شيءٌ ما !

بقلم : **ياقوت الشرق** – مصر

ثمةَ شيء !… شيءٌ كامن في كل خليّه من خلايا الجسد ..ربما يسّفِر عن طبيعته , منذ اللحظات الأولى لبدء الخليقة ..ربما يمضي الإنسان عُمراً محاولاً اكتشافه ..انه ذلك الشيء الناتج عن التراكم البطيء للعناصر المرئيّة و الخفيّة ..
..ذلك الإحساس الذي يأتي و يرحل دون سابق انذار ..

هذا الشيء الموجود و الغير موجود …موجود بالفعل و بالحضور .. و غير موجود , لأني لا اعرف شيء عن كونيته .. و لا اظن ان احداً آخر يعرف !

إن كانت تلك الحالة يمكن ان تمرّ بالإنسان في اماكن يعرفها و يألفها , الاّ انها تبقى نادرة جداً !

اتذكّر جليّاً !! حادثة وفاة صديقي حسن و ما سبقها من طقوسٍ سوداوية , و ما تركته في نفسي من أثر يستحيل نسيانه…
كثيراً ما كنت استمع الى موضوع (الحاسة التنبؤيّة السادسة) بغير اهتمام و ببرود اللّامبالي ..

حتى تراكمت الأيام ..و علمت ان الكون غامض و غريب , حتى في ابسط الأشياء !
حتى عن نفسك , فأنت تجهل عنها الكثير : كأين كنت قبل رحم امك ؟ و ما الأحداث التي ستمرّ عليك ؟ و كيف ستصبح في المستقبل القريب ؟!

حسن !! كان صديقي الحميم منذ سن العاشرة لثلاثين , لم نفترق بها يوماً ..سافرنا معاً لبلدٍ غريب و عملنا سويّاً ..و سكنا ببيتٍ واحد لأعزبين , طعامٌ في صحنٍ واحد..قلبٌ في جسدين !! نمَتّ بداخلنا اخوّة و صداقه متينة , لا يُفرّقها الا سُلطة القدر..

ثم جاء ذلك اليوم التعيس , الذي قرّر فيه حسن ان يذهب ليقدّم طلب (ريفيو) لإحدى شركات البترول , بعد ان استقال من عمله معي كمهندس في شركه الأسمدة , نتاج خلافه مع المدير في امورٍ اداريّة ..

عرَضتُ عليه في ذلك اليوم ان اذهب معه , فرفض قائلاً :
-لا داعي لهذا يا صديقي , لا تتعب نفسك ..اعرف جيداً ما عليّ فعله

و امسك المفاتيح و القدّاحة و المحفظة و وضعهم بالجاكيت ..و مشّط خصلات شعره ..
ثم رحل !

صوت وقع خطواته الأخيرة على بلاط الدرج , مازالت ترنّ في اذني الى اليوم .. انها اصوات رحيل اعزّ رفيق على قلبي !

كنت حينها اشعر بنعاسٍ شديد .. ذهبت للحمّام , اخذت اتوضأ ..و من ثم خرجت للصلاة ..و ما ان انتهيت , حتى ارتميت في احضان السرير كالقتيل ..
و ماهي الاّ لحظات , حتى ذهبت في نومٍ عميق…..

ثم كان هذا الحلم الغريب !
(( رأيته ! نعم رأيته هناك .. و هو يتحدّث مع مديره الجديد .. شهدّت كل الحوار الذي دار بينهم .. ثم رأيته يخرج من الشركة و يركب سيارته .. و هو يضحك مع امه بالهاتف , و يبشّرها بقبوله في العمل الجديد ….لكن !…انتبه يا حسن !! الطريق يا حسن !! …..
…و اذّ بسيارته تتحوّل في ثوانيٍ , لركامٍ و حطام ! ))

استيقظت مفزوعاً , اتنهّد خوفاً ! و القلق اهلكني , و نبضات قلبي تتسارع ..فقفزت الى الهاتف .. و مباشرةً اتصلت بصديقي … اللعنة !! الخط مشغول !..

همَمتُ مُسرعاً بالبيجامة , اخذت مفاتيح سيارتي ..و بأقصى سرعة ذهبت الى مكان الحادث الذي رأيته في الحلم …

و هناك !! فعَلَ القدر فعلته , بعد ان حقّق ما استهدفه !
جلست بجوار الحطام بلا حراك ! و الناس يركضون من حولي و يصرخون .. ثم بدأت اصواتهم تتلاشى من امامي شيئاً فشيئا.. و خارت قوايّ ….

استيقظت بعدها في المستشفى .. اتأمّل بُرهة , و استعيد المشهد للحظة..
ما كان ذلك الشيء الذي انبأني بالحادث ؟! أهو جزء من تكويني الروحي ؟! امّ مجرّد حدسٌ قويّ ؟!

في الليل ..عدّت الى مقرّ اقامتي العتيق , لأكمل رحلتي وحيداً.. نمت على السرير كنوم البليد !

————————

اليوم .. و في كل مرّة امرّ من ذلك الطريق المشؤوم .. اغمض عينيّ للحظات .. مُتخذاً موضع الحادثة , ذكرى تتعمّق في داخلي شيئاً فشيئا ! اصبح لي ماضيٍ يخصّ هذا المكان بالتحديد .. لكن لحظاته تتراجع كلّها , بعد ان اغادره .. لتشكّل جُزءاً من الماضي الممتدّ , الى البعيد المُنقضي !

اما عن ذلك الإحساس .. فلا ادري حقاً كيف اصفه .. او ماذا اقول عنه !…..
…… انه شيء .. انه شيءٌ ما !

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

38 تعليقات
♡ VENUS ♡
♡ VENUS ♡
8 سنوات

لكل شيء إذا عدمته عوض..وما لفقد صديق من عوض.

MARWA
MARWA
10 سنوات

قصه محزنه

ساهر
ساهر
10 سنوات

الحدس أو الحاسهاالتنبؤيه هبه يهبها الله لمن شاء.من عباده …حسب علاقة الانسان بالله..وايضا عندما يصفوالقلب من الحقد والغل والكراهيه والحسد والبغضاء والغيبه والنميمه …

(الكاتبة المبتدئه )ياقوت..
(الكاتبة المبتدئه )ياقوت..
10 سنوات

تنويه:
القصه من وحي خيال الكاتبه..جائتها الفكريه عندما كانت تقراء كتاب سياحي..ورأت وصف الكاتب الغامض للمبني بشئ ما..ومن هنا خطرت ببالي القصه..وجعلتها فلسفيه بحته..
..

الماسه السوداء
الماسه السوداء
10 سنوات

انا اعجبني مره الجزء الاول كان مره فله تحمست اقرا باقي القصه يوم قريت البدايه كانت قصه جميله ياياقوت الشرق شكراً لك

رزكار
رزكار
10 سنوات

صديقي العزيز قيصر الرعب ..

أظن أن هذه الحاله هي الحاسه السادسه .. او مانسميه بالحدس .
وهي بعيده كل البعد عن الديجافو . وتناسخ اﻷرواح .

قيصر الرعب
قيصر الرعب
10 سنوات

قصة بدايتها فلسفية و القصة نفسها مأساوية..ربما ما رآه بطل القصة هو إسقاط نجمي او حاسة سادسة ..من الغريب ان يتشابه مشهدان في قصتان في واجهة الموقع، قصة بلاك كريستال فيها مشهد رأي بطل القصة ان امه قتلت فيكتشف انه هو من قتلها وهنا مشهد البطل و راي صديقه اثناء الحادث..اما بالنسبة للمقدمة فالتفسير هو الديجافوا او شئ آخر غير تناسخ الأرواح..تحياتي لك ياقوت الشرق او الولايات العربية المتحدة و مرحبا بك في ادب الرعب.

الولايات العربيه المتحده
الولايات العربيه المتحده
10 سنوات


احلي تحيه لاجدع تاجر بطاطس في مصر:)
دا انتا قلبك اسود اوي ياشيخ لسه فاكرها هههههههه

نسعد ان القصه نالت اعجابكم..وتحيه طيبه لك ولعربيتك الكارو الي واقفه علي اول الشارع دي..

*وربنا يديم الناس الطيبين*

زر الذهاب إلى الأعلى