إنعكاس

امتدت أيادٍ خفية من العدم لتحيط خصرها، وقُيدت من طرف مجهول، فظلت ملتصقة بالمرآة.
فُتح الباب البني الضخم بسلاسة تامة، وكأنه كان ينتظر زائرته منذ دهر ويتشوق لملامستها.
تجلى ظل طويل رشيق القوام على أرضية الممر اللامعة، تردد صدى الكعب العالي في كل أرجاء المنزل الفسيح… بقوة وثقة.
كان منزلا هادئا وديعا كقطة في مكمنها، نظيفًا يلمع، ورائحة الطلاء الجديد لا تزال تعبق منه.
أخذت رشا نفسًا عميقًا محملا برائحة الاستقرار، كيف لا وقد حققت حلمها بعد سنين من المعاناة؟ اشترت أرضًا، وها هي الأرض تتمخض عن بيت صغير في غاية الجمال.
بقعة هادئة تحفها الأشجار، منزل رائع تشرق عليه الشمس، سيارة توصلها للعمل بسرعة، وحارس أمن ضمن هذا الحي السكني الراقي. يبدو منزلها الصغير ككوخ متواضع أمام كل هذه العمارات السكنية التي تعكس الضوء لحد العمى.
اضطرت لشراء المنزل في هذه المنطقة لأنها تخشى السكن بعيدًا لوحدها. هنا، وسط هذه المجمعات الهادئة، ستجد الأمان، لكنها أيضًا حققت الحلم.
رفعت بصرها بغتة للمرآة الطويلة المعلقة في الممر، مرآة ذات إطار فضي رقيق، وتتعلق بها مصابيح ملونة صغيرة تضفي بهجة عليها.
بيد أن الشرخ الطويل في منتصفها كان يشوه هذا الجمال. لقد دفعت مبلغًا كبيرًا لقاء مرآتين من هذا النوع، فقط لتُكسر إحداهما خلال التوصيل… يا للبؤس!
قد تعالج الشرخ بشيء ما، أو تحول المرآة للوحة حية تنبض بالألوان
.
استدارت رشا لتقابل انعكاسها المطبوع على المرآة. شعر أسود كأنه شلالات سوداء بلا نهاية يمتد حتى أواخر ظهرها الرشيق، عينان كعيني المها واسعتين تخطفان النظر، تزينهما مسحة جريئة من الكحل الأسود الثقيل، وبشرة سمراء تضفي لجمالها رشة جرأة متوحشة.
جسد رشيق كأنه نحت نحتًا، لكنه ليس مجرد خلق رباني، بل عمل شاق من الحميات الغذائية والرياضة القاسية. جسد أخصائية رياضية تستيقظ في الرابعة صباحًا لتكتب يومياتها وتمارس الرياضة على ضوء النجوم، نتاج انضباط قاس
.
نعم، هذه رشا، صبية في السابعة والعشرين أغرقتها الحياة في الشقاء، فأقسمت ألا تنحني حتى تعيش الحياة «المثالية».
مررت يدها في شعرها الطويل ببطء، وراقبت خصلاتها تتساقط واحدة تلو الأخر فوق كتفها. قطبت جبينها بعجب حين رأت الخصلات في المرآة لا تزال عالقة في الهواء قبل أن تسقط في نفس الحركة الاعتيادية… لكن كيف للانعكاس ألا يكون مثل الشعور؟
“لقد دمروا مرآتي الجميلة بهذا الكسر المعيب، سأطلب تعويضا ضخما”
خلعت كعبها العالي عند الممر حيث حقائبها، ومضت تدور في المنزل الصغير حافية القدمين، لكن مع أول خطوة تردد صوت طرقات الكعب فتوقفت مذعورة، ثم نظرت لقدميها الحافيتين بدهشة.
مشت خطوة أخرى لتتأكد، فلم تسمع هذه المرة سوى حفيف معطفها الشتوي الطويل. لا شك أنها أُرهقت بسبب استعجالها في تأثيث المنزل، لكنها الآن ستنال الراحة التي كانت تصبو إليها من سنين.
غرفتا نوم، إحداهما مؤثثة، والأخرى تحتوي مكتبًا ورف كتب. صالة حميمية ذات ألوان هادئة تبعث الاسترخاء، لوحات فنية لأحصنة وأشجار تبعث أُنسة في المكان.
سجاجيد بيضاء تعطي للمنزل دفئًا، ونوافذ واسعة يدخل منها الضوء في اندفاع.
خلال مشيها خلعت رشا معطفها فرمته على طرف الأريكة، شمرت أكمام قميصها الصوفي الأبيض، وأخذت أكياس المواد الغذائية التي اشترت… وما هي سوى ثوان حتى انتشر عبير القهوة في المنزل، ومضى اليوم في سلام.
….
ها هي شمس اليوم العاشر تغرب في وداعة لتطوى صفحة جديدة من حياة رشا الجديدة.
تردد صوت خشخشة المفاتيح قرب الباب، فتحت الدفة في سلاسة، وتردد طرق الكعب المعتاد داخل المنزل الهادئ.
ضغطت رشا بتلقائية على زر تشغيل الأضواء، لكن الظلام ظل حالكًا كأنه يرفض أن يتبدد. قطبت رشا جبينها وضغطت مرتين على المكبس دون جدوى، ثم استسلمت عن المحاولة وتخطت الممر نحو الصالة الواسعة.
ثم بغتة أصدر المصباح فوق رأسها فرقعة، وأضيء المكان دفعة الواحدة… ليس ضوء الصالة فقط، بل جميع الأضواء، حتى مصابيح مرآة الممر بدأت تضيء في ألوانها المعتادة؛ أحمر، أزرق، أخضر.
تجمدت رشا في منتصف الصالة، وحدقت حولها بدهشة. اتجهت نحو المطبخ وضغطت مكبس الضوء فانطفأ المصباح وأظلم المطبخ، منه للحمام، لغرفة المكتب، ثم انتهاء بغرفة النوم.
تجلى انعكاسها على مرآة غرفة النوم الواسعة، هذه المرة دونما كسر، وظهر جسد رشا كاملًا منعكسًا فوق الزجاج، وفي عينيها الواسعتين نظرة جزع عميقة.
كان شعرها مرفوعًا في كعكة صخمة فوق رأسها، بينما المرآة تعكس شعرها منسدلًا حول ظهرها.
نفس الملابس، نفس النظرات، لكن الشعر منسدل، وكأنه شخص آخر يشبهها لكن ليست هي.
تقدمت رشا نحو المرآة بخطوات مترددة، ولبثت تحدق في نفسها بذهول. وبطريقة تلقائية أرادت موازنة الانعكاس لتهدئ الرعب الذي بدأ يتسلل لأعماقها.
مدت أصابعها المرتجفة إلى شعرها، وحررت خصلاتها من قيدها، في تلك اللحظة فقط تطابق الانعكاس مع الواقع.
خرجت رشا من الغرفة حافية كالعادة، عادت للمطبخ فأضاءته من جديد، واتجهت لتشرب كوب ماء تهدئ به حلقها الجاف.
شخصت أنظارها عند الحوض… فنجان القهوة الجميل الذي يحمل اسمها ملقى في الحوض، وبه بقايا القهوة وأحمر الشفاه.
رفعت بصرها لآلة القهوة فوجدت المكبس متصلًا بالكهرباء، وبدأت رشا ترتجف.
كان ذلك يتكرر كل بضعة أيام. تغسل كل الأطباق، تنزع كل مكابس الكهرباء عدا الثلاجة، لتعود فتجد كوب القهوة في الحوض متسخًا، ومكبس آلة القهوة متصلًا.
كانت لتشك في نفسها لولا انضباطها الشديد.
اتجهت نحو اللائحة المعلقة فوق الثلاجة، ومرت عيناها على لائحة التفقد بسرعة:
الأكواب غُسلت،
الأضواء أُطفئت،
المكابس نُزعت،
لكن ما يوجد في لائحتها لا يطابق واقعها.
بسرعة جديدة مضت فنزعت مكبس القهوة، غسلت الكوب ووضعته في الرف، ثم أسرعت للصالة المنارة وجلست على الكنبة تضم قدميها لنفسها، وقد تغطت ببطانية بيضاء ناعمة.
امتزج الإرهاق بالتوجس والرعب، فغفت في مكانها حيث وجدت الدفء والأمان. تبعثرت خصلاتها على الأريكة، وانطبق جفناها الحالكان رغمًا عنها.
وبمجرد أن أغلقت عينيها، انطفأت الأضواء، كأن هناك من يرى ويراقب.
حين استيقظت لاحقًا في وقتها المعتاد من الصباح؛ الرابعة، وجدت نفسها في عتمة حالكة كأنها داخل وادٍ سحيق.
طغى الهدوء على كل شيء، ورفض جسدها أن يتحرك من مكانه متخليًا عن أمانه الصغير، لكن كان لزامًا عليها أن تنهض.
تحسست طريقها نحو الأنوار فأضاءتها، ثم منه لغرفة نومها، حيث رأت انعكاسها على المرآة يشبهها تمامًا ويحدق بها بنفس الوجوم.
استدارت نحو خزانة ملابسها، لكن الانعكاس خلفها لم يستدر، وحين عادت لتقابله ظهر وهو يحمل في يده نفس كومة الملابس التي تحملها.
رمت عن جسدها المتيبس ملابس العمل، وارتدت بيجامة صوفية سهلت عليها التحرك في المنزل، ثم خرجت من الغرفة دون أن تتفقد نفسها في المرآة.
خطت أول خطوة خارج الغرفة، ودوى صوت طرق الكعب العالي في المنزل، ممزقًا سكون الليل.
مرت بجسدها موجة كهرباء عاتية، اقشعر بدنها، وهرعت نحو كعبها العالي المرمي في الممر، وكلما ركضت تبعها صوت الطرق.
ثم، مثل ما بدأ، توقف كل شيء، وعاد الليل لسكونه.
تراجعت رشا في مكانها، خانتها ساقاها، فاندفعت تستند لأقرب شيء منها، وكان ذلك مرآة الممر المكسورة.
بيد أن برودة الزجاج لم تتسلل لعظامها، بل شعرت أنها ترتطم بجسد حي دافئ مثلها.
امتدت أيادٍ خفية من العدم لتحيط خصرها، وقُيدت من طرف مجهول، فظلت ملتصقة بالمرآة.
قاومت لتصرخ مستغيثة، فأطبقت يد ثالثة على فمها. ساحت الدموع الدافئة من عينيها، وشعرت بالعجز.
فاحت في أرجاء المنزل رائحة عفونة شديدة، وشعرت رشا بالبلل يتسلل لثناياها حتى شكت في نفسها.
حررت نفسها بعنف، ولم تبال للخدوش العميقة التي زينت جسدها الغض.
استدارت تحدق بالحائط الذي تستند عليه المرآة، فوجدت المكان يقطر بماء متعفن من الرطوبة، والإدهى أن ديدانًا رفيعة بيضاء كانت تلعب فوق العفن بحيوية.
تراجعت مذعورة تضم نفسها بارتجاف، وشخصت أبصارها نحو المرآة، لكنها لم تجد شيئًا.
لا شيء انعكس على المرآة سوى كعبها الأسود الموضوع أرضًا.
أما رشا… فلم تكن هناك.
كان لا بد للفتاة أن تنهار لوقع الصدمة، فعانق جسدها الغض أرضية الممر في صدمة قاسية، وأُطفئت الأضواء ليغرق كل شيء في ظلام تام.
…
…
“لديك هالات سوداء يا فتاة”
“ربما لأني لم أنم جيدًا في الأيام الماضية. أما تزالين تريدين المبيت عندي يا رقية؟”
“بالطبع. سآتي كما وعدتك هذه الليلة. حضري طبق مقرمشات لنقضي به الليلة”.
ابتسمت رشا، لكن ابتسامتها لم تصل لعينيها. تمتمت بهدوء:
“إذا، لننصرف معًا من النادي”
وقد كان.
ترافقت الفتاتان خلال وقت الخروج، وبدت رشا هادئة، عكس رقية التي امتلأت حيوية لقضاء ليلة صاخبة مليئة بالحكايا والأفلام الهندية.
وصلتا. فتحت رشا الباب وتركت صديقتها تدلف أولًا، فاندفعت هذه تصيح بسعادة وتلقي عبارات عشوائية متفرقة عن جمال المكان وحظوظ صديقتها.
وبينما تلك تصيح كالحمقاء وتندفع من غرفة لأخرى، ظلت رشا عند الباب تقف متوجسة، وهي تنظر لمرآة الممر.
لم يسبق أن دخل المنزل شخص غيرها منذ انتهى البناء والتأثيث. اعتادها المنزل واعتادته، ولعل من فيه انتهى من مراقبتها، فكيف ستكون ردة فعله على شخص جديد يقتحمه؟
الليلة ستتحقق رشا مما إذا كانت تعاني خطبًا نفسيًا، أو أن المنزل يحس ويسمع، يتدخل ويراقب… ويعرفها.
إن كانت الخدوش التي تجدها كل ليلة على جسدها من فعل أظافرها الطويلة، أم من فعل فاعل!
أغلقت باب الممر ببطء.
زأرت السماء، وأمطرت مطرًا شديدًا تساقط في ودق، أرعد الرعد في دوي شديد، وأُضيئت السماء الحالكة ببرق شديد الزرقة أضاء الشارع كله.
ليالي يناير باردة دومًا عاصفة.
خلعت رشا كعبها عند المرآة، وخطت أولى خطواتها الحافية بحذر، فلم يتردد سوى حفيف معطفها.
أقبلت رقية من المطبخ وقالت:
“منزلك رائع يا فتاة، لكم أحسدك!”
ابتسمت بهدوء:
“مرحب بك في أي وقت يا رقية، أنت صديقة عزيزة”
“أوه، لن أضيع هذه الدعوة الجميلة أبدًا. هل يمكنني قضاء الإجازة القادمة عندك؟ لكم أتوق حماسة لذلك”
رسمت رشا ابتسامة صغيرة على شفتيها، وتبعتها نحو المطبخ، حيث من جديد وجدت فنجانها المتسخ في الحوض وبه بقايا أحمر الشفاه.
مدت يديها نحوه بتلقائية، فغسلته ورفعته للرف.
ضحكت رقية بصخب:
“من يصدق أن رشا المنضبطة تترك أواني الفطور في الحوض! لم تفعلي ذلك قط حين كنت معي في المسكن!”
حدقت رشا في يديها المبللتين بغموض، همست:
“أنا أفعل ذلك كل صباح، وكل مساء أيضًا”
رفعت عينيها لصديقتها:
“أغسل هذا الفنجان يوميًا مرتين، رغم أني لم أعد أستخدمه منذ أسبوع”
بحلقت فيها رقية بدهشة، ثم ضحكت:
“لديك حس فكاهي يا رشا”
التفت حولها:
“سأغير ملابسي، ثم نعد العشاء معًا”
أعادت رشا بصرها للحوض، فوجدت الفنجان متسخًا في مكانه، وكأنها لم تغسله من لحظات.
وضعت يديها في جيبها، وخرجت من المطبخ بهدوء، ثم جلست في مكانها المعتاد، ولفت نفسها بالبطانية.
خرجت رقية لاحقًا من الغرفة، وهي ترتدي بيجامة منزلية، حدقت في صديقتها بدهشة:
“ما خطبك يا فتاة؟”
“أشعر بالبرد”
“هيه! هل هي بوادر الزكام؟ لا تقلقي، سأعد لك قهوة دافئة تدفع هذا الخمول عنك”
اندفعت رقية للمطبخ، فنادتها رشا بهدوء:
“لا أريد قهوة”
أجابتها رقية من داخل المطبخ:
“ماذا تريدين إذا؟”
“دما!”
تجمدت رقية في مكانها، ثم ضحكت بصخب. أطلت من المطبخ نحو صديقتها وقالت بتهكم:
“هل تريدين دمي، أم أن أي دم آخر يفي بالغرض؟”
لكن رشا لم تجب.
تقدمت رقية نحوها بخطوات مترددة:
“رشا”
أطلت عليها، فوجدتها ترتعد مكانها والدموع تهطل من عينيها:
“ما الأمر؟ هل أنت مريضة لتلك الدرجة؟”
“لم أقل ذلك يا رقية”
“لم تقولي ماذا؟ لا تلقي بالًا لتلك النكتة. جميعنا نتفوه بالتفاهات”
رفعت رشا عينيها إليها وصاحت:
“أنت لا تفهمين يا رقية! لا تفهمين! تلك لم تكن أنا، لم يكن صوتي! هل سمعته؟ على الأرجح سمعته!”
دارت رقية حول الكنبة، وانحنت نحو صديقتها:
“رشا يا عزيزتي، ما الذي يحصل معك! لا ترعبيني”
اندفعت المزيد من الدموع من عيني رشا، ساح الكحل واختلط بالماء، فأصبحت عينيها بؤرة سواد:
“أرعبك! إني أرعب نفسي! كل ما أردته منزل وحياة هانئة بعد كل ذلك الشقاء الذي عشته. ضحيت بالمستحيل لأصل لهذا المستوى، وعملت بجنون لأؤمن لنفسي الاستقرار، فقط لأحصل على منزل مسكون!”
“ما الذي تهذين به يا رشا! منزلك جديد، بُني حديثًا. لعلك مرهقة بسبب الضغط الذي عانيته مؤخرًا. خذي إجازة من العمل للوقت الراهن”
أكملت رشا تمتمتها دون أن تعبأ بنصيحة صديقتها:
“كل ليلة يسحب الغطاء عني حتى صرت أخشى النوم في غرفتي. أغير ملابسي فيرفض هو أن يرتدي مثلي، يرفع شعري أو يسدله حسبما يشاء، حتى صرت أنا من تركض لتطابقه، لأكون مثله، صرت أنا الانعكاس لا هو!
أستيقظ ليلًا فأسمع صوت الكعب يطرق شقتي جيئة وذهابًا، يضيء الأنوار متى ما شاء ثم يطفئها حين يمّل. والآن! الآن يتحدث بصوتي ويحاكي نبراتي! إني على حافة الجنون يا رقية!”
“أنت منهارة نفسيًا فقط”
نهضت رشا في اندفاع مجنون من مكمنها، وتقدمت نحو مرآة الممر ووقفت أمامها، فانعكس أمامها في أفضل حالاتها، يبتسم ويسدل شعره بشكل متأنق، شتان بينه وبين رشا الباكية التي يسيح الكحل على وجنتيها.
ظهرت رقية خلفها، فانعكس انعكاسها بشكل اعتيادي، وظلت الفتاتان تحدقان في الانعكاس المتبسم لوقت طويل.
ثم بغتة مد هذا يده فانطبعت على المرآة.
تراجعت رقية في هلع، وتجمدت رشا في مكانها:
“ما هذا!”
فاحت رائحة العفن من جديد، تحول الحائط المطلي حديثًا لبؤرة عفن زاخرة بالديدان البيضاء.
حرك الانعكاس يداه، فقص شعره الطويل، وتساقطت الخصلات الطويلة على الأرض أمامهما من اللامكان.
حدقت رقية في انعكاس المرآة بذعر، يقف هناك مبتسمًا، متأنقًا كأنه حسناء… لكنه مقصوص الشعر!
أمسكت يد صديقتها وقالت بسرعة:
“دعينا نخرج من هنا يا رشا”
تجاهلتها رشا، ثم خطت خطوة نحو المرآة حافية القدمين.
تردد صوت الكعب العالي في الشقة، وظلت رقية تراقب الوضع شاخصة العينين.
تبدو صديقتها كمن سُلبت منه إرادته بغتة، كأن شعرها الطويل المقصوص قد رفع عنها آخر ذرات التعقل.
مدت رشا الباكية يدها نحو المرآة، فامتدت يد الانعكاس نحوها.
انطبقت اليدان.
أصدر المصباح صوت فرقعة عالية وانفجر، ثم انطفأت الأضواء جميعها، وغرق المنزل في الظلام.
لبثت رقية في مكانها متجمدة، تحرك بؤبؤيها المتسعان في الظلمة الموحشة.
بغتة، أنير المكان ببرق أزرق لماع، وخلال تلك الومضة الوجيزة لم تجد رقية لصديقتها أثرًا أمام المرآة، وكأنها ابتُلعت!
دفعت باب المنزل في رعب شديد، واندفعت للخارج وهي تركض، فكان أول من استقبلها حارس الأمن في المجمع السكني.
تعثرت الكلمات على شفتي الفتاة وهي تحكي فظاعة ما رأت، فظنها هلاوس فتاة ثملة، لكن عمله فرض عليه الذهاب لتفقد الأمر.
توقف عند الباب المفتوح وقتًا طويلًا يحدق عبر العتمة، عله يرى شيئًا مما أخبرته به رقية.
أبرق البرق من جديد، فرأى فتاة طويلة القامة منسدلة الشعر تقف أمام المرآة وهي تضع كفها عليها، فتاة آية في الحسن والجمال.
التفتت نحوه وابتسمت ابتسامة واسعة، بينما انعكست في المرآة فتاة تشبهها باكية العينين، وفي عينيها نظرة رجاء وهزيمة.
وفي المرة الثانية التي أبرق فيها البرق، لم يرَ الحارس أحدًا. اختفى الاثنان معًا.
ترددت ضحكة عالية في أرجاء المنزل الفارغ، وصدر صوت كعب عالٍ قادم من غرفة النوم.
استدار الحارس على عقبيه هربًا لهول ما رأى وسمع، ونجا بنفسه.
وفي اليوم التالي لم يكن هناك وجود لفتاة تدعى رشا!
………………………..……
“هل أنت أمجد عبد الله؟”
انطبعت ابتسامة رقيقة على شفتي الشاب الوقور، انعكس شعاع الشمس على عينيه الخضراوتين، وبدت وجنتاه حمرواتين تعكسان صحة الشباب والحيوية:
“نعم”
ابتسم الحارس بأدب وهو يتأمل الشاب الهادئ:
“تفضل مفاتيح منزلك”
“شكرًا لك”
استدار أمجد مبتعدًا، واتجه نحو المنزل. فتح الباب فانفتح بسلاسة ودونما أي صوت.
لم يخلع حذاءه، بل اندفع يتفقد المنزل، فتردد صوت طرقات حذائه الجلدي فوق الأرضية اللامعة.
مر بالصالة، ثم المطبخ، وتوقف هناك يحدق طويلًا بكوب أنثوي عليه اسم رشا غارق في الحوض، وبه بقايا أحمر شفاه.
مد أصابعه الطويلة فالتقط الكوب، وفي ذات اللحظة تردد صوت طرق كعب نسائي في أرجاء المنزل.
رفع أمجد رأسه ببطء، فلم يرَ أحدًا.
وضع الكوب من يده، وخرج من المطبخ، وتفقد المنزل بعينيه.
ثم توقف عند غرفة النوم.
حدق بالمرآة الطويلة، انعكست صورته على الزجاج المصقول.
اقترب من المرآة وحدق في وجهه لوقت طويل، مرر أصابعه في شعره الناعم، وحرك رأسه بعبثية لا معنى لها، ثم ابتسم ابتسامة جانبية كشفت عن ثقة مفرطة.
في النهاية استدار مبتعدًا، لكن الانعكاس خلفه ظل واقفًا بثبات.
ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة، وظهرت نظرة شيطانية في عينيه الخضراوتين.
انتهى.
تدقيق وتحرير : أزيز الصمت .
مراجعة وتدقيق : جمال علي العابد .
رنا تحية طيبة أعجبتني القصة لتناول موضوع مهم وهو المرايا وما تعنيه من رعب احيانا المرايا تحمل غموضا انا شخصيا احس به خاصة في ساعات الليل المتأخرة فاتجنب النظر اليها لأنني اخشي ان أري احد واقف ورائي .
لست ادري من يشاركني الرأي
تحياتي وفي انتظار جديدك وابداعك
علي
تم نشر قصتك على صفحة الموقع بفيسبوك، يسعدنا متابعتك للتفاعل هناك والمشاركة مع القرّاء 🌿
https://www.facebook.com/61573098963302/posts/pfbid02X4VSRwKhLnnrZ9zvaZgfQD499XavmbDN4miSsg8L6Voj9qCWH17xXryYurjYyT4Tl/
كما نرجو من متابعي كابوس الكرام متابعتنا على صفحة فيسبوك، حيث نقدم أنشطة مميزة ومحتوى متجدد باستمرار، ويسعدنا انضمامكم وتفاعلكم معنا.
مبدعةٌ كما العادة يا رنا …ما شاء الله عليكِ يا عزيزتي 🥹🤍
اثناء قراءتي للقصة تخيلت لو انها كانت مُصورة ( ويبتون ) حتماً ستكون رائعة في سلسلة قصيرة من قصص الرعب المُصورة !
حبوبتي شادية، أنت الرائعة لأنك اقتطعت من وقتك جزءا لقراءة قصتي الصغيرة.
ناه، الرعب ليس تصنيفي المفضل، لكن القصة كانت تجربة، لا أعتقد أنها ترقى لتصبح قصة مصورة فهي تحتاج المزيد.
دمت بخير عزيزتي
سلام عليكم مساء الخير على الجميع
وتحية إلى الأخت الكريمة الكاتبة رنا ومبروك العمل الجديد والنشر في الموقع الرائع
ههه هه رائع رائع يا أختي الكريمة رنا أجواء رعب بلمسات انثويه ههه
احمر شفاه وخصلات شعر كثيفه وصول إلى الأحذية النسائية الكيوت ههه
بالفعل أكشن رعب ناعم رغم النهاية المأساوية
من الناحية الفنية كل شي تمام وفي مكانة اللغة والأسلوب و السرد الانسيابي وبنكهه التصوير السينمائي الإخراجي
وأيضا وكما جرت العاده من قلمكم المبدع
شخوص ناطقه وذات أبعاد حيوية
وبالفعل الجوانب الفنية تستحق الكثير من الإشادة لولا إني لا أريد الاطالة عليكم
ولكن لو كان مسموح لي من أبداء شيء من الملاحظات قد يذكر منها مثلا
اولا
الفجوه الربطيه ما بين كيف ولماذا
هنا المقصد أختي الكريمة انه عرفنا كيف تجارت كل هذه الأحداث وبكل هذه الدقة من التفاصيل
ولكن ما زلنا أمام فجوه او هوه
لماذا حصل كل هذا الذي حصل
في النهاية نحن لا نقدم اخاثه عبثيه او مقلب من ال مقالب السوداء غير المحسوبه وصادفت من وقعت عليهم شزرا
بالتأكيد لكل هذا من خلفية من دافع من محرك من تاصيل
حتى كما ذكرنا لا ناخذ الصورة لعبثيه
وهذا ياخذنا إلى الملاحظة التالية وهي
غياب التاطير المسلكي للحداث
أي بمعنى لم يكن هنالك أبعاد لا أخلاقيه ولا تفسريه ماورائيه
وغيرها توضح لنا ماهيه ما يدور على هذه البقعة بالذات عن غيرها و تلك المرايا من دون أخواتها
هل نحن أمام انتقام هل هو سحر هل هو ما يعرف بالعاشق او المطارد او مهما كان اسمه من تلك العوالم الخفية
أعتقد لو كان هنالك شيء من الربط الأخلاقي اوالمسلكي أو حتى الخفي
كان سوف يعطي العمل عمق إنساني وجداني أكثر
ماذا لو قلنا أن هذه الفتاة التي لا تتجاوز السابعة والعشرين من عمرها وتحصل على كل هذه الثروة قد حصلت عليها مثلا من خلال تلاعب ما جريمة ما جنحة معينة أو حتى بالعقوق معينه يخص اهلها
ونحن وأمام انتقام معين أو هذه البقعة لها من حكاية وقصة أو تلك المرايا
ربما كنا نحتاج إلى هذا الخيط الرفيع الذي يجعل الخلفية والحدث أكثر تماسك
أخيرا في باب الملاحظات
خاتمه اللعنات الشهيرة ثم لم يبقى أحد . ولكنك قد تكون أنت التالي
في الواقع أختي الكريمة نرى هناك النهايه هي امتداد لصيروره والوتيمه المعروفة في باب ادب أو مدرسة اللعنات إذا صح التعبير المتداوله في باب قصص الرعب والإثارة والأكشن
والذي ينطوي تحتها رموز باتت شهيرة مثل لعنه الرقم 13 من طوابق وسلالم ومصاعد وغيرها
او المرايا والكتب والدمى أو غيرها
يصادف انه أحدها وحسب كل سيناريو وقصة قددتلبسها شكل من أشكال اللعنات
التي سوف تجعل جميع الأفراد الذين يقتربون منها اما إلى فناء وتشتت وضيع
ثم الانتظار من هو الضحية التالية
أعتقد هذه الصور من الخواتيم تحتاج شيء من التجديد
وربما تجعل جزء منها يكون أقرب إلى المنطقية وبعض من الواقعية سوف يطفي عليها شيء من التجديد والتشويق
مثلا ماذا لو كان كل هذا في الاصل من صنع وتدبير من زميلة الضحية في العمل أو غيرها من الأنماط والأفكار
ربما كان سوف يكون فيها شيء من التغيير البسيط ولكن يقلل شيء من الرتابه المتوقعة والمعتاد في مثل هذه الخواتيم ذات الاطر المغلفه اوالمعلبه
وتقلل في بعض الشيء شكل من أشكال التكرار في مثل هذه الأنماط من القصص
قد يقال أن العمل هنا مبني على روح المشهد وليس الفكرة اوالحبكه
هذا قديصح في حال عدم وجود التكرار الذي صار يلف كل تلك ال مشارب من الأعمال
اما وإننا ربما وقعنافيه هنا
من هذا المنطلق صارت النهاية تقريبا تقريبا شبه معلومة أو مكشوفة
يفضل ابتكار زوايا أخرى في مثل هذه الأعمال حتى تكون أكثر جاذبية عن الذي سبقها من ما هو مطروق بقوة
شكرا لكم أختنا الكريمة رنا إن شاء الله القادم أفضل مثل ما هو الحالي رائع تحياتي
تعليقك هذا يحتاج وقتا سأعود
سلمت يداك ي رناء المبدعه
وبصراحه اعجبتني كثيرآ فهي قصه دراماتيكيه مخلوطه بالرعب والغموض وعشت مجرياتها ليس فقط بالقراءه ولكن ايضآ بالخيال الصوري للاحداث والشخصيات والمكان
سؤال
من الأفضل بيت جديد ومزخرف وبحي راقي ويوجد بداخله نفس احداث رقيه !!
او بيت حجري قديم وبالريف الجبلي الوعر ولكن انعكاس مراته طبيعيا ؟؟
أهلا بأبي محمد، أنرت قصتي المتواضعة.
الرعب لا يقوم على البيت، بل على الأحداث، حتى لو كان المكان قصرا فخما بالذهب والثريا، الوصف الصحيح والكاتب المتمرس يستطيع بث الرعب بين جوانب المنزل.
المكان مجرد أداة بيد الكاتب وهو من يتحكم فيه.
يسرني أن قصتي أعجبتك، شكرا لمرورك.
سلامي وتحياتي يا كاتبتنا التي توقف القلب
كمية الرعب في القصة غير طبيعي
من يكتب او يؤلف مثل قصتك هذه فمن المفترض ان يؤلف افلام رعب او يكتب السيناريو ويتم عرضه على النت في مواقع تهتم بهذه الخصوص فأنا واثق ان مجهودك سيثمر ويتكلل بالنجاح
انا عن نفسي اتخيل تفاصيل القصة فقرة فقرة فوجدت نفسي امام كاتبة تجعل القلب يرتجف وشعرت ان مشطت شعري ارادت ان تأخذ شكل آخر
اقولها بصراحة ودون مجاملة ولا تهويل انتي كاتبة الرعب الاولى برافو رنا برافو
جعلتيني في اول القصة ابتسم بوصفك الجميل لملامح رنا التي تأسر تلقلب شعر اسود ممتد كأنه شلالات سوداء وعيون واسعة كعيون المها يزينها خطوط كحلية جريئية
وصفك هذا جعلني اتذكر أشياء بحسرة ما بعدها حسرة
ولكن ما بقي من قصتك ازال الحسرة واستبدله برعب جعلني الملم نفسي وشتاتي كالذي يتجهز او يستعد لظهور شبح او عفريت ما
لما لم ترحمي هذا الجمال يا رنا لماذا يا عزيزتي كانت رشا كبش الفداء ياللقسوة والغلظة
بالمناسبة يارنونه قلبك من حديد يعرف كيف يجعل من الاحرف والكلمات كابوسا مرعبا وهذا هو ادب الرعب بكل ما تحمل الكلمة من معني
استوقفتني جملة اريد الدم هذه العبارة اضافت للقصة شكلا جديدا ورعبا يضاف الى كمية الرعب الذي يخيم على المكان
اتسائل هل كان لعبدالله وابتسامته الخبيثة يد فيما حدث لرشا
كما اني اتسائل دائمآ كيف او من اين يأتي الكتاب بالافكار المرعبة منها والجميلة والمثيرة والمشوقة
فالجواب هو مما يشاهدون من افلام ولكن بطريقة اخرى
رغم اني مهووس بافلام الرعب الا اني عاجز عن ايجاد الفكرة
ولكن شي بداخلي يقول لي انت لا تجد الفكرة ليس لانك عاجز بل لان الكاتب يحتاج لمن يفهمه
زفي الختام ايتها الفتاة الحديدية استمري
وتقبلي خالص التحايا والــــــــــــــــــــسلام
طارق، صحيح، أنت من الأصدقاء المخلصين لكابوس، رأيتك كثيرا (حين كنت متابعة صامتة) هذا إذا ما كنت طارق الذي أعرفه.
كيف حالك يا صاح؟ اختفيت مع الليل؟ 😂
حقا القصت مرعبة؟ ليست أول تجربة لي، لكني لست ماهرو في الرعب لأن الأمر ينتهي بي بالغوص في التفاصيل وذكر صراعات داخلية للشخصيات، بينما الرعب يعتمد على المفاجأة والسرعة المباغتة، لكن تعليقك الصادق هذا ولأكون صادقة صنع يومي تماما، فقد كنت محبطة قليلا يوم قرأته، فسبحان الله كيف كلامك غير يومي.
سعيدة أنها أرعبتك😅😂 أتمنى أنك ارتجفت قليلا لاني عملت بجد على هذا وربما لم أنجح كثيرا.
لست الأولى في الرعب يا طارق، أفتقر للموهبة كثيرا خصوصا في تنصيف الرعب، لكن كلامك محل شرف لي، بل وسام ذهبي سأحتفظ به، سلمت.
أما التفاصيل، أنا ماهرة في التفاصيل، بل إني من المستحيل أن أكتب قصة بلا تفاصيل، لكني أبالغ فيها قليلا أحيانا لدرجة تبطئ وتيرة القصة.
كيف وجدت الفكرة؟
هذه الفكرة بالذات، خصوصا، استعملت فيها الذكاء الاصطناعي، قلت له: أريد كتابة قصة رعب كتحدي، عن منزل مسكون، والشخصية الأساسية أنثى.
ثم بدأت أطرح عليه أسئلة بخصوص اللعنات😂 ولكني لم أستعمل منها شيئا.
لكن للأمانة، الكتابة، حرف بحرف، هي نتاج جهد شخصي، كي لا يلتبس عليك الأمر.
كان مجرد نقاش ساعدني لتخيل محيط الرعب لأني لست ماهرة فيه، وأنا صدقا يا طارق لا أشاهد أفلام الرعب…ليس وأنا وحدي😂 لذا أن أستلهم الفكرة من فلم هذا مستبعد.
شكرا لتعليقك الجميل، دمت طيبا.
لا تدع الليل يبتلعك..
قصة رائعةة دمت. ودام قلمك
دمت بخيؤ 💜
شكرا لك يسعدني انها اعجبتك
قصه مرعبه راىعه جد شكرا للكاتبه علا هاذا الابداع برك الله فيكي
شكرا لك أبو هشام.
ليست مرعبة لتلك الدرجة لكني حاولت
مبارك لك العودة إلى الكتابة أخت رنا وكما هو متوقع من كاتبة محترفة وصاحبة قلم مبدع جاءت القصة جميلة وكان التدرج فيها لافتا وممتعا
أدعو الله أن يدوم إبداعك وتألقك
أهلا صخر، هذا قليل مما عندك صديقي
شكرا لمرورك وتعليقك الجميل