رسالة من الدكتور (حالة مستعصية)
قبل تقاعدي – ليس بزمنٍ طويلٍ – زارني شخص في عيادتي ، للوهلة الأولى شعرت أنه غريب الأطوار ، لن أذكر اسمه حفاظاً على سرية المريض ، أتى هذا ” المجهول ” زاعماً أنه سيموت قريباً ، و مرض الزهايمر اشتاح ذاكرته المُرهقة ، شخصه بعض الأطبّاء قبل قدومه إلى عيادتي .. في البداية هدّأت من روعه قليلاً ، و بعدها قصّ علي ما يحدث معه بالتفصيل الممل ..
قال أنه يصاب بفقدان ذاكرة تام عند حلول المساء و لا يتذكر أحداً إلا بعد بزوغ الفجر ، يذكر كل شيء في الصباح و لكنه لا يذكر أي شيء حدث معه في المساء ، و هذه الحادثة تتكرر معه بشكل يومي و عند المساء تحديداً .. مصاب بالاضطراب دائماً و تفكيره مشتت ، يحزن لكل شيء و موسوس لحدٍ كبيرٍ ، يعاني من الهذيان المزمن و قال أنه في مخاطبة الناس يسكت فجأة كأنه لا يعرف شيء عن المحادثات التقليدية بين الناس ، لا يعرف الكلام و لا الحبكة و لا التعبير و لا أي شيء ..
و هو مصاب بصداع مستمر ، و ما زاد استغرابي هو انعزاله عن العالم لمدة خمس سنوات عدا الأطباء الذين زارهم و زيارته لي ، ذُهلت لكثرة التشتيت في هذا العقل ، و هذا المجهول عمره لا يتجاوز الثالثة و العشرون عاماً ..
بعد أن طمأنته أنه غير مصاب بمرض ” الزهايمر ” طلبت منه فحوصات شاملة قبل أن أقوم بفحص دماغه ؛ أخشى أن يكون مصاباً بمرضٍ خبيثٍ في جسده و من ثم انتقل هذا المرض إلى دماغه .. و بالفعل قام بعمل التحاليل التي طلبتها منه ” كريات الدم البيضاء و الحمراء ، سيولة الدم في الشرايين ، الهيموجلوبين ، إنزيمات الكبد و القلب و الكلية و البنكرياس ، فحوصات الغدد الدرقية و الكظرية و النخامية و الجلوكاجون – هو المسبب الرئيسي للضغط النفسي و عوامل نفسية أخرى – ، و العديد من الفحوصات الأخرى التي طلبت منه عملها ” ..
هنا كانت الدهشة ( عندما رأيت الفحوصات ) ، إنه معافى تماماً من جميع الأمراض التي كنت أهذي بها ، انتقلت لفحوصات العقل و الخلايا و شرايين الدماغ ، أثبتت التحاليل أنه يعاني من ” انحياز البارانويا ” و تعني مرض الهذيان الدائم و بداية الانفصام ، لكن هذا لا يفسر جميع التداخلات التي حدثت معه فطلبت منه أن يمكث في عيادتي ، من بداية فقدانه للذاكرة – أي عند المساء – لغاية أن ينام ؛ كي أضع عليه جهاز الاستشارات الدماغية ، حتى أتمكن من مراقبة دماغه ليلاً ..
جلست أنا و المجهول نتبادل الأحاديث هنا و هناك و فجأة دون سابق إنذار نظر إلي بطريقة غريبة ثم قال : أين أنا ؟ و من أنت ؟ .. قلت له : أنا الطبيب ( جان أوليفييه ) و أنا هنا لمساعدتك .. ابتسم و تفوه بكلمات لم أفهمها بتاتاً ، قدمت له العشاء ، كانت طريقة أكله غريبةً جداً ؛ لأنه حين يصاب الشخص بفقدان تام للذاكرة لا يعرف استخدام أدوات المائدة ويأكل بفمه من صحن الطعام ، لكنه وضع الأكل داخل كوب العصير وشرب العصير كاملاً ، نظرت إليه بتعجب من أمره ، و بعد أن انتهى نظر إلي و كرر سؤاله : من أنت ؟؟ أجبته على السؤال و قلت له : أخبرتك سابقاً ألا تذكر ؟؟ نفى ذالك ، و ادعى أنه أول مرة يراني بها ..
الساعة قاربت العاشرة ، قال لي فجأة أنه حان موعد نومه و يريد أن ينام !! تعجبت كثيراً ، كيف لشخص فاقدٍ للذاكرة أن يعرف متى موعد نومه !! .. و ما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غلبه النوم فقمت بوضع الجهاز على رأسه و ذهبت إلى حاسوبي المتواجد داخل مكتبي ؛ حتى أبقي عيناي على الإشارات الدماغية ، و أيضاً وضعت كاميرا ليلية حتى يبقى تحت ناظري طوال فترة نومه ..
الساعة الثانية عشر و عشر دقائق ليلاً ، هناك اهتياج في حالة الأحلام و هذا أمر طبيعي ..
الساعة الثانية و أربعون دقيقة فجراً ، بدأ يتفوه بكلمات غير مفهومة و ارتفعت اضطرابات النوم ، مثل الحركة القوية و حك الجسم و التقلب باستمرار دائم .. و لوهلة سريعة ارتفعت (التناذرات الهيبفرينية ) و تعني ثوران غير متوقع ، فترى المريض يقفز من فراشه أو مكانه بشكل لا تسبقه مقدمات ، وأحيانا بنحو مخيف ، وتشاهده قطب وجهه و تبدل ملامح النوم بالغضب ويقبض كفيه بقوة غير متوقعة من أية ردت فعل قد تكون عكسية ..
بسرعة نظرت للشاشة الكاميرا حتى أجده منتصب بجانب سريره وهو نائم كلياً ، والجهاز مازال متصل برأسه ، بقيت أراقبه بهدوء ثم جلس وعاد للنوم ..
الساعة الرابعة و عشر دقائق صباحاً .. وجدت ارتفاعات في استشعارات ( الشيزوفرينيا ) ويسمى بـ ( التخشب الجسدي) وهذا يحدث من جرّاء التهابات في الدماغ ، و هي ما تُؤدي لاتصال العقل بالجسد بسرعة فائقة ، مما يسبب تخشب المريض كما لو أنه قطعة خشبية ، و يدوم وقتها من ثانيتين إلى أربع ثواني حتى يعيد العقل الانفصال عن الجسد ..
عند الساعة الثامنة صباحاً كان العمل قد أرهقني بشدة ، و فجأة وجدته قد استفاق ، بسرعة ذهبت إليه فنظر إلي و كرر سؤاله ” من أنت ؟ ” و كررت له الإجابة مرة أخرى ، و ما بقي إلا دقائق من السكون التام حتى قال لي : صباح الخير يا دكتور .. عرفت أنه قد عاد لذاكرته ، و أخذت أسأله إذا كان يتذكر ليلة أمس ، أجاب بالنفي التام ، أنه لا يتذكر سوى الوقت الذي كان قبل الساعة السابعة مساء أمس ، لم أخبره ما حدث ليلة أمس ؛ خوفاً من أن يعكس هذا تأثير العلاج ، و لكن الآن أنا شبه متأكد بأنه التهاب حاد في المخ .. طلبت منه عمل أشعة المخ الليزرية ، و هذه تكشف إذا كان هناك التهابات قوية أو أوراماً مزمنة وتكشف خلايا المخ تحديداً ، هذا الأمر يحب أن يحدث في أسرع وقت ؛ لأنني بتُّ أشعر أن المُماطلة لهذا المريض تعني فقدانه ..
أُجريت الأشعة و كانت هنا المفاجئة الكبرى ، وجدت ارتفاعاً قوياً في شرايين ” الفصة الجبهِية ” تحديداً نسميه (البارانويا) و هي فصائل دماغية مسؤولة عن الهذيان المزمن للمريض ، و منها تتشكل الأوهام الاوعي ، لكن ارتفاع ضغط هذه الشرايين لا يشبه سوابق مرض (البارانويا) فهي تختلف عنها بعدة أشياء ، منها اضطهاد الأذى و هذا لا يأتي إلا بحالة (الزملة البارانوية) ، هل يحمل مرضين في نفس الوقت ؟؟ إنه أمر مريب حقا ، لكن حالته السابقة مع التشخيص قادتني إلى اعتقاد مرض (البارافرينيا) أي أوهام الذاكرة قبل النوم العميق ، هل هي حالة هلوسة ؟؟ لا أعتقد لأنه لا يتذكر إلا عند حلول الليل عليه ، ربما يكون انفصام بين الحالتين (البارانويا) و (البارافرينيا) ، حالات الانفصام كثيرة لكن الآن خانتني الذاكرة بتذكرها كلها .. حالته في تدهور مستمر ، إذا كان انفصام حسب هذا المعتقد ، إنه يتجه نحو الأسوأ ..
هناك نمط آخر من أنماط تدهور الشعور، ذلك هو النقص العقلي ، و هذا المرض ينشأ نتيجة أسباب عدوى فهو حالة من أمراض العدوى ، إنه مرض يتمثل فيه الارتباط، والتشويش، و فيه يفهم المريض ما يعج به محيطه ، و ما تحفل به بيئته من تفصيلات كثيرة ، يبدو أنه يعجز عن تنظيم تلك التفصيلات في وحدة يسودها الواقع ، يضاف إلى ذلك فقدان أي إحساس بـ (الأنا) فهذه الأنا تصبح فاقدة لمعناها .
يغلب على المريض الارتباك و تظهر عليه ملامح الحيرة ، ويلاحظ عليه أنه يرمق ما حوله بنظرات مخيفة ، و تراه يحدق بوجوه الناس بارتياب ، و عندما يلمح الأشياء من حوله يتلفظها بصوت مسموع و كأنه يعبر بذلك عن قابلية عاجزة ، مصدرها عقل قاصر عن التركيب ، و بعكس زملة الهذاء، فإنَّ النقص العقلي في هذه الحالة يمكن أن يستمر لمدة أسابيع، وربما يدوم أشهراً عدة ، و المريض لا يعلم متى بدأت معه الحالة ..
في تلك الفترة وضعت في حيرة من أمري ، خانتني جميع توقعاتي لم اعلم النتائج الحاصلة رغم خبرتي العالية و الكفاءة التي أتمتع بها ، إلا أن هذا المجهول كان أصعب الحالات التي مرت علي ..
بعدها بدأت أوضاع المريض بالتراجع ، فقدانه لذاكرته بدا أكثر من ذي قبل و لم يعد يتذكر إلا القليل ، لكن شخصت حالته ب (الزهايمر) إلا أنني مدرك تماماً أنه ليس هو ، والاحتمالات باتت تقتلني و أصبحت حالات التوهان للمريض كثيرة ، و بقي تحت مراقبتي لما يقارب أربعة أشهر متواصلة دون انقطاع مني ..
في ذالك اليوم المشؤوم ومن بعده قدمت تقاعدي بتاتاً ، كان المريض نائماً حوالي الساعة الثانية و النصف فجراً ، و بالطبع أنا في غرفة الأجهزة ، أراقبه ، لكني في تلك الليل كنت متعباً من السهر المتأخر و الاستيقاظ باكراً وإذ بي ادخل في غفوة صغيرة من شدة التعب لا تتعدى الخمسة عُشر دقيقة ، حتى استيقظت على أصوات الأجهزة تعلن ارتباكات عالية في الدماغ و مشوشة ، أنظر مباشرةً نحو شاشة الكاميرا حتى أرى ذالك المريض يهتز بشكل هستيري غير معتاد سابقاً ، و ما إن وصلت إِليه حتى وجدته مستيقظاً و كانت عيناه واسعة الحدقات بشكل كبير ، على غير هدى ناديته حتى أعلم من يكون تحديداً ..
نظر إلي وقال ” سأقتلك ” و قفز من السرير بشكل مريب وبدأ يلاحقني في الغرفة ، بالطبع انه غير مدرك لما يفعله عقله ، خرجت من الغرفة نحو غرف المشفى ، كنت في الطابق السابع للمشفى و لا يدخله إلا الأطباء والحالات المزمنة ، بدأ يطاردني من غرفة إلى غرفة حتى لبثنا في غرفة التشريح ، أمسك أداة حادة مثل السكين من الخزانة ، ونظر إلي بنظرة حزينة ، و بسرعة رهيبة أدخل الأداة في حنجرته حتى تخترق آخر رقبته ..
أصابتني الصاعقة من رأسي حتى أخمص قدماي ، ما الذي فعلته ؟؟ هذه نتيجتي !! هل أنا السبب في رحيل هذا الشاب عن الحياة ؟؟ ، علامات الاستفهام كثيرة ومتعددة
ما هي حالته بالتحديد؟؟ هل هي ( البارانويا ) ؟؟ أم ( البارافرينيا) ؟؟ أم هو (التخشب النومي) ؟؟
أم يكون (التناذرات الهيبفرينية) ؟؟ أهو (التوهان الامنفصي للانفصام) ؟؟ أم يندرج تحت نوع جديد من (الانفصام النفسي ) ؟؟
من تلك اللحظة إلى ساعة كتابتي هذه الرسالة و أنا في مجال محير للعقل وغير مفهوم ، حقاً إنها الحالة المستعصية التي لم تمر علي سابقاً !!
مقال مشوق ورائع جدا… خصوصا انا اعشق كل شي متعلق في علم النفس.. اعجبتني كثيرا
Bai bai :]
اعجبتني كثيرا والبداية كانت رائعة وخصوصا أن الموضوع فيه عن علم النفس*-* ووصف حالة الشاب المجهول بطريقة جيدة ومفصلة لولا أن المصطلحات المستعملة كانت صعبة وقد شعرت بالرعب أخيرا لما راقبه في أول مرة لكن النهاية والحادث لم يكن مثير بتلك الدرجة كان ليكون احسن….بالتوفيق واتمنى ان اقرأ لك غيرها.
مرحبا اختي الكريمة ،،
أولاً شكرًا لكِ اختي ،،
التوضيح ؛
_في البداية اختي من أساسيات الطب النفسي ،،
هو عدم الإيمان في الأدلة الحسية ، يؤمن فقط بالأدلة الملموسة ،،
وكما نعلم حالات التلبس هو دليل حسي لا ملموس او موثوق بالعين ،،
_اما بالنسبة للطبيب قلت سابقاً ان القصة بها عبرة
(انه افضل الأطباء في العالم رغم مهاراتهم ،
لديهم اخطاء جسيمة ويقع ضحاياها الناس ،،)
_للغرور والكبرياء مكاناً هنا اخفى الطبيب هذا المريض
من اجل كشف مرضه ظناً منه بأكتشاف يزيد من أهميته ،،
_الغموض شيء أساسي لكي يزيد من حبكة القصة ويجعلها واقعية اكثر ،،
قولي لي اي شي غير مفهوم حتى أوضحه لكي اختي ،،، لا مشكلة بذالك ،،
دمتِ بخير اختي الفاضلة ،،
وفي رعاية القدير ،،،
قصة جيدة لكن بها بعض الفوهات مثل كيف لطب النفس الا يؤمن بالتلبس وكيف للطبيب
هذا رغم مهاراته عدم التاكد من مرض المجهول وكيف استطاع الطبيب اخفاء المريض دون علم احد بهاذا الا تجد انها بها القليل من الغموض اذ لم افهم الكثير :/
ارجو التوضيح على العموم جيدة