سيعود غداً
الحب هو الظلام وليس غياب النور هو الظلام ، القناعة بأن الحب لن يعود هي قاتلة ، يقولون بأن الحب يدور في دائرة لكي يعود إلينا دائماً بأشكال مختلفة ، كحب الوطن أو حب العائلة ، أو حب أشياء وأماكن كنا قد نسيناها ، هناك بائسون في هذا العالم يبحثون عن الحب ولو لوقت قصير ، يلهثون وراء حب زائف ، حب قاسٍ يكاد يقتل من يقع فيه ، حب بلا مستقبل ، حب ليس في مكانه المناسب ، حب لمن لا يبادلهم الحب ، يمضون أوقاتهم بانتظار الحبيب المشغول عنهم ، ينهارون فيبدأون بالبكاء ، أعيادهم كوابيس ، والثواني في حياتهم ساعات يمضونها في انتظار من لن يأتي ، لا يطلبون الكثير ممن يحبونهم ، مجرد نظرة أو ابتسامة أو رقصة لمدة ثوانٍ في حفلة قد تطول لساعات .
كان يكفيني أن أراها ، ولو عن بعد أمتار ، كنت أريد أن أكون بقربها ، بدأت أختلق الفُرص لكي أكون قريباً منها ، كانت تحب شخصاً آخر ، لكني لم أفقد يوماً الأمل ، كنت أنتظر أن تتركه ، مرّت الشهور وأنا أنتظر ، كانت ابتسامتها لي تكفي لكي تجعلني أحلم وأنتظر ، اشتريت لها هدية عيد الميلاد ، كنت أنتظر الفرصة المناسبة لكي أعطيها إيّاها ، إلى أن قالت لي : لقد أحضرت لك هدية ، أخذ قلبي يدقّ بسرعة ، أجبتها : أنا أيضاً أحضرتُ لكِ هدية ، أسرعت وأعطيتها زجاجة عطرها المفضّل ملفوفة بعناية ، قالت : لكن هديتك ليست معي الآن ، لقد أحضرتها لك لكي ترتديها في مناسبة مهمّة جداً ، لقد اشتريت لك شالاً لكي ترتديه في حفلة العرس ، سألتها : عرس من ؟ أجابت : أنا و رامي سنتزوج ، لم أستطع إخفاء صدمتي ، فهِمت بأن هناك شيئاً ما أزعجني بشدّة ، لكني تظاهرت بأنها صدمة الفرح من أجلها .
تابعت حماسها قائلة : أريدك أن تطلب من أحد أصدقائك كُتّاب المسلسلات الكتابة عن العرس وتحويل القصّة إلى مسلسل ، لكي أشاهده وأقول : هذه قصّتي أنا و رامي ، أجبتها بهزة رأسٍ تدلّ على الموافقة ، كنت أفكّر : سأكتب قصّة زفافها من شخص آخر ، داخل مسلسل قصّته تُنسب إلى شخص آخر ، أجل أنا أكتب مسلسلات أبيعها بثمن زهيد لمن يريد أن يشتهر فيضع إسمه عليها ، أنا أكتفي بالقليل من المال ، وهم و بسبب شهرتهم يحصدون الكثير.
تظاهرت بإصابتي بتلبّك معوي ، قلت : القريدس الذي أكلته قد لا يكون طازجاً ، توجّهت نحو المنزل وأنا أشعر بالبرد ، جلست في المنزل وحيداً أرتجف ، الطقس ازداد برداً أم خيبتي هي التي أشعرتني بالبرد ؟.
كان العريس قبل العرس فرحاً ، كانت قد عرّفتني عليه قبل العرس ، وبما أنه أصبح يعلم بأني صديقها المُخلص فقد أراني المجوهرات التي سيقدّمها لها ، وسألني عن رأيي ، كُدت أن أتمزّق من الداخل ومع ذلك أجبته : جميل ، جميل جداً ، كُل شيء كان يتمحور حولها ، وهو كان يتصرّف كفائِزٍ في سباق عالمي .
أذكُر لقائنا قبل سنوات ، كانت صغيرة مرحة كالفراشة ، كانت ترقص في حفلة ، اقتربت منها و وقفت أحدّق في وجهها ، لم أنتبه بأنها توقفت عن الرقص و بدأت تنظر إليّ ، اعتذرت قائلاً : الموسيقى الصاخبة شتّتت أفكاري ، أجابتني : لا بأس ، أنا أيضاً أضيع مع إيقاع الموسيقى ، جملة منها كانت تكفي ، لقد خاطبتني وجهاً لوجه ، ماذا أريد أكثر من ذلك ؟ بعدها بأيام كانت تسير على الرصيف المقابل للرصيف الذي كنت أسير عليه ، شاهدتني ، أرادت اجتياز الشارع للوصول إلي ، ربما صدفة لا أكثر ، لكني ارتبكت و دخلت إلى أحد المحال بحجة شراء شيء ما ، شاهدت من الزجاج نظراتها الحائرة تبحث عنّي .
مرة ثانية كدنا نتلاقى صدفة ، لجأت إلى أحد المحال لكنها كانت جريئة فتبعتني ، كأنها أرادت استكشافي ، الجميع كان يتبعها وأنا كنت أفرّ منها ، لم أكن أتخيّل بأنها تهتم بي ، تكلّمنا ، خرجنا معاً من المتجر ، أوصلتها إلى قرب منزلها ، قالت لي : لما لا تدخل ؟ أجبتها : مرة أخرى ، لم أرد أن أتطفل ، لربما كانت دعوة عابرة .
كانت وقتها المطربة مادونا في قمّة شُهرتِها ، كانت تُقلّد حركاتها وتُغنّي مثلها ، ساعدها في ذلك جمال صوتها وأناقتها ، أنيقة منذ صغرها ، كانت محطّ أنظار الشُبّان ، واثقة من نفسها ، ألتقيتها في حفلة ، تكلّمت معي وكأنها تعرفني منذ زمن ، كانت نظراتنا قد ألتقت سابقاً عدّة مرات في الشارع ولكننا لم نكن أصدقاء ، كنت أرتجف من الدهشة وأنا أتكلّم معها ، هل يهمها أمري ؟ أمرها كان يهمني بالطبع.
بعدها بأيام كانت تحتمي تحت بلكون من المطر ، كنت لحسن الحظ أحمل مظلّة ، اقتربت منها وعرضت عليها إيصالها ، كُنا تحت المظلة ، كتفها كان يلتصق بكتفي ، شعرت بأني أمتلك العالم ، قطرة من المطر أصابت وجهها ، ظننت بأنها تبكي ، مسحت لها بأصبعي القطرة ، سألتها : سمر ، هل تبكين ؟ ضحكت وأجابت : هذه قطرة من المطر أيها الواهم.
أجبتها : تستطيعين أن تبكي إن أردتِ ، أطلقي دائماً العنان لمشاعركِ ، أجابت : أنا أحب الحياة ، لا شيء يحزنني ، لا شيء يستحق أن نبكي من أجله يا صديقي .
توقفت عند كلمة صديقي ، على الأقل تعتبرني صديقها وهذا إنجاز لي .
ألتقينا مرة أخرى ، وقفنا صامتين ، لم أعرف ما أقول ، هربت مني الكلمات ، ثم سألتها : هل تحبين الأفلام القديمة ؟ كان يجب أن أقول شيئاً فطرحت عليها هذا السؤال ، أجابت : طبعاً ، أشاهدها بكل شغف ، لما أحبها ؟ لا أستطيع التفسير ، ربما لبساطتها وغرابتها كحالنا نحن ، أو لأنها أحيانا تكون مشوشة أو بلا معنى كالحياة .
أحسست بأن بيننا على الأقل شيٌء مُشترك ، بدأت أشعر بأني أعيش قصّة رومانسية من جانب واحد ، أثناء التحضير للعرس كنت أتكلّم مع إحدى صديقاتها ، فتاة جميلة ولامعة ، وضعت يدها على كتفي وهي تكلّمني ، أزلت يدها بانزعاج ، قالت : أريد أن أقول لك شيئاً ، أجبتها لا أريد سماع قصصك أو أرى في عينيكِ الشفقة ، كنت أظن بأنها لاحظت الحالة التي أمر بها ، لكنها تابعت : أيّ شفقة ؟ وعلى ماذا ؟ كنت أريد أن أطلب منك أن تكون شريكي في سهرة العرس فأنا ذاهبة لوحدي ، قلت بتعجّب : هل طلبت منكِ سمر اصطحابي كخدمة ؟ أجابت : لا على الإطلاق ، سمر لا تعلم عن الموضوع شيئاً ، أجبتها : إذن نلتقي في سهرة العرس .
التحضير للعرس أخذ من سمر كل وقتها ، لم أرها قبل العرس طوال أسبوع ، حضرت إلى سهرة العرس واضعاً الشال الذي أهدتني إياه ، حضرت قبل مُنى بدقائق ، ثم أتت مُنى بكامل أناقتها ، جلسنا نتحدث إلى أن أتى العروسان ، سمر كانت جميلة في فستان الزفاف ، كانت أجمل من سندريللا في القصة الخرافية ، وها أنا أحضر عرسها ، لولا وجود مُنى معي لما استطعت البقاء ، حتى كلمات أغاني الزفاف كانت تضيع من أذني ، كانت سعيدة ، هذا ما كان يواسيني فمن يُحبّ يُسعد لرؤية حبيبه سعيداً .
أنتهى الحفل ، سألت مُنى : إن كانت تريد منّي إيصالها إلى منزلها ،؟ أجابت : شُكراً ، لقد أتيت بسيارتي .
سافرت سمر مع زوجها لعدة أشهر إلى الخارج ، فور عودتهما كلّمتني بالتلفون قائلة : نحن عدنا ، ننتظر زيارتك .
كُنت أريد أن أراها ، كيف أصبحت ؟ هل تغيّرت ولو قليلاً ؟ هل هي سعيدة ؟ كنت أنتظر بفارغ الصبر موعد زيارتي لها ، زرتهما في اليوم التالي ، كانت السعادة ترفرف فوقهما ، كانت يده معظم الوقت تستريح على كتفها ، انتفاخ في منطقة البطن عندها جعلني أسأل : هل من طفل قادم ؟ أجابت وهي تبتسم : أجل ، إنه صبيّ .
مرّت الأيام وأتى الطفل إلى هذه الدنيا ، كان جميلاً محبوباً من الجميع ، ما إن كبِر قليلاً حتّى أصبح يعبّر عن فرحته عند قدومي لزيارتهم ، يعطيني لعبة قد فكّكها لكي أعيد تركيبها له ، كنت أقول له : والدك يستطيع تركيبها ، لماذا انتظرت قدومي ؟ كانت سمر تجيب : لا تتعب نفسك ، لا يثق إلا بك .
مرّت أربع سنوات ، ألتقيت بمنى مرّات عدّة عندهم ، كان يجب أن أعيش الواقع ، الاستلطاف كان مُتبادل بيني وبينها ، لذلك و بمباركة سمر و زوجها والصغير روني تزوّجنا.
في المناسبات كنّا أربعة لا نفترق ، عائلة كبيرة موحّدة .
أقترب روني من عامه السابع ، بدأت استعدادات سمر من أجل عيد ميلاده ، كانت تسير في السيارة وترسل رسائل نصيّة من أجل الدعوات ، كان روني يجلس في الخلف ، لم تضع له حزام الأمان ظنّاً منها بأن وجوده على المقعد الخلفي كافٍ لسلامته ، سيّارة آتية بسرعة تجاوزت سيارة أمامها فأصبحت مباشرة مقابل سيّارة سمر ، شاهدتها سمر في اللحظة الأخيرة ، لم تستطع تفاديها فكان الاصطدام ، قوّة الاصطدام رمت بالولد من الخلف إلى أمام السيارة مصطدماً بالزجاج الأمامي ، سمر أصيبت بجروح متوسطة وفقدت الوعي ، عندما أتت سيّارة الإسعاف كان روني قد فارق الحياة ، سمر نُقلت إلى المستشفى ، فور استيقاظها سألت عن أبنها ؟ فأجابوها : بأنه في مستشفى خاص بالأطفال ، لم تستمر الكذبة طويلاً ، سرعان ما شاهدت الحادث على التلفزيون مع تعليق المذيعة بأنها الأم المهملة ، الأم القاتلة ، الجميع علم بأنها أخطأت بعدّة أشياء ، استعمال الهاتف ، عدم وضع حزام الأمان للصبي ، عدم الانتباه للطريق أمامها .
بعد مغادرتها المستشفى سافر زوجها ولم يعد ، تطلّقا عن طريق محاميه ، بقيت في المنزل لوحدها ، كانت كئيبة ، نظراتها كانت مركزّة على اللامكان ، شعرها دائماً بدون ترتيب ، أعينها متعبة من قلّة النوم ، عزلت نفسها عن العالم الخارجي ، كنا نزورها من وقت لآخر ، استقبلتنا في المرة الأخيرة قائلة : هل تعلمون أن روني عاد إلى المنزل ؟ لقد كان يعيش مع عائلة أخرى ، كان فاقداً للذاكرة ، لقد عاد البارحة ، لقد تناولنا طعام العشاء معاً ، لقد قال لي : بأنه يحبني ، قال لي : بأنه لا يلومني بسبب الحادثة ، قال : بأن أيّ شخص قد يتكلّم بالتلفون أثناء القيادة ، لقد نام إلى جانبي في السرير ، قال لي : بأنه مشتاق لضمّة منّي ، أنا مشتاقة أيضاً ، في الصباح عندما استيقظت لم أجده ، لقد ذهب بالتأكيد لزيارة العائلة الثانية ، لقد حضّرت له ملابسه ، ها هي على الطاولة ، تعالوا غداً لرؤيته سيكون هنا ، بالتأكيد غداً سيعود .
كانت عيني تدمع وأنا خارج من منزلها ، قلت لزوجتي : مسكينة ما زالت تردد هذه القصّة ، لقد سجنت نفسها في دائرة زمنية مغلقة ، كم أنا آسف لأجلها !.
في مساء اليوم التالي وأنا عائد من العمل ، مررت بالقرب من منزلها ، شاهدت روني ، كان محاطاً بهالة بيضاء كالملاك ، كان يطرق باب المنزل ، تمهّلت قليلاً ، رأيتها تفتح له الباب وتضمّه إلى صدرها ، لم أستطع تفسير ما رأيته ، قد يكون الحب أقوى من الموت أحياناً ، فها هو روني كلّ مساء كان يعود !.
جميل جدا “دكتور…عطرقصصك يحتل كل الحروف
كم هي رائعة كتاباتك..
إيمان ،، نهاية القصّة مأخوذة من حادثة حقيقيّة شغلت الرأي العام الأمريكي ، حيث أنّ امرأة قالت بأنّ إبنها الميّت يزورها كلّ يومٍ ليلاً ، خلال مقابلة لل سي إن أن مع جيرانها قالوا بأنهم شاهدوه يدخل إلى المنزل .
هذا الخبر الذي هزّ مشاعري ومشاعر مليار شخص على سطح الكرة الأرضية جعلني أسرده في قصّة خيالية ما عدا نهايتها ، لا بأس بأنها لم تعجبك فهي عجبت مليار شخص ولننقص منهم شخص واحد .
شكراً على المتابعة .
روعة دكتور..قمة في الإبداع
كلمات من ذهب
انت بجد استاذ في فنّ القصص ، رائع
حروفك تفوق اي تعليق قرات القصّة مرتين لشدة الدهشة لحرف فوق الخيال
االله لجمال ابداعك الرائع
صور ..تعابير..نحت جديد في اللغة
شكراً لجميع من قرأ وشارك ، شكراً للمطالعة الشغوفة ،، قصّتي القادمة هي بعنوان : زائر من الماضي
سلمت يمناك أبهرتنا ، نريدك أن تبهرنا أكثر فأكثر
تُدهش الحرف بعذب النبض
كم هو خطير هذا الكاتب
انا اهوى هكذا عقول بكتاباتها وستلهامها بعمق. عمق الادب
واااااااااااااااه!
تلامس القلب
سلاسة في الأسلوب
جماليتها خاصة
ماشاء الله
ماهي القصة القادمة:)؟
تجمعت وتبعثرت كلماتي لم أعد استطيع التعليق
يُدهشنا الكاتب بهذا السيل المتدفّق من الجال في قصصه
ترسم الحروف بوتر الجمال وعذوبة اللحن
قصة أكثر من رائعة ، ننتظر جديدك
قصة خالية من عناصر التشويق وبدون معنى
تقبل انتقادي
شكرا مونس قصة جميلة ورائعة
استمتعت جدا بقراتها
بانتظار المزيد
في منتهى الروعة و قمة الإبداع
هذا هو الجمال الحقيقي ، الجمال كما ينبغي أن يكون
منتهى الترف في كتابة القصّة
بديع جداً هذا الحرف الذهبيّ
يدهشني الكاتب بهذا السيل المتدفّق من الجمال في قصصه
جميل جدا راقي ورائع فعلا
مواضيع فريدة من نوعها وأسلوب فريد من نوعه
ما أروعها من قصّة ويا له من موضوع ساحر
شكراً للناشر حسين ، لديّ قصّة أخرى منشورة وهي بعنوان : الأسطورة غاني قاسم ، أرجو إضافت إسمها إلى قائمة القصص .