مذبحة جونستاون.. أسرار الليلة الأخيرة

مقدمة

في قلب الغابة الكثيفة لدولة “غيانا” كانت هناك قرية صغيرة لا يعرفها العالم.. قرية منعزلة لا تصلها الطرق ولا تسمع فيها أصوات المدن.. فقط طنين الحشرات وصوت المطر الاستوائي الثقيل.. هناك بنى رجل اسمه “جيم جونز” ما وصفه لأتباعه بأنه الجنة على الأرض.. مجتمع بلا ظلم.. بلا عنصرية.. بلا فقر.

لكن الجنة التي وعدهم بها تحولت في مساء واحد إلى أكبر مقبرة جماعية عرفها التاريخ الحديث.

 في يوم الثامن عشر من نوفمبر عام 1978 استلقى أكثر من تسعمائة إنسان على الأرض في صمت ثقيل.. رجال ونساء وأطفال.. عائلات كاملة ماتت وهي تعانق بعضها.. وكأنهم كانوا يتهيأون للنوم لا للموت.

كان ذلك اليوم هو اليوم الذي دخل فيه اسم “جونستاون” إلى سجل الرعب الإنساني.. لا ككارثة طبيعية.. ولا كحرب.. بل كحادثة مروعة استطاع فيها رجل واحد أن يقنع مدينة كاملة بأن تشرب السم.

كيف حدث ذلك.. وكيف تحولت طائفة دينية صغيرة إلى مقبرة جماعية في قلب الغابة.. هذا ما سنحاول كشفه في هذه القصة التي ما زالت تفاصيلها حتى اليوم تقشعر لها الأبدان.

“الرجل الذي أراد أن يكون إلها”

blank

ولد “جيم جونز” في الولايات المتحدة الأمريكية عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين.. وكان منذ شبابه مولعاً بالدين والسياسة.. لكنه لم يكن واعظاً عادياً.. بل كان يمتلك كاريزما غريبة وقدرة غير طبيعية على التأثير في الناس. 

في خمسينيات القرن الماضي أسس جماعة دينية سماها “معبد الشعوب”.. وكان خطابه مختلفاً عن بقية الوعاظ.. فقد كان يدعو إلى المساواة بين البيض والسود.. وإلى مجتمع اشتراكي لا يعرف الطبقية.

في ذلك الوقت كانت هذه الأفكار جذابة للكثيرين.. خصوصاً الفقراء والمهمشين.. فبدأت أعداد أتباعه تتزايد بسرعة.

 لكن خلف هذه الصورة المثالية كان هناك شيء مظلم ينمو ببطء.

 كان “جونز” يطلب من أتباعه تسليم رواتبهم له.. ويطلب منهم قطع علاقتهم بأسرهم.. وكان يعقد جلسات طويلة يوبخ فيها من يعارضه أمام الجميع.. ومع مرور الوقت بدأ يقدم نفسه لا كواعظ فقط.. بل كمنقذ.. ثم كقائد مطلق.. ثم شيئاً فشيئاً كأنه إله لا يجوز الاعتراض عليه. 

“الهروب إلى الغابة”

في منتصف السبعينيات بدأت الصحف الأمريكية تتحدث عن ممارسات غريبة داخل جماعة “معبد الشعوب”.. عن ضرب وإذلال.. وعن أموال تختفي.. وعن أشخاص لا يسمح لهم بمغادرة الجماعة.

 عندها قرر “جيم جونز” أن يهرب بأتباعه بعيداً عن أعين العالم.. اختار بقعة نائية في غابات “غيانا”.. وهناك أسس مستوطنة زراعية أطلق عليها اسم “جونستاون”.. قال لأتباعه إن هذا المكان سيكون مجتمعاً مثالياً.. لا عنصرية فيه ولا ظلم.. جنة اشتراكية يعيش فيها الجميع متساوين.

وبالفعل انتقل مئات الأشخاص إلى هناك.. لكن ما وجدوه لم يكن الجنة التي وعدهم بها.. كان عليهم العمل عشر ساعات يومياً تحت الشمس الحارقة.. وكانت مكبرات الصوت تبث خطب “جونز” طوال اليوم.. وكان الحراس المسلحون يراقبون كل حركة.. أما جوازات السفر فقد صودرت.. ومن أراد المغادرة لم يكن يملك طريقاً للهرب وسط الغابة.

“ليالي الموت البيضاء”

blank

بمرور الوقت بدأ “جيم جونز” يتحدث عن فكرة مرعبة سماها “الانتحار الثوري”.

كان يجمع أتباعه في الليل ويخبرهم أن العالم الخارجي سيفتك بهم قريباً.. وأن أفضل طريقة للموت بكرامة هي أن يختاروا موتهم بأنفسهم.. وفي بعض الليالي كان يعطيهم مشروباً ويقول إنه سم.. فيشربه الجميع وهم يبكون ويودعون بعضهم.. ثم بعد دقائق يخبرهم أنه مجرد اختبار للولاء.

 كانت تلك التدريبات تسمى “ليالي الموت البيضاء”.. ومع كل مرة كان الخوف يقل.. وكانت فكرة الموت الجماعي تصبح أكثر قبولاً.. وهكذا.. دون أن يشعروا.. كان “جونز” يدربهم نفسياً على النهاية التي كان يخطط لها.

“زيارة لم يكن يجب أن تحدث”

في عام 1978 وصلت إلى الكونغرس الأمريكي شكاوى من عائلات تقول إن أبناءها محتجزون في “جونستاون”.

 فقرر النائب الأمريكي “ليو رايان” السفر بنفسه إلى “غيانا” ليرى الحقيقة.. وصل مع مجموعة من الصحفيين وأقارب الأعضاء.

 في البداية بدا كل شيء طبيعياً.. موسيقى.. احتفال.. أناس يبتسمون.. لكن خلف الابتسامات كان هناك خوف.. في الليل تسلل أحد الأعضاء وسلم الصحفيين ورقة صغيرة كتب عليها جملة قصيرة.. أرجوكم أخرجوني من هنا.. كانت تلك الورقة بداية النهاية.

“إطلاق النار في المطار”

blank

عندما أعلن “ليو رايان” أنه سيعود ومعه بعض الأعضاء الذين يريدون المغادرة.. انفجر الغضب داخل المستوطنة.

 وفي المطار.. قبل أن تقلع الطائرة.. وصلت شاحنة تقل مسلحين من أتباع “جيم جونز”.

 فتحوا النار فجأة..

سقط النائب “ليو رايان” قتيلاً مع عدد من الصحفيين.. وأصيب آخرون وهم يهربون بين الطائرات.. في تلك اللحظة أدرك “جونز” أن النهاية اقتربت.

“اللحظة التي ماتت فيها المدينة”

بعد ساعات قليلة جمع “جيم جونز” جميع سكان المستوطنة في الساحة.. كان صوته هادئاً وهو يقول لهم إن الحكومة ستهاجمهم قريباً.. وإن العدو سيعذب أطفالهم.. وإن الموت هو الطريق الوحيد للحفاظ على كرامتهم.

ثم أحضروا حوضاً معدنياً كبيراً.. وضعوا فيه شراباً ممزوجاً بمادة “السيانيد”.

 بدأ بالأطفال أولاً..

 كانت الأمهات تمسك بأطفالها بينما يضع الحراس السم في أفواههم.. بعضهم بملعقة.. وبعضهم بحقنة.. ثم جاء دور البالغين.. بعضهم شرب وهو يبكي.. بعضهم حاول الهرب.. لكن الحراس المسلحين كانوا يحيطون بالمكان.. وخلال دقائق قليلة بدأت الأجساد تسقط على الأرض.. صرخات.. بكاء.. ثم صمت.

blank

 عندما وصلت القوات في اليوم التالي كانت الأرض مغطاة بالجثث.. أكثر من تسعمائة إنسان ماتوا في ليلة واحدة.. كان كثير منهم يحتضنون أطفالهم حتى اللحظة الأخيرة. 

أما “جيم جونز” فوجدوه ممدداً على الأرض.. رصاصة في رأسه.. ولا أحد يعرف حتى اليوم هل أطلقها على نفسه.. أم أطلقها عليه أحد أتباعه.

ختاما 

مذبحة “جونستاون” ليست مجرد قصة عن طائفة دينية متطرفة.. بل هي درس مرعب عن قوة السيطرة على العقول.. عن الكيفية التي يمكن بها لفكرة واحدة.. أو لرجل واحد.. أن يقود مئات البشر إلى النهاية دون مقاومة.. لقد مات في تلك الغابة أكثر من تسعمائة إنسان.. بينهم ثلاثمائة طفل.

 لكن السؤال الذي بقي حياً حتى اليوم ليس لماذا ماتوا.. بل كيف استطاع رجل واحد أن يقنع مدينة كاملة بأن تموت معه.. ربما لأن أخطر السجون في العالم ليست تلك المصنوعة من الحديد.. بل تلك التي تُبنى داخل العقول.

تحرير، تنسيق وإشراف: رنين.

0 0 الأصوات
Article Rating
المصدر
1.. Jonestown Massacre .. Encyclopaedia Britannica2.. Jonestown Massacre .. History Channel3.. Jonestown Massacre .. National Geographic

باسم الصعيدي

باسم عبد المجيد : كاتب من صعيد مصر.. بدأ رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي".. يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي.. ليقدّم نصوصًا تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل : 12bassem22@gmail.com

مقالات ذات صلة

guest
2 تعليقات
بنت بحرى
بنت بحرى
31 دقيقة

يخرب بيت الكاريزما القيادية ولعنة الله على القدرة على الحشد الجماهيرى!
بمجرد قرأتى لصفات هذا جيم جونز تذكرت جمال عبد الناصر… رغم انهما من عالمين مختلفين تماما…فقد امتلك الاول قدرة غريبة على اقناع اتباعه أن ينتقلوا الى الادغال ويتركوا بلدانهم وفى نهاية المطاف اقنعهم بالانتحار الجماعى !
اما الثانى فحدث ولا حرج..كان اسم الله عليه يتمتع بكاريزما جبتنا الأرض وخسرتنا الارض حرفيا..تأثيره كان عابر للحدود والقارات..لم يكن تاثيرا محليا خاص بمصر بل امتد ليشمل العالم العربى كله..كان عنده قوة حضور طاغية خصوصا عند القاء الخطابات التى يستمع لها الكبير والصغير كما ولو كانت حفلة من حفلات الست ام كلثوم …كان ابن نكتة ويمتلك روح دعابة وكان يدرك قوة النكتة المصرية ويستخدم السخرية الذكية أحيانا لتوصيل رسائله السياسية أو لتخفيف حدة المواقف الصعبة..وكانت تلك القفشات تنول إعجاب العامة وتجعلهم يضعون الزعيم فوق رأسهم رغم الفساد الذى عم البلاد.
سمعت له خطبة ذات مرة كان يتحدث عن
تهديد امريكا له بقطع المساعدات فقال (إن مصر تستطيع الاستغناء عنها. وأنها ستوفر هذه الأموال “على الجزمة”) هو يعلم علم اليقين ان مثل تلك العبارات الرنانة الجوفاء تثير الحضور وتنتزع منهم القهقهة .. ثم يغطون فى سبات عظيم .. لا يستيقظون منه حتى حدوث النكسة 💔

كلاهما كان ذكيا واستخدما سلاح الذكاء للوصول الى اهدافهما…عبد الناصر كان يدرك ان الشعب يحب القائد بثوب (ابن البلد) واحد منهم…شبهم..يتكلم لغتهم العامية البسيطة…لا بهاب الاعداء…قادر على اخذ حقه بيده (زى فريد شوقي زمان كدة) ..كل تلك الامور كانت تجعل المواطن الغلبان يشعر شعورا وهميا انه صاحب البلد وانه انتصر على الاعداء بمجرد سماعه لخطبة الزعيم العصماء!
حتى عندما حدثت النكسة وارد التنحى خرجت الحشود الغفيرة لتهلل له (ياجمال يا حبيب الملايين!)
الكاريزما حين تتحول إلى (تأليه القائد)..تصبح نقمة..فالجميع يلغى عقله طالما عقل الزعيم يعمل! يلغى اهدافه طالما اهداف الزعيم تتحقق!

الخاتمة التى انهيت بها مقالك اخى باسم لامست وترا حساسا هو جوهر الموضوع كله فعليا..فالخوف الحقيقي في “جونستاون” لا يكمن في استخدام القوة أو السلاح لإجبار الناس على الموت..بل في القبول والرضا بكامل الارادة التى تحول 900 إنسان من كائنات تمتلك غريزة حب البقاء
الى روبتات تنفذ عن طيب خاطر امر بفنائها وفناء أطفالها!
شكرا لقلمك ونبضه الذى يصل القلب
قبل العين.🌹
سلام 🌹

بنت بحرى
بنت بحرى
2 ساعة

( كان “جونز” يطلب من أتباعه تسليم رواتبهم له)… عملها ازاى دة؟ حتى نعطى الطريقة للزوجات لاقتناص مرتبات الأزواج😉
لى عودة للتعليق 🌹
سلام 🌹

زر الذهاب إلى الأعلى
2
0
Would love your thoughts, please comment.x