أصوات
عدت إلى منزلي مثقلاً بالهموم و الديون و الخجل و الألم , لأجد أم جمال في الصالة تنتظرني بتلك الابتسامة الخجولة اللطيفة و تلك النظرات العطوفة الحنونة و بذلك الشوق الواضح , أحسست بالفرح و السرور و نسيت جميع معاناتي لثوانٍ معدودة ما كادت أن تبدأ حتى انتهت عندما سألتني :
ماذا سنتعشى ؟ لماذا لم تحضر حفاضنات عزيز؟ و دواء عزة ؟ و إن كنت رأيت أخاها الذي يبحث عني لأمر طارئ ؟ و و و و , تجاهلتها و دخلت غرفة النوم دون أن أنبس ببنت شفة, استلقيت على ظهري مقابلاً سقف الغرفة, تسللت الدموع على خدي و بدأت الأفكار تدق أبواب عقلي في ازدحامٍ مؤلم , عادت الأصوات مجدداً :
الصوت العالي (صوت العقل) : يا أبا جمال مالك و هذه الدنيا ؟ ماذا بقي لك فيها ؟ انهي حياتك فيها و أبحث عن الراحة و السكينة الأبدية ..
الديون تلاحقك بعد أن كنت من أكبر تجار المدينة, أصبحت تسكن سرداب أحد العمائر المجاورة للمقابر المهجورة في غرفة واحدة و صالة .. و أنت الذي سكنت قصراً من ثلاثِ و عشرين غرفة سابقاً , ابنك الأكبر جمال هرب من البيت بعد أن أدمن المخدرات , ابنتك ذات الخمسة عشرة ربيعاً عزة تصارع ذاك المرض اللعين الذي تعجز حتى عن شراء دواء مسكِّن لتهدئة نوبات ألمها ..
أهلك تبرؤوا منك بعد اتهامك بالاختلاس , و أصدقاؤك أنفضوا من حولك و تنكروا لك بعد إعلان إفلاسك و نسوا كل الخير الذي أغرقتهم فيه, و لا تنسى الأشخاص الذين يطالبونك بديات و تعويضات ضخمة لأفراد عائلاتهم الذين سقطت عليهم عمارتك التي بُنيت بالمواد المغشوشة , و بالطبع لا تنسى حقيقة أنك أصبحت عاجزاً عن توفير وجبات الطعام اليومية لهذه العائلة الصغيرة التي لم تعد …
( يقاطعه صوت خافت من بعيد)
الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا تنجرف وراء هذه الأفكار السلبية يا أبا جمال , كن عبداً حامداً و صابراً فقد كانت الدنيا بأمر ربها مُسخَّرة لك من قبل هذه الأزمات المارقة , و ستعود لك بالصبر و الحمد و الشكر لله , هوِّن الأمر عليك فهناك من هو أسوأ حالاً منك و ما بعد العسر إلا يسر ..
الصوت العالي (صوت العقل) يضحك باستهزاء : و هل هناك من هو أسوأ حال منك ؟ كل مصائب الدنيا تواعدت أن تلتقي بعضها فوق رأسك .. يا أبا جمال إنك قد أُرهقت حد الألم من هذه الدنيا و هي أيضاً تعبت منك فقد أصبحت صفراً زائداً في معادلتها و أصبحت حياتك عبئاً على الحياة ..
تحرر … تحرر … من هذا الألم و اتبعني لهذا الطريق الأبيض الذي لا أفكار متنازعة فيها و لا ديون و لا هموم و لا مشاكل و لا ….
( يقاطعه ذلك الصوت الخافت مجدداً بعد أن أصبح أبعد و أهون ) :
– الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا يا أبا جمال مازالت الحياة تحمل الكثير لتقدمه لك, كما أنت تملك الكثير لتقدمه لها …
الصوت العالي (صوت العقل) : نعم مازالت الحياة تحمل لك بعض باقات من الخيانة و الألم و الندم و الحزن و الهم و التعب و الخزي و العار , و أنت مازلت تحمل لها الكثير من الغباء و السذاجة التي ستوصلك لهذه النهاية عدة مرات أخر , لك الخيار في أن تتبع درب الخلاص المليء بالراحة و النقاء أو درب الأعباء و البقاء في دنيا الشقاء .. و لتعلم أن انتحارك هو انتقامك الوحيد لجميع من قاموا بإيذائك …
– الصوت الخافت ( صوت مجهول) : لا تغرينك فكرة أن موتك هو انتقامك الأقسى يا أبا جمال , فأنت هنا تنتقم من نفسك فتخسر آخرتك كما ستخسر دنياك , عش حياتك .. أصلح اعوجاجها بحمدٍ و صبر و سييسرك الأمر , فربما تربح دنياك مجدداً و تنال جزاء صبرك الجنة …
الصوت العالي (صوت العقل) : أضحكتني بأفكارك المناقضة للواقع … هل تعتقد أن هذا الكم من المشاكل و الصعاب سيحل بالأمل و التفاؤل ؟؟
الصوت الخافت ( صوت مجهول) : ( و قد أصبح بالكاد يسمع ) لا لا تصدق هذا الـ……
صرخت بأعلى صوتي : أصمتا .. أصمتا لم أعد أريد سماعكما … فقد اتخذت قراري .
خرجت من غرفتي بعينين دامعتين , قبلت طفلَي و حضنتهما حتى ارتوى صدري من دفئهما و دَّعتُ أم جمال و قبلت جبينها بدون أن أرد على أي تساؤل منها , أقفلت الباب خلفي لآخر مرة و أنا أتلمس بهدوءٍ و بطءٍ مقبض الباب المهترئ , و ما إن خرجت من السرداب حتى شدَّني منظر تلك العمارة المهجورة المكونة من خمسة طوابق في بداية الشارع , ذهبت إليها , دفعت بابها بهدوء و دخلت , بدأتُ بالصعود للأعلى و عند كل دور ينتابني الخوف و أكاد أعود راكضاً لزوجتي و طفلاي,, حتى يظهر ذلك الصوت مجدداً :
الصوت العالي (صوت العقل) : ها ! ماذا ؟ هل سنتراجع الآن و قد بلغنا من الأمر ما بلغنا ؟ هل سنعود للديون و الهموم و الخزي والعـ……
قاطعته بشدة حسناً .. حسناً , اصمت .
أكملت مشواري و أنا في صراع داخلي حتى وصلت للدور الخامس ,,, نعم هذه هي النهاية لشقائي و عذابي , و البداية الجديدة لحياة نظيفة … مسحت دموعي المنهمرة .. حسناً باقي خطوة … يا سلام !! إنها طريق بيضاء سالكة إلى أين تؤدي يا ترى ؟ و خطيت تلك الخطوة اليتيمة .
ما هذا ؟ إنني أهوي في ظلمة موحشة لا نهاية لها ! إنها مليئة بالنيران و الأجساد المتفحمة الصارخة ,, يا إلهي إن جلدي يحترق , ما هذا الألم ؟! ما هذه الرائحة الكريهة ؟ ما هذه الحرارة التي تسري في جسدي ؟ ما هذا الـ… (صوت ضحكٍ يقطع تساؤلاته )
الصوت العالي (صوت العقل) : هل أعجبتك البداية الجديدة ؟؟
أبو جمال : أنت صوت عقلي و قد خنتني لماذا ؟
الصوت العالي : لا يا عزيزي أنا لست صوت عقلك , أنت قتلت صوت عقلك بتجاهلك له حتى لم تعد تعرفه و أصبح مجهولاً بالنسبة لك , و سميتني بإسمه .
أبو جمال : من أنت ؟و لماذا جئت إلي ؟ ماذا فعلت بك ؟
الصوت العالي : سؤالك سخيف يا أبا جمال , من أنا ؟ أنا الشيطان
لماذا جئت إليك ؟ يأسك و قنوطك من رحمة ربك هو من جذبني إليك , فقد رأيت فيك فريسة سهلة , تسهل علينا عملنا كشياطين بإرسالكم إلى النار خالدين مخلدين فيها ..
أما ماذا فعلت بي ؟ لا شيء شخصي يا صديقي , مجرد عمل , و قد أتمته على أكمل وجه .. وداعاً الآن هناك يائس أخر ينتظرني ..
الموت هو بداية محتومة خالدة , و نافذة تفُتح لنا إلى عالم عظيم , و لكلٍ منا وقته الذي لا مفر منه و عمله الذي سيحدد كيف تكون بدايته , فلا تستعجلوا و تفتحوا مداخل لأبليس و جنوده و اعملوا لآخرتكم .
جــميييل جــدا اسـتمـتعـت بالقـراءة…
الـحـمـدلله ع كـل حـال
Sweetboow
أهلاً بك, الفائدة والمتعة هو المزيج الذي أسعى إليه في كل حرف أكتبه, أسعدني أن القصة أعجبتك وأسعدني أكثر تشجيعك لي, أما ما ملء قلبي سعادة فهو انتظارك لشيء جديد أكتبه.
ودي وتقديري واحترامي لك
تحياتي
سيدتى فتاة الصحراء …. القصة مش متواضعة بالعكس جميلة ومفيدة …
فى انتظار ابداعاتك دائما
شكراً لكل من علق على قصتي المتواضعة, ولمن شجعني أيضاً 🙂
دمتم بود وسرور
تحياتي
رائعة اعجبتني
موضوع ائع صراحة وشكرا..
تمنيت أن النهايه سعيده على الأقل. .
المهم واصل/ي
لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين.
لا اله الا الله محمد رسول الله.
اللهم صل على محمد.
استغفر الله.
لا حول ولا قوة الا بالله ولا منجى من الله إلى اليه♡
ريم الكيوت: يشرفني عزيزتي أن أزوركم في المقهى…
سأمر من وقت لأخر..
دمتِ بود
تحياتي
فتاة الصحراء شو رايكي تروحي على مقهى كابوس بتتسلي
السلام عليكم,,,
ملكة نفسي, بنوتة سفروتة (ظل), مروة, كرستال, بدر , ميليسيا جيفرسون…
أشكر تواجدكم وتشجيعكم لي أحبتي, سعيدة جداً أن القصة أعجبتكم…
طبتم وطابت أيامكم
تحياتي
بالمناسبة هذه القصة تركت اثرا لا يمحى في نفسي لانني مررت بنفس تجربة ابا جمال حاولت الانتحار لانني لم احصل على درجات جيدة في الصف التاسع ولكن حمدا لله تراجعت عن تلك الفكرة الشيطانية في اللحظة الاخيرة و درست بجد حتى حصلت على درجة عالية و لم اعد افكر بأذية نفسي ابدا اعجبني اسلوبك
من اروع ما قرأت
روووووعه
حلوة جنن كتير حلوة
ممتاز B-)
فعلا ابليس دائما يلعب في مخاخ اليائسين فاقدين الامل في الله..
قصه معبره حكيمه..
تحياتي.
وااااااااو رووووووعة استمري
الخاتمه تلخص القصه وهي حقيقه يجب على الانسان الا يفقد الامل وثقه بربه. اعجبتني شكرا للكاتبه