن الحاجة فاطمة لم ترد، فقط نظرت إلى سجى بنظرةٍ تحطم القلب، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع: “حين يذهب الرجال ولا يعودون… فهذا يعني أن الحرب قد ابتلعتهم.”

سجى شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أرادت أن تقول شيئًا يخفف من الألم، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة.

في تلك الليلة، نامت وهي تُمسك بيد عمران، كأنها تخشى أن تستيقظ فتجده قد رحل أيضًا.

كان الصباح ثقيلاً، كأن الهواء نفسه قد تلبّد بالخوف والضياع. صوت الزنانة ظلّ يملأ السماء بلا توقف، يُذكّرهم بأن العدو هناك، يُراقب، ينتظر اللحظة المناسبة ليضرب. كان الأمر أشبه بلعنةٍ مستمرة، كأنها موسيقى الموت التي لا تنتهي.

سجى جلست عند مدخل الخيمة، تنظر إلى الأفق الرمادي. لم يكن هناك شروقٌ حقيقيٌّ للشمس، بل مجرد ضوءٍ باهتٍ يُصارع الغبار والدخان المتصاعد من أنحاء الجنوب. الحاجة فاطمة كانت بجانبها، تُمتم بأدعيةٍ غير مفهومة، بينما عمران داخل الخيمة يُحاول النوم رغم نوبات السعال التي لا ترحمه.

حين جاء الليل، خمدت الأصوات تدريجيًا. الجوع والإرهاق هزما الجميع، فسقطوا في نومٍ متقطعٍ فوق بطانياتهم الرقيقة. حتى الزنانة بدت وكأنها هدأت قليلًا، لكنها لم تكن إلا استراحةً قصيرةً قبل العاصفة.

سجى نامت بجانب عمران، تتوسّد ذراعها النحيلة. لم يكن النوم عميقًا، بل كان أقرب إلى إغماءةٍ هشّة. لكنها استيقظت فجأةً على صرخةٍ مرعبة شقّت سكون الليل.

فتحت عينيها لتجد الخيمة مضيئةً بلونٍ غريب… أصفرٌ وأحمر… النار.

“احترقنا!! المخيم يحترق!!”

كان الصراخ في كل مكان. الناس يركضون خارج الخيام، يصرخون بأسماء أحبّتهم وسط النيران المتصاعدة. الدخان الأسود بدأ يملأ المكان، يسدّ الأنفاس، والحرارة كانت لا تُحتمل.

سجى نهضت بسرعة، لكن قدميها لم تحملاها سوى خطوتين قبل أن تشعر بلهيبٍ حارقٍ يلسع جانبها الأيمن.

“آاااااه!!”

سقطت أرضًا، تشعر بأن جلدها يشتعل. رائحة اللحم المحترق ملأت أنفها، ودموعها انهمرت بلا إرادة منها. حاولت الوقوف، لكنها لم تستطع. كل شيء كان يدور، النار، الدخان، الصراخ… صوت عمران يناديها، صوت الحاجة فاطمة يبكي وليدها، لكنها لم تستطع التمييز بين الحقيقة والكابوس.

حاولت الزحف بعيدًا عن النيران، لكن الألم في جسدها كان أشد من أن تحتمله. رأسها بدأ يثقل، كل شيءٍ بات غير واضح. الأصوات أصبحت مكتومة، والضوء الأحمر تحوّل إلى سوادٍ عميق… ثم سقطت في العدم.

حين فتحت عينيها، كان الضوء باهتًا، والسقف فوقها أبيض.

أين أنا؟

حاولت تحريك يدها، لكن الألم اخترقها كالسكين. أنينٌ خافتٌ خرج من حلقها دون إرادةٍ منها.

“ابنتي… سجى… هل تسمعينني؟”

كان ذلك صوت امرأة. التفتت بصعوبة، فرأت ممرضةً عجوزًا تجلس بجانبها. عيناها كانتا حانيتين، لكن خلفهما اختبأ حزنٌ لا يوصف.

“أين أنا؟” همست سجى، وصوتها بالكاد مسموع.

“أنتِ في المشفى… نجوتِ، يا ابنتي… لكن ليس الجميع حالفهم الحظ.”

كان هناك شيءٌ في نبرة الممرضة جعل قلبها ينقبض. “أين عمران؟ أين الحاجة فاطمة؟”

لم ترد الممرضة فورًا. فقط نظرت إليها نظرةً طويلة، ثم تنهدت وقالت بصوتٍ خافت:

“ارتاحي الآن… ستعرفين كل شيء في وقته.”

لكن سجى كانت تعرف. قلبها كان يعرف… النار لم تأخذها وحدها.

حدّقت سجى في الممرضة بدهشةٍ غامضة. كيف عرفت اسمها؟ لكنها لم تلبث أن تذكّرت…

قبل أسبوع، في إحدى الليالي الباردة تحت خيمةٍ بالكاد تقيهم الريح، جلست هي وعمران والحاجة فاطمة يتسامرون وسط الظلام، يحاولون سرقة لحظةِ حياةٍ من وسط الموت. كانت الحاجة تحمل قلمًا أزرق جافًّا، بالكاد يعمل، وابتسمت وهي تقول:

“يبدو أننا أصبحنا مجرد أرقامٍ بلا أسماء… ما رأيكم أن نترك بصمتنا هنا؟”

بضحكةٍ حزينة، مدّ عمران ذراعه النحيلة، فكتبت الحاجة بخطٍّ مهتزّ: “عمران فاطمة”.

ثم مدت سجى ذراعها، وكتبت بخطها المرتجف: “سجى فاطمة”.

كان الأمر أشبه بمزحةٍ مريرة، وسيلةً كي لا تبتلعهم النسيان. والآن، وهي هنا، في هذا السرير المعزول، عرفت أن تلك الأسماء لم تكن مجرد مزحة. لقد كانت علامةً تحدد الناجين من الموتى.

لكن تفكيرها لم يدم طويلًا، فبعد لحظات، بدأ تأثير المهدّئ بالزوال، وكأن جدارًا زجاجيًا هشًا تحطم فجأةً، كاشفًا عن الحقيقة العارية—الألم.

ألمٌ خام، عارٍ، ينهش ساقيها كحيوانٍ مسعور.

شعرت وكأن عظامها تتشقق، كأن النار التي التهمتها في المخيم لم تخمد بعد، بل ظلت كامنةً تحت جلدها، تستعر كلما تحركت، كلما تنفست. شهقت شهقةً مختنقة، وكأنها تحاول سحب الهواء من تحت الماء، لكنها لم تجد سوى الألم ينتظرها.

“آاااه…!”

لم يكن صراخًا بقدر ما كان تمزقًا داخليًا، كأن كل شيء في جسدها يُعاقبها على البقاء.

حاولت تحريك قدميها، لكن لم يكن هناك استجابة. شيءٌ ثقيل، كالحجر، كالموت، يُطبق عليهما. تحسست الفراش بأناملها المرتعشة، ثم خفضت بصرها ببطء، كأنها تخشى رؤية الحقيقة.

كان هناك ضمادات، كثيفة وسميكة، تلتف حول ساقيها من أعلى الفخذ حتى أسفل القدمين. لا لون، لا إحساس… فقط ثقلٌ غريبٌ وخدرٌ قاتل.

“لقد احترقتُ…”

مرّت الكلمات في ذهنها كطيف، كحقيقةٍ لا تُصدّق. جسدها، الذي كان يركض في الشوارع، الذي كان يقفز بين الركام، الذي حمل عمران حين احتاج إليها… لم يعد كما كان.

غرقت في صمتٍ عميق، وعيناها الزائغتان تُحدّقان في السقف. لم تكن تبكي، لم تكن تصرخ… فقط كانت هناك، كأن روحها انفصلت عنها، كأنها لم تعد سجى التي كانت.

في تلك اللحظة، لم يكن الألم الجسدي هو ما يقتلها، بل الحقيقة القاسية التي تسللت إلى عقلها…

“أنا لست كاملة بعد الآن… فهل سأظل على قيد الحياة؟”

مرت الأيام في المستشفى كحلقاتٍ متكررة من الألم والصمت. كانت سجى مستلقيةً على السرير الأبيض، تشعر وكأنها مقيدةٌ به، ليس فقط بسبب الضمادات التي تغلف ساقيها، بل بسبب العجز الذي بدأ ينهشها من الداخل.

كان المكان صاخبًا على نحوٍ مرهق، لكنه صمتٌ في جوهره—صمتٌ يملؤه أنين المرضى، صرخات الألم الخافتة، وقع خطوات الأطباء والممرضات المستعجلة، وصوت أجهزة الإنعاش التي لم تكن تنجح دائمًا.

الجدران بيضاء لكنها ليست ناصعة، بل متسخة بلون الرماد، وكأنها امتصت رائحة الحريق والدم. في كل زاوية، كان هناك سريرٌ عليه جرحى ومبتورو أطراف، بعضهم مغمض العينين كأنهم استسلموا للألم، وآخرون يحدقون بالسقف كأنهم يبحثون عن معنى لما تبقى من حياتهم.

لكنها لم تكن تبحث عن معنى… كانت تبحث عن وجه.

كلما تحركت نقالة بجانبها، كلما دخل مريضٌ جديدٌ أو خرج آخر، كانت عيناها تجوب الوجوه، تبحث في كل ملامح مرهقة، في كل عينٍ شاحبة، عن عمران أو الحاجة فاطمة.

لكنهم لم يكونوا هناك.

في البداية، أقنعت نفسها بأنهما ربما في جناحٍ آخر، أو ربما خرجا بحثًا عن مخيمٍ جديد. لكن مع مرور الساعات، ثم الأيام، بدأ الشك يزحف إلى عقلها كخنجرٍ بارد.

في إحدى الليالي، اقتربت منها ممرضة شابة، ذات وجهٍ متعب لكنه لطيف، وقالت بصوتٍ خافت:

“هل تحتاجين شيئًا؟”

ترددت سجى قليلًا، لكنها جمعت أنفاسها وسألت:

“هل هناك قوائم بأسماء الناجين؟ أعني… هل يمكنني البحث عن شخصين؟”

ظهر الحزن في عيني الممرضة للحظة قبل أن تهز رأسها ببطء:

“نحن لا نملك قوائم دقيقة… كل شيءٍ فوضوي، والأسماء تضيع في زحام المصابين.”

شعرت سجى بشيءٍ ثقيل يسقط في أعماقها، كأن بئرًا بلا قاع انفتح تحتها.

“لكن ربما يمكنكِ السؤال في القسم الآخر… أو عند فرق الإغاثة التي تأتي من المخيمات.”

تمسكت بهذه الفكرة كغريقٍ يتشبث بخشبةٍ وسط البحر. منذ ذلك اليوم، كانت تنتظر كل صباحٍ وصول متطوعين جدد، تسألهم، تصف ملامح الحاجة فاطمة، تخبرهم عن عمران وكرسيه المتحرك، لكن الإجابة كانت تتكرر دائمًا:

“لم نرهم… آسفون.”

وبينما كان جسدها يلتئم ببطء، كان قلبها يتشقق أكثر، والخوف بدأ يتحول إلى يقينٍ قاسٍ:

“ماذا لو لم ينجُ أحدٌ سواي؟”

مرت الأيام، وكانت سجى تشعر وكأنها تعيش في جسدٍ آخر، جسدٍ لم يعد يخصها. كانت قد فقدت الإحساس بساقيها في الأيام الأولى، لكن الألم الذي عاد لاحقًا كان كفيلاً بإثبات أنهما ما زالتا هناك، وإن كانتا ضعيفتين، محروقتين، مثل أطراف شجرة نجت من حريق لكنها لم تعد كما كانت.

كان الأطباء والممرضون يحيطون بها بعنايةٍ صامتة. لم يكونوا يتحدثون كثيرًا، فقط نظراتهم المليئة بالشفقة كانت تخبرها بكل شيء.

“علينا أن نبدأ العلاج الطبيعي.”

قال الطبيب وهو يتفحص ساقيها الملفوفتين بالضمادات، كانت قد خضعت لعملياتٍ عدة، والحروق تركت أثرها عميقًا، لكنهم كانوا متفائلين.

“سنساعدك على المشي من جديد، لكن الأمر سيحتاج إلى وقت… وصبر.”

لم تجب. فقط حدقت في السقف الذي حفظت كل تشققات طلائه عن ظهر قلب.

“هل أنتِ مستعدة؟”

لم تكن مستعدة لأي شيء، لكنها أومأت.


كانت المرة الأولى كابوسًا.

عندما حاولوا رفعها، شعرت كأن الجحيم كله اشتعل في ساقيها. ارتجف جسدها، وكادت تسقط لولا أن الطبيب والممرضة أمسكا بها جيدًا.

“ببطء، لا بأس، أمسكي بي.”

لكنها لم تستطع.

كانت عظامها لينة، وألم الحروق في كل مرة تلمس فيها الأرض كان يجعلها تلهث وكأنها تطعن مرارًا بسكينٍ ساخن.

لكنهم لم يتركوا لها خيارًا.

يوماً بعد يوم، كانوا يعيدون الكرة، يرفعونها، يدعونها تحاول، ثم تسقط، ثم يعيدون الأمر من جديد.

وبعد أسبوع، خطت أول خطوة لها.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

كانت مثل طفلٍ يتعلم المشي للمرة الأولى، لكنها لم تكن طفلة، كانت مكسورة، وكانت خطواتها ليست نحو حياةٍ جديدة، بل نحو جراحٍ أخرى تنتظرها.


وحين بدأت تستعيد قوتها، عادت أسئلتها القديمة تنهشها من الداخل.

أين عمران؟ أين الحاجة فاطمة؟

تحاملت على نفسها، واستندت على الجدار، وأخذت تمشي في ممرات المستشفى بخطواتٍ بطيئة. كل يوم، كانت تذهب إلى جناحٍ جديد، تسأل الممرضات، تنظر في وجوه الجرحى، تقرأ قوائم الأسماء المعلقة على الأبواب، لكن لا أثر لهما.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت تتحدث مع إحدى الممرضات، سألتها:

“ذلك المخيم… الذي كنت فيه… هل لديكم أي أخبار عنه؟”

نظرت الممرضة إليها بصمتٍ غريب، كأنها تحاول اختيار كلماتها بعناية، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

“أي مخيم؟”

“المخيم في جنوب غزة، كنت هناك مع الحاجة فاطمة وابنها عمران… المكان الذي تم قصفه في الليلة التي جئتُ فيها إلى هنا.”

ظلّت الممرضة صامتة للحظات، ثم تنهدت وقالت:

“ذلك المخيم… احترق بالكامل.”

توقفت أنفاسها للحظة، وكأن العالم كله تجمد حولها.

“ماذا… تعنين؟”

“القصف لم يترك شيئًا. لا أحد نجا.”

كانت الكلمات ثقيلة، كأنها أحجارٌ تنهال على صدرها. شعرت بجسدها يهتز، بدموعٍ ساخنة تتجمع في عينيها لكنها لم تسقط.

“لا… لا يمكن…”

حاولت أن تبتسم، أن تقنع نفسها أن هذا خطأ، أنهم ربما فروا قبل القصف، أنهم ربما في مكانٍ آخر، لكن كلمات الممرضة كانت مثل جدرانٍ تُغلق عليها من كل جانب.

“أنا الناجية الوحيدة؟”

لم تجبها الممرضة، فقط نظرت إليها بعينين مليئتين بالحزن، وهذا كان كافيًا لقتل كل أملٍ كان يتبقى في قلبها.

كانت أصوات القصف لا تزال مستمرة، وكأن الحرب قد تحولت إلى كائنٍ حي يتنفس الخراب. لم يكن هناك وقتٌ للراحة، فالسماء كانت تمطر نارًا، والأرض كانت تهتز تحت الأقدام، والموت كان ينتظر في كل زاوية.

كانت سجى تجلس في زاويةٍ من سريرها، تنظر من نافذة الغرفة إلى الفناء الخلفي للمستشفى. المئات كانوا يتوافدون إلى مستشفى الناصر، أجسادٌ ممزقة، أطفال بلا أطراف، رجال يحملون جثث عائلاتهم وهم يصرخون بأسماء لم يعد لها من يجيب.

كان المشهد أشبه بطوفانٍ من الألم، وكان المستشفى عاجزًا عن استيعاب هذا الكم الهائل من الجرحى.

“انقلوه إلى الداخل بسرعة!”

“نحتاج إلى ضمادات إضافية، هذه الجروح عميقة!”

“هذا الطفل فقد الكثير من الدم، يجب أن ننقله فورًا إلى غرفة العمليات!”

كانت الأصوات تتداخل، والصرخات تتعالى، وروائح الدم والاحتراق تخنق الهواء.

نظرت سجى إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى ساقيها الملفوفتين بالضمادات.

تذكرت كيف كانت قدميها قبل كل هذا، كيف كانت جميلة، متناسقة، بشرتها ناعمة كأنها قطعة رخامٍ منحوتة. أما الآن، فقد تحولت إلى شيءٍ آخر، جلدٌ محروق، تشوهاتٌ عميقة، كأن النار قد حفرت فيها قصيدةً أبدية عن الألم.

“لقد أصبحتُ وحشًا.”

همست لنفسها وهي تلامس الندوب بأطراف أصابعها.

لكن التشوه لم يكن في ساقيها فقط، بل في داخلها أيضًا.

كانت قد فقدت كل شيء. منزلها، عائلتها، نفسها… وعمران.

لم يكن عليها أن تسمع الأخبار لتعرف، لم يكن عليها أن ترى قائمة الشهداء، كانت تعرف في أعماقها أنه لم ينجُ، وأن الحاجة فاطمة رحلت أيضًا.

لم يكن هناك ناجون من ذلك الجحيم.


“يجب أن أخرج من هنا.”

قالت بصوتٍ خافت وهي تنظر إلى السقف، كأنها تناجي نفسها.

في البداية، لم يكن أحد يسمح لها بمغادرة السرير، لكن مع مرور الأيام، ومع تحسن قدرتها على الحركة، بدأت بالتجول في أروقة المستشفى.

كانت الغرف ممتلئة عن آخرها، المرضى يُكدسون في الممرات، الأطباء يهرولون بلا توقف، والجراح كانت أكبر من أن تُخيط بغرزٍ طبية.

كان بعض الأطفال يمشون بلا عيون، بلا يدين، بلا أمل.

النساء يجلسن عند الجدران، يندبن بصمت، وجوههن بلا ملامح من كثرة البكاء.

وفي كل زاوية، كان هناك شخصٌ يحتضر.

عندها، شعرت سجى بشيءٍ ما يتحرك في داخلها.

شيءٌ أقوى من الألم، وأقوى من اليأس.

وقفت أمام إحدى الممرضات، نظرت إليها بعينين مليئتين بالعزم، ثم قالت:

“أريد أن أساعد.”

الممرضة حدقت بها للحظة، ثم نظرت إلى ساقيها، وقالت بحذر:

“لكن… أنتِ ما زلتِ تتعافين.”

“لا يهم.”

كان صوتها حادًا، لم يكن هناك مجالٌ للنقاش.

لقد نجت.

وإن لم تستطع أن تعيد عمران، أو الحاجة فاطمة، أو أيًّا من الذين رحلوا…

فهي على الأقل تستطيع إنقاذ من تبقى.

لم تكن الأيام تمر، بل كانت تنهار فوق بعضها بعضًا، كأنها أبنيةٌ مُتفجرة لا يبقى منها سوى الرماد.

وقفت سجى في قسم الاستعجالات، حيث كان كل شيءٍ يتحرك بوتيرةٍ جنونية. الأطباء يصرخون بالأوامر، الممرضات يجرين بالعربات المليئة بالأدوية والمعدات، والجرحى يتوافدون بلا توقف، أجسادًا مضرجة بالدماء، وعيونًا زائغة بين الحياة والموت.

كانت هذه هي حربها الجديدة، حربٌ من نوعٍ آخر، لا تُخاض بالبنادق، بل باليدين المرتجفتين، والقلب الذي يجب أن يبقى صامدًا رغم الفوضى.

“سجى، أمسكي هذه الضمادات واضغطي على الجرح!”

صرخت إحدى الممرضات، وهي تشير إلى شابٍ فقد نصف وجهه. كان صدره يعلو ويهبط بصعوبة، وعيناه تبحثان عن شيءٍ لم يعد موجودًا.

بلعت سجى ريقها، وركعت بجانبه، وضغطت بيديها على الجرح النازف. الدم كان دافئًا، لزجًا، تسرب بين أصابعها كأنه يحاول أن يخبرها بشيء، لكنها لم تفهم سوى الحقيقة الوحشية:

هذا الشاب يحتضر.

“ابني… ابني أين هو؟”

همس الرجل بصوتٍ بالكاد يُسمع، وكأن أنفاسه الأخيرة كانت محصورة في تلك الكلمات.

نظرت حولها، لم يكن هناك طفلٌ بجانبه.

ضغطت على الجرح بقوة أكبر، شعرت بأنفاسه تتباطأ، ثم توقفت يده عن الارتجاف.

“لا… لا… ليس الآن!”

شهقت، وهزته قليلًا، لكنه كان قد رحل.

كان هذا أول مريضٍ يموت بين يديها.

لكن لم يكن هناك وقتٌ للحزن.


في اليوم الثالث من عملها في قسم الاستعجالات، وصلت سيارة إسعاف تحمل خمسة جرحى دفعةً واحدة.

“لدينا حالة اختناق، نزيف داخلي، وبتر مزدوج! نحتاج إلى طاولة عمليات الآن!”

كانت الممرضة تصرخ، والأطباء يتدافعون لنقل المصابين إلى الداخل.

اقتربت سجى من أحد الجرحى، كان صبيًا صغيرًا لا يتجاوز العاشرة، وقد فقد ساقيه في القصف. كان يحدق في الفراغ، عيونه واسعة ومذهولة، لكنه لم يكن يبكي.

ركعت بجانبه، أمسكت بيده، همست:

“ستكون بخير، أنا هنا معك.”

نظر إليها للحظة، ثم سأل بصوتٍ هادئ:

“هل سأموت؟”

شعرت بشيءٍ يخنقها، لكنها تمالكت نفسها وقالت بسرعة:

“لا، الأطباء سيعتنون بك. ستعيش.”

أومأ برأسه ببطء، ثم قال:

“لكن… أين أمي؟”

كانت الكلمات كالرصاصة، لكنها لم تجد إجابةً لها.

لم تجد إلا الصمت، والحقيقة التي لا تُقال.


الليل كان يهبط على المستشفى كظلٍّ ثقيل، وكانت سجى تجلس على الأرض، يديها مغطاتان بالدماء، ورأسها مُثقلٌ بكل ما رأته.

لقد بدأت تفهم الآن.

أن تكون ممرضةً في هذه الحرب، يعني أن تتعلم كيف تخسر دون أن تبكي، وكيف تُنقذ من يُمكن إنقاذه، وتودّع من لا يُمكنه النجاة.

أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا مرتجفًا.

ثم نهضت، وربطت ضمادات ساقيها المحترقين، وعادت إلى غرفة الطوارئ.

لم يكن هناك وقتٌ للراحة.

مرّت الشهور كأنها قرنٌ من العذاب، ولم يبقَ شيءٌ يشبه الحياة. كان الموت يملأ الأزقة، والخيام، والمستشفيات، وحتى الأنفاس. لكن رغم ذلك، استمرت سجى في عملها داخل مستشفى ناصر، كأنها تحاول التشبث بأي معنى وسط هذا الخراب.

الهدنة الأولى جاءت كسرابٍ في صحراء الحصار.

توقّف القصف، وساد صمتٌ غريب، كأن المدينة تمسك أنفاسها، تخشى أن يكون هذا الهدوء مجرد خدعة.

في المستشفى، تجمّع الأطباء والممرضون حول التلفاز الصغير المعلّق في أحد الأركان. الأخبار كانت تتحدث عن صفقة تبادل الأسرى، عن خروج بعض الفلسطينيين من السجون مقابل رهائن محتجزين.

سجى كانت جالسة على أحد الأسرّة الفارغة، عيناها تحدّقان في الشاشة دون أن ترى شيئًا.

“لو كان أبي هنا… لو لم يأخذوه بعيدًا…”

لكنها لم تملك رفاهية الغرق في التفكير. ما زال هناك مرضى يحتاجون إليها، جرحى ينتظرون من ينقذهم، ومستشفى يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط حصارٍ يقترب.


حين تنتهي الهدنة، يعود الجحيم.

في صباح اليوم السابع، عادت الطائرات إلى السماء، وعادت أصوات الانفجارات تهزّ الأرض. المستشفى لم يكن استثناءً.

سجى كانت في غرفة العمليات عندما اهتزّت الجدران بعنف. سقطت إحدى المصابيح، وتحطّم الزجاج، وساد الصراخ.

“القصف عاد! ابتعدوا عن النوافذ!”

لم يكن هناك متسع من الوقت للخوف. كانت الدماء في كل مكان، وكان على الجميع أن يواصلوا العمل رغم الرعب.


لم يأتِ الجيش مباشرةً، بل بدأ الحصار أولًا.

“لا أحد يدخل، لا أحد يخرج.”

في البداية، لم يدرك أحد خطورة الأمر، لكن مع مرور الأيام، بدأ الواقع ينكشف.

اليوم الأول: نفدت الأدوية الأساسية.
اليوم الثاني: بدأ المرضى يموتون بسبب نقص الأكسجين في وحدات العناية المركزة.
اليوم الثالث: بدأ الطعام ينفد، وبدأ الناس يتقاسمون فتات الخبز.
اليوم الرابع: انتشر خبرٌ في الأروقة:

“الجنود يقتربون.”

كان الجميع يعلم ما يعنيه ذلك.


“افتحوا الأبواب!”

عندما دخل الجنود، كان المشهد أشبه بالجحيم.

انتشروا في الممرات، وجوههم باردة، أعينهم تبحث عن شيءٍ غير مرئي. لم يكونوا يبحثون عن مرضى، بل عن حجج.

في إحدى الغرف، كانت سجى تضع ضمادةً لمريضٍ عندما صرخت إحدى الممرضات:

“إنهم هنا!”

لم تعرف ماذا تفعل. تراجعت إلى الزاوية، قبضت يديها حول دفتر المرضى كما لو كان درعًا يحميها.

رأت أحد الجنود يقترب من الطبيب المشرف، يسأله بحدة:

“أين المسلحون؟”

الطبيب، الذي أمضى الشهور الماضية بين الدماء والألم، لم يكن خائفًا.

“هنا لا يوجد سوى الجرحى، هؤلاء الذين قصفتم بيوتهم!”

لكنهم لم يهتموا، اقتادوا بعض الرجال مقيدين، وتركوا الخوف معلقًا في الهواء.


“سجى…” همست إحدى الممرضات، ووجهها شاحب. “أخذوا الدكتور خالد… وأخذوا الكثير من المرضى الجرحى معهم.”

سجى لم تستطع الكلام. كانت تعرف ما يعنيه أن يؤخذ أحدهم. لن يعودوا أبدًا.

كانت وحدها منذ البداية، والآن أصبح المستشفى بأكمله سجنًا كبيرًا، ينتظر دوره في قائمة الموت.

عندما حلّ الليل، لم تستطع سجى النوم. كانت الجدران التي تحيط بها تضيق، تزداد قسوةً كلما أغمضت عينيها. كان جسدها منهكًا، لكن عقلها لم يعرف الراحة.

“إلى متى؟”

سؤالٌ كانت تخاف التفكير فيه. الحرب أكلت الشهور، ابتلعت الزمن، ومع كل يومٍ يمر، كانت تفقد شيئًا آخر. والدها، عمران، الحاجة فاطمة، ثم المستشفى نفسه.

“لم يبقَ شيءٌ سوى الصراع من أجل البقاء.”

لكن أي بقاء؟ أي معنى للحياة عندما تصبح مجرد أرقامٍ تُحصى بعد القصف؟


داخلها كانت معركةٌ أخرى، لا صوت لها، لكنها أكثر ضراوة من الحرب نفسها.

كان هناك صوتٌ يقول لها:
“كل شيء انتهى، استسلمي، أنتِ لستِ بطلة، ولن تغيّري شيئًا.”

لكن في المقابل، كان هناك صوتٌ آخر، واهن لكنه عنيد:
“لا، ما زلت هنا. ما زلت على قيد الحياة.”

كانت تريد أن تؤمن بذلك، لكنها لم تعد تعرف إن كان في البقاء أي نصر.


أرادت أن تصرخ، لكن لمن؟

لمن تشتكي؟ للأرض التي لم تعد تكترث بمن يسقط عليها؟ للسماء التي أطبقت فوق غزة كقبرٍ مفتوح؟ للهواء الذي أصبح ثقيلاً برائحة الموت؟

كانت العزلة تقضمها من الداخل، حتى وسط كل هذا الضجيج، كانت وحدها.

حين دخلت إلى جناح المصابين، رأت وجوهًا كثيرة، كلها تتألم، كلها تبحث عن رحمةٍ لن تأتي.

“أنا لست وحدي في هذا الجحيم.”

لكن هل هذا عزاء؟ أم مزيدٌ من العذاب؟


فكّرت في أبيها. أين هو الآن؟ هل ما زال حيًا؟ هل يعاني كما يعاني الآخرون؟

لطالما كان والدها هو حصنها، هو من يجيب على أسئلتها عندما كانت صغيرة، من يمسح على رأسها حين تخاف، من يضحك عندما تسأله عن معنى الحياة.

“ما معنى أن نعيش يا أبي؟”

كان يجيبها بابتسامة:
“أن نجد سببًا يجعلنا نستيقظ في اليوم التالي.”

لكنها الآن لم تعد تجد سببًا.


جلست في زاوية الممر، وأسندت رأسها إلى الحائط البارد. كانت يداها مشدودتين إلى ساقيها، حيث الحروق تركت ندوبًا لم تعتد عليها بعد.

“حتى جسدي لم يعد كما كان، حتى وجعي تغيّر.”

لكن أكثر ما كان يوجعها هو أن روحها أيضًا لم تعد كما كانت.

كانت سجى تلك الطالبة الطموحة، الفتاة التي تحلم، التي تضحك مع صديقاتها، التي تشعر أن العالم يحمل لها شيئًا يستحق الانتظار.

أما الآن، فقد أصبحت شيئًا آخر.


مرت الممرضة بجانبها وربّتت على كتفها بلطف، لكن لم يكن هناك كلمات تواسي ما تحطّم داخلها.

أغمضت عينيها وهمست لنفسها:
“أنا لم أمت، لكنني لست حيّةً أيضًا.”

استمر الحصار على مستشفى ناصر في خان يونس لأسابيع، حيث مُنع دخول أو خروج أي شخص، ونفدت الإمدادات الأساسية من ماء، طعام، وأدوية. تفاقمت الأوضاع مع انقطاع الكهرباء ونقص الأكسجين، مما أدى إلى وفاة العديد من المرضى. في ظل هذه الظروف القاسية، بدأت جهود مكثفة لفك الحصار عن المستشفى.

قاد تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، مفاوضات مع السلطات الإسرائيلية، مطالبًا بالسماح بإجلاء المرضى وتوفير المساعدات الإنسانية. كما شاركت ميشيل باشليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في الضغط الدولي لرفع الحصار.

بعد مفاوضات شاقة، تم التوصل إلى اتفاق سمح بإجلاء 32 مريضًا في حالة حرجة إلى مستشفيات أخرى في المنطقة. ورغم استمرار التحديات، شكل هذا الإجلاء بارقة أمل للطاقم الطبي والمرضى المحاصرين داخل المستشفى.

بالنسبة لسجى، كانت هذه اللحظات مزيجًا من الأمل والحزن. فرحت بنجاح إجلاء بعض المرضى، لكنها شعرت بالقلق على من تبقى داخل المستشفى، وعلى مستقبل المؤسسة الطبية التي كرست نفسها لخدمتها.

خرجت سجى إلى الساحة الخلفية للمستشفى، تدفع جسدها المتعب بصعوبة بين الأزقة الملطخة بالدم، متجاوزة أكياس الجثث المتكومة على عتبات المبنى، تلك التي لم تجد لها قبرًا بعد. كان الهواء في الداخل ثقيلاً، محمّلاً برائحة الاحتراق والموت، لكن هنا… هنا كانت نسائم الليل باردة، نظيفة بعض الشيء، تحمل نكهة البحر البعيد، وكأنها تهمس لها بأن الحياة ما زالت قائمة، في مكان ما خلف هذا الجحيم.

استندت إلى جدار نصف مهدم، رفعت رأسها نحو السماء. كانت النجوم هناك، تلمع كما كانت دائمًا، غير مبالية بما يجري على الأرض. ابتلعت ريقها، محاولةً كبح ذلك الشعور الخانق في صدرها، ذلك الثقل الذي صار جزءًا منها منذ شهور. هل كانت الحرب لعنةً أم خلاصًا؟ هل كان كل هذا الألم ثمنًا للحرية، أم مجرد عبثية قاتلة تلتهمهم واحدًا تلو الآخر؟

أغمضت عينيها للحظة، لكن الهواء حولها تموج فجأة… صوتٌ خافتٌ في البداية، ثم زمجرة مدوية، أقرب إلى عواء وحش مجنح شق السماء، صوتٌ باتت تعرفه جيدًا—غارة جديدة.

فتحت عينيها بسرعة، لكن الوقت كان قد فات.

كل ما رأته كان وميضًا أبيض، متبوعًا بانفجار اجتاح الساحة كعاصفة نارية، اقتلع الأرض، هدم الجدران، حملها معه في الهواء كما لو كانت ورقة شجر في مهب الإعصار.

شعرت بجسدها يطير… ثم يسقط.

ضربت الأرض بقوة، ارتطم رأسها بالحجارة، ثم ساد الصمت.

كانت لا تزال واعية… لكنها لم تعد تشعر بجسدها.

رائحة اللحم المحترق تسللت إلى أنفها، رائحة دمها…

حاولت أن تحرك يدها، فلم تستجب.

حاولت أن تصرخ، لكن صوتها اختنق في حلقها.

كانت ترى السماء… لكنها لم تعد ترى النجوم.

كل شيء بات ضبابيًا… الضوء البارد للمصابيح المكسورة، شظايا الخرسانة، أشلاء ممزقة لم تدرك إن كانت تخصها أم تخص شخصًا آخر.

أنصتت… لم يكن هناك سوى طنين، طنين حاد، كأن العالم كله تلاشى ولم يبقَ سوى الفراغ.

ثم، وسط كل ذلك، لمحت وجهًا مألوفًا… عمران.

كان هناك، يقف على بعد خطوات، ينظر إليها، يبتسم… لم يعد مشوهًا، لم يعد مقعدًا، كان كما تخيلته دومًا، قويًا، سليمًا… امتدت يدها نحوه، لكنه كان بعيدًا جدًا.

همست باسمه، أو هكذا ظنت.

ثم… انتهى كل شيء.

تلاشى الضوء.

وغمرت العتمة روحها بلطف، كحلم هادئ بعد ليلة طويلة من الكوابيس.

كانت سجى واحدة من آلاف الأرواح التي سُحقت تحت وطأة القصف المستمر. لم يكن موتها سوى نقطة في بحر الدماء الذي غمر غزة. استمر القصف بلا هوادة، يمحو كل ما تبقى من حياة في الشمال والجنوب على حد سواء.

شمال غزة، الذي كان يومًا يعج بالحياة، تحول إلى أرض قاحلة. الدمار كان شاملًا؛ المباني سُوّيت بالأرض، والشوارع اختفت معالمها. لم يتبقَ سوى ركام يروي حكايات من عاشوا هنا يومًا. الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته على محور “نتساريم”، عازلًا شمال القطاع عن جنوبه، مما زاد من معاناة السكان المحاصرين.

استمرت العمليات العسكرية حتى يناير 2025، حين بدأت مفاوضات لوقف إطلاق النار. في 16 يناير، تم الإعلان عن اتفاق لوقف العمليات العسكرية المتبادلة، يتبعه انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة. في 9 فبراير، أصدر الجيش الإسرائيلي أمرًا لقواته بإخلاء محور “نتساريم” بالكامل، مما سمح بعودة النازحين إلى مناطقهم. رأت حركة حماس في هذا الانسحاب دليلًا على فشل الأهداف الإسرائيلية في غزة.

اليوم، ورغم انسحاب القوات الإسرائيلية، لا يزال شمال غزة شاهدًا على حجم الدمار. المدن والقرى التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى أطلال، تروي قصص الألم والصمود لشعب لم ينكسر رغم كل ما مر به.

بعد عامين من الحرب والدمار، حين انسحبت القوات الإسرائيلية من غزة، بدا الجنوب كأنه ظل مدينة منهكة، تتنفس بصعوبة بعد أن خنقتها النيران. لم يكن الانسحاب إعلانًا للنهاية، بل كان فصلًا آخر من الحكاية، فصلًا يكتبه الناجون على أطلال ما بقي لهم.

الشوارع كانت ممتلئة بالركام، مبانٍ متآكلة تقف كشواهد قبر على ما كان هنا يومًا حياة. الخرسانة المحطمة امتزجت مع التراب، رائحة الدخان والبارود ما زالت في الهواء، كأن الحرب رفضت أن ترحل معهم. في زوايا المخيمات، جلس الناس كأشباح أنهكها التعب والجوع، ينتظرون المجهول.

المستشفيات لم تكن إلا هياكل خاوية، وبعضها لم ينجُ من القصف. الأطباء كانوا يعملون بأقل القليل، يحاولون إنقاذ من بقي، بأدوية نادرة وأدوات متهالكة. كانت هناك محاولات لإدخال المساعدات، لكنها بطيئة، والمخازن التي وصلت لم تكن تكفي الأعداد الهائلة من النازحين والجوعى.

الجنوب الذي كان ملاذًا للنازحين أصبح الآن طعنة أخرى، فالأمان الذي هربوا إليه لم يكن أكثر من استراحة في طريق الموت. الناس كانوا ينامون تحت السماء مباشرة، يدفئون بعضهم البعض في ليالي البرد القارسة. الطعام شحيح، الماء بالكاد يكفي، والأمل… الأمل كان أثمن من كل شيء، لكنه كان يتلاشى كسراب مع كل يوم يمر.

في المخيمات، كان الأطفال بلا طفولة، عيونهم تحمل من الألم ما يفوق أعمارهم. النساء يسرن بين الخيام كأشباح، يلاحقن أخبار أحبائهن المفقودين، يتمسكن بأي معلومة، بأي وعد زائف بأن الحرب قد انتهت حقًا.

سجى لم تكن هنا لترى هذا الفصل من المأساة، لكنها لم تغب. كانت هناك في عيون كل من فقد، في كل يد امتدت لإنقاذ جريح، في كل صوت نادى باسم مفقود. الجنوب بعد الانسحاب لم يكن جنوبًا جديدًا، بل كان بقايا حياة تحاول أن تبدأ من جديد وسط الركام.

5 1 تصويت
Article Rating

أزيز الصمت - مديرة دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع

جزائرية الأصل والهوى، عالمة أحياء وأستاذة محاضرات دينية ومعلمة للقرآن والتجويد. كاتبة ومدققة، وأحمل الشعر في كياني، وقد حازت أعمالي على عدة شهادات أدبية في مجال القصص القصيرة والشعر، آخرها من مجلة نور الثقافية. كما شغلت سابقًا منصب رئيسة جمعية خيرية فرع الإناث بالتطوع.

مقالات ذات صلة

10 تعليقات
جيفارا
جيفارا
4 شهور

ازيزالصمت.
سلمت انا ملك، وزادك الله حكمةٍ وبلاغه.
لاشك ان مأسآة غزه هي الابشع في القرن الواحد والعشرين.
بل الاقذر على مر التاريخ.
هناك حروب عديده، ومئآسي عظيمه،حدثت في تاريخ البشريه،
لكن كان هناك فرص كثيره، لهروب الناس من ارض المعركه، والنجاة بأنفسهم واطفالهم ونسائهم.
لكن حرب غزة كانت استثناء.
لماذا؟
لأن ارض غزة هي عباره عن سجن كبير،
محصن من كل الاتجاهات.
سجن يسكنهُ اثنين مليون وثلاثمائة الف انسان.
تخيلي هذا العدد المهول من البشر،في مساحة
ضيقه لاتتجاوز ٣٥كيلو مترمربع.
محصورين يكابدون الجوع والضماء، ويعانون حرارة الشمس وبرد الشتاء.
ويواجهون الموت الزعاف ليلآ ونهاراً . براً وبحراً وجواً.
من عدواً لايرحم،ولايخشى في الله لومة لائم.
يالها من كارثه، ويالها من مأساة،لم يشهد لها التاريخ مثيلٌ.
انهُ الجحيم بذاته.
ازيزالصمت.
رغم انها روايه مأسويه،الا انها شيقه.
لقد صورةِ لنا مأساة غزه، ومايعانية اهلها بكل حرفيه، وبكل مسئوليه.
قلّ مانجد مثل هذا العمل الرائع، في مثل هذا الموقع.
احيي فيكِ ضميرك الحي، واشد على يديكِ بكل قوه.

دمتِ بخير.
✍/جيفارا.

صخر - مدير الإشراف والتواصل للمتفرقات والرواق الأدبي
صخر - مدير الإشراف والتواصل للمتفرقات والرواق الأدبي
4 شهور

الحرب مكان يتحول فيه البشر من إنسانيتهم إلى الوحشية وفيها تنكشف طبائع كثير من الناس على حقيقتها
نسأل الله أن يصلح حال المسلمين

Last edited 4 شهور by صخر - مدير الإشراف والتواصل للمتفرقات والرواق الأدبي
احمد علي
احمد علي
4 شهور

الحروب الحالية ليست شريفة بالطبع ، لسنا في زمن الفرسان ، نحن في زمن الجنود ، تغير مسمي الرجال ، وتغيرت مبادئهم ايضا ، كان الفرسان قديما يبعثون الامل حتي اثناء حروبهم ، اما الان فيستهدف الجنود المستشفيات واديرة الرعاية وكل شيء يختص بالنبالة ، الفرسان ، افضل من الجنود ، لكن الاثنان في النهاية رجال ، وما فضلهم عن بعضهم هي المباديء.. عمت مساءا

احمد علي
احمد علي
4 شهور

نعم طبعا يا أختي أنا أتفق معك بشكل كبير ، كلامك بالنسبة لي وللعامة يبدو منطقيا للغاية ، أنا بالطبع لا أتكلم عن الصهاينة ، الخوض في الأمور السياسية علي الساحة لا طائل منه ، لاشيء سيتغير ، كما أننا هنا لنهرب من الواقع ، ايضا علي احترام قوانين دولتنا الافتراضية ، فالمقصد هنا ، غير مختص بشيء علي الساحة ابدا ، المقصد ثقافي ترفيهي كتوجهات موقعنا المميز .

لكنني أتكلم فقط أن توصيف المقاتلين قديما كان يتم كنيهم بالفرسان ، أما التوصيف الحديث جندي ، الاثنان رجلان بالطبع ، هم في النهاية بشر ، لكن الزمن مختلف ، وايضا التطور ، والسلاح ، والفكر !

فكلما تطورنا ، كلما ازدادنا ادراكا وشرا ، ايضا مع تقدم الزمن يبتكر البشر افكار حديثة في النيل والأذي لم تكن موجودة لديهم ايام الدرع والسيف ، الترسانة الفكرية القديمة الي جوار العسكرية لم تكن كاليوم ، كل شيء يتغير يا صديقتي ويامديرتي العزيزة ، التطور يزداد ، والشرور ايضا !

لكنني أتفق معك فعلا في كل ماقلت ، كلامك صائب وصحيح ، الحروب دوما قاسية وتنال من الجميع علي حد سواء ، البشر يجب ان يغيروا طريقة تفكيرهم ، اصبح الواقع والكوكب منفرين للغاية فعلا ، بالنسبة لمحمد ابن عبدالله وبصفته قائدا عسكريا كان فرسان جيشه هم افضل من تقيدوا بالنبالة والاخلاق فعلا ، حتي اراقة الدماء والحروب كانت نبيلة عند البعض .. عمت مساءا

جيفارا
جيفارا
4 شهور
ردّ على  احمد علي

اخي احمد علي.
اتمنى ان تكون بخير.
اخي العزيز.
ليس هناك حروب شريفه بالمطلق.
من عهدهابيل وقابيل، مرورآ بآلاف الوقائع والحروب، التي حدثت في عهد الآشوريين ، والبابليين ،واليونان ، والفرس ، والرومان ، والفراعنه، والمسلمين ، والتتار، وحتى الحرب العالميه، الاولى والثانيه،وما اعقبها من حروب هنا وهناك.
كل تلك الحروب ليس لها اخلاق، فقد حصدت ارواح مئآة الملايين من البشر.
وتسببت في سبي واستعباد الملايين من الاطفال والنساء،والرجال الذين كانوا في يومٍ من الايام اسيادآ. واحرارآ.
فكم مدن دُمرت، ؟وكم مزارع احُرقت،؟
وكم نفوساً ازهقت؟وكم ملايين تشردت.؟
انها الحرب ياعزيزي.
لاوجود للأخلاق في اي حرب، وحروب المسلمين ليست استثناء.
لقد حدث في عهد النبي الكثير من الحروب والمعارك،
وكان الخصم المنهزم وكل مايملكه،من حلال، ومقتنيات، وضياع، وحتى النساء،
كُن غنيمه لجيش المسلمين.
فأين الاخلاق في هؤلا الذين تصفهم بالافضل؟
حتى النباله التي كان يسبغها الطغاه على بعض الفرسان.
ليس لأنهم نبلا حقآ، بل لانهم الاكثر دمويه في صفوف الجيش.

دمت بخير.

✍/جيفارا.

احمد علي
احمد علي
4 شهور
ردّ على  جيفارا

أهلا بصديقي العزيز جيفارا ، أعتذر منك صديقي ، أنا وللأسف لم ألحظ تعليقك الا للتو ، صدقت ، فعلا ، الحروب لا أخلاق فيها ، فالنساء تسبي وأحيانا يقتلن ، والاطفال أيضا ، والشيوخ ، الخ ، الخ ..

لكن مفهوم النبالة أثناء خوض الصراعات يجب أن يضاف لقاموس البشر لكي تكون الحياة أفضل حتي أثناء خوض الحروب ياصديقي ، الامر يقع علي عاتق المسؤولين عن أمن الكوكب ، المعذرة ، البشر لا يجيدون فعل ما اقول ولو كان صحيحا ، فقط يعيشون علي الرأي الواحد المتصلب ، احيانا الأراء الواحدة يمكن ان تتسبب في كارثة غير محمودة ، ككقنبلة هيروشيما تماما ، أتت من رأي واحد ، وقضت علي الكثيرين ، حتي أن من قذفها وللاسف أنتحر فيما بعد ، نحن البشر خلقنا لنساعد بعضنا في اتخاذ القرارات ، لدينا اكثر من قرار ، وهنا من بين كل هؤلاء قرارا واحدا فقط صائبا ويمكنك أن تعرفه لانه قرارا بلا اضرار ، اي قرار ينجم عنه ضرر لبشر ، لهو خاطيء ، ولو كان من اتخذه فيلسوفا .. عمت مساءا اخي

احمد علي
احمد علي
4 شهور

لي عودة.. عمت مساءا

زر الذهاب إلى الأعلى