دمٌ على ورقةِ صَنوبر

كانت قرية الصنوبر مملّة، لا شيء يميّزها باستثناء المنحدر المُطلّ عليها. منحدرٌ مرتفع، تُطوّقه أشجارُ الصنوبر العالية من كل صوب. بدا جذّابًا للغاية، ساكناً، ومكانًا مثاليًّا للموت. ربما لذلك كان يستميل المكروبين لحتفهم. فقد كان المنحدر صكَّ غفرانهم، ومُخلِّصهم الوحيد من ذلك المكان.
إذا وقفت على حافة المنحدر، تبدو فكرةُ القفز نحو الأسفل شاعريّةً للغاية.. تتلاطمك الرياح لحظة سقوطك، وتتراءى القرية وهي تضمر أمامك حتّى تتلاشى قبل الإحساس بوقع السقوط. لا توجد نشوةٌ تفوق ذلك، خاصةً عندما يكون الموتُ أجمل من الحياة.
كانت بيوتُ القرية حجريّةً، متشابهةً، متلاصقة. وتتوسّطها ساحةٌ مُقفرة لم تجف الدماءُ المُراقة فيها بعد. لم يكن أحدٌ يتساءل عن السبب الذي يدفع البعض إلى إلقاء أنفسهم من فوق المنحدر، لأنّه لا يوجد داعٍ لذلك، بينما بإمكانهم الاكتفاء بلوم الشيطان، ونهب ما يجدونه في جيوبهم من عملاتٍ وحُليّ، وحَوز أراضيهم بعد طرد عائلاتهم المتواطئة في الخطيئة.
لم تكن مشاهدُ سَحل الجثث العارية لإحراقها في الساحة غريبةً على أهل القرية، ولم يُمانِع أحدٌ سحب القرويّين لجثث النساء إلى الغابة المجاورة. عَلِم الجميعُ ما الذي ينوون الفعلَ بها، وإن كانت المرأة جميلةً لم يُمانعوا المشاهدة كذلك، إن لم يجرؤوا على المشاركة. إذا لم يأبهوا بموافقة زوجاتهم ……، ولا بانتهاك أجسادهنّ الدامية، فهم بالتأكيد لن يتردّدوا في .. اغتصاب .. جثّةٍ هادئة، مثيرة، ومطيعة. الكدماتُ والأعضاءُ المبتورةُ لا تُزعج أحدًا، بل تجعل الأمر برمّته مشوّقًا. قليلٌ من الدماء يُضفي طابعًا جماليًّا .. لما يفعلونه، بل ويُشعرهم بالسيطرة.
إنّ الرجال سيكونون دائمًا رجالًا. أليس من الفضيلة عدمُ إهدار النّعَم؟
ذات صباحٍ، تجمّع الناسُ في الساحة كما يتجمّعون في الأعياد. نُصِبت الموائدُ وقُدِّم الخمر، وتعالت القهقهاتُ احتفالًا بالحدث المسلي. بعضهم جاء بدافع الفضول، وبعضهم بدافع الاستمتاع. لا شيء أكثر متعةً من مشاهدة امرأةٍ تُحرَق حتّى تُضحى رمادًا.. الرعبُ في عينيها، صراخُها الذي لا يخبو، توسّلُها الخائب، احتراقُ ملابسها وتعرّي أجزاءٍ من جسدها. كلّ ذلك مُثيرٌ جدًّا، خاصّةً إن كان عذابُها مُبرَّرًا، بل واجبًا مقدّسًا بأمرٍ من السماء نفسها.
المرأةُ التي سُمّيت ساحرةً لم تكن تصرخ. كانت تمشي بثباتٍ وهي تُساق شبهَ عارية، ومُقيَّدةً إلى حتفها، وسطَ هتاف الجمهور ومرح الأطفال. بصقوا عليها، ورشقوها بالحجارة، وطالب البعض باغتصابها. ظنّوا أنّ حرقها خسارة.. كان بإمكانهم سَحْلُها إلى الغابة للاستمتاع بجثّتها لأيامٍ قبل أن تتعفّن.
كانت تنظر إلى الأرض بهدوء، كما لو أنّه لا يوجد أحدٌ بداخلها. بدت جامدةً وهم يُقيّدونها بالحبال إلى جذع شجرة صنوبر.
لم يسأل أحدٌ عن جُرمها. تفحّمت جثّتُها سريعًا، وانتهى كلّ شيء، ليعود الحشدُ إلى الموائد المنصوبة.
عند طرف الساحة، وقفت فتاةٌ قرب البئر، كانت نظرتُها شاخصة. لم تهتف معهم، ولم تنظر مباشرةً إلى مشهد الإعدام. تعابيرُها لا توحي بالسعادة، لكنّها لم تكن حزينةً أيضًا. سرعان ما لاحظت نظراتٍ سريعةً، جانبيّةً، تستقرّ عليها، لكنّ تعبيرَها البارد ظلّ ثابتًا. منذ تلك اللحظة، أدركت أنّهم علموا أنّها ليست واحدةً منهم.
في الأيّام التالية، عادت الحياةُ إلى شكلها المعتاد: السوق، الحقول، الصلوات الجماعيّة، الإعدامات العلنية، سحل جثث المقتولين أسفل المنحدر. كانت الفتاةُ تقوم بكلّ ما يُطلب منها. لم تُجادل، لم تنعزل، ولم تطعن أحدًا. ومع ذلك، بدا وجودُها زائدًا، ولافتًا للنظر. كأن شيئا يصمها دون أن تراه..
قالت امرأةٌ إنّها لا تُحبّ صمتَها.
قال رجلٌ إنّ عينيها تلمعان بالشرّ، وإنّها ترفع رأسها أكثر ممّا ينبغي.
وحين مرض طفلٌ فجأة، تذكّرت أمّه أنّ الفتاة لم تلمسه، لكنّها كانت تقف قريبةً منه.
وأقسم قسيسُ القرية أنّه رآها تُخاطب الشيطان تحت ضوء القمر، بعد منتصف الليل.
انتشرت الأقاويل في القرية كالنار في الهشيم..
في إحدى الليالي، عادت إلى كوخها الصغير عند أطراف القرية. لم تحكم إغلاق الباب، أشعلت المصباح، وتكوّرت على الأرض. أخرجت سكاكينَ قديمةً كانت تستخدمها في أعمالٍ بسيطة. نظّفتها، ومرّرت الحجرَ عليها لشحذها. لمعت عيناها وهي تُخبّئها في أكمام ثوبها الأسود.
نظرت بجمودٍ من نافذتها الضيّقة، فرأت أضواءَ المصابيح تتحرّك باتّجاهها، وظلالًا متوجّهةً نحو بابها.
دخل القرويون الكوخ دون صراع، فقد كان الباب مفتوحًا. قيّدوها إلى كرسيٍّ خشبيّ دون أن تُقاوم. أحدُهم تجنّب النظرَ إلى وجهها، والآخر طفق يتفحّص جسدها بشبق ويفكّر في خلع بنطاله …… قبل قدوم البقيّة، فعل ذلك وهي تصرخ أشدّ إثارة من .. انتهاك جسدها .. وقد بدأ يتعفن..
كانت هناك رائحة غريبة في الكوخ، مزيجًا من الرطوبة وشيءٍ آخر لم يفهموه. لكنّهم لم يسألوا، ولا هي سألتهم لماذا. كانت تعرف أن السؤال يأتي متأخّرًا دائمًا.
وقبل أن يحدث شيء، عاد الزمنُ إلى الوراء، إلى يوم الإعدام، أو بالأحرى يوم الاحتفال.
كانت القريةُ كلّها هناك.. طاولاتٌ طويلة، أوانٍ ممتلئة، ضحكٌ مرتفع. كلّ العيون تراقب مشهدَ الإعدام. شعرت أنّ الوقت يتحرّك بنسقٍ بطيء. للمرّة الوحيدة، لم تشعر بأنّها مُراقَبة. تحرّكت بين الناس بخفّةٍ كجزءٍ من المشهد، لا كاستثناء. لم تفعل شيئًا لافتًا. لم يُلاحظها أحد، وهذا ما جعل الأمر أسهل.
توجّهت إلى جرّة الخمر الضخمة بينما كان الجميع مشدوهين في عرض الموت. كان ما فعلته مكتومًا، سريعًا، والأهمّ أنّ لا أحد لاحظ شيئًا.
عاد الزمنُ إلى الحاضر.
تعثّر القرويّون داخل الكوخ، تلعثموا، سقطوا على وجوههم، وتخبّط آخرون على الأرض. تعالى الصراخُ بالخارج، والخوفُ الذي كانوا يحملونه منذ سنواتٍ وجد طريقه أخيرًا إلى أجسادهم. عندها فقط سألوا: لماذا؟
ابتسمت الفتاة بوداعةٍ طفولية، بينما لفظوا أنفاسهم الأخيرة عند قدميها.
حول المنحدر، تنمو أشجار الصنوبر بسلام.
أمّا هي، فلم يسأل أحدٌ إلى أين ذهبت، لأنه أخيرًا، لم يعد في القرية من يجرؤ على السؤال.
سلام عليكم مساء الخير على الجميع
و مبروك العمل الجديد للاخت الكريمة الكاتبة ومبروك النشر في الموقع الرائع
والله أختنا الكريمة الأسلوب جميل ومشوق والقصة مؤثرة لكن بصراحة في جوانب ما استطاعت استوعبها بشكل جيد
يعني ما هو دور الفتاة بالضبط هل هي ضحية سابقا وهذا هو الشبح تبعها
كيف يعني نعود إلى الماضي ثم نعود إلى الحاضر ثم ذهبوا كلهم بعد المشروب من الخمور يعني هل سممتهم اوماذا
ما ادري حسيت هنالك تداخل غير مفهوم وواضح بخصوص دور الفتاة ربما لو كان هنالك من تفاصيل اكثر كان سوف يكون مفهوم بصوره جليه اكثر
خاصة كما فهمت نحن نتكلم عن فتاة في عمر الطفولة أو المراهقه ثم قيل أنها تسكن وحدها في ضواحي القرية بصراحة لا أعتقد أنني فهمت دورها تقريبا
ربما يكون قصور مني مع إني قرأت القصة اكثر من مره على العموم الأسلوب جميل ويبنى عليه في أعمال قادمة إن شاء الله تكون أجمل وأمتع والأهم تكون اكثر تسليس حتى تقلل الالتباس وتداخل
شكرا تحياتي بالتوفيق إن شاء الله في ما هو قادم
مرحبا وتحية طيبة للجميع
ماشاء الله إبداع بحق
هذه فعلا تعتبر من القصص المشوقة والجميلة ذات السرد السلس، قرأت كل كلمه منها بتشويق كبيرا
حقا بارك الله فيك يا امنة
وانتظار كل جديد منك
تقبلي مروري الخفيف
فرح
تحياتي للكاتبه الكريمة
على هذه القصة المليئة بالاثارة والخوف والتشويق فهدا هو ادب الرعب بمعناه الحقيقي
تذكرني قصتك بمشاهد من فيلم. الفنتازيا هانسل وقريتل صيادو الساحرات
فمن المعروف ان اوروبا في العصور الوسطى كانت مسرحاً لكثيراً من جرائم الحرق والسحل ضد النساء بحجة السحر فقد كانت المرأة تدان لاتفه الاسباب كما ان بعض رجال الدين قد نالو نصيباً من هذه الفشائع بحجة الهرطقة والشعوذة وما الى ذلك
مشكورة اختي آمنه وننتظر ديدك
لما الحظ اي شيء مريبا هنا، ايتها الكاتبة كل شيء بخير.. عمت مساءا
مقال جميل للغاية، موهوبة.. عمت مساءا
تلك القصة تذكرني بسلسلة العاب الشر المقيم، نفس الاجواء، والاسلحة الزراعية ، وايضا القرويون الغاضبون، عامة لي واحدة قادمة في الطريق، اعدكم جميعا، انكم ستقولون ان من كتبها فضائي من خارج هذا الكوكب، انا… اعدكم بذلك.. عمت مساءا