أغنية الضباب
للتواصل : sarabereir099@gmail.com
العالم يدور .
صباح ، مساء .
ضوء ثم ليل .
ظلام و فجر .
لا .. لا .. إنه يرقص و أنا متأكدة من هذا ، نغماته واضحة – خصوصاً في الصباح ، عندما أتنفس رائحة أشجار البرتقال و حين يقبلني أبي ، فتأتي القبلة كقذيفة تحط أينما تقع ، عيني ، خدي أو أنفي.
إن العالم يلف و يدور عندما أضع السماعات في أذني و يتطاير شعري الأسود خلفي ، و يُسرع حين أستغل دراجتي الوردية ، هي كانت زرقاء في الواقع و أنا غيرت لونها و جعلتها تنبض بالحياة لترتفع .
تبدأ أولى النغمات في الصباح من جارنا مارتن :
” ابتعدي أيتها الحمقاء من أرضي ، تباً لك و لوالدك سيرا “.
” سينمو مجدداً – أبتسم مارتن “.
و العم مارتن لا يبتسم أبداً ، كأنه خُلق ليكون عابساً في وجه الصباح .
كل يوم أحاول أن أتجنب عشبه لكن لا أستطيع ، ففناء منزلنا مدحرج على باحته مباشرة و ليس على الشارع ، و أكون مُسرعة و على عجلة من أمري فأفقد التحكم و الرجل مهتم بعشبه أكثر من اهتمامه بزوجته .
كل هذا لا يهم طالما أنني أضحك و أتناغم مع العالم لنتمازج سوياً في لوحة مُكتملة ، تخللتها أشعة الشمس الذهبية و طريق ترابي تشقه دراجتي الهوائية – و أُسرع ، كنسر أُحلق ، ليُسرع العالم بدوره و يُنشد .
و قد تخللت هذا النشيد ألحان شاذة متمثلة في أخي رفاييل ، الفوضوي و الصاخب ، لقد كان كارثة ، لا يكترث بأي كان .
ذات يوم طرق رجال الشرطة بابنا ، رأيت سيارتهم تتوقف ، تحدث معهم العم مارتن لبرهة ، هذا الرجل غير معقول أبداً و فضولي ، أعلم ينُمُ به الآن ، قلت لرفاييل :
” هيا اختبئ إنهم عند الباب “.
همس رفاييل :
” لا تدعيهم يفتشوا المنزل ، أعرفي حقوقك ” .
” حسناً اذهب “.
و عندما اختفى رفاييل في غرفته ، ابتسمت ببراءة و فتحت الباب :
” هاي “
كان الشرطي في عقده الرابع ، تفحصني ثم سأل :
” مرحباً أيتها الشابة ، هل والدك في المنزل ؟ “.
أجبته بتحفظ و اختصار :
” لا “.
نظر حول المنزل مستطلعاً ، لا يوجد شيء إلى ماذا يحدق ؟.
” أخوك رفاييل كسر معصم أحد الأولاد ، لذلك إن كان في الداخل استدعيه الآن “.
لقد كنت أعلم هذا ، تشبثت بمقبض الباب ، لا يمكن أن يدفعني و يدخل – لن يقتحم المنزل ، ليس معه مذكرة اعتقال أو تفتيش ، أعرفي حقوقك ، قلت بثبات :
” أنا لا أعلم أي شيء سيدي ، و إن كان هناك من تأذى يؤسفني هذا و أنا أعتذر – جداً “.
” أسمعي أيتها الصغيرة ” تأفف بنفاذ صبر ثم قال :
” من الأفضل لرفاييل أن يأتي للمركز بقدميه و إلا سيذهب للإصلاحية و لن تريه قريباً “.
أصدر أمره و غادر بهدوء ، سبق و أن وُضع رفاييل في الحجز لعدة مرات بسبب القيادة المتهورة ، و مقاومة الاعتقال و قد أصبح مشهوراً بين رجال الشرطة .
تلت هذه الحادثة عدة هفوات و عندما ضاق به القاضي ذرعاً وضع إسورة على قدمه اليمنى ، الآن يتحرك فقط في محيط المنزل ، سيبقى على هذه الحال لعدة شهور .
بمرور أسبوع من حجزه في المنزل كان قد جُن تماماً ، ذهبت إليه في غرفته لأسليه :
” لا ينفع ما تفعل ” قلت له و أنا أراه يضع سلك كهرباء على الجهاز ” مقاوم للكهرباء و الحرارة . حتى و إن نجحت في دقيقتين ستجدهم هنا و هذا ما لا يريده أبي ” .
” أنت سعيدة أليس كذلك ؟ بحق الرب ، لا بد و أنك كذلك سيرا ” .
كانت غرفته غارقة في الفوضى كمخبأ جرذ ، تجاهلت كومة الثياب على الأرض و تجاهلت عداءه الصريح ثم قلت :
” رفاييل أنا شقيقتك ، هذه حقيقة لا يمكن تغييرها و أنا أحبك بالرغم من فظاظتك و أفعالك ، لقد غطيت عليك عدة مرات – مثلاً عندما ضربت ابن عائلة غاتس و – “
” هيا أخرجي ، أغربي عني ، تظنين أنك ملاك ؟ حسناً أنا الفاشل ، لا تأتي إلى هنا مجدداً ، تباً لك سيرا “
هكذا كنت و شقيقي حتى كبرنا ، هو انفجاري يتحرك دون هدف و أنا أسكب الماء على تلك الحمم علها تنطفئ .
أما أبي فقد عاش في عالمه الخاص ، يخرج في الصباح و يأتي ليلاً ، يضع المال الذي نحتاجه في المطبخ و يخرج في الصباح هكذا .. لا أذكر له أي حسنة أخرى .
ظننت أن وفاة أمي أحدثت شرخاً في حياته – كنت مخطئة ، فقد تزوج دون إخبارنا ، و ابتعد عنا كل سنة حتى وجدتني و رفاييل وحيدين ، كلانا بحاجة الآخر .
ثم أدركت شيئاً ، أن ابتسامتي في وجه الصباح خبت ، دون أن أشعر أو ألحظ اختفى حماسي و بهُتت فرحتي ، وجدتني أكبر قبل قريناتي ، قبل أواني بكثير كبرت .
في هذا الوقت بالذات ابتعد رفاييل عني و سقط في الهاوية ، صار عكس والدي تماماً ، يخرج ليلاً و يعود في الصباح – ينام لعشرة ساعات ثم يخرج مجدداً .
ذات يوم أطفأت جميع الأنوار و ربضت في طرف الغرفة بانتظاره ، في الظلام طيلة الليل ، و لم يعد ، كنت أراقب الزمن و الشارع الخالي ، عندها رأيته ينزل من شاحنة متهالكة بضجيج خافت .
أشعلت الضوء بمجرد دخوله ، أجفل ثم قال :
” هل من مشكلة ؟ “.
” المشكلة هي أنت ، نعم الشرطة لا تلاحقك ، هذا لا يعني أنك بعيد عن المشاكل “.
ابتسم و قال :
” غريب أمرك سيرا ، من المفروض أن تكوني فرحة من أجلي “
لم يكن ثملاً ، لا أثر لندوب أو عراك كما توهمت ، كان نظيفاً – و مرتباً ، تنبعث منه رائحة حلوة – هذا ما أربكني .
– أنا أحتاجك ، اشتقت لوجودك قربي .
صرحت به و قد هزمني الضعف ، و غلبتني الوحدة ، اقترب مني و احتضنني ، في حقيقة الأمر أنا لم أكن مشتاقة له فهو هنا كل يوم ، أنا أفتقد أبي و أمي ، و أشتاق لكل بسمة صباح و صوت لطفولة.
بقي رفاييل كلغز ، غامضاً – غير مكترث ، بينما غرقت أنا بدوري في حياتي العابرة .
اشتركت في فرقة الموسيقى في الثانوية ، ظننت أنني أمتلك صوت جميل ، هكذا كُن رفيقاتي يقلن . و حبيبي سايمون هو من شجعني على هذه الخطوة ، كان يستمع باهتمام عندما أغني ، كان يقول :
” أظن أن العالم بحاجة لصوتك “.
كنا نتسكع خارج المدينة ، ابتسمت له بينما أتأمله ، توهجت حدقتيه البنيتين عصراً فكانتا كشمسين تغربان معاً في بحر صاف ، قلت :
” في الواقع ، العالم بحاجة لنوعك “.
و غمزته ، كان سايمون مكملاً من كل شيء ، لم أرى فيه شائبة ، كنت هائمة في فضاءه اللامتناهي ، لقد أخذ سايمون بارو من كل جزء من الحياة ، إن علماً فهو نابغة ، إن كان هدوءاً هو سيده ، إن كان حباً فهو منبع العاطفة ، انجذبت إليه دون أن أشعر ، وجدتني على شاطئه أرسو و أطوي الأشرعة .
في حصة الموسيقا أعطاني مستر أليخاندرو مقطع لأغنية ، لم أكن أعرف من صاحبها فأنا أحب أغاني جيلي السريعة ، لكن سمعتها من قبل في مكان ما ، وقفت أمام المايك و لحنت المقطع كما سمعته في السابق ، و بعد انتهائي صمت مستر أليخاندرو لبرهة و قال :
” تملكين صوت مخملي قوي ، جذاب و آسر بشكل خاص ” .
تفاجأت صراحة ، لم أتخيل يوماً أن يُقال لي كلام مثل هذا من مدرس مشهور .
” تحتاجين لبعض التدريب ” قال بلباقة ” المخارج و الطبقات ، هنا تكمن مشكلتك ، إنها تفلت منك و عليك الإمساك بها لتكوني محترفة ، لكن صوتك رائع بلا شك “.
” أنا لا أغني مثل هذا النوع ، لذلك كان المقطع صعباً علي ” أجبته و أنا أخفي حماسي بقدر الإمكان ، كنت متوترة لا أزال أتحدث عبر الميكرفون .
عرض علي :
” سيرا توجد مسابقة في ولاية نيفادا ، هل بإمكانك المشاركة فيها ؟ “.
ابتسمت موافقة و قال السيد أليخاندرو :
” عظيم “.
خرجت من عنده و اتصلت بسايمون ، لم يجب ، عدة مرات و لم يرد علي ، عبرت ساحة المدرسة في دقيقة ، أخذت دراجتي و انطلقت إلى الطريق ، جعلت سترتي ترفرف بفعل الرياح و أنا أسرع ، مررت بساحة لويس بارك ، ثم انعطفت انعطافة حادة يميناً ، لم يكن منزل سايمون بعيداً من المدرسة ، كان يعيش مع والده ، لقد كان دون أم مثلي ، انفصل والداه منذ الصغر ، و لم يعاني من هذا الأمر كما لم أعاني أيضاً ، لم يعرف الحزن لنا طريق ، كُنا مناسبين لبعضنا .
أردت أن أصف دراجتي و أسندها على السور لكنها لم تقف و سقطت فتركتها هكذا ، بينما كانت عجلتها الخلفية تدور و تغزل ، السيد بارو صحفي ، رجل مُتمكن يكتب مقالات علمية في مجلة كاليكس على ما أعتقد ، قرعت الجرس ، أنا لم ألتق به ، رأيت صورته فقط .
بعد لحظات فتح لي ، كان يحمل قلماً بيده ، تفاجئ من رؤيتي :
” مرحباً سيد بارو ، هل سايمون في المنزل ؟ “.
” لقد خرج مع صديقته ، أظنهما ذهبا لتناول العشاء -“.
” ليس لديه صديقة غيري “.
قلت مُتحدية ، فأجاب :
” أوه ” تلعثم ثم أردف ” اتصلي به ” .
هناك شيء ، سألت : ” أي مطعم ذهب ؟ “.
” لا أعلم ، لم يخبرني “.
كاذب ، هو يعلم أين هو ، مثله لن يكون سبباً في كسر قلب فتاة صغيرة .
تراجعت للخلف عدة خطوات و أنا أحاول عدم التعثر ، قال من مكانه :
” اعتني بنفسك جيداً “.
كانت دراجتي لا تزال عجلتها تدور ، رفعتها ثم غادرت .
توجد المئات من المطاعم ، لن أبحث عنه بالتأكيد ، سأكون كالمشرد الذي يبحث عن مأوى في ليلة عاصفة .
في نهاية المطاف اكتشفت أن سايمون مجرد خائن ، لم يكن ملاكاً كما توهمت – لم يكن فريداً ، كان مثل أي رجل عادي ، كان كجميع الرجال ، آلمتني هذه الحقيقة .
بالرغم من ذلك بقيت معه طواعية – بلا إحساس كنت أسير قربه ، حتى عندما تأكدت شكوكي لم أنفصل عنه ، كنت أتأمل وجهه وأحترق بصمت ، ثم أبتسم لأنه معي و لم يتركني من أجل الأخرى ، لهذا لن أتركه ، كنت بحاجة لهذا الوهم ، القليل من هذا الحب مهما بلغت هشاشته ، مهما كان كاذباً . كنت مُطوقة – مقيدة به ، مُحتجزة داخل نفسي و بداخله .
و عندما طفرت من هذا الحب المُدمر الأناني و الخائن ، أقصيته ، أبعدته دون أسف – لم اُجرح أو أتألم ، كنت وقتها أصبحت رماد .
1-
عدت لدروس مستر أليخاندرو لأقتل الزمن ، و أسبق دقاته الكئيبة ، لأنتصر على عقارب الخيبة و الخذلان ، كنت أحضر الدروس دون روح ، حتى جاء يوم المسابقة و فزت – أنا ربحت ، تلوّنت الحياة أخيراً و نبض قلبي مجدداً .
عاد العالم للضجيج و بعث ألحان عذبة ، و كنت أنا أُسرع في كل شيء ، كدراجة طفولتي على عُشب مارتن الرطب كنت أرتقي .
فزت بهذه المسابقة ، تلتها مسابقات عديدة و كُبرت ، تناسيت و شفيت .
حققت الكثير و حصلت على كل ما تمنيت و أنا بالكاد أبلغ العشرون ، بين ليلة و ضحاها كنت نجماً يلمع في ظلمة الليل .
صار لي مدير أعمال يُدعى ليام تولى كل شيء ، و كنت أنا أُنفذ فقط ، جولات و مقابلات تلفزيونية حصرية لصالح مجلة بلو سكاي دائماً و ليس حصراً :
” الأولوية لمجلة بلو ” كان ليام يُنبه ، و لم يضايقني هذا .
ذات يوم تبادرت لذهني أغنية ، كانت حزينة عكس وضعي الآن ، لا أعلم كيف انتهت إلى ذهني ؟ كنت حينها عند الجسر ، كانت الرياح قوية و باردة ، سينزل الثلج قريباً و ربما يكون مطراً ، صفع البرد وجنتاي فوضعت قلنسوة سترتي على رأسي لأتدفأ و أملاً ألا يتعرف علي أحد .
وقفت وحيدة فانسابت كلماتها و ألتفت حولي كالسحر ، في هذا اليوم البارد وُلدت أغنية الضباب ، من رحم الجليد نشأت و كانت .
خرجت الأغنية مع الألبوم للجماهير بعد ثلاثة أشهر و حققت أعلى مشاهدة على اليوتيوب في الشهر الماضي .
في إحدى جولاتي كانت الجماهير محتشدة و منفعلة – صاخبة جداً ، وقفت على المسرح و رفعت بصري للسماء فرأيتها تُمطر أوراق فضية و حمراء فوق رأسي بكثرة – كانت الورود تملأ أرضية المسرح ، في هذا اليوم أدركت أنني مرغوبة – كنت محبوبة ، صرت جزءاً من الجماهير و هموا مني ، لقد كسبت أصوات عندما علا صوتي المخملي و صدح بلحن الضباب :
– يقولون أن الطريق سينتهي هنا .
– و قالوا أن الأحلام ستختفي أيضاً .
صمت هنيهة لتطغى الموسيقى على الموقف و يهتف الجماهير ، ثم همست بهدوء :
– و قد أخذت أغلى الكنوز باختفائها .
– قالوا أنك ستسرق بريق أعيننا ليبقى لنا الظلام .
عندما وصلت لآخر مقطع ، اقتربت من الجماهير و وقفت في أقرب نقطة منهم ، انحنيت و دفعت بالمايك تجاههم فرددوا بدويٍ هادر :
– قالوا ذلك و نسوا أنك أخذتني قبل كل شيء .
– سرقتني دون أن أشعر .
و بالفعل كان كذلك ، انتهت الحفلة و سرت سريعاً رفقة فريق الأمن ، أخذنا المخرج الخلفي و كانت الحشود خيالية أطبقت على السيارة من كل الجهات ، بذل الحرس جهد مضن لإبعادهم ، كان هناك الكثير من الحب و الكثير من كل شيء – بسبب أغنية الضباب أنا أنتصر .
لقد أحبني العالم و أنا أحببته بدوري – و عثرت على الشيء الذي افتقدته لسنوات .
صعدت السيارة و رأيت أيدي الجماهير تضرب الزجاج ، الكثير من الوجوه تصرخ منفعلة ، ثم رأيت وجهه و لم أتعرف عليه ، مرت سنوات لكنني أخطأته ، كان مجرد وجه مع كل هذه الوجوه.
كان هادئاً بين الجميع – ساكن بشكل ملفت كقطعة فريدة سقطت في كومة خاطئة ، وضع يده قبالتي و بشفاه ترتجف ردد كلمات غير مُكتملة ، منقوصة – و مُبعثرة من أغنية الضباب ، قتلني عندما نطقها أخي رفاييل ببطء :
– قالوا بأن الأحلام ستنتهي هُنا .
شكّلت كلماته ضباباً دافئاً في زجاج السيارة . سرعان ما تلاشى بفعل البرودة ثم اختفى و ذهب – كأن الحياة تسخر مني ، تُثبت أغنية الضباب و تجعلها حية .
لم يسحب يده حتى تحركت الهوندا ، و أستمر بالوقوف مكانه ، كان هادئاً هناك ، و صاخباً في داخلي .
كنت مصدومة لرؤيته ! استمرت السيارة و هي تلتهم الطريق نحو الجسر ، و أنا كُلي للخلف أنظر إليه ، إلى ذلك الغريب ، حتى عبرنا الجسر .
كان شعره مُشعث و نمت لحيته فغطت ملامحه لذلك لم أتعرف عليه في بادئ الأمر ” رفاييل ” لم يكن هناك مجال للعودة ، لقد ابتعدنا للغاية ، فضلت البقاء في سيارتي الدافئة و عدم الاحتكاك بالجماهير مجدداً – عدم النظر للخلف ، سنلتقي يوماً ما ” الأحلام لن تنتهي طالما نصنعها ” .
و هنا بالذات علمت أنني أُقوِض ثقة كلماتي و صوتي من أجل خدمة مصالحي الشخصية – من أجل عواطفي غيرت ماهية أغنية الضباب .
2 –
لم أنسى رفاييل ، لكن غُصت مجدداً في عالمي ، كان جدولي ضاغط ، الكثير من الجولات الغنائية و الكثير من المُدن .
كنت بانتظار ظهوره ، سيجدني إن بحث عني ، انتظرته كثيراً لكنه لم يأت ، عندها استعنت بمدير أعمالي ليام ، دعوته لمنزلي و استضفته في غرفة معيشتي البيضاء ، كانت هذه المرة الأولى التي أستدعيه فيها ، كان هو دائماً من يناديني ، هو من يتصل و يعطي الأوامر ، و اليوم عندما جلبته جردته من كل صلاحياته لأنبهه أن الأولوية لأخي ، تبرّم متذمراً في مقعده:
” سيرا ، لا أنوي التسبب بخيبة أمل لك ، لكن رفاييل يعيش في عالم خاص به ، لا ينتمي لعالمك إطلاقاً – “.
” إنه أخي ليام ، شقيقي الوحيد ، و ستجده “
صمتُ هنيهة لكنه لم يُجبني ، فأردفت :
” إن لم تفعل سأبحث عنه بنفسي “.
” سأبذل كل ما في وسعي سيرا ، أنت فقط اهتمي بمشاريعك ، اتفقنا ؟ “.
أومأت إليه و غادر ، بالطبع الأولوية للأعمال . تبعته بعيني ولاحظت نظرات من ليام لم أفهمها أبداً – كانت نظرات غير واضحة ، باهتة و شاردة .
قابلته بعد عدة أيام ، كنت أجرى بعض التمارين على أغاني من حقبة الخمسينيات ، كان ليام يقف خلف الزجاج مراقباً لي كورقة يانصيب فاز بها .
بعد انتهائي ، فاجأني و هو يقول :
” لم نجده ، بحثنا عنه في كل مكان لكنه اختفى كأنه ذهب من على البسيطة “.
” سأبلغ الشرطة إذاً و أقول أن شقيقي مفقود “.
اقترح ليام بدبلوماسية :
” نظراً لأنك لم تلتقه منذ ثلاث سنوات ، لا أعتقد أن الأمر سيثير اهتمامهم “.
و قد كان محقاً ، لا يمكن لأي بلاغ اختفاء أن يتحرك أو يؤتي نتيجة بهذه الطريقة ، كان أمامي خيار واحد لا غير ، هو أن أستعين بالسوشال ميديا ، بالجماهير لأجد أخي .
في غضون أربع و عشرون ساعة كانت صورة رفاييل تحتل مواقع التواصل الاجتماعي جميعها . غردت على تويتر ” أبحثوا معي عن شقيقي رافي ” .
” إنه لشيء إنساني و عاطفي جداً ” قال مقدم آي تي ” أن تستنفر الجماهير لتجد أخيها ، هذا دليل على حب كبير بين الشقيقين و قلب أكبر تملكه المغنية اليافعة سيرا ” .
بعد عدة أيام من إعلانه ظهر ، جاء إلي بقدميه ، كما هو منذ رأيته آخر مرة بين الحشود .
” أين كنت ؟ “.
اقترب مني ، و نظر لي بعداء أخفاه بين كلماته :
” لقد كنت حولك سيرا طوال الوقت ، أنا كنت بين الحشود دائماً ، أقف في صف التذاكر حتى أتمكن فقط من الاطمئنان عليك ، لكنك لم ترني ، لم تلتفتي أبداً “.
لقد كان على حق .
” حتى أنه بإمكانك سؤال ليام ، لقد صرفني ذلك الوغد و قد كان يتحجج بأشياء واهية ، يا له من وغد حقير ! عندما وجدته قال : أنك خارج القطر و لن تعودي قريباً ، حتى علمت أنه – “
” ليام ؟ بالطبع ” زفرت بعصبية ثم أردفت ” بالطبع سيفعل هذا “.
لقد أبعده عني متعمداً ؟ أمسكت هاتفي بيدين مضطربتان و اتصلت به ، قُلت ملئ حنجرتي بعد أن فتح الخط :
” كُل العقود التي بيننا أُلغيت – كل الجولات و المقابلات ، كل شيء ” .
ردد ليام على مسامعي :
” ستندمين ، ستندمين “.
من يظن نفسه ؟ أغلقت الهاتف في وجهه .
” أي نوع من البشر هو ؟ ” قلت لرفاييل :
” لقد بحث عنك طوال الوقت ، لقد كذب علي ، نظر في عيني و كذب ، لا أصدق هذا ! “.
تناولت كوب ماء و شربته دفعة واحدة لأطفئ غضبي ، بإمكان ليام أن يدمرني في ثانية ، الآن و قد أنهيت كل شيء لن يتركني حتى يقضي علي ، هذا الرجل يعبد المال ، ليس بحوزتي الكثير من الخيارات – كنا على وشك القيام بعدة جولات خارج البلاد ، الآن سيقول أنه تضرر من تصفيتي لحساباتنا بهذه الطريقة ، كُل أموالي ستؤول إليه ، كنت أعلم هذا – لقد انتهيت .
و لم تمر الكثير من الساعات حتى ألّب ليام علي الجماهير ، جاءت كمية من الحشود و وقفت أمام المنزل ، معجبين و صحفيين ، قررت الخروج و التحدث لهم ، سيسمعونني كما فعلوا دائماً .
اقتربت من بوابة منزلي الحديدية ، لكن لم أفتحها ، رفعت يدي و حييتهم بحماس :
” سأجيب عن كل أسئلتكم ” ابتسمت ” أنا هنا من أجل ذلك ، أهدأوا قليلاً حتى أتمكن من سماعكم ” .
العلاقة بيني و الجماهير مبنية على الصدق و التقارب ، فنشأ بيننا رابط عميق ، لم يكن لدي ما أخفيه في حياتي ، فكنت أوافيهم بكل جديد .
سأل أحد الصحفيين :
” لقد أنهيت شراكتك و كافة عقودك مع ليام ، و هو السبب فيما أنت عليه الآن ، ماذا حدث ؟ “.
مد الشاب الميكرفون لي من بين فرجة الغضبان الحديدية و قلت بحيادية :
” لقد أخفى عني أموراً ليس له الحق – “.
” هل جعلتنا نبحث عن مجرم ؟ “.
قالت إحدى الفتيات مقاطعة حديثي :
” استغليت جماهيرك من أجل من ؟ أخيك المجرم و ابن الشوارع السوداء ، الرب يعلم ماذا كان يفعل طيلة سنوات ، مكانه السجن و ليس هنا ، أتتحفظين على قاتل ؟ ” .
” أوتعلمين أمراً ؟ ” قلت و أنا أُحكم قبضتي على الغضبان الباردة :
” لا يهمني ما تعتقدينه أنت عن أخي “.
كنت قد فقدت أعصابي تماماً فأضفت : ” و لا الجماهير اللعينة تهمني في شيء ” .
عدت أدراجي ، مسرعة ، ساخطة ، بينما وصلني صوت صياحهم و غضبهم .
3 –
سيأخذ ليام كل شيء ، إلغاء العقود التي بيننا بشكل مفاجئ سيكلفني الكثير ، في الجانب الآخر حرصت على إبقاء رفاييل قريباً مني ، لا أنوي خسارته ، أخشى ابتعاده عني ، لا يمكن أن يبتعد مجدداً .
جاء إلي بينما كنت أشاهد التلفاز ، كانوا يعرضون حلقة آي تي الأسبوعية ، قال :
” لدي بعض الأعمال “.
انتظر ردي ، لكني لم أجبه ، قال مذيع البرنامج المتأنق و اليافع :
” لقد شتمت سيرا جماهيرها علانية أمام منزلها ، أهانت الحشود التي دعمتها خلال مسيرتها و حتى الأمس بإيجاد شقيقها “.
قال رفاييل :
” لساعتين فقط ثم أعود “.
” حسناً ، سنمشي سوياً ” .
اعترض :
” لا يمكن ، يا إلهي سيرا ، أتعاملينني كطفل ، هل تقومين بحبسي هنا ؟ “.
كان المذيع قد بدأ بعرض الشريط المسجل لنوبة غضبي و أنا أقول :” ولا الجماهير اللعينة تهمني في شيء ” أطفأت التلفاز و قلت :
” لتختفي مجدداً ؟ أتخلى عنك بعد أن وجدتك ؟ إن لم تأخذني سأتبعك رفاييل “.
” أبداً “.
قالها بغضب ثم صعد لأعلى ، سيذهب مجدداً ، سيرحل ، سيتلاشى كأمي و أبي – لن أستطيع أن أمسك به – كالضباب لن أمسك به أبداً ، حينها سأكون وحيدة و يتيمة ، سأضيع ، حتى الجماهير تخلت عني ، صرخت عليه من مكاني :
” هل سمعت ؟ سنبقى معاً رفاييل ، من الآن فصاعداً و حتى ذلك الحين مكانك في هذا المنزل ، ستنبذ عالمك و تكون هنا بقربي “.
عليّ استجماع ما تبقى ، و إنقاذ ما يصلح حتى لا أُهزم ، لن يدوم هذا الوضع كثيراً ، سأصلح كل شيء ، أنا قوية و أستطيع النهوض مجدداً ، سأجد مدير أعمال جديد ، سأبدأ من الصفر و أبني ، و أولاً سأعتذر للجماهير ، سينسون بالتأكيد ، أنا صاحبة الصوت المخملي – أنا المحبوبة ، سيغفرون لي دون شك ، إنهم يعشقونني .
بعدها سأنشئ لرفاييل شركة من أي نوع لا يهم ، سنقضي بقية حياتنا معاً ، كعائلة من شخصين ، ندعم بعضنا كما كنا في الصغر ، عندها سترفرف السعادة فوقنا ، و يُسرع العالم مجدداً ، كما كان يفعل قبل عدة سنوات ، قبل الجروح – قبل الدموع ، قبل خيانة سايمون ، قبل كل حُزن – سأكون أنا مجدداً .
” أنا موافق ، أساساً لن نتأخر ، هيا “.
قالها رفاييل ، فنهضت من فوري و اقترحت : ” ستشتري لي الآيسكريم في الطريق ؟ “.
” بالأوريو و الفانيلا ، عليه بعض المكسرات “.
عانقته بحماس و غادرنا ، هناك ألف نهاية لمئات الأحلام ، هكذا تخيلتها و رسمتها ، كلوحة زيتية لا شمس أو شتاء ، لا مطر ، قادر على تخريب هذه الألوان .
أخذنا سيارتي الهوندا و جلست أنا خلف مقودها :
” إذاً أين نذهب ؟ “.
” في الواقع هما مشوارين ، أولاً سنأخذ حقيبة ثيابي من الشقة التي كنت أقيم فيها ثم سألتقي بصديق “.
” حقيبتك ؟ كان بإمكانك شراء ثياب جديدة … ” أشرت له بيدي ” لكن لا يهم “.
فتحت المذياع على قناة الأغاني بصوت خفيض ، و استرخيت في مقعدي ، كان للسيارة أزيز خافت منوم ، تثاءبت و راقبت الأفق و هو يتلون بشفق أحمر – داكن و قاتم ، قليلاً فقط و سيحل الليل .
وصلنا لمحل سكنه ، طلب مني رفاييل التوقف ثم هم بالخروج :
” سأعود سريعاً ، أبقي هنا “.
مكثت ضجرة بانتظاره ، أطفأت المذياع و أخذت إحدى أسطواناتي ، الاستماع لصوتي يجعلني في حالة أفضل ، أقوى في الحقيقة و أكثر ثقة .
كان هذا ألبوم ” أغنية الضباب ” صدر في 12- 1 -2020 ، يحوي ست أغاني على التوالي ” أولها الفجر ، و لا تكن هكذا ، صوتي ، حيث كُنا ، من أنت و أخيراً المفضلة لدي و لجماهيري خاصة أُغنية الضباب ” أغنية الجسر و البرد بالنسبة لي .
أما ” من أنت ؟ ” ألفتها من أجل سايمون ، بالطبع جماهيري لا يعرفون هذا ، لا أحد يعرف رحلة ذُلي المريرة خلف هيامي بسايمون – هذه أشياء لا يمكن قولها ، كان يجب أن أهديه شيئاً فوضعت فيها جرعات كبيرة من الألم و الحزن ، كانت كلماتها مباشرة كالخنجر – تتجه للقلب و تذبح ، إنها أغنية الوهم و الخيانة من أجل سايمون .
بالرغم من ذلك لم تنتصر ” من أنت ؟ ” على ” أغنية الضباب ” ، حتى لم تقترب منها مُجرد اقتراب ، لا أدري ما السبب ، مع أن كلاهما مشحونتان بعاطفة مُضطربة كالموج ، المهم أنهما لا تتقاطعان أبداً ، حقاً أنا حائرة .
عندما عاد رفاييل كانت أغنية الفجر في نهايتها ، وضع حقيبته في الصندوق الخلفي للسيارة و استقل مكانه بقربي ، تحركنا و كان الظلام قد أخفى المعالم ، و مدت أعمدة الإنارة القديمة الشوارع بالقليل من الضوء ، كنت أريد فتح حديث ودّي مع رفاييل فقلت :
” إذاً .. آ … لم تلتق بإحداهن ؟ ” ابتسمت “فتاة ما ؟ “.
” في الواقع لقد كانت هناك واحدة “.
قال بحزن ثم نظر من النافذة ، أمعن في السواد و الفراغ .
” لكنها رحلت ، تخلت عني في المنتصف ” .
هذا الموضوع بالذات آلمه ، فصمت ، أية حياة عشتها رفاييل بعيداً عني ؟.
” توقفي هنا لقد وصلنا “.
” أرض خالية ، لا منزل أو أشخاص ” قلت ” ماذا نفعل هنا رفاييل ؟ “.
” انتظري فقط ” نزل من السيارة و غمغم ” سيأتي : صديقي الآن ” .
من المفترض أن يعطي رفاييل صديقه بعض المال الذي كان يدين له به ، آمل أن يأتي سريعاً و أن ينتهي الأمر سريعاً ، و مرّت الدقائق ، كنت أراه يتحرك يمنة و يسرة ، لم يستقر على حال أبداً . أجاب على هاتفه و شتم ، تلفظ بكمية من السباب ثم فتح الباب و صعد .
” تحركي ، تحركي الآن سيرا … اللعنة ، الشرطة قادمة “.
” عم تتحدث رفاييل ، أي شرط – ؟”.
” تباً سيرا ” ضرب يده بباب السيارة ” تحركي ستأتي الشرطة الآن ” .
أدرت المفتاح ثم المقود بصمت ، ها هو رفاييل ، نفس أفعاله ، لم يتغير أبداً ، كان يجلس بقربي و هو يشتم ، و يُكسر كعاصفة ، أي ورطة أقحم نفسه فيها ؟ لا بأس ، أنا قربه ، سأساعده بكل الطرق الممكنة ، لن أُترك يده ، حتى و إن سقطت معه لن أفلته أبداً .
في البعيد رأيت أضواء سيارات الشرطة ، مع أنها بعيدة – لكن بدت و كأنها تلحق بنا ، أو برفاييل .
قال ” سأخبرك بشيء “.
قلت و أنا أُسرع بقدر الإمكان لنبتعد عن الشرطة :
” لا بأس تحدث ، أنا هنا من أجلك ” .
انتظرت مسافة و عندما لم يتكلم قلت دون تفكير :
” ماذا تحوي الحقيبة ؟ “.
” كوكايين ” قال بخجل و هرب من نظراتي ” الكثير منه ، أربعين كيلو غرام ربما … ” .
نظرت من المرآة و كانت صافرات الشرطة تدوي و السيارات تقترب ، ضغطت على الفرامل فاحتكت الإطارات بالإسفلت محدثة صوت يصم الأذان .
لم أكن أريد سماع أفعاله ، لقد سئمت من كل شيء ، قلت بهدوء : ” لقد ضحيت بالكثير من أجلك رفاييل ، سمعتي و عملي ، و كنت وقحة لأول مرة في حياتي على الهواء مباشرة ، كل هذا من أجلك “.
” إذاً أنزلي سيرا ، سأخوض في الوحل وحدي – “.
” أنت من ستنزل “.
قلتها بعصبية و زمّ هو شفتيه ثم ردد : ” علي تسليم هذه البضاعة شئت أم أبيت ، هذا عملي و أنا أنفذه حتى و إن كنت رافضة ، الآن تحركي ” .
أدرت محرك السيارة و عدت إلى الطريق ، بعدها لم أفعل أي شيء ، منذ سنوات و أنا خلفه ، أسنده بكل ما أوتيت من قوة ، أدعمه بكافة الطرق ، ربما ساهمت بطريقة ما في انحراف رفاييل ، الآن أدركت الحقيقة أنا لم أساعده أبداً ، كل شق عالجته شُرخ مجدداً – كل سد انهد ، الذنب ذنبي وحدي .
40 كيلوا غرام من الكوكايين في صندوق سيارتي الخلفي ، ما صنعته و ما حلمت به أُعدم الآن ، اختفى و تلاشى كالسراب ، أنا أنهار ، أذوي و أذبل ، أنا لا شيء .
أبعدني رفاييل و تولى هو القيادة ، كانت تفصلنا بضعة أمتار فقط من سيارات الشرطة ، صمتُ ، كنت أعلم النهاية ، أراها بوضوح الآن ، العالم يلفظني .
عندما اقتربوا و كادوا يصدمون السيارة أخرج رفاييل سلاح من سترته و فتح النافذة و أطلق عليهم عدة رصاصات عشوائية ، جاء ردهم فوري و حاسم ، مطر مُنهمر من الطلقات الحية ، كسَّر الزجاج الخلفي و ثقب الحديد ، راقبت رفاييل و هو يجاهد ليسيطر على السيارة و هي تتمايل على الطريق ، آمل ألا يصيبه مكروه – سأتمزق و أخسر حينها ، سأكون وحيدة و يتيمة ، كنقطة صغيرة في الأرض ، سأكون لا شيء إن تركني و رحل .
قلت متوسلة :
” توقف رفاييل أرجوك ، لا تطلق النار عليهم “.
بدأت الأدخنة تتصاعد من السيارة و هي تتعرّج على الشارع ، ملأت رائحة البارود المكان ، عدة طلقات أخرى مُوجهة من رجال الشرطة و شعرت بألم ساخن يجتاح كتفي من الخلف ، صرخت :
” أظنني أُصبت “.
” يا إلهي سيرا … يا إلهي ..! “.
ضغط على المقود و كاد يسحقه بقبضتيه ، افترس الطريق أمامه كوحش و هو يزيد من سرعته بجنون ، كانت أصوات الصافرات تطغى على كل صوت ، الآن استيقظ رفاييل و لمس الحقيقة .
” يوجد طبيب قريب من هنا … لا بأس عليك ، فقط أضغطي على الجرح “.
قلت بضعف :
” الجرح في ظهري … لا .. لا أستطيع الوصول إليه ” .
بكى رفاييل ، لأول مرة أراه يبكي ، ناح كطفل ، تدفقت دموعه كفيضان ، كانت مؤلمة أحسست بها تطعن قلبي ، لقد إنهار و هُزم ، قلت :
” توقف هنا أرجوك “.
كان جذعي ينبض بالألم ، ألم ساخن – يحرق كجهنم ، ملأ دمي الدافئ ظهري ، تقهقر العالم و هو يُبطئ – أنا أختفي .
أوقف رفاييل السيارة ثم تجاوز مكانه و أخذني بين يديه ، ابتسمت و أنا أهمس :
” هل تسمع صوتي ؟ ” قُلت ” إنها أغنية الضباب تسمعها …. أليس كذلك ؟ “.
اختنق بكلماته و هو يجيب :
” نعم سيرا ، أسمعها … أسمعها بكل وضوح ” ربت على خدي بمودة : ” لن أسامح نفسي أبداً ، ليتني مت قبل أؤذيك “.
سعلت بقوة ، كان التنفس صعباً مع رائحة البارود . أغمضت عيني ، جاهدت لأتماسك و أتجاهل الألم ثم قلت :
” إنه مؤلم ، الطلق الناري ، لكن …. ” أخذت عدة أنفاس أحرقت جوفي و قلت ” الحياة أكثر إيلاماً ، لقد كنت وحيدة رغم الكثير من الحب …. كنت ساكنة و صاخبة في آن معاً … رفاييل … كنت أثنين ، أنا و أنت ، لم تغادرني مطلقاً ، بقيت معي دائماً ” .
نزع سترته و لفني بها ، ثم ضغط بقوة على ظهري في موضع الجرح و هو يضمني إليه ، لأول مرة منذ سنوات أشم رائحته بهذا الوضوح ، الأمان الذي افتقدت – ضاع مني و لم أجده ، ركضت خلفه لسنوات و لم أصله ، الآن حظيت به ، رابط الإخوة و العاطفة – لا ينقطع أبداً .
تناهت لمسامعي أغنية الضباب قلت له :
” أغنية الجسر و البرد هكذا .. سميتها رفاييل “
لقد كان صوتي – كنت أنا من أقول :
” أخذت أثمن الأشياء برحيلك “.
لقد ألفت الأغنية التي تُعزف الآن و أنا ألتقط آخر أنفاسي ، نظرت بعيداً عن كل ما حولي ، عن كل الضجيج ابتعدت و كنت خارج حدود المكان ، خارج الصخب .
” قالوا ذلك و نسوا أنك أخذتني قبل كل شيء ” .
لو علمت فقط حينها ، لو علمت أن أغنية الضباب ستكون حاضرة لحظة موتي بعيار ناري لارتعبت و خفت ، لهربت من كلماتها و لما ألفتها أبداً .
لكنني الآن لست جزعة من مواجهة هذه الحقيقة ، متصالحة مع كل شيء ، أخيراً سأجد السلام في الموت و حضن أخي ، نصفي الآخر ، جانبي المُظلم .
خفَّ الألم حتى تلاشى و انسحب ، ثم انقشع السواد و الضباب ، بعدها رأيت الفجر و الضوء – رأيتني على دراجتي الوردية أُسرع لأرتفع في عشب مارتن الرطب ، و قد كان يبتسم ، لم يكن غاضباً مني ، لم يغضب قط .
النهاية …
?
بكتني
قصة في منتهى الروووعة !
بسم الله
أخي عبد الله المغيصيب
نعم لقد وضحت وجهة نظرك ، و إن تقول هكذا فهو كذلك 🙂 أنت صاحب الخبرة هنا . لكن يحدث أن يتجادل التلميذ مع أستاذه أحياناً ههههه
سيتوجب على ركن هذه القصة فترة و أعود إليها مجدداً ، عندها يكون ذهني صافياً من تفاصيلها و أكون أنا كقارئة عادية . عندها فقط قد أتمكن من رؤية وجهة نظرك . حدث هذا في كثير من قصصي عندما أعود إليها بعد مدة ألاحظ أشياء لم أرها من قبل .
شكراً لك أخي ، و فقك الله ، و العفو .
الأخت الكريمة البارعه السمراء
هههه الحمد لله أختي الكريمة أنها وضحت وأرجوك أختي الكريمة ثم أرجوك من دون هذه الالقاب والشكليات بالعكس أختي حضرتك أستاذه الكل ومدرسه أدبية كاملة الله يحفظك من عيون الحاسدين ما شاء الله تبارك الله
نحن هنا مجرد معلق يسمى عبد الله أو دحمان على قولة الأخت لميس ههههه في حضرت عمل يخص كاتبة كبيرة اسمها السمراء من دون كل هذه الشكليات
وبالعكس أختي الكريمة كنت بحاجة إلى هذا التمرين لأني لي فترة طويله من دون لياقه ذهنيه ورياضه بسبب كثرة الاشغال
وبالعكس أختي الكريمة لا انصح حضرتك للتخلص من وهج هذا العمل لو كنت مكان حضرتك كنت أعدت الصياغة ولو بيني وبين نفسي فقط حتى اكتشف بالضبط ما هي الخلطة التي كانت مطلوبة ومن هنا انطلق إلى العمل التالي بكل ثقة وتحصين وحصافه
لا اصدق من اللحظات التي يجلس بها الإنسان وبالتالي الكاتب مع نفسه خارج المدح والنقد ليطلع نفسه وعليها بكل هدوء أين اجدت و كان ممكن اكون أفضل
الكتابة ليست مثل مباراة كرة قدم مثلا نعطي المجهود وإذا انتهت نقول علينا نسيانها والتفكير في المباراة القادمة
لانه في الاخير جميع ما هو في المباراة مجهود إرتجالي حتى ولو كان وراه تخطيط
اما الإنتاج الأدبي والعمل الفني هو رحله ذهنيه لا تتوقف غير عند بعض المحطات نفرغ فيها مااكتنزنا ولنحمل مكتنزات جديده ولذلك التصحيح و تنقيح هو شغل الكاتب اليومي مثل المحرر تمام
ولذلك لا تخلص من أي افكار وانما تنقيحها ولااقول اكتبيها وكأنها لو كانت إمام القراء وإنما بعض من استرجاعها جدا راح يكون مفيد ??
في الواقع كلامك صحيح و هو المفترض أن يحدث . ليصقل الكاتب موهبته عليه أن يكتب بشكل يومي ، و يراجع ما خطه بصورة دورية . حتى يخرج أفضل ما فيه ، سأعمل بنصيحتك و أراجعها من كافة الزوايا لأرى هل كان بالإمكان أن تكون أفضل من ذلك ، و أنا متأكدة أنها ستكون كذلك 🙂 طالما أستاذي هو دحمان هههه
أشكرك مجدداً ، و لنا لقاء