الهاربة
الساعة تدق في رتابة معلنة أن الليل قد انتصف , رفعت عيني عنها وقلت لنفسي وأنا أنظر إلى أغراضي
– الساعة الآن الثانية عشر بالضبط من المؤكد أنه ينتظرني الآن في المكان الذي اتفقنا عليه لابد أن أسرع حتى لا أدعه ينتظرني .
هكذا حدثت نفسي وأنا ألملم أغراضي ما خف منها والضروري فقط , ومن بينها التقط صورة لوالدي , وما أن نظرت لها حتى تسللت دمعة حزينة لتنسدل على خدي وبدأت الذكريات تجتاح خيالي وتطرق أبواب عقلي وأنا استرسل معها فأتذكر كم كان حنونا علي لم يتركني يوما , كان أحن على من أمي , كان يداري عنا جميعا مرضه , كان يبتسم وهو يدارى أوجاعه , كان يخاف أن يحزننا ولو لحظة , كان لي أنا بالأخص دنيا وجنة أعيش فيها وحدي , كان بمثابة أخ لي وصاحب ووالد , رحوم بي , كان يلاطفني حينا ويضحك معي حينا آخر وينصحني باللين , لم يقسوا علي أبدا حتى خطفه الموت منا تاركا مكانه خاويا .. رحل ليتركني لأخي القاسي القلب ولرغباته الجامحة ولأم سلبية أمام عصبته , وها أنا اليوم أقرر أن اهرب من هذا السجن الذي احتجزني فيه .. لن أضيع ما بقى من عمري ..
– أما زلت تبكين يا قطتي الصغيرة ؟
وكأن بركان ثائر يشعل خداي بحممه الملتهبة .. وهتفت قائلة :
– لقد تعبت يا أبتاه كيف تتركني لهذا العذاب وحدي ؟ .. لما تركتني أعاني ويلات أخي ؟
فتح ذرعاه لي ولاحت ابتسامة عذبة على ثغره فهانت كل همومي معها وهرولت كطفلة صغيرة لألقى بنفسي بين ذرعاه فرفع بأنامله طرف وجهي إليه لأنظر في عيناه فأهيم فيهما وأبتسم أكثر قائلا :
– هوني الأمر عليكِ يا قطتي وتماسكِ فلقد عهدتك قوية صلبة لا تهزمي بسهولة .. ثم أن دوام الحال من المحال وأننا جميعا مفارقون سواء طال الآمد أم قصر هذا هو حال الدنيا وهذا قضاء الله فلا تبتئسي ثم أنى لم أتركك ولو للحظة أنا بجانبك دوما وتذكري أن الحياة ما زالت أمامك طويلة.
وابتعدت عنه قليلا لأجلس على حافة سريري وأقول :
– وهذا سبب مأساتي .. لقد أخبرت الجميع بأمرك ولم يصدقني أحد ورموني بالجنون وقسى على أخي وضربني وأهانني وعذبني وفى النهاية إحتجزني لشهور في غرفتي حتى يئست وامتنعت عن الطعام ومنع هو عنى كل الناس خطيبي وامي وأختي حتى أولادها الصغار ورغم بكاء الجميع من أجلى لم يشفع هذا أمام تعنت أخي وقسوته وشدة أمره.
– يا بنيتي ما زالت الحياة أمامك ممتدة ابحثي عن السعادة بنفسك وغيري الواقع .
وهنا أهب واقفة أمسح دموعي وأقول في شموخ وقد أخذت الشجاعة مني كل مأخذ :
– اتصلت به بطريقة ما وبالتأكيد انه الآن ينتظرني .. فالساعة الثانية عشر ..
الثانية عشر !! ..
تذكرت حان الوقت ولا داعي لأن أضيع الوقت أكثر , لملمت أغراضي بسرعة ومعها لملمت أشلائي الحزينة وأمسكت حقيبتي وفتحت باب غرفتي وقبل أن اخرج تناهى الى مسامعي صوت والدي وهو يقول :
– إفعلي يا قطتي ما تريدين أهم شيء عندي أن أراكي سعيدة وأرى الابتسامة تزين وجهك مرة ثانية كما عهدتك دوما يا صغيرتي .
لم أعلق على كلامه لكنى أغلقت الباب بهدوء ودلفت الى الردهة , كانت مظلمة إلاّ من بصيص ضوء خافت يتسلل من إحدى النوافذ , نظرت إلى المكان وتذكرت كل حياتي السابقة .. وأغمضت عيني بأسى , سيكون هنا دوما حنين بداخلي لهذا البيت مهما عانيت فيه , ففيه أيضا عشت أجمل أيامي و …
– عمتو (وفاء) .. عمتو (وفاء) .
فتحت عيناي لأرى ابنة أختي ذات الثلاث سنوات قد فتحت باب غرفتها لتجدني واقفة , لم أعرف أين أذهب فكنت أخشى خروج أخي ليمنعني ودق قلبي بعنف , ثم خرجت أختي ونظرت إلي , أو ربما لم تراني وكانت تنظر لصورتي المعلقة خلفي على الجدار ! .. ومرت ثواني .. ولمحت الدموع في عينيها ثم احتضنت صغيرتها وهي تقول قبل أن تدخل غرفتها مرة ثانية وكأنها تغطي على لتعطيني فرصة للهروب من جحيم أخي :
– لا احد هناك يا صغيرتي.
وما أن دخلت أختي حتى أطلقت ساقي للريح أهبط الدرج بسرعة لا أعرف كيف أترك شارعنا وكان قلبي يدق بعنف وكأنه أرنب صغير يقفز بين ضلوعي حتى أنى أكاد أجزم أنه سيقفز خارجا بين اللحظة وأخرى إلى الشارع ليقع أسفل قدماي .
كانت الشوارع تقريبا خالية وبعضها مظلم , لكنى لا أبالى , أنهب الأرض نهبا وأنا أفكر في شيء واحد هو ألاّ يمسكني أخي وأعود لسجني مرة أخرى .
كلب يعوى لا أبالى ..
أخيرا وصلت إلى المكان المتفق عليه وأنا أقف وأنتفض كالفرخ المبلول وأنظر إلى ساعة يدي بقلق .. وما أن تمر ثانية حتى انظر إليها مرة اخرى ثم انظر إلى بداية الشارع .
– أين هو؟
أسأل نفسي وأنا التفت يمينا ويسارا , وكان هناك ثلاثة شباب واقفين قبالتي من الشارع , لكني لم أبالي لهم وأخذت أطمئن نفسي وأتذكر وجه حبيبي وهو يحمل زهور الياسمين , فهو يعلم أني أحبها ولم ينساها يوما ولم يتخلى عنى أبدا و …. ها هو قد أتى وأخذ يقترب مني .. وفى كل خطوة تقترب أمالي .. سأهرب معه وأعيش حياة جديدة في مكان جديد وسأثبت للجميع أني عاقلة ولست مجنونة .. لكن مهلا ! .. ما هذا الحزن الذي يكسوا وجهه ؟ .. وما أن وقف أمامي حتى سألته :
– ما سبب حزنك ؟ هل هناك خطب ما ؟ .
لكنه لم يرد علي بل وضع زهور الياسمين أسفل قدماي وتركني .. بكيت أكثر وأخذت أناديه لكنه لم يرد وتركني وحيدة وأخذ يبتعد … ويبتعد … ويبتعد
* * *
– من هذا الرجل الذي وضع زهور الياسمين على الرصيف ؟ وما قصته ؟ …
هكذا سأل أحد الشباب الواقفين في الشارع قبالتي , فأجابه الآخر :
– إنه أحد العشاق المجانين , أسمع أنه كان يحب فتاة مجنونة هربت من محبسها حتى تلقاه هنا في هذا المكان الذي وضع فيه الياسمين , لكن قبل أن يلقاها خرجت سيارة وصدمتها بقوة ففارقت الحياة في الحال , ومن يومها يأتي هذا العاشق لوضع زهور الياسمين في نفس الميعاد من كل سنة , ويقال أن بعض السكان هنا يلاحظون في بعض الليالي أن ثمة فتاة تقف في نفس المكان تحمل حقيبتها وتنظر بين الحين والآخر إلى ساعة يدها وكأنها تنتظر شخص ما أو أنها على عجلة من أمرها أو أنها هاربة من شيء ما ..
نعم .. هاربة من شيء ما .
تعليقك .حقا قصة موءثرة جدا يالا النهاية كم هيا تعيسة
AMAZING but also sad
أحببت هذه القصة لأنها قصة معبرة لاني احب قصص العشاق شكرا على هذا الموقع الرائع
أحببت هذه القصة لأنها قصة معبرة لاني احب قصص العشاق شكرا على هذا الموقع الرائع
جميلة جدا راعة كررت الاحداث او هذا ما خلت
مبدعه،لقد احببت القصه كثيرا
ياااه .. ادهشتني قصتج يا اختي ، وايد حلوه ماقريت بحياتي كلها قصه من هاويه بهده النكهه ..
الحبكه ممتازه ..النهايه غير متوقعه..والشخصيات مؤثره.. امامج مستقبل باهر ان شاء الله..
لطالما كنت متأكد من ان مصر هي منبع الادب .. احلا مافي حكايتج فصاحة العربي . كم اشتقت لسماع الكلام العربي من حولي ..
تحياتي لك اختي من مصر . اخوكي حمدان الاماراتي مقيم بكندا ..:-)
صراحة..
اصبت بقشعريره في جسمي في نهاية القصه!!
بالفعل قصة اكثر من رائعه!!
لقد عشت تفاصيلها لحظة بلحظة..
لقد ابدعت يا صديقي
بانتظار المزي من قصصك…
ماشاءالله تبارك الرحمن. .. سرد رائع لقصه رائعه ادخلتني في أحداثها احيكي اختي ابدعتي ابدعتي ابدعتي…. لك كل التوفيق
قصة جميلة جدا احسنت
لقد شرفنى مروركم وقد أخجلت تعليقاتكم الرائعة قلمى المتواضع وسأضع فى حسابى كل نقد بناء واشكر كل من تشرف وتكرم ليكتب تعليق لى وكأن كل تعليق ما هو الا نقطة مطر فى صحراء قاحلة فتنبت بدلا من الزروه ابتسامات وسعادة على وجدانى وقلمى الحائر عموما اشكر الجميع من أول تعليق الى أخر تعليق واعزرونى لو لم أذكر شكر لكل شخص بعينه فأخشى ان انسى أحد وكلكم تهمونى فقد أصبحتم كمصابيح تنير لى الدرب ورغم انى عازف عن الكتابة بعدما تأخرت القصة كثيرا فقد بعثتها من شهر او ربما اكثر حتى ظننت انها لن تنشر ولكنى سأعاود الكتابة طالما هناك أناس مثلكم ما زالوا يعرفون قيمة الكلمة والمعنى
أخواتى الأعزاء مهما قلت من كلام اعتقد انه لا يوافى حقكم عموما شكرا للمره الأخيره على تشجيعكم لى
اه نسيت حق المشرفين شكرا لكم
والبوص اياد شكرا عن جد لإتاحة الفرصة لى فى نشر شىء لى فكل التحية والتقدير والإحترام لك يا صديقى العزيز
بائع النرجس
قصة جميلة ومحزنة و عرفت انها شبح عندما لم تلحظها اختها في انتظار قصتك التالية , يا بائع النرجس
من اروع ما قرات اجمل شي النهاية رغم انها حزينة نوعا ما
لكنها جميلة جدا والقصة كلها روعة استمر اخي اريد ان ارى الكثير من قصصك في هاذا القسم وغيره انت هكذا ★★★★★ نجم الكتابة…تحياتي لك وبالموفقية
جيد:)
رائع،استمري
يا إلاهي..قصة من أروع ما قرأت
قصه روووووووووووووووووووووووعه جدا لمن المفروض بنت اختها تناديها خالتو بدلا من عمتو .. بالفعل من اروع ما قرات
انا كسولة في قراءة القصص و لروايات لكن ان اعجبتني البداية و شدت انتباهي اتزحلق فيها الى الاخر لاكملها، و ان لم تشدني البداية تجدني اهرب سريعا و لا اكمل،
هدا لكي ينتبه اصحاب القصص و الروايات الى البدايات و جعلها اجمل و اكثر تشويقا و اقل غموضا و تعقيدا، خلو الغموض الى وسط القصة و مع تسلسل الاحداث حيت يكون القارء قد قرا و تعرف على الشخصيات و استانس بالديكور العام للقصة، اما حين تكون القصة مشبكة من اولها، تخلق شعور بعدم الراحة و التقبل، و بالتالي تخف الرغبة في متابعة القراءة،
القصة اعلاه حبيتها كثير، بدأتها فلم اجد خيارا اخر غير ان اكملها الى اخرها،
قصة حلوة و نهاية غير متوقعة، سلمت يداك
قصة رائعة ومؤثرة
أبو أياد … أين انت …؟؟؟
أخي الكريم .. من أجمل ماقرأت . لم أكن اعرف ان لديك هذه الموهبه الجميله . لماذا اذا تحرمنا منها .
أنتظر لك المزيد من المقاﻻت ..
سﻻمي ﻷيودي .. قلوا عمتو بتسلم عليك هواي هواي .
جميلة، بدات اشك في انها شبح عندما لم تلحظها اختها
جميله..لكن غامضه وتثير الحيره فهل اخاها شبح ايضا
جميلة تسلم ايديك
رائعة
قصة جميلة ومحزنة
القصه اكثر من ررائعه
ررررروووووعه
قصه جميله جدا واكثر من رائعه
ما هذا الجمال رائع واسلوبك مختصر جذاب
جميلة جدا رائعة القصة و معناها جميل احسنت يا بائع النرجس
تعجبني القصص التي تُسرد بطريقة عكسية
جميلة و مُعبّرة و حزينة
و المصطلحات الأدبية التي استخدمتها بالقصة , تدلّ على ثقافتك الأدبية .. و المامك بالفن التصويري للقصة
في انتظار قصتك التالية , يا بائع النرجس