أشباح النيل

في قرية يلفها الخطر ويسيطر عليها الرعب منذ زمن بعيد، تحوّل النيل من راعٍ وساقٍ إلى الخطر الحقيقي الذي يهددها. 
حيث ولدت لعنة غامضة حوّلت حياة السكان إلى جحيم. ومع ازدياد معدلات الفقر وتدهور الأحوال المعيشية، وجد السكان أنفسهم مضطرين للبقاء في هذا الكابوس، كأنه سجن فُرض عليهم.

_بداية اللعنة
قرية “التي” واحدة من قرى النيل الأزرق في السودان. ولهذه القرية قصة غامضة بدأت في العام 1986م، عندما قرر أحد المشايخ الروحانيين واسمه “الكباشي” أن يضع حداً لحوادث الغرق التي تحدث سنوياً في قرية “التي” والقرى المجاورة. 
كان يغرق سنوياً ما يصل إلى عشرة أطفال في النيل. وزعم الشيخ أن الجن هم من يقومون بإغراق الأطفال. ولمعالجة هذه المشكلة، عزم على استخدام “أحجاره المباركة” – حجارة تقتل الأشباح وتحمل طاقة الحماية حسب زعمه.

وما لبث أن بدأ رحلته في رمي الحجارة في النيل، وهو يمر بالقرى متجهاً نحو قرية “التي”، حتى نفدت أحجاره في منطقة تقع وسط القرية. فأطلق عليها السكان اسم “القصيرة” لأن الأحجار “قصّرت” بها.

جمع الشيخ أهالي القرية وهو يشعر بالقلق، وأخبرهم أن الجن ينوون الانتقام بسبب قتل أسرهم. وحذرهم من ترك أطفالهم يسبحون في النيل. 
ثم توفي بعد يومين، وكانت وفاته غامضة.

_تجاهل التحذير والثمن
مرت الأيام والشهور، وتناسى السكان الشيخ وتحذيراته، بل نسوا الأمر برمته. 
حتى حل فصل الصيف بحرارته الشديدة، وبدأ الأطفال يتوافدون إلى النيل: جزء يسبح، وجزء يلعب بالكرة، وآخرون يصطادون. 
وفجأة غرق طفلان دفعة واحدة.

ومع مرور السنين، عجز السكان عن حل مشكلة غرق الأطفال. كانت تتمحور في كيفية منعهم من الذهاب إلى النيل، وهم لا يدرون حجم الخطر الكامن في الماء بسبب نسيانهم لكلام الشيخ الروحاني.

فاقترح السكان ترشيح أربعة رجال لحراسة شاطئ النيل بالتناوب ومنع الأطفال من السباحة. وقاموا ببناء غرفة صغيرة بجانب الشاطئ وتزويدها بكل سبل الراحة للمبيت فيها. ونجحت الفكرة، وكاد العام الجديد أن ينتهي دون حوادث غرق.

ولكن ما حدث بعدها كان أشبه بالانتقام حيث فاضت مياه النيل فجأة في إحدى الليالي المظلمة، وشكلت سيلاً جارفاً هدم المباني وخلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات ولم يكن شيئاً غريباً ارتفاع مناسيب مياه النيل بين شهري سبتمبر ونوفمبر ولكن الاغرب ما حدث أثناء الفيضان.
تعالت أصوات الصراخ والنحيب، وزعم البعض أنهم شاهدوا كائنات غريبة تخرج من الماء وتهاجمهم، وقد نجحت في قتل بعضهم.

حل الصباح ثقيلاً على أهالي قرية “التي”. مات حوالي سبعة أشخاص، وجُرح اثنان وعشرون، وآخرون صاروا بلا مأوى. 
عقد شيخ القرية اجتماعاً طارئاً للتحاور فيما حدث. فتذكر أحد المسنين اسم الشيخ “الكباشي” وتساءل الناس: هل كان كلامه صحيحاً بخصوص انتقام الجن؟ 
فقد مرت 25 سنة ولم يظهر ما يدل على صحة مزاعمه. وانتهى الاجتماع دون الوصول إلى نتيجة.

_نهاية اللعنة واكتشاف الحقيقة
زار القرية أحد الشباب القادمين من العاصمة. شاب يدعى “أيمن” يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً. استضافه “هاشم” ابن شيخ القرية ليقضي معه جزءاً من إجازته، ويجدد حياته بهواء القرية النقي بعيداً عن صخب المدينة المزعج.

وأثناء مكوثه، قابله الأهالي بحفاوة كبيرة وأكرموه. ولم يشعر أبداً أنه غريب عنهم، فقد كان يحس أن ثمة شيء يربطه بتلك القرية.

وفي أحد الأيام، رأى حلماً غريباً: رجل عجوز يقف في النيل ويدعوه للاقتراب. وعندما اقترب منه “أيمن”، أمسكه الرجل وسحبه إلى داخل المياه حتى بدأ يختنق. استيقظ وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. 
أخبر صديقه بما حلم به، فسخر منه وبرر خوفه من الماء سبباً لهذا الحلم، ودعاه لزيارة النيل في الصباح للتخلص من مخاوفه.

وفي اليوم التالي، اتصلت والدته للاطمئنان عليه. وعندما أخبرها بأنه متواجد في قرية “التي”، أُغمي عليها وسقط هاتفها وتحطم.

في تلك الأثناء، غادر الصديقان متجهين إلى البحر. دخل “هاشم” أولاً ودعا “أيمن” للدخول. وما إن داست قدمه المياه حتى تبدلت الأجواء وساد الصمت. 
وعندما وصل إلى المنتصف، أمسك جسم مجهول بيد “أيمن” فصار يصرخ ويستنجد. بينما حاول “هاشم” إخراجه عبثاً. 
وبلحظات اجتمع بعض سكان القرية القريبين من النيل وهبوا لمساعدة الشابين، وسحبوا “أيمن” دون جدوى. حتى تحولت المياه إلى اللون الأحمر.

صرخ “أيمن” وطلب من الجميع المغادرة، وأخبرهم أن الشيء الذي يمسكه لن يتركه. فقد انفصلت ذراعه وما زال يمسكها. 
بعدها ابتلعته المياه وسط دهشة وصدمة السكان.

_سر العائلة
عندما وصلت والدته إلى القرية وأبلغوها بغرق ابنها “أيمن”، أخبرتهم أنها ابنة الشيخ “الكباشي” الوحيدة. 
وأن والدها طلب منها مغادرة القرية قبل 25 عاماً، بعد أن أخبره الجن بأنهم سيقتلون جميع أفراد عائلته انتقاماً لقتله قبائلهم بأحجاره الكريمة. 
وأعطاها صندوقاً يحتوي على كتبه وأسراره، وأكد عليها تسليمه لحفيده “أيمن” عندما يبلغ عامه الثلاثين، حتى يصير خليفة له ويعود لإكمال ما بدأه. وطمأنها بأنه سيحاول جاهداً منع الجن وتضليلهم عنهم إلى أن يصلوا للعاصمة.

وبعد أن قصت عليهم حكايتها، أصيبت بنوبة قلبية حادة ماتت على أثرها.

*الخاتمة*
وبوفاة آخر فرد من عائلة الشيخ الكباشي، انتهت اللعنة. ولم يعد الأطفال يغرقون في النيل. 
وظلت منطقة “القصيرة” غامضة إلى يومنا هذا، وتشهد ظواهر غريبة وظهور كائنات مرعبة. 
وما بين مصدق ومكذب، أصبحت منطقة “القصيرة” جزءاً من التراث الثقافي للقرية إلى يومنا هذا وتظل حوادث الغرق واردة في اي مكان بالنيل من منبعه بفكتوريا إلى مصبه باقاصي مصر ولكن
هل جميعها بسبب الأشباح..
وهل النيل يختار ضحاياه..
هل سبق ان زرت النيل وشعرت بشئ غامض..

ملاحظة : هذه القصة من حكايات القرية المتنقلة عبر الأجيال قمت بتجميعها وتدقيقها وعمل قصة منها

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x