زهرة الرافليسيا

بقلم : عبدالعزيز صلاح الظاهري
aziz-wish-1958@hotmail.com

سرٌّ ساقه لي القدر، كان سببًا في إعادة الثقة لي وإنهاء معاناتي.
هذا السر عاهدت نفسي أن لا أخبر به أحدًا، كائنًا من كان.
ولكن إن كنتم صادقين مع أنفسكم سوف ترونه يخرج خِلسة من مخبئه، أو يعدو بين السطور، صدقوني سوف تتغير حياتكم للأفضل.
سترون جانبًا جميلًا أو قبيحًا كان مخفيًا عنكم.
نعم هذه هي الحقيقة، فأنا رجلٌ سمعت وشاهدت وعانيت الكثير.
هل أنتم مستعدون؟!.
إليكم قصتي:
في أحد الأيام، ضربت بكل نصائح القوم عرض الحائط، خرجت من حصنهم ولم أستمع لمواعظهم الخبيثة.
زهرة (الرافليسيا)، جمالها ورائحتها تجمعان الحشرات والذباب.
المخلوقات ذات الألوان الجميلة غالبًا ما تكون سامة.
فكان ردهم على تمردي سريعًا.
فجأة، اختفى الرضا الذي كنت أراه في أعيُن من أحب، فحديثي يزعجه رغم تبسُّمِه لي، واحتضاني له يخنق أنفاسه، وعندما ألمسه أسمع أنينه وأشعر بآلامه، وكأن لي مخالبَ تجرحه.
كم هو مؤلم أن ترى من تحب يعاني، وأنت كذلك.
ماذا أقول له؟ أسأله: هل……؟ !
إنه سؤال غبي!

كم تمنيت أن أكون طائرًا بطريق أقف كالمسكين، حاملًا بيضة على سطح قدمي، وأرى السعادة والرضا في عينيه بدلًا أن أكون أسدًا جالسًا تحضر نساؤه غداءه وعشاءه صبحًا ومساءً.
هل توقف كيدهم؟ لا، فمثلهم لا يتوقفون، فهذا لا يحدث مع من كان إلهه هواه، لذلك أيقنت أنه لا بد لي أن أصوم عن الكلام، أطوي اللسان، وأهجر المكان، فلم تعد لي القدرة على محاربتهم أو حتى الدفاع عن نفسي، ويداي مغلولتان إلى عنقي، وأملي كغبارٍ يلهو في عمودٍ لشعاع شمسٍ نفذ من أحد الشقوق، يختفي عند تحرك الشمس والغروب.
فحكايتي خطيرة، لو كشفت للعيان ستفرح وتشجع أصحاب القلوب المريضة، فهي قنبلة، بل أشد.
لملمت أحزاني وانطلقت بعيدًا مبتعدًا بسيارتي.
لم تكن لي وجهة معينة، كانت عينايَ تدوران في محاجرهما، تقود المركبة، بينما كنت أغوص في بحر أعماقي كالمجنون، في يدي سيجارة لا تنطفئ.
فجأةً! ظهر لي رجلٌ من العدم، أفزعني، أشار لي بيده، كان ضعيف البنية، شاحب الوجه، رث الثياب، عاصبًا رأسه بعمامة.
وعلى غير عادتي توقفت! لا أعلم لماذا؟!
ركب سيارتي، لم أُبادله التحية أو أسأله عن وجهته!
بعد صمت مطبق التفت إليّ وقال: الذي أتى بك إلى هنا قد أتى بي أيضًا،
أتريد أن تعرف قصتي؟
انتفض قلبي وأخذ يضرب طبول الحرب، وتحركت يدي المرتعشة مسرعة إلى أسفل المقعد تبحث..
فتبسم وقال: اهدأ، اهدأ.
لا عليك فالدار أمان وإليك قصتي.
إلى وقت قريب لم أكن أصدق أن السحر يقدم الحلول، وكل ما أعرفه أنه يُقيد الرجال ويقود للجنون.
ورغم تكذيبي للمقولة الأولى وتصديقي للثانية، إلا أني بعت فيه واشتريت، فقد كان يحدوني الأمل بأن أُحْيي فرحةً ماتت وأبعثها من جديد.
توقف ومسح دموعه التي انهمرت، واستطرد بنبرة حزينة:
في الحقيقة، لم أكن خبيثًا في يوم من الأيام، ولم يكن ذلك السوق يُعجبني، لكني مشيت فيه مجبرًا، فأولئك القوم لم يزدهم قربي إلا بعدًا.
لم يتعاطفوا، رغم أني قدمت لهم المحبة بالحجج والبراهين، كان يُقبِل أحدهم ويُدبر آخر، الكل يسعى جاهدًا على إذلالي، كنت أرى الفرحة مرسومة على وجوههم القبيحة، إنه طريق توارثوا حبه وداوموا على سلوكه.
ولكن بعد البهتان الذي افتريته، وما سبقه من زيارات إلى الظلام، علمت يقينًا أن ما كان يصنع الفارق بيني وبينهم لن يكون فارقًا بعد اليوم، لقد تساوينا ولم يعد هناك اختلاف.
كان انتقامي عنيفًا، لم يكن صاعًا بصاع، فمن مكاني البعيد كنت أشعر بغيظهم، كان له غليانٌ شديدٌ وصوتٌ مزعجٌ، كما أسمع الآن صراخهم الذي ينطلق من أعماق هذه الأرض القاحلة.
أبدًا ما ابتعدت عنهم، بل اخترت المكان الذي كرهوا، لازمته ومكثت فيه، كنت صبورًا معهم لأصبح بصيرًا بما يبصرون، لقد أعمتهم نار الحقد، ونتيجة لذلك، لم أجد أي مشقة في أن أسقيهم من نفس الكأس.
فقد سعرت تلك النار، وتراقص لهيبها وعمدت لكل ما عملوه واكتسبوه، سخنت ماءهم الذي يروون به ويرتوون حتى تبخر، وغدت ربوتهم التي لطالما تغنوا بها صخرة ملساء، رأيتهم بعيني وهم يعضون على أيديهم من الندم، حتى سالت دماؤهم وتلوثت أفواههم.
هل توقف انتقامي؟ لا، لم تكتمل فرحتي إلا يوم أجليتهم ولم يبق إلا ظلهم مبسوطًا على وجه الأرض.
كم هو جميل عندما تأتي العُتمة التي كانت لباس أعمالهم لتمحو ذلك الظل شيئًا فشيئًا.
توقف فجأة عن الكلام كما بدأ!
شيئًا ما دفعني لأنظر إليه، ربما كانت نبرة صوته، فنظرت إليه مُتفحصًا وجهه، تقاسيمه وملامحه لم تكن غريبة، عرفته.
فصرخت: أنت، أنت!!
وضغطت على مكابح سيارتي بعنف، فاصطدم رأسه بزجاج السيارة الأمامية، والتفتُّ إليه وأخذت أردد بغضب في وجهه: هُراء، هُراء، إنها قصة من نسج خيالك أيها الفاشل.
فطأطأ رأسه، وسَافَرتْ عيناه إلى مكانٍ أعرفه ومتيقن منه، لم أُشفق عليه، ولم أحاول إخراجه من محنته، بل سمّرتُ عَينَيّ عليه لأزيد من جروحه، وكأنني أُريد أن أنتقم من شيء لا أعلمه، أو أني أعرفه وأكره أن أذكره.
لم أكتفِ بذلك، بل خرجت من السيارة وفتحت بابه وسحبته من مقدمة رأسه ودفعته ليسقط على الأرض، وأخذت أركله بكلتا قدميّ حتى سالت دماؤه، وتمزقت ثيابه، نفضت يدي وتركته عندما شعرت بالإعياء والتعب، فقام من مكانه مترنحًا وغادر من دون أن ينطق بكلمة واحدة، وأنا أردد خلفه بحقد: اذهب، اذهب أيها الأحمق، وارعَ سراب دوابك في سهول وأودية عسى ويا ليت، حتى اختفى عن ناظري.
اتجهت إلى سيارتي متثاقلًا وركبت، وأسندت ظهري على المقعد، أحسست بشيء له دبيب يتحرك ببطء من مقدمة رأسي، يسيل على جبهتي، ارتفعت يدي تتحسس الموضع.
ظللت مُدة من الزمن مذهولًا أتفحص أطراف أصابعي التي صبغتها الدماء!
أشحت بنظري عن يدي عندما شممت رائحة كريهة عمّت المكان، وسمعت صوتًا ناعمًا ينادي باسمي، التفت إلى مصدر الصوت.
فرأيتها في المرآة!
فتسللت ابتسامة ساخرة من شفتيّ المرتعشتين، تبعتها ضحكة مجلجلة انفجرت وتتطاير شظاها على المرآة، فتحطمت وتناثر وجهها إلى أشلاء، فصرختُ، وسقطتُ مغشيًّا علي.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

6 تعليقات
بيداء
بيداء
2 سنوات

استغرقت بالقراءه حتى النهايه على امل اجد توضيح لمعنى القصه في النهايه
لكن النهاية زادة من الغموض
الكتابه قويه لكن المعنى غائب
اتمنى ان تعلق لتخبرنا بمغزى القصه

البراء
البراء
2 سنوات

أسلوب فصيح ولا شك في ذلك. كلمات منمقة تعرف طريقها بسهولة، ولا تنم إلا عن خبرة وباع في الكتابة، بل حتى طريقة تناول الفكرة -الطريقة الشاعرية الغامضة- تنم عن خبرة في الكتابة، فلا أظن أن هناك كاتب مبتدئ سيفكر في هكذا طريقة لإيصال أفكاره، لذا هذه من أسلحة الكاتب، ولكن هنا المشكلة، الإفراط في استخدام الأسلحة. شيء على شاكلة “كم من الملح والتوابل يعد كثيرا من الملح والتوابل” بالنسبة لي، أحب التوابل لكن ليس بهذا القدر، هذا القدر كثير للغاية عليّ. هل سأنكر أن الطعام لذيذ؟ طبعاً لا، بل على الأغلب سيكون هذا طبقاً جيداً في المطبخ الهندي -الشهير بالطعام الحار كثير التوابل-
النهاية أيضاً أوضحت بعض الأشياء، مثل أن الرجل الذي ركب مع البطل هو البطل نفسه، وأن ثمة امرأة ما في موضوع الانتقام. وأقضي تفكيري في القصة بالتساؤلات،
هل المقصود أن البطل مشي في طريق السحر والناس احتقروه ومنهم من أحبته؟ أم أن هناك شيء آخر فوتته؟ في النهاية وقفت على أنه ليس من المفترض أن نفهم أحداث هذه القصة بقدر أن نفهم المغزى منها.
الخلاصة، أتفق مع الأخ العزيز جمال، أعتقد أنه قدم تفصيلاً احترافياً للقصة.
سعيد جداً أن أرى قصة في قسم أدب الرعب مجدداً، وأتمنى فعلاً أن أقرأ لقلم جنابك قصة أخرى هنا.

جمال علي العابد
جمال علي العابد
2 سنوات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحياتي لك اخي الكريم.
تسعدني مشالركات ادب الرعب جداً، في يوم ما كان هذا القسم مكتظّاً بالكتّاب المتنافسين على قدم وساق، المشاركات كثيرة والتعليقات اكثر بين منبهر ومنتقد ولكم أسعدني اني عاصرت تلك الفترة وأني تحسست خطواتي في هذا الموقع من قسم ادب الرعب. أياً يكن ، دوام الحال من المحال.
عامة، لنعد للأهم، القصة قوية من ناحية الكلمات، وثرية بالاستعارات وطبعاً هذا يدل على مخزون الكاتب وثراءه لغوياً. أعجبتني أيضاً الفكرة
إلا اني اعتقد انه لم يتم اخراجها بالشكل الصحيح، عاب العمل الابهام المبالغ فيه، حيث ان القارئ سيكون مجبراً على القراءة دون ان ترتسم في ملامحه خطوط واضحة يستطيع من خلالها تكوين درب واضح يدفعه لاكمال القراءة. الاخذ بعين الاعتبار ان صبر القارئ سرعان ما قد ينفذ اذا لم يجد شيئاً يجذبه لتتمة ما يقرأ. للأمانة انت ادركت هذه الخطوة ولكن متأخرا جدا واقتبس من قصتك:
” فحكايتي خطيرة، لو كشفت للعيان ستفرح وتشجع أصحاب القلوب المريضة، فهي قنبلة، بل أشد” جرب صديقي ان تنقل هذه العبارة الى سطورالبداية ولاحظ الفرق.
من عادتي ان اضع تقييماً من 10 لما أقرأه، وتقييمي طبعاً هو تقييم شخصي قد اصيب او قد اخطئ فيه. بالنهاية انا مجرد قارئ..
لكني ساضع 6 من 10. ((العنوان الذي لم يخدم القصة _ الإبهام المبالغ فيه_ غياب عامل الجذب بالنسبة لعمل قصير)) . بانتظار جديدك دائماً صديقي
تقبل مروري مع فائق التقدير والاحترام.,

علا النصراب
علا النصراب
2 سنوات

الأقصوصة جميلة ..أعتقد أنها لاتنقص شيئًا لم تكن تحتاج إلى سطر زائد أو كلمة مُلهمة كل شيء يلمع وكأنه في أتم تمامه

أنا أول ما يستوقفني هو الفكرة فالفكرة هي هدف الكاتب فنحن لا نكتب لنبرز عضلاتنا (مهارتنا) بل نكتب لأن شيء ما يحركنا نشعر بأنه يستدعينا تتحرك أفكارنا وعواطنا إلى جهة الابداع فيه لذلك نكتب، انت هنا كتبت ولكن عن ماذا؟
عن ثقافة الانتقام ..صدقًا الانتقام عند الصالحين كالماء ليس لذيذا ولكن نحتاجه كي نردع المعتد فلا يبالغ فيزدجر ويرعوي

أما عند اهل الشر فهو حجه ومبرر لطغيان آثم وأذي مستلذ ويبعث النشوة إلى القلب وهو الانتقام الآثم وغالبًا تصحبه مبالغة

نرى في السينما شخصية الجوكر الشخصية الشريرة التي تعرضت لقهر مجتمعي وظلم كثير اودى بها للإنتقام من المجتمع كله وممارسة الشروالطغيان وتصور أن ذلك إنتقام عادل فهل هذا النوع من الانتقام سوي؟

مروان
مروان
2 سنوات

اسلوبك جميل وقوي لكن بصراحه لم افهم القصه
هل اصابه مس او جنون لانه خالف نصائحهم وشم الزهره
من هو الرجل الذي صعد معه بالسياره ولماذ ثار غضبا عليه
من هي المرأه؟
الاسلوب رائع لكن القصه غير مفهومه
اعلم ان هناك هكذا نوع من القصص تتسم بالغموض
ربما تكون هذه القصه من هذه النوعيه

عاشقة الرحيل
عاشقة الرحيل
2 سنوات

لا أملك حلا لك سوى ان تجعل القرآن حدودك والصلاة عبادة والمشاكل وراء ظهرك والمشاعر خبئها وافكارك اكتمها
واسرارك حافظ عليها لأن انت البداية والنهاية في حياتك
الحياة لاتدوم والسعادة لن تبقى وتتقلب الأيام والأمور والظروف لأن لن يبقى شيء على حاله ولن تعود الرياح لمجرها
هذه هي قوانين الأرض شأت ام أبيت وإياك التفكير بالبواطل
حافظ على حدودك الشخصية مع الآخرين فالحياة جميلة أن فهمنها بطريقة مكثفة بالنسبة لعنوان قصتك
فما شأنها بذلك أعني زهرة الرافيليسيا ماذا تعني لك
واتمنى ان تكتب المزيد متابعة لك

زر الذهاب إلى الأعلى