لغز الوجوه المبتسمة

بقلم : اياد العطار
للتواصل : my@kabbos.com

يا ترى كم عدد جرائم القتل التي تحدث كل عام حول العالم وتصنف من قبل الشرطة على أنها قضاء وقدر ، أظن عددها كبيرا ، فهناك طرق عديدة لقتل الناس واخفاء اثار الجريمة وتمويهها ، خصوصا في حالات الأطفال والمرضى وكبار السن ، إذ يمكن خنقهم بوسادة ، أو رميهم من مكان مرتفع ، أو اغراقهم في الحمام الخ .. ويمكن بسهولة الافلات بالجريمة خصوصا عندما يكون القاتل شخصا قريبا من الضحية او احد افراد اسرته.

والقضية التي أود أن اكلمكم عنها ليوم تدور في فلك هذه الحالات المتأرجحة ما بين الحادث العرضي والجرم المشهود ، لكنها معقدة ومحيرة جدا لكونها لم تحدث لطفل أو رجل مسن أو مريض ، بل لشباب في أوج قوتهم وعنفوان شبابهم ، عثر على جثثهم على مدار عقدين من الزمن غرقى في انهر وشواطئ وبحيرات وسواقي ومستنقعات في انحاء 11 ولاية امريكية ، ومرت هذه الحوادث مرور الكرام ، لأن الشرطة صنفتها على انها قضاء وقدر ، مجرد شباب مخمورين فقدوا توازنهم بسبب السكر فسقطوا في الماء وغرقوا .. حتى ظهر فجأة محققان متقاعدان ، كيفن غانون وانطوني دوارتي ، وفجرا قنبلة من العيار الثقيل ، بالقول أن تلك الحوادث لم تكن عرضية مطلقا ، وانها تمت حتما على يد قاتل ، أو قتلة متسلسلون ، وأن لديهما دلائل تثبت صحة كلامهما.

blank
صور بعض الضحايا

وهكذا تفجر جدل استمر لسنوات طويلة حول ما بات يعرف بأسم لغز “قاتل الوجوه المبتسمة” ، حيث انقسمت الآراء فريقين ، بين من يدعم نظرية القتل ، او على الأقل يرى فيها شيء من المصداقية ، وفريق آخر ، خصوصا الشرطة ، يرى أن فرضيات العمل الاجرامي محض هراء ولا يدعمها أي دليل.

دعونا نعود بالزمن أولا إلى عام 1997 ، إلى القضية التي أثارت الشكوك أول مرة ، حيث تم العثور على جثة طالب جامعي يدعى باترك مكنيل – 21 عاما – طافية بالقرب من رصيف بحري خشبي في نيويورك ، وكان الشاب قد اختفى منذ شهور ، وشوهد آخر مرة وهو يغادر حانة ليلا لوحده.

blank
الحققان غونان ودروتي

الشرطة صنفت حادثة غرق باترك على أنها قضاء وقدر ، وأنه سقط في الماء تحت تأثير الخمر ، لكن كيفن غانون ، المحقق في شرطة نيويورك آنذاك ، كان له رأي مغاير ، حيث رأى بأن باترك تعرض للخطف والتعذيب والتخدير والحرق ثم رميت جثته في الماء بعد قتله ، مستدلا بعدة امور ، منها إفادة بعض الشهود برؤيتهم لسيارة غامضة تتبع باترك بعد خروجه من الحانة ، وكذلك وجود ما يشبه آثار خنق على رقبة باترك ، إضافة الى حروق في منطقة الصدر والرأس ، كما أن وضعية طفو الجثة فوق الماء لا تدل على أنها غرقت بصورة عرضية.

طبعا شرطة نيويورك لم تقتنع بهذا الكلام وتم اغلاق القضية بالرغم من معارضة المحقق غونان وعائلة الشاب.

عام 2001 ، بعد تقاعده من الشرطة ، استأنف المحقق غونان ، مع زميله المتقاعد ، انطوني دوارتي ، البحث في قضية باترك مجددا. ولم يطل الوقت حتى لفتت انتباههم قضايا اخرى مشابهة ، فعلى سبيل المثال ، خلال أربعون يوما فقط من عام 2003 ، اختفى اربع شبان جامعيون في حوادث متفرقة في ولايتي مينيسوتا وويسكونسن ، وتم العثور على جثثهم طافية فوق الماء في مناطق مختلفة. ليس هذا فحسب ، فقد اكتشف المحققان أن عدد الضحايا الشباب الذين تم العثور على جثثهم بنفس الطريقة يتجاوز الأربعين ما بين عامي 1997 – 2008 ، وأن أصحاب هذه الجثث تجمعهم أمور متشابهة ، فهم طلاب جامعيون ، أذكياء ، متفوقون ، وذوو شعبية بين أقرانهم، وجميعهم اختفوا وماتوا غرقا بنفس الطريقة ، والأدهى من ذلك كله هو العثور على وجه مبتسم – جرافيتي – مرسوم على الجدران او الصخور او جذوع الاشجار بالقرب من الاماكن التي تم العثور فيها على جثث معظم الضحايا. ولهذا اصبحت القضية تعرف بأسم “لغز الوجوه المبتسمة” ، وبرأي المحققان فأن هذه الرسومات هي بمثابة امضاء من القاتل يتركه في مسرح الجريمة ، وغالبا ما يفعل القتلة المتسلسلون ذلك.

blank
بعص الوجوه الضاحكة التي عثر عليها في اماكن الحوادث .. هل هي تسخر من الشرطة ام تضحك على المجتمع المغفل لأنها تقتل وتفلت من العقاب

ويعتقد المحققان بأن منفذ ، أو منفذوا ، هذه الجرائم ، هم أشخاص يحملون صفات منقضة تماما للضحايا ، فهم اشخاص خاملون وفاشلون في الدراسة ، وغير محببون ، وربما عاطلون عن العمل ، وهذا هو سبب حقدهم على الشباب الاذكياء الالمعيون مما يدفعهم لخطفهم وقتلهم ، وعلى الارجح يتفادى القاتل مقاومة الشاب الضحية عن طريق تخديره أولا بغتة وبطريقة ما ومن ثم قتله ورميه في الماء.

الشرطة بدورها ترد على هذا الكلام قائلة بأنه غير مقنع ، فمعظم الجثث التي تم العثور عليها لم تكن تحمل آثار تثبت تعرضها لعنف ، كما أن الدافع يبدو سخيفا ، إذ لا يعقل أن يقوم شخص بتفيذ كل هذه الجرائم بشكل عشوائي على مدار عشرات الاعوام وفي ولايات مختلفة بسبب الغيرة والحقد ، كما لا يعقل أن ينجح في جميع جرائمه بلا استثناء ، ونحن هنا لا نتكلم عن ضحايا أطفال ، بل عن شبان أقوياء بأمكانهم المقاومة ورد الصاع صاعين اذا ما تعرضوا لهجوم حتى لو كانوا مخمورين ، أما بالنسبة للوجوه المبتسمة ، فبرأي الشرطة أن وجودها مجرد صدفة حيث أنها رسومات بسيطة ذات شعبية وواسعة الانتشار.

المحققان غانون ودورتي ، يريان أن خير دليل لديهما على بطلان وخطأ استنتاجات الشرطة هي  قضية الشاب الجامعي كريستوفر جينكينز ، الذي تم العثور على جثته طافية فوق نهر المسيسيبي عام 2006 ، بعد حوالي عام على آخر مرة شوهد فيها حيا عندما كان يمضي سهرة مع اصدقاء له في احدى الحانات.

blank
ويبقى اللغز من دون حل

الشرطة صنفت قضية جينكيز على انها قضاء وقدر كالعادة ، بالرغم من اصرار المحققان ، وكذلك عائلة الشاب ، على أنه تعرض تعرض للاختطاف والتخدير ثم قتل ورمي في النهر ، وقد أيد هذه النظرية د. لي غيلبرتسون ، برفسور جامعي متخصص في الجرائم الجنائية وخبير بالمنظمات الاجرامية ، لكن الشرطة اصرت على رأيها ، إلى أن ظهر دليل حاسم جديد اجبر الشرطة على اعادة فتح القضية وتصنيفها مجددا ، هذه المرة كجريمة قتل.

لكن برغم اعتراف الشرطة بخطأها ، وأن جينكينز تعرض فعلا للقتل ، إلا أنها ترفض تماما فرضية وجود قاتل متسلسل وراء الجريمة ، او أن تكون الجريمة مترابطة مع حوادث الغرق الاخرى التي تحدث من حين لآخر لشبان جامعيون.

بحسب مؤيدو نظرية القاتل المتسلسل فأنه تم العثور ، حتى عام 2018 ، على ما يزيد عن المائة جثة لشبان جامعيون ماتوا جميعا تحت نفس الظروف الغامضة وتم العثور على جثثهم طافية فوق مسطحات مائية مختلفة في انحاء البلاد ، وتم العثور على وجوه مبتسمة بالقرب من اماكن العثور على جثث معظم الضحايا ، فيما لازالت الشرطة تصر على انها مجرد حوادث عرضية لا يوجد اي رابط بينها ..

ما رأيك أنت عزيزي القارئ ؟ هل تعتقد حقا انها مجرد مصادفة ان يموت جميع هؤلاء الشبان الجامعيون تحت نفس الظروف وأن يعثر بالقرب منهم على رسوم لوجوه مبتسمة ؟

ولو كانت هذه جرائم فعلا فما الدافع إليها برأيك ؟ الغيرة ، أم هي من فعل منظمات وطوائف سرية تمارس طقوس تضحية بشرية بالتواطؤ مع اصحاب النفوذ المالي والسياسي ، لم لا ، الا نسمع كل يوم بفضيحة جديدة لاثرياء واصحاب نفوذ يتجارون بالفتيات والاطفال في دول متقدمة كنا نعتبرها قمة في العدالة الاجتماعية وفرض سلطة القانون!.

المصادر :

Smiley face murder theory
The Smiley Face Killer
The Smiley Face Killers Theory

0 0 الأصوات
Article Rating

اياد العطار

كاتب ، مؤسس موقع كابوس ، محب للغموض ، عاشق للتاريخ ، مولع بالقراءة ، يميل للآراء المنطقية رغم ان موقعه بعيد كل البعد عن المنطق ويدعو للمحبة والتسامح رغم انه يكتب عن الجريمة والرعب!.

مقالات ذات صلة

49 تعليقات
مجهول
مجهول
1 سنة

أظن انها جرائم قتل

ماركو العنقاء
ماركو العنقاء
6 سنوات

و بللنسبة للدكتور اياد اسطورة مبدع استمر

ماركو العنقاء
ماركو العنقاء
6 سنوات

اكيد الشرطة متواطئة مع المنفذين للجرائم و اكبر دليل إغلاق جميع القضايا كقضاء و قدر

القلب الحزين
القلب الحزين
6 سنوات

إنها جرائم قتل بالتأكيد.

جميلة
جميلة
6 سنوات

ان لله وان اليه راجعون
مقال جميل اخ اياد

جميلة
جميلة
6 سنوات

ان لله وان اليه راجعون
مقال جميل اخ اياد

خديجة
خديجة
6 سنوات

أرى أنها جرائم قتل مترابطة

خديجة
خديجة
6 سنوات

أرى أنها جرائم قتل مترابطة

ساره
ساره
6 سنوات

موصوع حلو بس ماتطرقت لكيفيه موتهم يعني المفروض تكتب تقرير الطب الشرعي لاغلب الوفيات هل الغرق سبب الوفاه او الخنق ثم الغرق جميعها تظهر بالطب الشرعي

ساره
ساره
6 سنوات

موصوع حلو بس ماتطرقت لكيفيه موتهم يعني المفروض تكتب تقرير الطب الشرعي لاغلب الوفيات هل الغرق سبب الوفاه او الخنق ثم الغرق جميعها تظهر بالطب الشرعي

هاني
هاني
6 سنوات

كنت اعتقد ان الشرطة في بلدي هم فقط من يمتازون بالغباء الشديد و لكن الآن اقتنعت انهم ليسو وحدهم

هاني
هاني
6 سنوات

كنت اعتقد ان الشرطة في بلدي هم فقط من يمتازون بالغباء الشديد و لكن الآن اقتنعت انهم ليسو وحدهم

طائر الغربة o_O
طائر الغربة o_O
6 سنوات

من وجهة نضري اعتقد ان الامر مخطط له وبلاخص نحن نعلم معلومات غالبا ماتتم خطف الضحايا لمثل مراسيم قداس الاسود وغيرها لعلها منه ولتضليل وبعد شبهات يجعلون الامر كانه جنونيا وغامض لكونهم معروف عنهم ان ضحايا بعيدون عن الوسط الجماهيري وهكذا لن يشك احد انهم وراء ذالك لاننا نعلم انهم لايعرضون نفسهم للشبهه فلن يقدمو على هكذا جرائم لكن لو ركزنا لعلمنا انهم.وراء ذالك ولو بنسبة 70%السؤال الذي يطرح نفسه لما يختارو اصحاب النفوذ والعقول هل هذه له علاقة بمشاريعهم الشيطانية او ان الضحايا نفسهم قد خيرو لامر مخفي وان الذي يرفض ينال حتفه بالرغم من اننا نعيش وسط عالمنا ونبتعد عن الغابات خوفا من الحيوانات المفترسه لكن من الواضح ان من حولنا بزي بشري لكن قلب وحشي ونسأل الله الفرج انشاء الله
مقال رائع احسنتم اكملو ليعلم من يصغرنا ان لازال لدينا عقول تبحث ولن تنطلي عليها خدع البصريات

طائر الغربة o_O
طائر الغربة o_O
6 سنوات

من وجهة نضري اعتقد ان الامر مخطط له وبلاخص نحن نعلم معلومات غالبا ماتتم خطف الضحايا لمثل مراسيم قداس الاسود وغيرها لعلها منه ولتضليل وبعد شبهات يجعلون الامر كانه جنونيا وغامض لكونهم معروف عنهم ان ضحايا بعيدون عن الوسط الجماهيري وهكذا لن يشك احد انهم وراء ذالك لاننا نعلم انهم لايعرضون نفسهم للشبهه فلن يقدمو على هكذا جرائم لكن لو ركزنا لعلمنا انهم.وراء ذالك ولو بنسبة 70%السؤال الذي يطرح نفسه لما يختارو اصحاب النفوذ والعقول هل هذه له علاقة بمشاريعهم الشيطانية او ان الضحايا نفسهم قد خيرو لامر مخفي وان الذي يرفض ينال حتفه بالرغم من اننا نعيش وسط عالمنا ونبتعد عن الغابات خوفا من الحيوانات المفترسه لكن من الواضح ان من حولنا بزي بشري لكن قلب وحشي ونسأل الله الفرج انشاء الله
مقال رائع احسنتم اكملو ليعلم من يصغرنا ان لازال لدينا عقول تبحث ولن تنطلي عليها خدع البصريات

MHA
MHA
6 سنوات

هل من الممكن ان اخذ الموضوع و نشره ع اليوتيوب بصوتي و سوف اذكر اسمك في الفيديو و شكرا

MHA
MHA
6 سنوات

هل من الممكن ان اخذ الموضوع و نشره ع اليوتيوب بصوتي و سوف اذكر اسمك في الفيديو و شكرا

BAYAN
BAYAN
6 سنوات

موضوع شيق بصراحة و المشوق أكثر الطريقة التي قتل بها هؤلاء الشباب اعتقد ان الدافع لارتكاب هذه الجرائم هو ان القاتل او مهمل من طرف المجتمع … اي انه شعر بالذل فقرر اثبات نفسه بارتكاب الجرائم و خاصة انه استهدف شبان جامعيين مثقفين واما… بالنسبة للوجه الضاحك فاعتقد انه اراد بذلك تحدي الشرطة …
اسلوب رائع في الكتابة ….. بالتوفيق

Ali Mohammed
Ali Mohammed
6 سنوات

أحسنت استاذ إياد في إختيارك هذا الموضوع الشيق والغريب جداً ،،،!!

لاشك أنّ في الأمر سراً ، وهي جرائم قتل عمداً ،،!!

وربما تكون من بعض الطوائف الغريبة التي تقوم بأعمال إجرامية كعبدة الشيطان ،، إلخ ،،

جوري
جوري
6 سنوات

متألق كعادتك استاذ اياد في طرح المقالات المميزة
كل الإحتمالات واردة الذكر في بلد كالولايات المتحدة لأنها تصنف كدولة متصدرة للعنف والجريمة ويبقى احتمال أن تكون هذه الحوادث قضاء وقدر هو الأضعف لأن الإنسان أبشع من القدر في القتل مهما كان الإنسان مخمورا فإن احتمال تعرضه لحادث سير أقوى بكثير من تعرضه للغرق أي أن فرصة الغرق لهولاء الشبان نتيجة الخمور واردة لكنها ضعيفة وبمعدل منخفض اذا احتمال الجريمة وبفعل فاعل يبقى هو الأقوى

زر الذهاب إلى الأعلى