صرخات الموت في البيد

الزمن، وما أدراك ما ألاعيبه! يقلب حالك ويجعل عاليه سافله. هكذا حدث معي؛ أصبحت من فارس شاب، الكل يعرفني بالطيبة والحكمة، إلى شخص قلبت وتغيرت حياته، كل حياته، فقط بسبب عدم اتباعه لطموح مخفي، ومشورة غبية حمقاء طلبها من أحد العرافين، والذي أتمنى في لحظتي هذه لو أرجع في الزمن لكي لا أسمع منه، وأبقى في دار الغافلين.

ولكن ما فائدة الندم الآن؟ فأنا لا أستطيع التراجع، حتى لو أردت ذلك. لقد سلكت دربًا لا رجعة فيه، درب نهايته إما إكمال المجد أو الموت في سبيله، والذي لن أقبله بسهولة. ولكن من يعلم؟ دروب المجد والدم تؤدي إلى الضريح.
ما أجمل هذه البيد في ظلمة الليل، والنجوم التي تضيء قبة السماء، وما أوحشه من هدوء يعم المكان، وحيدًا في مكان قفر، زينه الأحمر.

في عتمة الليل، أتذكر في صمت الدماء التي سفكتها لتحقيق مجدي، وكيف كنت أتأرجح بين الملاك والشيطان. هل كانت التضحية بالدماء ثمنًا عادلًا لتحقيق الطموحات، أم أنني أغفلت جوهر الإنسانية في سبيل المجد؟
لكن ماذا سيغير التفكير الآن؟ كل ما أستطيع أن أفعله الآن أن أترك بصمة، ألا وهي قصة حياتي، على أمل أن تكون بوصلة لشخص يحتاجها.

لذا، يا من تسمع هذه الكلمات، اعلم أنني لست شاردًا ولا صعلوكًا. أنا فارس ابن فارس، وسيد بن سيد. أنا ابن سيد قبيلة وبار، إحدى القبائل الأربعة العظيمة التي تحكم الصحراء: الحارث بن يزن. وأمي السيدة عائشة بنت سيد قبيلة عبيل، والتي توفيت أثناء ولادتي، مع الأسف.
حُذِقت منذ صغري في الفروسية والرماية، وحفظ الشعر ونظمه. أنا من ولعت بمراقبة النجوم لأرى الجمال. أنا قاسم. أنا من تسود على قبيلة وبار، قدتها بالحديد والدم، وجعلتها في غضون سنوات قليلة تطغى على كل القبائل المجاورة. أنا من عُرف بالذئب السفيك.

أعتذر إن كنت أطلت عليكم مقدمتي.
قصتي تبدأ يوم ولادتي. كنت فرحة لأهلي وعشيرتي، فأنا الابن الوحيد لسيد القبيلة. وكما جرت العادة، تم إرسالي إلى قبيلة أخرى تُدعى قبيلة بني النعمان في البادية، حيث نشأت واشتد عودي، وعدت بعدها بخمس سنوات إلى قبيلتي.

أكملت حياتي هناك، وتعلمت وتدرست على يد أحد علماء القبيلة، وتعلمت الشعر وكيفية نظمه، وعلى يد سيد المحاربين عنترة، والذي في ذلك الوقت كان عمره خمسًا وعشرين سنة، وكان شخصًا مهيبًا يحترمه جميع الجنود.
ظهرت موهبتي في المبارزة والرماية. وصلت لعمر الخامسة عشرة من عمري، وتميزت بالعطف والحنان، وأحيانًا بالقسوة الشديدة. كنت أترنح بين كليهما.
قد تتساءلون كيف سأوحد العشائر وأبني مجدي، وأنا أخبرتكم أنني حكمت بالنار والدم، وكان يطلق عليّ بالذئب السفيك. وكيف أصبحت قسوتي، التي تظهر نادرًا، تعطشًا للدماء؟ اصبروا ولا تستعجلوا.

في عمر العشرين تغيرت حياتي. في هذا العمر التقيت بفتاة لم أحب مثلها فتاة قط. كان اسمها مريم.
سبب تسميتها بهذا الاسم يرجع ليوم ولادتها، حيث كانت أمها في خطر أثناء ولادتها، لكن والدها طلب المساعدة من سيدة مسيحية كانت تُدعى مريم، تقطن مؤقتًا بقبيلتهم، وذلك لامتلاكها لمهارات معالجة جيدة.

وبفضل الله والسيدة مريم نجت الأم والطفلة الصغيرة، التي سموها بمريم شكرًا للسيدة التي أنقذت حياتها.
كيف التقيت بجميلتي مريم؟ هذا سؤال.
كنت في ذلك الوقت ذاهبًا كرسول لقبيلتنا إلى قبيلة أخرى تُدعى بنو عقيل. كانت قبيلة ضعيفة نسبيًا، ولكن زعيمها يكنّ له الاحترام. ذهبت إليه للتشاور حول بعض المسائل التجارية وغيرها.

عند وصولي إليهم تم استضافتي حسب الأصول، وفي اليوم التالي جلست مع زعيم بني عقيل، سعد بن عبد شمس، وكان شخصًا كبيرًا في السن، لم يُرزق بأولاد ذكور. كان أشيب الرأس، ذو مظهر وقور ورزين؛ إذا تكلم اختصر.

تناقشنا، وكان النقاش صعبًا، فكل منا لديه مصالحه، والتي أغلبها تتضارب، ولكن استطعنا الوصول لحل وسط. وبعدها طلب مني أن أمكث لثلاثة أيام ليتم تجهيز زادي، لأن رحلة العودة تتطلب شهرًا. شكرته في اليوم لموالي لهذا اللقاء.
في ليلة مظلمة، خرجت كعادتي، وفوقي النجوم المضيئة التي تضيء قبة السماء. وبينما أنا غارق في تأملي لجمال الصحراء، فإذا بي أرى شخصًا ملثّمًا واقفًا ينظر إلى الأشياء ويتأمل فقط. ذهبت نحوه وسألته: “من أنت؟” لما سمع صوتي، فاق من شروده وحاول الفرار، لكني أمسكت به بيدي اليمنى، بينما اليسرى سحبت خنجري من خاصرتي ووضعته على رقبته، وأزلت لثامه عن وجهه. لأصدم، يا رب الكون! ما هذا؟

لقد رأيت جمالًا؛ كانت عينيها سوداء، تتمتع بملامح ساحرة، حيث تجسد بشرتها السمراء جمال البرونز، وعيناها السوداوان تنبضان بالحيوية. لم أستطع أن أنطق أو أتحرك. بقينا نحدق في بعضنا البعض، وكان الكون بأسره قد توقف.
تلك العيون السوداء تحدق بي بخوف، وأنا أحدق بدهشة، وقطعت دهشتي حين أخذت الخنجر من يدي وجرحتني به، لأفلت يدي، وتلوذ بالفرار، حاملة خنجري. أنا لم أتحرك، لم أقوَ أن أتحرك. بعد مدة عدت لرشدي، وأجد نفسي وحيدًا في الصحراء، وجميلتي اختفت. بعدما سرقت عيونها قلبي وأسرته، عدت لمسكني الذي أعطاني إياه زعيم بني عقيل. عدت ولم أبه بالدم الذي يسيل من يدي، كل ما كنت أفكر به هو ذات عيون الغزال، وكيف سأعرف من تكون.

وغدًا سيكون آخر يوم لي في هذه العشيرة، لأنني يجب أن أعود وأدلي لوالدي بما حصل. في اليوم التالي توجهت لزعيم القبيلة لأستفسر إن كان قد تم تجهيز زادي، وكنت أتمنى من كل قلبي أن يكون لم يُجهز بعد، فأنا لا أزال مشغولًا بتلك الفتاة. ولكن مع الأسف، كان بالفعل قد تم تجهيز كل شيء احتجته، وطلب مني أن أجلس وأتناول وليمة معه كعربون صداقة ومحبة بيننا.

كنت أريد الرفض، ولكنني أعلم أن الرفض ستعتبره إهانة في حقه، وترتّب على هذا الفعل نتائج سيئة. بينما نحن نأكل، إذا بعيني وقعت على خنجر موجود في حزام الزعيم، ووجدته مألوفًا؛ إنه نفس خنجري. طلبت منه أن يسمح لي أن أراه، ناولني إياه، وبعد تفحصه تأكدت أنه نفس خنجري، ففي مقبضه يوجد حرق “ق” منقوش فيه، وهو يرمز لأول حرف من اسمي، قاسم. سالته من أين حصل عليه، فقد أعجبني. أخبرني أن ابنته وجدته وقدمته له، وهنا ابتهجت سراي، ولكن لم أرد أن أظهر أي شيء.

أخبرته أنني لم أكن أعلم أن له ابنة. أخبرني أن له ابنة، ولكنها لا تحب الظهور للعلن كثيرًا، وأنه يحبها كثيرًا. أنهيت الموضوع بكل هدوء، وطلبت منه أن أتحدث معه في موضوع بعد الأكل. سالني: “ما هو؟” قلت: “بعدما ننتهي.”
المهم، أنهينا المأدبة وذهبنا لمجلسه، وقلت: “أنت تعرفني شخص جاد، ولا أحب اللف والدوران. أنا أريد الزواج من ابنتك، فإن قبلت فسأعود مرة أخرى رفقة والدي وأخوتي لطلبها حسب الأصول، وإن أبيت فهو حقك، ولك مني كل الاحترام، ولن يغير هذا من مكانتك عندي.”
في الأول صدم الزعيم من طلبي، لكنه تدارك الأمر وأخبرني: “انظر يا قاسم، أنت نعم الرجل، فارس رجيح، جسور، هزبر. ومن ناحيتي فأنت كفؤ، ولكن ابنتي عزيزة عليّ، ولن أجبرها على الزواج من شخص، ولكن سأسألها. فإن قبلت، فمبروك لكما، وإن أبدت رفضها، فمالي.”

قلت له: “أنا موافق.” طلب والدها منها الحضور أمامنا، ووضعوا ستارة حاجبة شبه شفافة بيني وبين أبيها، وأخبرها والدها: “إنه يطلب يدك للزواج.” نظرت نحوي، والتقت أعيننا، وبقينا نتكلم بها. أحببنا بعضنا بدون أن نتكلم أو نمر بمواقف جمعت قلبينا. تعلقت أرواحنا ببعضها البعض بدون سبب، وكان الخالق خلقنا لبعضنا البعض.
تكلمت أنا وقلت لها: “أريدك زوجة لي، فإن قبلت فساكون نعم الزوج، وسأحبك عمرًا ونهاية العمر إلا الفناء. واعلمي أني فارس بن فارس، فإن بحثت عن الفروسية والنبل فأنا من أهلها.”

انتهيت من كلامي، ولم تفارقني نظراتها، وأخبرتني: “لو بحثت عن الفروسية والنبل، لأخذت من أعظم فرساننا زوجًا، ولكنني أبحث عن من يلائمني، وأنا أقبل عرض زواجك.” فروحها، تألقت، وأعمت بنقائها الجهلاء. أثلج كلامها قلبي، وقلت لأبيها: “سأعود لقبيلتي لأخبر والدي، ونعود إلى هنا لطلبها بشكل رسمي حسب الأصول.”

رجعت لقبيلتي، وطول الطريق، والفرحة تملأ قلبي، كيف لا، والفتاة التي خطفت قلبي ستكون لي. لما وصلت لقبيلتي، توجهت نحو مجلس والدي حيث وجدته جالسًا مع باقي الشيوخ. سلمت عليهم وأخبرتهم بما توصلت إليه من اتفاق مع زعيم بني عقيل. وسرّ والدي من النتائج، وأخبرني أن أطلب منه أي طلب وسيلبيه. أخبرته أني أريد الزواج من ابنة زعيم بنو عقيل، وهي موافقة، وأبوها كذلك.
صدم والدي والباقون في البداية، فإني قد فاجأتهم بطلبي، ولكنهم فرحوا، فمعنى زواجي هذا إقامة تحالف جديد. أخبرني والدي أننا سنذهب في طلبها الشهر المقبل. وطول هذه المدة كنت غارقًا في بحر الحب، لم تكن تفارق ذهني، وخصوصًا كلماتها: “كملاك، روحك عن الجميع تألقت.”

لم أستطع نسيانها، ولكي لا أجعل الوقت يمر بسرعة، كنت أتدرب رفقة عنترة على المبارزة كما اعتدنا. ما كان يميزني عن باقي الفرسان وعن باقي محاربي القبيلة، وما جعلني أتفوّق عليهم، هو أنني أحارب بسيفين بكل مهارة. فأنا بارع في استخدام كلتا يدي، فمن يواجهني كأنه يواجه شخصين في نفس الوقت. وهذه القدرة هي ما مكنتني من هزيمة كل من يواجهني، وأصبحت أفضل محارب في قبيلتي.

أظن أنكم قد تستغربون كيف أن عمري خمسة عشر سنة وأتميز بكل هذه الصفات، وأتحدث عن الحب والزواج. ربما زمانكم غير زماني، وعاداتكم غير عاداتي. اعلموا أن في عرف عشائرنا، الولد ذو الخمسة عشر عامًا قادر على قيادة جيش والقتال. فنحن نولد ونكبر أشداء كالليوث.
بعد مضي الشهر، أعدت العدة للذهاب، حاملين هدايا دلالة على صدق نيتنا. استغرقت المسيرة قرابة شهر، ذهبت فيها أنا ووالدي. في غياب سيد القبيلة، كانت تحكم القبيلة من طرف مجلس مكوّن من خمسة شيوخ.

عند وصولنا إلى قبيلة بنو عقيل، تم استقبالنا أفضل استقبال بالورود والمعازف والطبول، وكان هناك جمع من الناس يهللون كترحيب بصهر زعيمهم المستقبلي. وكان النساء يطللن من شرفاتهن، وأنا فقط أبحث بين الجمع لعلي أراها، ولكنني لم أجدها. شعرت بنوع من الإحباط، لكنه سرعان ما ذهب عندما رأيتها تطل من شباك منزلها، وترمقني بنظرات لا أستطيع أن أصفها؛ نظرات خطفت أنفاسي. بقيت محدقًا نحوها حتى نكزني والدي لأعود لرشدي.

المهم، تم كل شيء على أتمّ ما يرام، وتم تحديد الزفاف بعد ثلاثة أيام. سنحتفل أولًا بزواجنا في قبيلتها، وبعدها سنعود لقبيلتي لنكمل الاحتفال. خلال مدة الثلاثة أيام، كنت ألتقي بها ونتكلم حول بعضنا، ومواقف حصلت لنا. أخبرتني أنها أعجبت بي، وسمعت عني قبل أن نلتقي في ذلك اليوم، وذلك من خلال قصة سمعتها عن كيف أنني قمت بالقضاء على مجموعة قطاع طرق كانت نشطة في الطريق بين قبيلتينا.

هذه القصة كانت قد وقعت قبل مدة، ولم تكن مهمة؛ فمنذ بلغت كنت أذهب في معارك صغيرة رفقة محاربي القبيلة، ولكن هذه المعركة كان صيتها عاليًا نوعًا ما، لأني واجهت زعيم قطاع الطرق ونائبه في نفس الوقت، واستطعت أن أقتلهما. وكان لهذان سمعة قوية لمهارتهما، ولكني، كما قلت، من يواجهني كمن يواجه شخصين في نفس الوقت.
وأخبرتني أنها كانت تتمنى أن أكون زوجها، وأنها ظلت تدعو الإلهة لكي أكون من نصيبها. ويوم التقينا، هي أحست بشعور غريب يدفعها للخروج في الليل والتأمل في السماء. ويا للعجب، فانا أيضًا شعرت بنفس الإحساس في ذلك اليوم، ولما عرفت أنني هو من قام بخطبتها، سعدت كثيرًا وقبلت على الفور.

مضت الأيام، وتزوجنا، وعدنا لعشيرتي، وأكملنا حياتنا. ومضت سنتان على هذا الحال، نعيش في وئام، وبيننا مودة واحترام وألفة لبعضنا البعض. وحصل فيها الكثير من الأحداث.
في مرة، خرجنا في رحلة قصيرة أنا وهي، وبينما نحن نتأمل ضوء النجوم متعانقين، سألتني: “ما هو حلمك؟” أجبتها وأنا أنظر للسماء: “أريد الهيمنة على الصحراء، ولو كلفني هذا أن أستعمل النار والدم.”

تفاجأت وصدمت من كلامي، وردت بحزم: “لن أسمح لهذا أن يحصل، لن أسمح بأن تفقد نفسك وتصبح طاغية.” انتهى كلامنا هنا، ولم أستطع أن أرد. وحدثت أحداث أخرى، كنت فيها أظهر قسوة طاغية، لكنها كانت تحتويني.

وهكذا مرت حياتنا، لكن دوام الحال من المحال. في ذلك الوقت، كان عمري خمسة وعشرين عامًا، ومر على زواجي خمس سنوات، لم أرزق فيها بطفل. في يوم، كان حماي عندنا كضيف لقبيلتنا، وطلب مني أن يعيد ابنته معه، لأن والدتها اشتد عليها المرض، وللظن الغالب أنها إلى الفناء ماضية. وافقت، وقبل أن تمضي في طريقها، همست في أذني أنها حامل. سعدت كثيرًا، وكنت سأرفض سفرها، ولكن تذكرت تعلقها بوالدتها وتراجعت، ومضيا.

لكن بعد مرور شهرين، وجدنا مبعوثًا من قبيلتهم يستقصي عن سبب عدم عودت الزعيم وابنته. هنا انصدمنا، وقلت له: “إن زوجتي ووالده ذهبا قبل شهرين، ونحن عندما رأيناك ظننا أن سيدتكم ماتت، وجئت تدعونا للجنازة، فإذا بك تقول هذا القول.”

بعدما قصينا الأحداث، جمعنا العدة وذهبنا مع بعض المحاربين للبحث عن آثارهم، لأن اختفاءهم شيء مخيف. بحثنا في الطرق التي بين قبيلتينا، واستمر البحث لقرابة الشهر، ولكن بدون جدوى، لم نجد أي أثر.

عندها قررت أن أفعل شيئًا لا أحبه، رغم كون والدي كثيرًا ما قام به. توجهت إلى منزل إحدى العرافات التي تقطن في أحد الكهوف، ولما ذهبت إليها، وجدت عظام حيوانات وكتابات بدمها على حيطان الكهف. لم أبه بكل هذا، ما كنت مركزًا عليه هو هدفي.

كانت العرافة سيدة عجوز عمياء، تملا التجاعيد وجهها، وأسنانها متساقطة. بعدما حكيت لها ما حدث، وأخبرتها أن أريد معرفة مكان زوجتي وأباها، طلبت مني ما أريد من ذهب، لكنها أخبرتني أنها لا تريد أي ذهب أو ما شابه ذلك؛ هي تريد أن ترى الصحراء تتزين بالأحمر. أخبرتني أنني سافهم مقصدها مع الوقت.

واكملت كلامها قائلة: “إنك ستجد غايتك في كهف يبعد مسافة يومين جنوب قبيلتك.” وطبعا استغربت، فلا يوجد أي سبب يدفعهم للذهاب إلى هناك، وهو عكس طريقهم. كنت أفكر أن أقتل هذه العرافة، ولكنها أكملت كلامها قائلة: “أنت لن تستطيع قتلي، لذا لا تفكر في هذا، وكما قلت، اذهب إلى هناك وانظر بنفسك، وأعدك أنه بعد أن تنتهي ستعود إلى هنا، ولكن ليس لقتلي، بل لتبدأ بتزيين الصحراء.”

لم أبه بكلامها، وذهبت إلى سيد المحاربين لقبيلتنا، وسألته إن كان يعرف بشأن كهف يوجد جنوب قبيلتنا. استغرب هو من كلامي، ولكنه أخبرني أنه سمع مؤخرًا عن مجموعة من المحاربين المنفيين المذنبين لبعض القبائل المحيطة بنا، قد اتخذوا منه مسكنًا لهم، ويعملون كمرتزقة. هذا كل شيء.
أخبرته أن يجمع المحاربين، فإن صحت المعلومة التي أعرفها، فظن أننا سنجد غايتنا هناك. حشد المحاربون، وتوجهنا إلى هناك، وطول الطريق، وأنا أتساءل: ماذا يمكن أن يكون قد حدث لزوجتي؟

تراءت لي فكرة أن يكون هؤلاء الأشخاص قد قتلوها، ولكن أبعدتها. هم لا يملكون الجرأة لمحاولة فعل شيء كهذا حتى.
لما وصلنا للمكان، وجدت بضعة أشخاص جالسين قرب الكهف، وأرسلت أحد المحاربين إليهم ليقول إنني أرغب في لقاء زعيمهم، وكان رجلاً ضخمًا قليل الاعور الاعين ويحمل فأسًا كسلاح.

تم ذلك، وجاء زعيمهم رفقة خمسة محاربين إلى خيمتي، وسألني: “ماذا تريد؟”
أخبرته أن زوجتي وحماي قد اختفوا، وأنني أبحث عنهم. شعرت منه أنه قد ارتبك للحظة، وقال إنه جاهز لخدمتي مقابل بعض الذهب.

أخبرته أنني لا أحتاج خدماته، وأن ما أريد هو أن أفتش كهفهم. رفض في البداية، لأني اعتديت عليهم، لكنني أخبرته أنه إن لم أفعل سأقطع رأسك أنت وكل من معك.

أخرجت كل أعضاء مجموعة المرتزقة من الكهف، وأرسلت مجموعة من جنودي للبحث في الكهف، ولكنهم عادوا وأخبروني أنهم لم يجدوا أي شيء. استغربت، كنت أعتقد أنهم سيجدون على الأقل شيء ولو صغير، ولكن لم يفعلوا.
لما هممت، أمرت جنودي بالعودة. لاحظت أن أحد المرتزقة يملك خنجرًا، ميزته أنه نفس الخنجر الذي كان عندي وأخذته حبيبتي مريم وبقي عندها. حالما رأيته في خصر الحارس، توجهت نحوه، وأمسكت بياقته، وأخبرته: “من أين حصلت على الخنجر؟”

لكنه قال إنه اشتراه. استليت سيفي وقطعت له يده، وأخبرته: “فكر جيدًا، إن كذبت سأقطع الثانية.”
بينما يتقلب من الألم في الأرض، بدا المرتزقة الآخرون يحاولون مقاومة جنودي، لكن أعطيت أمرًا لجنودي: “إن أراد أحدكم أن يتحرك، يا سيد المحاربين، إن تحرك أحدهم قيد أنملة أقطع رأسه.”

أدرت راسي نحو الملقى في الأرض، بينما لا يزال يتألم، وقلت له: “لنكمل كلامنا، من أين حصلت على هذا الخنجر؟” كنت على وشك أن أقطع يده الثانية، لكنه صرخ وطلب الرحمة.

أخبرته أن يخبرني بما حدث، وبدأ بحكي ما حدث: “إنهم مجموعة مرتزقة، وبسبب عدم طلب خدماتهم من قبل أحد، عانوا من نقص الأموال، لذلك بدأوا بسرقة المارة، ولكن سرقات خفيفة حتى لا يشعر بهم أحد. وفي أحد الأيام رأوا مسيرة، والمحاربين يرافقون شخصًا وفتاة، ومعهم بعض الصناديق، فظنوا أنه قد يكون تاجر وابنته. لذا باغتناهم بالسهام على حين غرة، فمات معظم المرافقين، وسهل علينا قتلهم جميعًا، مما ترك الرجل والفتاة بلا حيلة. حاول زعيمنا الاعتداء على الفتاة، ولكن والدها حاول حمايتها، مما أدى لقتله على يد الزعيم. وعندما رأت الفتاة ذلك، حاولت الانتقام. قام بضربها وطرحها أرضًا، فلما رأت ما لها من هربت، استلت خنجرًا وطعنت نفسها، وماتت. عندما قمنا بسرقة كل ما هو ثمين، أخذت أنا هذا الخنجر، وقمنا بعدها بحرق جثثهم لكي لا يتبقى أي أثر على فعلتنا.”

حين انتهى من كلامه، بدأ جنودي بالصراخ والطلب بموته. فصرخت بصوت أفجعهم: “اصمتوا!” استليت سيفي وقطعت رأس ذاك المرتزق، والتفت إلى جنودي الذين كانوا قد أركعوا باقي المرتزقة.

خاف جنودي عندما رأوا وجهي. كنت أبكي، ولكن ليس دموعًا، بل دمًا، وملامح الغضب العارم تملأ وجهي. توجهت نحو زعيمهم الأعور وقلت له: “أقسم أمامك وأمام رجالي، سأفعل بكم ما يجعل الرؤوس تشتعل شيبًا.”
التفت إلى جنودي وقلت لهم: “اعرفوا لي اسم وقبيلة كل واحد فيهم، وإن رفض أحدهم التكلم، اكسروا عظامه، ولا تريقوا منهم قطرة دم، ليس الآن على الأقل.” قاموا بما أمرتهم، وأخبروني أن معظمهم من العشائر الثلاث الكبرى الأخرى.

عندها أمرتهم أن يربطوا كل واحد منهم على الأرض، ويقيدوا يديه ورجليه، وملا المكان بهم وهم مقيدون.
ذهبت لزعيمهم، الذي كاد يبلل نفسه، وأخبرني أن أعفو عنه، فقلت له جملة سمعت اذان الجميع وملا الخوف حتى جنودي، لا صلح حتى أملأ البيد من رؤوس الرجال.
استليت سيفي وقلت له: “عيناك التي رأيت بها زوجتي يجب أن تزال.” وفقأت عينيه، وصرخ صيحة من الوجع. وأكملت: “أيديك التي قتلت بها حبيبتي وحماي يجب أن تبتر، أرجلُك التي تجرأت بها أن تخطو نحوهما سأحرِمك منهما.” وقطعتها له.

وأخيرًا، أذناك التي سمعت بها صوت زوجتي وبكاءها على موت والدها، ولم يتحرك ضميرك، سأمزقهما لك، وأدخلت سيخًا من حديد ومزقت أذنيه من الداخل.
وكل هذا وصراخه يملأ المكان، وكل محاربيه خائفون من مصيرهم الذي سيكون مثله، ويندمون أنهم فعلوا فعلتهم.

التفت إلى جنودي، الذين بدا عليهم الرعب. لم يروني قاسيًا هكذا حتى مع أعدائي. في تلك اللحظة، لم يروا قاسم ابن سيدهم، الفارس اللطيف الحكيم، بل رأوا شيطانًا غاضبًا هدفه سفك الدماء.
أمرتهم أن يفعلوا بكل محاربيه. لما انتهوا من فعلتهم، كانت صيحاتهم تملأ الصحراء، إنها صرخات الموت والألم، وكنت أنا أراهم، ووجهي، حسب ما قيل لي، كان يعتليه ابتسامة شريرة.

وعند عودتنا لقبيلتنا، وكان الكل منشغلًا ويبحث عني لاختفائي أنا وسيد المحاربين وجنودي، عندما رأوني سكان القبيلة خافوا وبدأوا بالصراخ والارتعاب. سمع والدي والشيوخ بعودتي، هرعوا لينظروا، فإذا بهم يرونني حاملي رأس زعيم أولئك المرتزقة، وكل واحد من جنودي يحمل على رحمته رأس أحدهم. كان منظرًا يشيب له الرأس.
تقدمت نحو والدي وأخوَتي، ورميت رأس ذلك الوغد تحت أقدامهم، وتركتهم وذهبت لحجرتي أنا وزوجتي دون أن أكلمهم، وهم لم يكلموني، لم يقدِروا أن يقولوا شيئًا. ماذا يقولون وهم يرون مجزرة، ووجهي كأنه شيطان؟
بقيت وحيدًا، أمسك ملابس زوجتي وبدأت أبكي. بكيت ذلك اليوم كما لم أبكي قبل أو بعد، وكان بكائي يسمع كل شيء، وكنت أردد:
“أقسم أن دمك لن يذهب هدرًا. أقسم بالسماء أن أقتل عائلات كل واحد منهم، وأمحي نسلهم، وأجعل ذكرهم يفنى. أنت من كنت تلجمين طموحي وتحمي العالم من دمويتي. أنت من بلطفك كنت تستطيعين أن تجعليني أتحكم في نفسي. أنا آسف، أعلم أنني وعدتك أنني لن أظهر شيطنتي، ولكن أعتذر لأخلائي وعدي. أنا آسف…”

في هذه الأثناء، كان والدي والباقي يسألون سيد المحاربين: “ماذا حدث، ومن هؤلاء الأشخاص؟” وحكى لهم بالتفاصيل. كل من سمع غضب، وأخرج أعينهم شرارًا وحزنًا. ولما سمعوا ما فعلته، ارتعبوا، ففعلتي لم يسبق مثلها في التاريخ.
وأكثر ما رعبهم هو عندما طلب مني زعيم المرتزقة أن أعفو عنه، وأخبرته: “لا صلح حتى أملأ البيد من رؤوس الرجال.”
كلامي لم يكن مجرد هراء في نزوة غضب، بل كان قسمًا، وهم يعلمون أنني شخص أقدس العهود ولا أخلفها. وأيقنوا أنه إن لم يُوقفني أحد، فسأخلق حربًا ستغرق الصحراء في بحورٍ من الدماء.

بعد يومين، أقمنا جنازة لزوجتي ووالدها، جنازة صورية، لأن جثتيهما أحرقت. طول مدة الجنازة، لم تعد ملامحي تشبه قاسم القديم، فأنا القديم مات مع موت محبوبته، وما أنا إلا ملاك ساقط. كانت ملامحي قاسية وباردة، لم تعد تأبه بأي شيء.

انقضت الجنازة، وبعد مدة طلبني والدي للمثول في المجلس بسبب ما فعلته. لما وصلت، جلست في المنتصف، ووالدي والشيوخ جلسوا أمامي. تكلم والدي وقال:
“ما الذي فعلته؟ أعلم أن مصابك كثير مؤلم، ولكن ليس لدرجة أن تصبح هكذا. ما ضر لو قتلتهم فقط؟”
أخبرته بملامح باردة وقاسية: “لو قتلتهم بسرعة، لن يشعروا بالألم، وأنا أردتهم أن يتعذبوا ويفكروا لما فعلوا هذا.”
استمر الكلام مع والدي، حتى قال: “وماذا بعد؟ ماذا ستفعل عشائر أولئك الأشخاص بعدما يعلموا ما فعلوه؟ أرسلوا يطلبون تبريرًا عما فعلته.”

أخبرته: “قل لهم إن ما فعلته كان مجرد البداية.”
صرخ: “مجنون! أنت تريد محاربة عشائر الصحراء الكبرى؟”
صرخت أنا أيضًا: “سامحوا نسلهم إن تطلب الأمر، وأقسم، لا صلح حتى أملأ البيد من رؤوس الرجال.”
“أنت فعلاً شيطان!” خرجت هذه الجملة من والدي، وأكمل: “وكيف ستفعل هذا؟ سأصبح سيد هذه العشيرة، عندها كل الجنود سيطيعون أمري.”

تفاجأ الكل بما قلته، لأن هذا بمثابة تمرد. ولكن الأمور تغيرت، الانتقام يغير الشخص.
أنهى والدي الجلسة وقال: “لن أسمح لك بأن تفعل شيئًا، أنا سأحبسك في نفس الكهف الذي قتلت فيه أولئك الأشخاص، وأغلق عليك، ولن تخرج حتى أموت أنا.”
أجبت: “أنا موافق ولن أعترض على قرارك.”
رجعت لحجرتي، وطلبت حضور سيد المحاربين. لما جاء، أخبرته بما حدث، وبدا عليهم الحزن. وأخبرته:
“أعلم أنك تكن لي الاحترام الكبير يا عنترة، وتعلم أن ما قمت به هو الصحيح، لذا لي عندك رجاء: اجمع الجيوش، ودرب الجنود بكل قسوة، أريدهم أن يكونوا جاهزين لعودتي.”

فحالما أصبحت السيد، سأبدأ غزوي. هزّ سيد المحاربين بموافقته وغادر. أما أنا، في الليل خرجت خلسة وتوجهت إلى جبل تلك العرافة.

حالما وصلت إلى مدخل الكهف، سمعت صوتها:
“ادخل يا قاسم، أنا كنت بانتظارك.”
حالما دخلتها، وجدت على وجهها ابتسامة سخيفة، قالت:
“يبدو أنك وجدت غايتك فعلاً، تعازي الحارة على مصابك.”
سألتها: “لماذا لم تخبريني بما حدث وتسهل عليّ الأمور؟”
ردت عليّ: “لو أخبرتك، لكنت غضبت وسأحاول قتلك، وطبعًا أنا سأضطر لقتلك، ودورك لم ينته بعد، لذا وجهتني لأطلق العنان لنفسي وغضبي بحرية.”

ضحكت من كلامها وقلت: “رائع، خطة جيدة. إذا كنت أتذكر، قلتِ إنك تريدينني أن أزين الصحراء بالأحمر. فهمت مقصدك الآن. شاهدي بتمعن، لأنني سأزينها لتبدو كعروسة.”
غادرت الكهف وكنت أسمع ضحكاتها الهستيرية.
عدت للقبيلة، ووجدت والدي ينتظرني رفقة بعض المحاربين. وقبل أن نمضي في الطريق، توادعنا، لأن هذه آخر مرة سنرى بعضنا. رغم صعوبة الموقف، لكن والدي يعلم أن هذا هو الفعل الصحيح لمحاولة كبح جماحي ولو لمدة قصيرة.

ومضينا في طريقنا، وبعد يوم وصلت لنفس المكان، الذي وجدت الدماء قد أخفتها الرمال. كنت أتمنى لو أجدها، ولكن لا يهمنا. دخلت للكهف، وأغلقوه بشكل جزئي، وتركوا فتحة تسمح لهم بإدخال الطعام منها، وتسمح بمرور الهواء والشمس.

ثلاث سنوات… هاته هي المدة التي بقيت فيها محبوسًا في ذلك الكهف. كنت أمضي كل يوم أتساءل مع نفسي: ماذا سأفعل بعدما أخرج؟ هل يجب أن أتوقف وأذهب للصلح مع القبائل الأخرى وأحقن الدماء؟ ولكن سرعان ما أتذكر ما فعل بزوجتي، وأغضب.

مررت في تلك السنوات بعدة هلوسات من شدة الوحدة، لدرجة أنني أقسم أني كنت أظن أني أرى الجان، ولكن لا أصدق، أنا بالتأكيد كنت أتوهّم. وفي مرات، كنت أرى تهيئات لنفسي وأنا واقف في الصحراء وحيدًا، في منتصف جثث لمحاربين، وأحيانًا أرى نفسي واقفًا وتحتي أسياد القبائل يركعون لي ويهابونني. لا أذكر حقًا كيف استطعت أن أنجو من تلك الهلوسات، لكنني نجوت إلى أن أتى اليوم الموعود.
سمعت الصخرة التي تسد الكهف تتحرك. حالما سمعت صوتها، علمت شيئًا واحدًا: ما كنت أريده قد حدث، حان وقت عودتي وتحقيق انتقامي.

خرجت من الكهف لأرى عنترة ومعه العديد من الجنود أمام الكهف. حالما راوني، ركع، وتبعه الباقي، وكان في يده سيوفي المزدوجة. قال:
“سيدي قاسم، كل سكان وبار وجيشها طوع أمرك.”
حالما رأيت ذلك المشهد، أحسست بالعظمة والغرور، ولكن تذكرت ماذا يعني هذا: والدي توفي، فقدت جزءًا آخر مني. حزنت من قلبي، ولكن لم أبدي ذلك.
“أنا السيد الآن، يجب أن أبقى قويًا ثابتًا كالجبل.”
سألت سيد المحاربين: “متى توفي والدي؟”
أخبرني: “منذ أسبوع، وكانت وصيته بعدما نخرجك أن نسلمك هذه الرسالة.”

أخرجها وسلمها لي، وأيضًا كان آخر أمره أن نخرجك فقط بعدما ندفنه، لذا تأخرنا. تناولت الرسالة وفتحتها.
كان أبي يخاطبني فيها، يخبرني كم اشتاق لي في هذه السنين، وأنه لطالما رغب في إخراجي، ولكنه كان يلجم نفسه لأنه يعلم أن المصلحة العامة أهم. وكان آخر الرسالة يطلب مني ألا أبدأ بحر الدماء التي لن ترحم أحدًا، وأن الأحياء أهم من الأموات، وأن الحرب ستجلب الخراب. انتهت الرسالة.

أمسكت الرسالة بعدما قرأتها ووضعتها في ردائي، وقلت:
“آسف يا والدي، ولكن لا شيء سيغير رأيي. تلك العشائر نفت محاربيها وتتحمل وزرهم، ومن حر فعلتهم أنا صال، وفوق كل هذا لم يعتذروا، بل يلومونني على فعلي. ليَتحملوا الآن غضبي وحزني.”

عدت للعشيرة، والتي استقبلتني الجميع بحرارة، فسيدهم قد عاد، الفارس الشهم. توجهت لمجلس القبيلة، ولما دخلت، وجدت مقعد الحكم فارغًا، وتذكرت والدي، حزنت على فراقه، ولكن حان وقت المضي قدمًا.

كان كرسي الحكم محاطًا بمقاعد صغيرة يجلس عليها شيوخ القبيلة، الذين يمثلون المستشارين. حالما رأوني، وقفوا احترامًا، ولما جلست، قبلوا يدي واحدًا تلو الآخر، وانحنوا وقبّلوا يدي دلالة على الخضوع لسلطتي.
لما انتهينا من هذه المراسم، تكلمت وقلت:
“أولًا، الرحمة لروح والدي وكل الأسلاف. أما بعد، فاعلموا أني لست كباقي من سبقني ممن اتصفوا بحب السلام وتفادي الحرب، أنا عكس ذلك. فمن يعصاني، يُصلى ناري، ومن يطيعني، له رحمتي. أما أنا، لن يهدأ لي بالي حتى أذيق أسياد العشائر من ناري، يجب أن يعرف الكل معنى الألم.”
نهض أحد الشيوخ وصرخ قائلاً:
“لن نسمح لك بهذا الفعل، مجرد طفل طائش! لن نترك قبيلتنا تتدمر بسبب طيشك. زوجتك وطفلك ماتا، وانتهى، خد الدية وانهِ هذه المسألة!”
دهش الجميع مما قاله هذا الشيخ، فهو قال ما لم يتجرأ أحد على قوله.

نهضت من كرسيي، دنوت إليه، وقلت بصوت هادئ:
“من أنت، ومن أعطاك الحق لتقرر قيمة حياة زوجتي وابني؟ لكن لا بأس، كنت أقسم أن أملأ الصحراء من رؤوس، ولتكن رأسك أحدها.”
لما أنهيت كلامي، استللت سيفي بسرعة، وفصلت رأسه عن جسده، ليسقط ميتًا.

التفت إلى باقي الشيوخ وقلت:
“ليكن هذا عبرة لمن يحاول الوقوف في طريقي. سنبدأ تحركنا بعد سنة، ليستعد الجميع. أريد في هذه السنة أن تزداد قوة جيشنا، ابدأوا بتوفير الغذاء وجمعه، وتجهيز معدات الجيش من سيوف ورماح وسهام. وليكن الإله معنا.”
انقضى المجلس وغادرت، بقي الشيوخ مذهولين مما حدث. وتكلم أحدهم:
“يقال يمكنك إيقاف النهر ببناء سد، لكن من يمكنه إيقاف المحيط العظيم؟”
ليقاطع شيخ آخر:
“أنت مخطئ، ما نراه ليس مجرد محيط، بل هو طوفان سيغرق الكل.”
خلال هذه السنة، تطورت القبيلة على الصعيد التجاري، فأصبح التجار يتوافدون إليها كثيرًا، بل يمكن القول إنني أصبحت مركزًا مهمًا للتجارة.

ولكن التطور المهم هو الذي حدث على الصعيد العسكري. لقد تضاعف عدد المحاربين، وأصبحوا أكثر قوة ومهارة، أصبحوا وحوشًا، هدفهم الأول والأخير مساعدتي على انتقامي. يا لها من فرحة عندما أراهم.
وبنيت جدارًا بطول عشرين ذراعًا يحيط بالقبيلة. وعند حلول السنة الجديدة، عقدت اجتماعًا، وكان الجميع يترقبه، ففيه سيتم إعلان الحرب. تجمع الشيوخ في مجلسي، وهم ينتظرون. وانتهى انتظارهم عندما دخلت عليهم المجلس، لقد كنت ألبس لأول مرة ملابس سوداء وحمراء تمامًا.

جلست على كرسيي وقلت: كما تعرفون، لقد انقضت مهلة السنة التي حددتها سابقًا، والآن حان وقت بداية تحركنا.
التفت إلى كاتب العشيرة وقلت له:
“اكتب من سيد قبيلة وبار العظيمة قاسم بن الحارث إلى أسياد قبائل قضاعة، جذام، وأياد. أعلموا، فور وصول مكتوبي إليكم، أنكم مطالبون بإعطاء تفسير عما فعله أفراد قبيلتكم من شاركوا في قتل زوجتي وطفلي. فإن فعلتم، فلكم منا الأمان، أما إن أبيتم، لؤريكم جحيمًا في حياتكم، ولابيدن نسلكم، وأمحي ذكركم. وأقسم بدماء زوجتي الطاهرة وروح أبي العظيمة، أنني لن أهدأ ولن أستكين حتى أجعل الأرض ترتجف تحت أقدام كل من يقف في طريقي، وأحرق كل من جلب الخراب إلى داري. سأكون كالسيف المسلول، لا يثنيه شيء أثناء انتقامي من من تجرأ على إيذائي. سأدمر كل من وقف فيء طريقي حتى يسقط آخر رجل منهم في دمائه، وتتحقق العدالة بنصل انتقامي.”
انتهيت من كلامي للكاتب، الذي كان بالفعل قد قام بتدوينه وأرسل كل رسالة مع رسول.

تكلّم أحد الشيوخ قائلاً:
“لم كتبت رسالتك كلها تهديد؟ ألم يكن من المستحسن لو تفاديت التهديد؟”
أجبته: “اسمع، الحقوق تنتزع ولا تُعطى، وحق دم أهلي يجب أن يُسترد، فإما يعطونني تفسيرًا وديًا عما فعله أفرادهم، أو أقلب حياتهم عاليها سافلها.”
عاد الرسل بعد أسبوع، وكل واحد يحمل رسالة. كل واحدة منها مضمونها واحد، رغم اختلاف الكلمات: “ما تريده لن يحصل، ابقَ في جحرك تبكي كالنساء، أما الحرب فانت لن تطيقها.”

هذا كان مضمون كل الرسائل باستثناء واحدة، لم تكن كسابقاتها، ومرسلها كان سيد قبيلة قضاعة، حاتم بن مرة. فردّه كان قطع رأس الرسول ووضع رسالتي في فمه.
لما رأيت هذا المشهد، غلى الدم في عروقي. نهضت من كرسيي وقلت:
“لقد وصلت الأمور لهاته المرحلة، إذن منذ متى تقتل الرسل؟ أنتم من بدأتم يا حاتم، وأنا من سأنهي أمركم. يا سيد المحاربين، ويا أعضاء المجلس، سنبدأ تحركنا بعد شهر، وهدفنا قبيلة قضاعة.”

في غضون هذا الشهر، تم تجهيز جيش قرابة 5 آلاف شخص من فرسان ورماة ومشاة كما أمرت. أمهر حداد عندي صُنِع درعًا جديدًا خاصًا بي، وأمرته ألا يكون أسود اللون كالليل، وأن يكون منقوشًا في المنتصف بنقش ذئب، وهو رمز قبيلتنا.
أخيرًا انتهت التحضيرات وقدت الجيش متجهين للحرب. دُقّت طبولها.

التقى جيشي وجيش حاتم في منطقة تسمى الرمال المشؤومة، التي يرجع اسمها لكونها شهدت العديد من المعارك والحروب.
تقدمت أنا وحاتم من بعضنا البعض، ممتطين خيلنا. لما أصبحنا وجهًا لوجه، تكلمت أنا وقلت له:
“استسلم يا حاتم، ولك مني أن أعفو عن أبنائك وأجعلهم يكملون حكم قبيلتك تحت سيادتي، وسأكتفي فقط براسك.”
ضحك وقال:
“أتظن أن كلامك سيخيفني وسيجعلني أستسلم لك؟ فلا تغتر وتطمح بما لا طاقة لك به. أوتظن أنك ستستطيع الإطاحة بي، وأنت لم تقدر حتى على حماية زوجتك وطفلك؟”
كلماته فورّت دمي. رددت عليه:
“عندما تغرب الشمس، سأكون قد سفكت دمك، ومحيت نسلك، وأقسم لك لن تقوم لكم بعدها قامة.”
عاد كلانا لجيشه واستعدنا للمواجهة. اندفع الجيشان نحو بعضهما البعض، وبقيت أنا على رأسه رفقة سيد المحاربين. كان الالتحام شرسًا، وكنت كطوفان نحوهم، بدأت أقتلهم واحد تلو الآخر.

بعد مدة، أصدرت أمرًا بأن يقوم الجناح الأيسر، الذي يتضمن الفرسان، بالانسحاب. انسحب أنا بدوري وتراجعت. اعتقد حاتم أننا نعترف بالهزيمة، لذا هاجمنا وحاول اللحاق بنا دون تفكير، ولكن ما لم يكن يعرفه، أنه بلحاقه بي يذهب نحو موته.

تراجع كان لسحب جيشه لمكان الرماة، الذين تؤكّتهم في مؤخرة الجيش. حالما وصل للمكان الذي أريده، وجد نفسه أمام مئات الرماة، والسهام تنزل عليهم كالهماليل. وأثناء هذا، كان الجناح الأيسر يزحف بشكل محموم ليطوق هو والجناح الأيسر جيش العدو من كلا الجانبين.

توقفت السهام بعدما أنهكت جيش حاتم، وانطلقت أنا بجنودي لنبيدهم. وفي النهاية استسلم حاتم وما بقي من جنوده، الذين كانوا حوالي 200 شخص، ومعهم 3 من أولاده، جاثين على أقدامهم يطلبون الرحمة.

أمرت بتقييدهم، ووقفت أمامه مرتديًا درعي الأسود الذي أصبح لونه أحمر بدم أعدائي، وقلت له:
“لو استسلمت لما وقع كل هذا، وكنت اكتفيت براسك وبعض الأشخاص، لكن أنت من رفض، والآن سأبدأ بك وأقتل كل من معك، بمن فيهم أبناؤك.”

قطعت رأسه وأنهيت حياته، ثم التفت لجنودي وأمرتهم أن يقطعوا رؤوسهم جميعًا. سمي هذا اليوم فيما بعد يوم قطع الرؤوس.
في تلك الليلة، خرجت من خيمتي وتجولت في أرض المعركة، الدماء كانت لا تزال تغطيها. انتابني شعور بالعجرفة والكبر لأنني أسقطت قبيلة قضاعة، والتي تعتبر من القبائل القوية، بكل بساطة، وأنهيت سطوتهم.

لكنني أفقت من هذا الشعور وبدأت أقول لنفسي:
“إياك والغرور يا قاسم، إياك. ما أنت إلا سيد قبيلة فتى فاز في أولى معاركه، أنت صاحب قضية فاثبت عليها ولا تتنحى. فانت فعلت هذا فما أنت إلا طاغٍ متوحش. إياك والغرور يا قاسم، إياك أن تغتر بنجاح معارك المستقبلية، فما كنت لتفعلها لولا تضحية جندك.”

وقفت ونظرت نحو الأفق المظلم وقلت بصوت عالي:
“اشهدي أيتها السماء، وأيتها الأرض، وأنتم يا وحوش البراري وجان الصحراء، أنا قاسم، سيد قبيلة وبار، حققت أولى انتصاراتي بفضل قوة وبسالة جنودي الأوفياء. ليباركنا الإله لنكمل طموحنا، ونرد اعتبارنا، ونحقق مجدنا.”
بعد المعركة، توجهنا إلى قبيلة قضاعة، وأعلنت للكل أنني زعيمها الآن، وستخضع لسلطتي، ومن اليوم لم تعد هناك قبيلة بهذا الاسم، وهو الآن من قبيلة وبار. من يخضع سيجاز برحمتي، ومن يعصِ سأقطع رأسه. خضع الكل، ووحدة أولى القبائل بقي اثنان.

في هذه الأثناء، دوى صدى انتصاري أرْجاء القبائل المختلفة. الكل تفاجأ من فوزي ومصدوم، ولكن أكثر ما فاجأهم هو ما فعلته، كان أمرًا عظيمًا لم يسبق له مثيل. بعضهم رجح فوزي لغباء حاتم وتسرعه، فهو معروف بذلك، ولكن الكل اتفق أن فوزي يعني بداية سلسلة من الحروب الدامية. لذا على الأعداء الحذر، إنهم أمام ذئب، وليس أي ذئب، بل ذئب ماكر، متوحش، متعطش للدماء.

عند عودتي لقبيلتي، والتي استقبلني الأهالي بفرحة عارمة، فرحين بما فعلناه من فوز ومجد، عينت أحد الأشخاص الأوفياء لي، ذو صفات حميدة، كمندوب لي على القبيلة الجديدة، وقررنا بعدها أن نهدأ ونعاود تحركنا للغزو بعد 6 أشهر. قد تبدو مدة قصيرة للبعض، ولكنها مناسبة لتجهيز ما يلزم وإكمال مسيرتنا، فنحن لا نريد أن يستعد أعداؤنا.
مضت الستة أشهر، حان موعد الانطلاق، بدأت الحملة، والهدف الجديد قبيلة جدام. رفعت الأعلام، ودُقّت الطبول، وتحرك الجيش للغزو من جديد.

وصلت الأنباء لزعيم قبيلة جدام، وكان اسمه جسار بن المهلهل، وكان شابًا أيضًا فارسا ذو مهارات، سمعت عنه منذ زمن، وكنا كثيرًا ما يتم المقارنة بيننا، ويبدو أن القدر يريد الحسم في هذه المقارنة.

وصلنا إلى مكان يُدعى بواحة الجن، وذلك لأقاويل تقول إن هذا المكان مسكون بقبيلة من الجن، ولكنها في النهاية مجرد أقاويل. نصبنا الخيام وبدأنا نخطط كيف سنهاجم، لكن وصلتني رسالة من جسار يقول فيها إنه يريد لقائي والتكلم معي.
التقيته في ليلة قرب بئر قريبة من الواحة، وكنا لوحدنا. بدأت الكلام:
“لما طلبت لقائي يا جسار، هل تريد الاستسلام والرحمة؟”
أجاب:
“أنت تنقص من قدري يا قاسم، ليس جسار من يسقط بدون قتال. لدي عرض لك: لنتقاتل أنا وأنت حتى الموت، كما هي التقاليد القديمة.”

(يمكن حسم الحرب إذا تواجد سيد القبيلتين حتى الموت، تقليد غبي، ولكنه أحيانًا مفيد. لا أعرف لماذا فكر في هذا، هل هو واثق من نفسه لهاته الدرجة؟)

“إن فزت أنا، ستُركع قبيلتكم لي، وإن فزت أنت، ستعلن قبيلة جدام الطاعة لك.”
وافق، لتكن دماؤنا بديلًا لدماء جنودنا.
قلت له: “أنا أعلم أن سبب عدم قيامك بأي تصرف بعد فعلة الأشخاص من قبيلتك بسبب مجلسكم، وهم من أجبروك على عدم القيام بفعل، لذا أنا موافق على اقتراحك. وغدًا ليحسم القدر من يعيش ومن يموت.”

اليوم موعد الحسم، يوم الحسم، إما موتي أو مجد جديد.
امتلأت أرض المعركة بالجنود، وتقابلنا في المنتصف. كان جسار يقف شامخًا بكل عزة وكبرياء، لا يتزحزح، ويرتدي درعًا أبيض، ويحمل ترسًا بلون البرونز عليها نقش طائر يمثل شخصية الأمل، في يده اليسرى، ويحمل سيفه بيده اليمنى.
بينما أنا، مرتديًا درعي الأسود، ذات نقش الذئب المهيب، والتي تعكس عزمي اللامتناهي وشدتي، أحمل سيفان (من عادتي عندما أواجه فارسا قويًا وماهرًا أن أستخدم سيفان لأستطيع إخراج كل قوتي).

اقتربنا من بعضنا البعض، وصحنا في جيوشنا، لا يتجرأ أحد على التدخل في قتالنا. الخاسر يخضع لقرار الفائز.
بدأت المعركة بهجمات عنيفة مني، كعاصفة لا تتوقف، تريد اكتساح كل من يقف أمامها، وجسار يتصدى لها بكل براعة وقوة بترسه، ويحاول بسيفه أن يسدد ضرباته، ولكنني كنت أتفاداها.

كان صوت تلاحم السيوف يملأ المكان، والجنود يراقبون معركة بين فارسين عظيمين.
وفي لحظة حاسمة استطعت عمل فجوة في درع جسار لأرميه من يده بسيف الأول، ليكمل سيفي الآخر المهمة، وسيتقر في قلب جسار ليسقط على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة.
عندما نظرت إلى عينيه، لم أرَ كرهًا أو غضبًا تجاهي، رأيت شفقة. مات جسار.

التفت لجيشه وصحت:
“سيدكم الفارس لعظيم جسار وكما اتفقنا قبل المعركة، الخاسر يخضع لقرار الفائز، وأنا فزت وأريدكم أن تخضعوا لسلطتي وتعيشوا تحت ظل رايتي. ما أنتم فاعلون.”
ركع جيش جسار وأعلنوا الولاء، فهم كانوا يحترمون قائدهم لدرجة كبيرة، لو أمرهم بقتل أنفسهم لفعلوا. وقلت في نفسي: “يا لك من عظيم يا جسار.”
تم ضم “جدام”، وقد قطعنا نصف الطريق وبقي النصف الآخر. بعد تثبيت أركان قبيلتي وضمنا لقبيلتين، قررت أن أدخل خلوة مع نفسي في حجرتي، وألا يدق بابي أحد إلا إذا حدث أمر عظيم.

أردت من هذه الخلوة أن أرتب أفكاري وأتصالح مع نفسي. لقد بدأت أشعر بشر ينمو داخلي، وكأن كل ما أقوم به لم يكن هدفه الانتقام، بل اتباع لشهوة السلطة القاتلة التي كانت محبوسة بداخلي.

استمرت الخلوة ما يقارب السنة، وخلال هذه المدة عدت للحياة بعدما قتلني موت أحبائي. ولن أقول إنني مضيت وتقبلت موت أحبائي، والهراء الذي ربما تتوقعونه. كلا، لقد بعثت من جديد. لم أعد أبه بموت أي أحد، ليذهبوا للجحيم كلهم.

وهل تتساءلون ماذا يحدث؟ حسناً، دعوني أخبركم القصة الحقيقية. في صغري، عندما ولدت، ماتت أمي أثناء ولادتي، وطبعا حزن والدي، كعادته، مغفل ذو قلب رهيف، وأخذني إلى أحد العرافين ليعرف مستقبلي وهل أنا شؤم.
وأخبره ذلك العراف أنه يرى فيّ ملاكًا وشيطانًا، أيهما أقرب إلى الإلهة وحدها تعلم. طول حياتي كان هناك دائمًا شر وخير يتصارعان، ولكن دائمًا أنا المتحكم فيهما.

ولكن سأعترف، المرة الوحيدة التي فقدت السيطرة فيها، كانت عندما وقعت في حب تلك الفتاة. بعثرت حقًا كل أوراقي. أظن أن القدر وضعها في طريقي كمحاولة لقتل الشر وحماية الناس منه، ولكن ماتت، حب حياتي، واختفى معها الخير الذي كان بداخلي معها.
لا أعرف إن كان يجب أن أقول إن هذا من حسن الحظ أم من سوءه، ولكن لا يهم. المهم الآن: إكمال خطتي الأصلية، السيطرة على القبائل الأربع. حالما أنجزها، سأستطيع إقامة مملكتي.

حان وقت خروجي من العزلة، سأقتل الملاك وأطلق العنان للشيطان.

بعدما خرجت من العزلة، لاحظ الكل تغيرًا فيّ، لم يتبيّن لهم ما هو، ولكن هناك تغيير، أصبحت الهالة من حولي باردة وشريرة هكذا.
ذهبت للمجلس، جلست على كرسيي وقلت:
“الآن جاء وقت الذبح والقتل. يا سيد المحاربين، هل المنجنيقات التي أمرتك أن تجد من يصنعها جاهزة؟”
رد: “كل شيء جاهز كما أمرت.”
وجيشنا وصل عدده لثلاثين ألف محارب، وكلهم تحت طوعك.
رددت عليه: “جيد، الآن أيها الكاتب، اكتب رسالة إلى قبيلة أياد وقل فيها:
‘من سيد قبيلة وبار وملك الصحراء الوحيد الذئب السافك قاسم، إلى المهلهل، سيد قبيلة أياد، اخضع، تسلم وتؤمن سخطي، اعقل ولا تكن كمن سبقوك. أي سماء تظلكم، وأي أرض تحملكم، إن نحن عاديناكم، فما لكم عندها غير الهرب وعلينا الطلب.'”

أرسل هذه مع أحد الرسل لنعرف ما مصير قبيلة أياد.

سأقول سرًا لك، يا من تقرأ قصتي، أنا حقًا لا أهتم بما سيرد به الهلهل، فأنا سأقتله هو وعائلته سواء استسلم أم لا. لن أترك أي مجال لقيام ثورة على حكمي، أو من يحاول منازعتي في حكمي، فالعرش لا يقبل القسمة على اثنين.
بعد شهر، عاد الرسول ومعه الرد. قرأ الرسالة وكان مضمونها:
“من سيد قبيلة أياد، المهلهل، إلى مغفل قبيلة وبار: لاتحسبن أن بهزيمة حاتم فانت عظيم، فهو ما كان إلا مغفل وقع في حيلتك، ولو لم يقع فيها ما كنت حيًّا لترسل لي هذا. ولا أعرف حتى كيف سمح جسار لنفسه أن يقاتل شخصًا مثلك وجهًا لوجه، هذا غباء بحت. أعترف أن جيشك جرار وقوي، ولكن أسواري حصينة ودروعي منيعة، ومخازن غذائي لا تنضب، وأريد أن أراك تحاول اقتحام عشيرتي.”

انفجر الشيطان الذي بداخلي، وبدأ يقول لي: “أريد منك أن تقتلهم، احرقهم جميعًا.”
التفت وقلت لمجلس الشيوخ:
“سمعتم الرسالة؟ لنريهم ردنا، لنبدأ آخر غزواتنا ونوحد الصحراء تحت حكمي.”
في غضون شهرين، تم إعداد الجنود وتجهيز المنجنيقات. في اليوم الموعود للتحرك، لبست درع الموت السوداء، ووضعت سيوفي على خاصرتي.

وبينما أنا خارج من منزلي، فإذا بي أمر من غرفتي أنا وزوجتي، والتي لم أعد إليها منذ وفاتها. كنت أمر عليها، ولكن هذه المرة لا أعرف سببًا جعلني أريد أن أدخلها.
لما فعلت ذلك، وجدتها متربة، وكل شيء كما هو: خزنة الملابس، السرير، الطاولة. ولكني وقفت أمام لوحة مرسومة لي ولها تتوسط الغرفة، وقلت:
“لا أعلم إن كان موتك نعمة أو نقمة، أنا حزين لموتك، أنت الوحيدة التي عشفتها، وشيطاني فرح لأنه أخيرًا تحرر من قيودك. هل أنا مجنون؟ ربما. هل أنا متناقض في نفسي؟ بالتأكيد. أنا حقًا لا أعرف، لماذا وحدت العشائر، هل هذا حقًا ما أريده؟”

هل وحدتها انتقامًا لي أم طموح شيطاني ورغبة في سفك الدماء؟ الله وحده يعلم.

لما ظهرت في حياتي؟ لو لم تظهري، لما متى أنت متى لدخولك؟ تنهدت وقلت: “لا يهم، الآن لم يعد التغير ممكنًا. لا أعرف إن كنت أنا الظالم أو المظلوم في حياتي.”
وداعًا، وعسى أن تلتقي أرواحنا بعد الموت، لعلي أكون عندها. اختفى شيطاني وعدت ملاكًا.

غادرت الغرفة وأنا مضطرب، لا أعرف لماذا أنا مضطرب، لماذا أنا متناقض مع نفسي، مرة أكون شيطانًا ومرة ملاكًا. أزلت هذه الأفكار من رأسي، لأن الآن ليس وقتها، بل وقت التركيز على الغزو.

بدأنا حملتنا بجيشنا الجرار، والمنجنيقات معنا. كانت الرحلة شاقة، استمرت شهر ونصف، وكانت رحلة حقًا مرهقة.
وفي النهاية، تَرَاءت لنا أسوار قبيلة أياد. نصبت الخيام وجهزت المنجنيقات وبدأ الحصار. أمرت الجنود أن يقصفوا الأسوار ليل نهار، ولكن دون جدوى، كانت الأسوار عصية.
مرّ شهر على هذا الحال، وبدأ الجنود بالانزعاج ويريدون العودة والاستسلام.

لما سمعت هذا، أمرت بجمع الجنود وصرخت:
“كل واحد منكم يتضمر أو يشوش على معنويات زملائه ستقطع رأسه فورًا. أنتم هنا لتنفذوا أوامري فقط، وأنا لن أعود قبل إسقاط ‘أياد’ وقطع رأس المهلهل. يا جيشي العظيم ويا جنودي الأوفياء، أنتم قوتي وفضلكم. حققنا أعظم الانتصارات، فلا تخيبوا ظني الآن يا أبطالي. هذه آخر مرحلة في رحلتنا، فلا تيأسوا، اجعلوا هذا اليوم يومكم. بشجاعتكم وعزيمتكم الصلبة وسيوفكم البتار، سننتصر. ثقتي بكم كبيرة، وقبل شروق شمس الغد، أسوار أياد سوف تسقط.”

حالما أنهيت كلامي، صرخ الجيش بصوت واحد: “يعيش الذئب قاسم!”
وكما أردت، اشتد القصف، وفي النهاية وقبل نهاية اليوم تم عمل ثغرة بالأسوار، ومنها اخترقنا القبيلة لنواجه جيش أياد وعلى رأسه المهلهل.
قاتل الجيشان، وانفردت أنا بالمهلهل لنتقاتل سيد لسيد، فارس لفارس، ولكنه كان برفقته ثلاثة من حراسه، يعني معركة واحد لأربعة.

كما العادة، أنا بالدرع السوداء وسيفاي، والمهلهل يرتدي درعًا بلون البرونز ويحمل سيفًا وترسًا، ولكن درعه تتوسطها شمس، وباقي حراسه دروعهم عادية بلون الحديد.
بدأ القتال بهجوم من المهلهل بسيفه ناحية عنقي، الذي قمت بصده، وتبع هجوم المهلهل جنوده الذين حاولوا حصاري، ولكنني كسرت العصار.

مهاراتي في السيافة مكنتني من أن أقاتل كشخصين، مما سهل المواجهة نوعًا ما.

صوت السيوف يملأ المكان، سيوف جنودي الذين يحاربون جيش أياد، وأنا الذي أقاتل المهلهل ومن معه.
في النهاية، تخلصت من جنوده واستفردت به، وبهجوم سريع قطعت يده التي تحمل السيف، ليركع صارخًا من الألم ممسكًا بيده المقطوعة.
تقدمت نحوه وقطعت رأسه، أمسكته وصرخت:
“يا جنود أياد، ها هي ذي رأس سيدكم، لقد انتهت الحرب، استسلموا!”
لم يرضخ الجنود، فقلت:
“إذن لكم ما أردتم يا جنودي، امحقوهم، اجعلوهم يعرفون قدر جيش وبار العظيم، بارك الله فيكم وقوَّى عزيمتكم للهجوم.”

رفعت أعلام وبار على الأسوار معلنة نهاية أياد، ومعها توحيد القبائل الأربع الكبرى. تم توحيد الصحراء.
لقد حققت مرادي، أنا ملك الصحراء، الذئب السافك قاسم.
لما عدت لقبيلتي، أمرت بغرس سيوف كل واحد من أسىاد القبائل تحت عرشي، فهم الآن تحت حكمي.
ما هذا المكان المظلم؟ ولماذا أمسك بسيف في يدي؟
ما هذا؟ يوجد شخصان يشبهانني. كلا، نحن نفس الشخص. الأول كان بشوش الوجه، عيناه مليئة بالحب، ولكنه مصاب بجروح عديدة وبالكاد يتمالك نفسه. والثاني كانت عيناه قاسية ويقف بمهابة لا نظير لها.

تكلم المصاب وقال:
“ما الذي فعلته يا قاسم؟ ما هذا الحال الذي وصلت له؟ كيف فرطت في نفسك وسقطت في الشر والغرور، وأنت من كان ملاكًا؟ اعقل يا قاسم، أترجاك، افق من غفلتك، أنت ما كنت هكذا. تذكر مريم، هل كانت سترضى أن تراك هكذا متوحشًا؟”
قاطع الشخص الآخر كلامه وقال:
“لا تستمع لهذا الهراء لهذا الشخص النصف ميت. تذكر ما وصلت إليه بعدما أطلقت هيمنتك وغضبك. أتصور أنك كنت لتفعل هذا بالطيبة والرحمة؟ أجهز على هذا الشخص وأكمل أسطورتك. اسمع كلامي وستتذكر الصحراء كلها من هو ملكها، الذئب السافك.”

يريد هذا الشخص أن يجعلك تعود للرحمة والضعف، أن تعود لقاسم الفارس الذي قتلت زوجته الحامل.
كنت أسمع كلامهما وهما يتجادلان، وأنا في صراع مع نفسي. ما الذي سأفعله؟ ما الذي أريد حقًا؟
من ناحية، الأول يلعب على وتر أن زوجتي لن تكون راضية عن حالي الآن، والأخر يلعب على وتر أسوأ منه، الطموح الذي كنت أحلم به: توحيد العشائر.
ما الذي يجب أن أفعل؟ فجأة سمعت صوتًا خلفي يناديني باسمي. التفت، فإذا بالدموع تسيل من عيني مريم.
نعم، إنها هي. حاولت أن أحضنها، لكن لم أستطع، كانت سرابًا.
قلت لها: “كم اشتقت لك، وإنني وصلت للحضيض بدونك.” والدموع تنزل من عيني.

ردت بصوتها الذي لطالما اشتقت لسماعه:
“أنا سعيدة أنك حققت حلمك يا قاسم ووحدت الصحراء، لكنني حزينة، فانت توحشت. أعذرك، أنت طول حياتك كنت تتأرجح بين هذين الشخصين، فهما يمثلان الخير والشر بداخلك، وكما ترى فالخير بدأ يموت. ولحسن الحظ، لم يفت الأوان بعد. تحرر من سيطرتهما يا حبيبي، وأكمل حياتك، ولا تخضع لأي أحد منهما، ففي لحظة وقوع هذا ستسقط.”
لما أنهت كلامها، أمسكت، أحكمت قبضتي على سيف، وقتلت الخير والشر، واستدرت لها وقلت:
“انتظري في الضفة الأخرى، فأنا قادم.”
استفقت من حلمي. نعم، لقد كنت أحلم وأنا في سريري.
نهضت ونظرت من شرفة قصري لأرى جمال النجوم في الليل، خرجت للصحراء ونظرت للسماء وقلت:
“ما أجمل هذا الشعور، التحرر من كل شيء، أشعر بنفسي كنسمة هواء.”

أعلم أنني قمت بفضائع عديدة، وأنني شخص متناقض. كيف لم يمر حتى بضعة شهور توحيد للعشائر بالدم والنار، والآن أتصرف كما لو أن الكل سينسى وأن أبدأ صفحة جديدة بهذه السهولة؟
ولكن في الأصل، أنا شخص لا يمكن توقعه.

كلمة المؤلف:
لكل من وصل لنهاية هذه القصة وعاش حياة قاسم، أعلم أن العديد لن تعجبه الأحداث، وذلك لفقدان عنصر التشويق والحبكة الكافية للأحداث، وأعتذر لكم.
هذه قصتي الأولى، وأحببت أن أركز على الجانب النفسي للشخصية وتحولاته التي عاشها، ولا أعلم إن كنت قد وفقت في هذا أم لا.
وفي الختام، أتمنى أن تكون قد أعجبتكم، وألقاكم في أعمال قادمة.

تحرير، تدقيق ومراجعة : أزيز الصمت .

5 3 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

9 تعليقات
.....
.....
4 شهور

كل عام وانت بخير قصه دمويه الصراحه وانا اقرا حاولت ان اعرف من اي زمن استلهمت قصتك وعندما كتبت حرب البسوس عرفت لماذا يقسم البطل بالسماء وبزوجته واتجاهه للعرافه للمشوره في البدايه لما قرات فارس وقبيله حسبتك ستتكلم عن بطل من ابطال المسلمين وليس صراع البطل مع نفسه بدايه جيده استمر🧡

ريي
ريي
4 شهور
ردّ على  .....

احيانا انسى انه عاش الناس قبل الإسلام في فترة “الجاهلية”، التي اتسمت بانتشار عبادة الأصنام والوثنية، وسيادة العادات القبلية القاسية كوأد البنات والحروب المستمرة

نديم
نديم
4 شهور

قصه جميله واضحه ومتسلسله وسلسه استمر يابطل👍👍

فتاة
فتاة
4 شهور

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..تحية طيبة لجميع الأعضاء من عضوة قديمة ..كنت في السابق إذا رددت على بعض المشاكل أجعل في بعض ردودي شيئامن كلام أهل الطاقة والعقل الباطن قبل أن يتبين لي ضلال هذا العلم وشركيته فإني ابرأ إلى الله منه وأتوب إليه وارجع عن كل ماكنت أشير إليه والله تواب رحيم ..

نديم
نديم
4 شهور
ردّ على  فتاة

خير الخطائين التوابين ❤️

عزف
عزف
4 شهور

قصة جميلة جداً ربما هذه أطول قصة قرأتها هنا،ومع ذلك لم أشعر بالملل،عشت مع البطل كل لحظة شعرت بما يمر به ..
وبما انها قصتك الأولى أقول لك بكل صدق لديك موهبة رائعة استمر في الكتابة متأكدة أن القادم سيكون أروع ..

ريم
ريم
4 شهور

الله الله يامحمد مبروووووووووووك العمل الاول ما شاء الله تبارك الله اول قصه تطلع للنور اول مشوار الكتابه يا سلام عليك المهم انك تستمر تطور نفسك تقرا كثير وتكتب كثير وفي مواضيع عديده حتى تعرف مايناسبك ككاتب وما تبرع فيه اقراء نصائح الكتاب الاخرين وطبقها سوف يساعدك في صقل موهبتك وخلي قلبك واسع للمدح والتشجيع والنصائح والنقد انا فقط اريد ان اطلب منك طلب ان تحتفظ بنص هذه القصه وتستمر بالكتابه وبعد سنه اخرج النص وقارن به كتابتك التي وصلت لها عندها سوف تشعر بتطورك وتقدمك واخيرا تدري ان اسمك حلو ككاتب اتمنى لك كل التوفيق والسداد

محمد الحماني
محمد الحماني
4 شهور
ردّ على  ريم

شكرا انسة ريم على تعليقك,وانا منفتح على اي نقد مهما كان في سبيل تطور مهارتي الروائية,وان شاء الله القادم افضل

محمد الحماني
محمد الحماني
4 شهور

الإلهام الأساسي جاء من حرب البسوس،الملحمة العربية الشهيرة.فكرة الصراع والأجواء العربية كانت منها،بالنسبة للأحداث اعترف كان هناك تقصير من ناحية السرد إذ أنني أحب أن اركز على التطور والصراع النفسي للشخصية الرئيسية،وهذا جعلني اقصر من ناحية الأحداث وقد اخذت مني تقريبا 7ايام لكن ايام متفرقة ومع الأسف أحسست أن القصة كبرت علي ولم أستطع أن اتحكم بها في النهاية لهذا كانت النهاية غير مرضية نوعا ما.لكن بإذن الله القادم افضل

زر الذهاب إلى الأعلى