عالقون في خلاص المصيدة

في المساء، و التعرف على وقت بدايته هو أمر نسبي بالأخص لشخص بات يعالج الأوضاع بالنظرة الفردية , كان من الممكن للحديث الذي استرق مني جميع الحواس التي امتلكها أن يمتد بدرجة أكثر بقليل كي أتراجع عن قراري بركوب القاطرة , اثنان في مقتبل العمر – أو هذا ما ظننته على الأقل – يتجادلان بصورة نمطية رتيبة عن أهمية رؤية الإطلالات الجبلية من شباك النافذة اليسرى , لم يمانع السيد الذي امتطى على أكتاف السبعين – أو هذا ما ظننته على الأقل – لكنه بدأ في الشك تدريجيا بوجود مجسمات صخرية في الرحلة نحو المجهول , في قرارة داخله التي انعكست على استخدام بعض المصطلحات المفشية لـ ” فلسطينيته ” الظاهرة لكل من يشاركه نفس الفكر , آمن بطريقة أو بأخرى بأن انعكاسات الشمس على بحيرة تبلغ من عمر الرؤية الأفقية ثلاث دقائق في حكم تسارع القاطرة سيكون كافيا لاكتساب رضاه .
في منتصف المسافة , تشاركت التأملات المستميتة للحوار الذي مالت ملامحه للضبابية بعض الشيء مع رجل في بنطال , لا وصف له أدق من هذا وقد بدأ منغمسا في فك شفرات الحوار الذي استمر حتى دخولهم لهذه البوابات الذهبية , و لربما أيضا تشاركنا ذات ردة الفعل ” عبث الرومانسية في شخصيات الهائمين ” قبل أن يختفي بدوره , أما أنا وقد انتابني شك ما استطعت أن أخفي ملامحه إلا بدعوة خاصة من مسؤول القاطرة للركوب , هنا في الرحلة الخاصة للغاية , والتي بلا ريب تضمنت أشخاصا مميزين للغاية , وضعت التذكرة في جيب القميص العلوي و قد تدلت منها الدعوة الخاصة ” إلى السيد حسن , نتأمل منك المشاركة في هذه الرحلة نحو المجهول ! ” مع ملاحظة جانبية بالنظر لمخطط الرحلة في الأسفل , و التي بدت فارغة تماما !
…….
عدت إلى سفح هذا الجبل , عدت و كأني لم أعد كشاهد عصري على تجسيد مسرحية ما باتت مبتذلة، تلقفني ذات الرياح التي اعتادت أنسجة رئتي الرخوية على استيعابها , ,, ولكن هاهي اليوم تعلن تمردها في ظاهرة من الإختناق المفتعل, عدت وقد استوطن الشارع نبات عشبي قاتم يصرخ من بين تفاصيله المهترئة عن ماهية التجسد في مساحة ممتدة من الذاكرة مع ازدياد وتيرة افتياته على ما تبقى منها هنالك حيث الشباك العلوي المطل على ” معرش ” العنب تلاحم حديده مع ذات المعرش وهو الذي أعلن الحرب الشاملة عن كل كائن يتوسل الدخول إلى نوافذه , وقفت قليلا عليه , في اي زمان كان الامر ؟ أي مكان ؟ هل تنقلت الزيتونة البرية تعلن امتعاضها من تغير سنة الكون وقد فقد البيت الصيفي أدنى مقوماته للحديث ؟ أم أنه ذلك التراخي أما عتبات الزمن , التجرد من عزف المبادئ على هامش ليلة فيها الخواء يملأ كل شيء , وفيها لكل زاوية تلفظت في ذات يوم ما قصيدة أو شهدت نزوة عابرة , أمست اليوم كضحية للخرف الوقيتي , ومازالت تنكر ذلك !
في الغالب أنني كنت أعاصر لحظة ما اعتاد يوسف على وصفها بنوع من الاستهزاء ” بتعفن الطبقة الدنيا من العقل” يوسف ذاته الذي درس الفلسفة في جامعة بيرزيت لم يعتد على وصف ” الوصف” إلى درجات عليا تتخطى جمالية المصطلح على الرغم من إلحاح السامعين للتعرف اكثر عن ماهيتها : محمد، إن استشفاء المعنى لحدود تتعدى ظاهريته تفقده مع مرور الوقت معناه, أي تكسب فيه طاقة أبعد من مقاييس التعرف، الأمر أشبه بزرع قلب فأر خائف في جسد رجل نطالبه باسمنا لخوض الحرب.
لكن.. كل هذا لا يهم، حقا من يهتم بمعنى الحياة حين يتسنى لك أن تعيشها؟ أولئك الذين يعيشون في الضفة الأخرى سوف يغرقونك بمآثر التفكر عن أهمية تقدير الموقف و تقديس اللحظة و….. و لقد بالفعل واحدا منهم قبل بضع دقائق و انا أشاهد نهاية رحلتي الممتدة سبع أيام تقف على تأشيرات العودة و أماني الوداع. هنالك حيث اشتبه ” عابر ما ” عند مدخل الرحلة ما بتزوير هويتي، لكنه تراجع في لحظة إدراك : و أي أحمق قد يزور هويته لكي يخوض المجهول ؟
في الأمس زارتني جارتي ” أم محمد ” وهي تحمل بعض ” الكشك ” و ” القطين ” الذي يحتفظ بذاكرته على نحو خاص , وقد ترددت بعض الشيء وهي تندفع ناحية باب الأرض المسطحة قبل أن تفسم أنه طوال السنوات العشر الماضية مازالت تسمع صوت الأغصان المتشاجرة في موسيقى تبعث نوعا من الاطمئنان المزعج لرواده , اما الان ” فالبيت عقل ” وهي التي تكره هذا النوع من البراءة المضنية , لطالما اعتاد المرء على التشبث بالذاكرة بغض النظر عن محتواها , على النقيض تماما مني , فلا ذاكرة تحتويني في هذه البقعة سوى بعض ومضات بسيطة تطاردني ليلا , تقتات على خوفي من المجهول لتفقدني إليه !
ضجيج، يا مرحبا بالضجيج
في الوهلة الأولى – وقد استمرت هذه الوهلة لسنوات عدة – لم أدر أين أنا ! سألت رجلا عابرا في الزحام عن الطريق للمنزل , قبل أن استدرك في لحظة ما ” حارة المدهون ” فنادى على شخص آخر وأوصاه بي , و مشيت مع السيد ” الآخر ” في شوارع كنت قد أردتها للمرة الألف , لكنها تبدو الآن ضبابية مثل كشك ” أم محمد ” و في العادة استيقظ من هذه الحالة “الوقيتية” عند رؤية شاهد ما أو شاكلة تعيد لي الذاكرة , وقد ظهرت لي مثل ضوء الحفلات المقامة على رأس الجبل , زاوية تبيع تذاكر رحلات وقد اختفيت اسماؤها – أم أنني لم أعد أرها ؟ اعتذرت للسيد ” الآخر ” عن نسياني المتكرر بينما وقفت عن الزاوية وقد أصر بدوره أننا لم نصل بعد إلى المنزل ! ولما رفضت , احتضنني وسط ملامحه الضبابية غير آبه لبعض الدنانير التي عرضتها عليه , و بادر بجرني بقوة وهو ينسل من شارع لشارع مثل وحش بري ! لم أدري أين اختفى صوتي بدوره و أنا أناظر المارة وهم يلوحون بكلتا يديهم إلي , و في اللحظة التي انسل بها من بين ذراعيه حتى أجد نفسي عند مدخل المنزل منتظرا جارتي ” أم محمد ” لكي تهدأ.
ومن يهدأ سوى سراب الليل وهو ينسج من خطاه قصيدة ذات صدر بعجز ناقص ؟ لأشهر بعدها آثرت إتيان ما أسرت به نفسي في إحدى الليالي الخريفية لاعتزال الجميع , لأشهر لم أتحدث مع أحد , و إذ ما فاجئني الليل في اقتحام عزلتي و أنا أمتص الغضب الكوني خلف حشائش اعترت الحي في لمح البصر حتى أغرق في التفكير , أفكر و أفكر ……. و أفكر , أفكر دائما في شيء ما , مضمون ما , طريق ما , قصيدة ما , أفق فقدت بصيرته في لحظة ما , لاستشرد في لحظة من العبثية المتوارثة أنني أطرح دائما ذات الأسئلة مكتشفا ذات الخطأ في التفاصيل , جوهر الأمر ليس في ” ماذا ” بل في ” كيف “
ذهني صورة فوتوغرافية مهترئة , منحرفة , غير صالحة لتورث ذات التشويه في أخرياته , لم تكمن المشكلة حقا في الصورة , بل في كيفية رؤيتي لها , التشويه فن حميد ! جنون يتحدى قوانين الطبيعة , أن تشعر للوهلة الأولى بأنك رسول جئت هنا لكي تقدم رسالة سامية لأ أن تنتظر في ” الكشك ” و ” اليقطين ” و حدائق توغل في تفاصيلها الحدىد لتمسي ” شمعدان ” فوق رؤوس المؤمنين بالسرد التاريخي الناقص , و إرهابا يعتري صفوف المطالبين بحق الأرض
في ذات المساء غلبني النعاس و أنا استلهم الطريق للمنزل قبل أن أتوقف عند ذات الشاهد , الزاوية و تذاكر الرحلات , تذكرت بعض الأبيات لقصيدة انتهت صلاحيتها منذ انتهاء دراستي في لندن، وقد تبدو أكثر ” لغوية” اذا ما حاولت إعادتها إلى لغتها الأصلية :
” بعضهم ما زال يحاول
بعضهم يلقي التحية
بعضهم يقول مع السلامة
آخرون ربما ينسوك
لكنني لن انساك بالطبع “
تفسيري الوحيد للأمر أن لكل شخص منا روحان , روح ماتزال تعاقر في هذه الأرض لعلها تجد أجوبة لأسئلة متكررة , و روح أخرى تعانق المجد خلف البحار , وفي اللحظة الاولى التي يمتطي بها الخير حقل الشر , وتتعانق الأضداد بينهما , هنا سوف تستطيع مرة أخرى أن تجد الطريق إلى الأجوبة , و إن بالغت بعض الشيء ستصبح أنت الأجوبة , و إلى أي منزلة ستصل من بعدها في منازل الإدراك ؟
لطالما اعتمد الأمر في محوره حول الإدراك , منذ الطفولة كنت أفقد موهبة إدراكي بين الفينة و الأخرى , في إحدى الليالي وبينما كنت أحاول النوم وقد ظهرت السماء غاضبة من شيء لم أعلمه لحد اللحظة وقد أصابت الأرض بوابل من المطر الغزيز اختلط بصوت اشتباكات على الضفة الأخرى من الحي , شعرت بشيء ما يحاول لبس جبيني , كنت أرتجف لدرجة الإحساس بحركة الدماء في كل زاوية مخفية في جسدي الضئيل , وفي كل نهاية عصبية طاقة استثنائية – على عكس العادة لم تجمدني في مكاني , شعرت بالطاقة وهي تدفعني القفز من نافذة الغرفة باتجاه منطقة الاشتباك , أحسست بأن الموت سيستغرق ثانيتين لخطفي , أما بتفجر في الأوعية الدموية أو خلف ستائر من رصاص الإحتلال , وبت أركض مثل المجنون مستنزفا جزءا من الطاقة بينما شعرت بهبوب نسائم من هبات البارود باتجاهي , في كل ثانية شعرت أن الرائحة تملأ رئتي , تتواكب مع نهاياتي العصبية وهي تكبر في مخيلتي شيءا فشيءا , أحمق أحمق ! بت أصرخ , من أين لك أن تدرك ماهية رائحة البارود ؟ قبل أن استيقظ في اليوم الثاني مستلقيا في سرير المستشفى و منعقدا بجميع أنواع المحاليل , في هذه اللحظة آمنت بفقداني جزءا كبير من قدرتي على الإدراك لأنني و للمرة الأولى عرفت من انا، و هو بحد ذاته في فن التكوين أمر هائل!
الوعد هو الخلاص من التعلق في الأمل الرامي للطرق المؤدية إليه , الأمل هو السبيل المستحيل , هستيريا المستنشقين للوحدة من سحابات الرحيل , توجس الطفل وهو يعتري العالم في قدميه و تعرية غير آبه بمسببات الألم , اللمحة الاولى , السكينة التي تنتاب الهدوء وأنت في مظلتك تستغيب الحاملين مظلاتهم في سبيل استشفاء الوقت من التمدد , الوقت هو التمدد و الخلاص ! العقارب التي تغتالك ببهجة عارمة , الثواني التي تلاحقك ببطء , تريد عمرك , شهوتك , ياقتك المنتصبة فوق أعناق الهائمين , تاريخك المراقب و أنت تحرق في أوراقها رويدا رويدا , خطوتك الاولى نحو القطار إذ ما أردت التجرد من الكينونة و اللاكينونة , أن تكون ملك نفسك , عبدا لذاتك , حر في عبوديتك المستحيلة وكيف تسترق النظر إلى الركاب المتوهجين بالنشوة البدائية وهم يضعون حقائبهم فوق رأسك , وكيف تقتلهم بالحديث ! الحديث هو الخلاص , موسيقيات مألوفة وأنت تراقص الموت و يراقصك في حفلة عابرة , كيف تختفظ في العالم بدندات لا تفهم ماهيتها و الآن بعد عشرين سنة من المحاولة تتربص بك , تتشبث في اوهامك تشبث الأسد في فرائسها , تعتقلك من طقوسك السينمائية في النهاية السعيدة المعدومة الملامح وتستثير ما تبقى للمحاولة مرة أخرى ” استيقظ الان و دعك من موشحات الأندلس و قيثارة القدس” ثم تأبى الإفاقة، فيا رحمة من مسكنات النسيان ما هو الخلاص ؟ “
يتلقف الهائمون في هواجسهم معنى الحياة , لعبة صلصال قابلة للتشكيل , أما أنا فما بتت أعرف شيئا سوى مبدأين أو ثلاث مازلت أتمسك بهم و أخشى من القاطرة أن تجردني من كل ذلك ! أما البقية فلا شيء يسعفني للتمسك بهم , انزويت مفاهيمها في زاوية جافة لا يسوغها المطر الشعري للوصف , ولا القدرة على الكتابة , دوائر تلتف من حول دوائر , مضمار سباق أبدي , وروح شابة في الخمسين أرادت معنى لامتطاء المجهول
المجهول هو الخلاص و إلا فكيف للسكة الحديدية المهترئة بفعل أقوالنا و قفزتنا و المطر الإلهي الهاطل في بداية كانون ثم المائل ببعض من بقاياه على تنهدات فبراير ان يحولها إلى فكرة , الفكرة الكامن في تحرر ذواتنا من عبوديتها اليومي , بدءا من الإستيقاظ فى الخامسة و الخمس فجرا , تحضير البيض مقليا إذا وجدت متسعا من الوقت أو سلقه , ثم لعن الحظ أن فاتورة نهاية الشهر لن تسعفك للمحاولة مرة أخرى , صلاة الفجر رفقة شيخ سهر ليلته في الأمس لسبب ما زلنا لم نعرفه إلى حد اللحظة , أو التجاء جارنا في شباكه العلوي لصليبه المتدلي من رقبته و المتماثلة لأخواتها الخمسة و عشرون التي ارتمت في كل زاوية في غرفته الأشبه بحفلة موت لاتينية وسؤالي له في المرة الأولى التي اقتحمت بها غرفته وقد استبد بي الضجر ما استبد ” ما الذي أحيا يوحنا المعمدان في غرفتك وانت هنا تنزه الذات عن نزواتك و هفواتك ” ليجيب ” مينا ” وهو اسم قد تظنه مصريا للوهلة الأولى ” لكي نثبت محبتنا تجاه الرب ” قلت في نفسي : الرب يحب اللاجئين إليه بالفعل لا بالعدد !
اليأس هو الخلاص , اليأس الذي يتملك كل خلية منك، ذلك الراهب الباحث عن خطاياك الأثرية و المستميت في نشر أخبارك إلى العلن, اليأس العاري من كل مقومات الأمل اليأس الظاهر على الفتاة الغجرية و أنت تتوارى في عتمة الليل ثم تظهر لك من العدم راغبة فيما لا قدرتك لك فيه , اليأس الكامن في جسدك , عظامك , تحت أظفارك , في الهدبات السوداء تحت عينيك أو في الهواء الذي تتنفسه , في الجار المدمن على القهوة صاحب البطن المدور وهو يسمع توبيخ زوجته كل يوم … وتسمعنا , اليأس الناجم عن الحصار , حصار الأرواح في ذواتها وحصار أجسادها خلف جدران الفصل العنصري اليأس المتزايد و انت ترى المستوطنات التي تتوغل في تفاصيل تفاصيل أرضك , خلف شجرة التفاح التي تسامرت تحتها رفقة والدك , بين كروم العنب حيث شهدت القبلة الأولى لنزواتك أو لخيالاتك , وعلى جذور الزيتون المرتوي بدم و النامي من هفوات البارود ، اليأس الحميد المستشري في كل خلية سليمة من جسدك، ذلك الذي يعتريك و أنت تركب المجهول، قيل في البداية أنها رحلة استثنائية تنتهز بها جميع الفرص الممكنة لتبديل جلدك ، الطبيعة الخلابة من ادنبره إلى أن تشاء قدرة الرب على إيقافه هي إحدى العجائب الغير مقدرة بعد، تبدل جلدك ؟ و إن كل ما تملكه الآن سوى جلد يغطي ذلك الفراغ، فراغ فوق فراغ!
هنا عند الخط الفاصل بين الوجود وعدمه تتجلى الأسئلة , غريب كيف يمكن للمكان أن يشبه بالمصيدة , تخرج إليه طلبا في انتزاع بعض من الصفاء الداخلي لتحجز بين جدران أربع , ولسبب غامض ولد هذا الأمر لي في التحرك بين جدران هذه الغرف لا أبحث عن الكتب وما احتوته من علم فقد سئمت من تكرار هذا في جامعات الغربة بين ردهات الدكاترة , حيث يتداولون العلم على الراديو و التلفاز وبين غفوتهم المبتدعة , لا لم يكن هذا ما يشبع الطبع الغرائزي في داخلي , كنت أبحث عن القيم المتغيرة , الصعاليك المتجردين من أخلاقهم , ضحايا القنبلة اليدوية و المولوتوف , خبرات الفقد ٠ونحيب الليالي , كنت أبحث عن الجمال بمعناه البسيط , عن الخمر المعتق في أعين النساء , عن اللهجة القروية المتكسرة ببعض الإنجليزية , عن الارتجالات المختلطة ببعض السباب العربي الخالص عن أي طرف خيط يقودني نحو الخلاص , كنت أبحث عن معنى الوطن في الغربة بين مقاعد الركاب, حيث الخرائط أوضح وأشمل , حيث هناك كل فرد منه هو خريطة بحد ذاته , خرائط عالقة في المصيدة.
المصيدة! في مساء ذلك اليوم، عندما حملت القاطرة ” حدائدها” نحو المجهول و ارتدى الجميع ما استطاعوا من عباءات ذهولهم لحافة المركز و هي تبتعد عن مرأى العين رويدا رويدا، في ذات المساء حين راح الركاب ليتعرفوا على تفاصيل قمراتهم و جيرانهم المحيطين بهم، يخلعون تلك الجلود التي تقيهم من البرد إزاء استحداث متعة تلتهم الوقت المجهول أثناء الرحلة ، اكتشفت ان القمرة المقابلة لي قد نزل بها السيد يوسف و حسببته ربا ، و هذه ذاكرة منفصلة على نحو خاص !
المصيدة ! في شارع خالي و موشح لا يكسر بؤسه سوى بعض أضواء النيون شعرت بالرعب يتسلل إلى داخلي، يمتص الهواء النقي الذي يكاد يذكر تحت سطوة الطقس البارد، شعرت بالرعب , رعبها الداخلي وهي تحاول كبته كي يظهر بصورة أوضح ! فتاة من الناصرة لم أعتد على اسمها بعد وقد امتلأت بالصمت، و ما أن تقذفنا سيارة ” التاكسي” الصفراء نحو نهاية الطريق حتى تتحدث بجميع اللغات التي أوجدها الله على هذه الأرض.
ما زلت أتذكر كيف أن العربة أضحت كالمصيدة وهي تختنق سحائب التفكير خلف دخان السجائر المستعمل، غرفة مغلقة لا يرطب مناخها سوى إرهاصات مغني كوبي لم تعرفه أمه على المذياع، في الطريق إلى اللقاءات الأدبية المتكررة لطالما انتابتني ذات الشهوة للتفكير على نحو منفرد بأن الطبيعة أحادية القطب تنامت على نحو مشابه لتخلق لنا مجتمعا من أفكار متشابهة ، في خلف شجرة توسطت الحي وقفت وهي تحاول التقاط إشارة ما من السماء , بعد سنتين ستخبرني عن قصة وفاة والدتها منذ الصغر , و كيف أنها ما تزال تستيقظ على وقع الوميض ” السمائي” لكأنما أضحت والدتها نجمة ممتلئة بريقا و شوقا استنادا على فلكور منسي، بعد سنتين سأمسي انا فلكورا و تمسي هي أرجوزة بعجز ناقص، لأستيقظ هنا على متن القاطرة و الوميض يغتال ما تبقى لي من ذاكرة!
و لكنني استبق الحوادث في إيجاد خيط ما بين الوميض الكوني و ذاكرتي ” اليقطينية” اتجاه ” ربا” حينما رأيتها تنسل من الغرفة المقابلة مع رجل يبدو للوهلة الأولى اكثر وسامة مني، تنسل كمثل رصاصة أثرية، شرقة أبدية متعلقة في حبائلك الصوتية كي تصيبك بالصمت الشرفي ، لقد غدرت بي، لحقت بي في إلى المكان الوحيد الذي توسلت من أجله أدنى درجات الأمان، وصليت.. صليت، ان التمس الراحة في تلك الرحلة المسلوبة منذ…منذ الولادة! ولكن لا! فكيف للفلسطيني المعتق بالمآسي و القصص ان يشفى من جرح الأرض كي يشقى في براثن الحياة!
خرجت هكذا من بين جموع الهائمين، الملوحين، الصالحين، الهاربين ، لتذهب إلى الجهة لم أصل لها بعد من هذه القاطرة و أشك أن أفعل
تصميم؟ تمكين؟ صدفة ؟ لم أعد أؤمن بالصدف، جميعها موجهة في اتجاه واحد، تلك القوة التي تكسبك الحظ التأثر اما موجات من الهرب المستمر، ولكن مالي سوى أن أتجاهل الأمر، ما عدت اتحملهم، ذات البدايات لنفس النهايات، أريد أن أتنعم في خلوتي، ألا يحفظ احد اسمي، وجهي، ان اكون هاربا في بقاع الأرض، عابر سبيل يرتشف الثانية الآنية، أواكب النشوة اللحظية ،دون أن أعاتب على هويتي او هكذا من لا شيء… ان يلاحقني الماضي بما استطاع من قدرة.
ربا ،ربا ،ربا و قد ضجت بها القاطرة كأنها منحوتة أثرية، كانت منحوتتي الأثرية التي تشبه العديد من الشواهد الأثرية… سلبت على حين غرة! و تشبهها لأحتفاطها بالتفاصيل من معارك التشويه، رموشها إذ تغرق العينين من ستائر في عبق بني حالك، الجسد الذي يرجعك للأرض، نحو الأرض في ظل التمايل الكوني الحافل، و ذات البسمة التي تلاحقك نحو القبر، ملاحقة الشهوة و الحزن!
إن كان لابد من وجه ان تحمله الآن فليكن وجه قسيس ادعى رؤية معجزة كونية، وجه جندي متداعي اما حرب من الاعمدة تعانق حوافها عنان السماء، فلتكن قصة عن الوصول، عن الاستبسال في الوصول، ماهيته كمثل ضوء في اصطباحة موكب نبي : عالما من الوهج المحدد، دائرة من اللون المرافق للذة، لكي تقفز الفرحة الي محياها، أن تقفز الحياة في كل تراجيدياتها عن الموت البطيء البطىء، أن ينطوي الأمر في اتجاه كل ذلك و اكثر، كي تصبحين كما أنت، تلك القصة الملحمية بلا قوافي ان سطر موزون : ربا.
و ربما استبق الأحداث مرة أخرى ، لأنني في المرة الثانية عندما لمحتها عائدة مما سوف اكتشفه بعد قليل انها غرفة الطعام، كنت أقل تهيوءا ، و للحظة ما تمنيت بأنها لم تكن هنالك، أو أن امتلك الشجاعة الكافية لسحب مكابح الطوارئ لكي تنتهي هذه الرحلة في بدايتها، لكن هاهي الآن أمامي، جدران من المواقف تملأها ثقوب ارتجالية غير قابلة للتذكر.
-حسن ؟ حسن!
-يا محاسن الصدف!
-خالد انظر هذا حسن!
-حسن! يا محاسن الصدف، بينما خالد كان يشد على كلتا يدي بقوة أثناء السلام.
-فعلا يا محاسنها! ( بلهجة سينمائية مصطعنة)
-ها.. إلى أين ان شاء الله
-المجهول!
-يا محاسن الصدف، نحن أيضا ذاهبون للمجهول ( وهي تحاكي لهجتي المصطنعة)
-سعيد برؤيتك، نراك على خير صديقي، بينما كان خالد يقلب النظر بين عيني حسيبته و ساعته.
ضحكت، شتمت، لعنت، و لعنت، و لعنت، ولم أجعل سبيلا ولا ذمة لـ ” محاسن الصدف” التي قادتني لهذا الحظ العاثر.
لطالما آمنت بأن الحياة فن بسيط لدرجة أعقد من أن نفهمها نحن الهاربون،، الفن انفجار! بهجة كونية بلغة قروية لا يستطيع كنهها سوى روادها، في الأمس و قد حاولت تفسير حياتي “الفنية” بينما أحاول فهم ماهية الظرف الواقع بين يدي تذكرت مقولة شخص ما قد أضحت عظامه مكاحل ” لا شيء يسير في هذه الحياة وفق نهج ارتجالي سوى الموت” حياتنا صدفة فنية تقتات على تصوير دهشتنا على مواقفها الأكثر حداثة و تأثيرا , و إن ما حاولنا في لحظة ما أن نخالف هذا الواقع أوقعنا في شباكه , أو قذفنا في غياهب قاطرة تقتات على المجهول !
*الخطيئة التي نتوب عنها هي أم الفضيلة.. ” هذا ما استلهمه دانتي وهو يصف مرتكبي الخطايا السبع وهم يسيرون باتجاه تسييس كل من اقترب من الخلاص، وما ابتذله الجميع في تجسيد شماعاتهم الإنسانية على أفعالهم التي لا تطاق!” الخطيئة أم الفضيلة ” و قد التصقت على ناصية الغرفة التي أشاركها مع زميلي الذي ما كدت أراه يضع حمولته حتى غط في نوم عميق و تلك خطيئته الأولى هنا، أنه بدا فعلا هارب، جميعنا هنا هاربون , وربما كان ” حامد ” أيضا هارب من الضجر المحقق , في النصف الثاني من النهار الذي بدأ بالتعارف الخجول رأيته يتبادل الحديث مع كل من يتبادل لغته ومن لا يتبادل , يخرج من جيب بدلته التوكسو الالاف من البطاقات ليبيعها ما استدرك إليهم أقناعا , يتمايل فوق لحظات تفكيرهم العفوية أو إصرارهم على عدم الحاجة مثل راقصي الحفلات , ولا يفنك من التهام محفظة الضحية او وعدها حتى ينتقل للاخر , و لولا أنه بدا أكثر إضحاكا في إذ يخلع ” الجاكيت ” في بنطاله و قميصه و يستشيط غضبا من تلك الفتاة الفرنسية التي ظنته للوهلة الاولى عاملا على متن القطار إلا أنها تمكن منها في النهاية حاصلا على شيك غمره بالبسمة لثواني معدودة قبل ان ينتهز الفرصة للانقضاض على آخر بذات المشاعر الاولى, جميع التجار هاربون ! هاربون من الضريبة المرتفعة , من إجار النقل , من اعتياد الغثيان الاول عند السفر , من التعاطف مع المراة التي باتت تلوح بيدها لكأنما يحاول اختطافها , وهم أيضا كذلك في درجة احترافية من التمثيل الدافع لاستمرارية حياتهم بالطرق الإعتيادية رغم عدم اعتيادتها ! في إحدى الليالي التي تمسكت به في الحوار لا لا شيء سوى أنني اعاني من الضجر المستمر , حدثني عن الخشب و الحجارة و الرقائق الإلكترونية , الساعات الموعودة و الملعونة , موازين الحرارة و الكون , الهبات المسروقة و الآمال القابلة للتأجير , وما إن ينتهي في سرد ما أملكه الله من موارد على هذه الارض و أقابله بالوعود , حتى يغط في نوم عميق متنعما في خطاياها !
” الخطيئة أم الفصيلة ” وكانت أكبر غنائمه الصفقة التي أبرمت مع تلك الفتاة المنحدرة من منطقة ما و التي ادعت بأنها ليست بهاربة فلا خوف يجردها من استحداث المتعة في هذه الرحلة، وما إن تخلخل القطار عن ناصيته و بدأت آلهة الدخان بالتشكل من فاهه حتى بدت لي بأنها هاربة كذلك، لم تعاصر الحب لمدة طويلة، جزء من تراجيديا النساء للإيقاع في غيابهم , يؤمنون بالحب ويلعنون المحبين كأنهم آخر من أورثوا على الأرض , يتجردون في مواجعهم , مضاجعهم أوقات نومهم كي يبصقون على اندراجاتك المحتومة و المنطلية عليهم , و يتراجعون رغم كل الشبق الظاهر على محياهم رغبة في المزيد ! لمى لم تكن منهم , او ماكن لهم أن يكونوا إليها , فالفاجعة التي ألمت في مدينتها في ظهيرة الثاني من حزيران من الواحد و الثمانين كانت كفيلة بأن تقذف فتاة بكل مفاتنها هنا تتعاطى الأحاديث الجانبية و تنام على المجهول.
للهرب أسباب كثيرة , وإني أحتفظ باسبابي الخاصة ثم أفندها في حين آخر, هو الوقوع بين مجبة البوح والكتمان , تلك المعارك الموشومة بالهزائم قبل البدء, و إني إذ اختلج الأمر في صدري لأفضحه أمام الملأ في تنهد سريالي مستمر, أتردد في ذلك أيضا , للهرب أسباب كثيرة كما لها من الصور, أولها أنني لم أجعل من ربا تذكرتي , محطتي , شهقتي الأخيرة و الدمعة المختلجة بالف معنى و معنى , في السنة الثانية من تلك الحلقة المفرغة في بلاد لا اطيق التواجد بها سوى استجابة الرغبات والدي لاستكمال الدراسة تعرفت على من اختيرت من قبل الجامعة كمرشدة طلابية لمجموعتنا العربية، تلك الملامح الغربية المختبئة خلف حبال من الخجل، ذلك الجمال المتفجر في الوجنتين الممتلئات بالتردد و هي تحاول رفع الصوت قليلا لجذب انتباهنا إلى غيرها ” هنا سانت باركس” و هنا ساعة بيج بين الشهيرة، وكيف سقط القناع الخاص بها رفقة ثلة ممن يتكلمون العربية لمعرفتهم أن هذا الشاهد المشار إليه بالبنان ماهو إلا كيان من عدة كيانات اخرى سلبت من فلسطين الارض و فلسطين الفكرة، و أن الجوهر النابض لها يعود إلى الصناعة العثمانية لمجموعة من المحافل في القدس و يافا، قبل ان تمد الأيادي البريطانية – على عادتها تنسب الفضل لها في نشوة سيكولوجية مستمرة ” اذا هذه الساعة محتلة” وهي تحاول مداراة جهلها التاريخي , ” بل إنها تنبض منا , لندن العائمة نحو المجهول دمها فلسطيني ! ” تنبض بنا ! الجواب الأول و الوحيد الشافي لصدور الفضوليين وهم يتساءلون عن ماهية وجود شخص من أبناء مدن يحسب لهم العد على الأصابع قبل الحديث عنها , هنا في في لندن المتوغلة أكثر يوما بعد يوم , ولربما كان هذا الحنين المختلط بالثأر بعيد المنال هو الذي أوصلنا إلى هنا, زاد ارتباطنا ” سانت باركاس ” و ” ربا ” خاصتها , و جعلتنا نعشق ونكره الإثنين معا!
في النصف الثاني من ذلك اليوم، و بينما كنت أجسد ما أستطيع من طقوس شعرية و قد اتكأ الأدب إلى جانبي أو فعل بجانبه العكس ،حيث نلجأ نحن زمرة المثقفين – او هذا ما ظنناه على الأقل، في اختصار الوقت و الغربة الزماكانية عن طريق استحضار أبيات شعر مغناة، أو الارتجال اذا ما اعترتنا تلك النشوة القاتلة في الساحة الخضراء المحيطة للتجمعات العربية، في ذلك المساء أقبلتي هكذا مثل ال لاشيء ، بيت من الشعر الموزون بلا قافية وافية ، أو شطر يجمع المحاسن في جملتين فلا يستقيم، و كنت أردد :
يدندن شعري اليوم عودي
كأني قلت للمحبوب عودي
أضاعت عمري أشتد عودي
كذلك الواح يسقينا السرابا.
وقد تسابق ممكن اعترتهم تلك الحميمة الشعرية لرد الأمر و إن كان الأمر لينقلب إلى حفلة لا نهائية من نوبات الضحك المستمر، من بينهم جميعا امتلأتي خجلا كأنما ظننتي أن مآثر هذه القصيدة تنسب إلى جوارحك المتبعثرة أصلا بعد الحدث الاخير، و أكاد ان أنسى ترددك و أنت تسحبين مني الكلمة باتجاه الكلمة بعد انتهاء السجال الشعري، تحت أضواء ” سانت باركس” عن ماهية التولد الشعري المستمر هكذا :
-ولا يستطيع إيجاد هذا إلا عاشق.
-أو مجنون!
-ولا فرق بينهما!
سانت باركس! وهاهو الشبق المطلي بالخجل، و تلك الوحدة المستحثة لاستذكارها في عتمة الليل المضيء القاطرة الذاهبة للمجهول يقتحمان المشهد، اي هي والوحدة أذ يجتمعان معا ليشكلا لوحة صارخة من اللحظات العابرة، وقد أرقتتي لايام، أسابيع وشهور، تلاحقني في المضاجع و لحظات الإختلاء ،أراها في أوجه الجميع، ضاحكة، باكية، مستبدة بكبريائها فوق كياناتي المترنحة أصلا ،و إذ ظننت أنني هارب في هذه الرحلة المجهولة منها و إليها لاكتشاف انها خطئيتي الكبرى، كما كانت خطيئتها أنها لم تكن لي! جميعنا غرقى في ذنوبنا العابرة، و جميعنا نتوب عن هذه الخطايا لكي نفسح المجال لارتكاب غيرها، قلت ليوسف والذي لم يكتف بالكلام منذ اللحظة الأولى التي ركب بها القاطرة عن رحلاتها المحمومة بتانيب الضمير ” جميعنا يلتف بنا الذنب، و إلا فما الفائدة من ركوب هذه القاطرة”
-“لنطلق لحيتنا اذا”
” لنترهب إذا”
“ترهب يا حسن، اطلق ذاتك في صومعتك الأبدية، تجرد من أفكارك ثم اقفل على نفسك الغرفة لتشرع الصراخ المستمر، فليحيا الجنون القليل المنفر للجنون الأكبر! جميعنا نولد الصراخ , ونولد جراء الصراخ لننتهي إليه او تحت أقدام الموت الرحيم ، ولا نستميت في هذه الحياة سوى للعبث، الذنب على جبينك! زوابع، حلقات مفرغة تلك اللحظات التي نعيشها بين الموت والحياة، فترات من الصحو و الخمول، الشمس التي تحرق القفا و البرد القاضم للحديث، كلها تمزقنا باستمرار، بهدوء مدقع، برغبة جامحة في المحاولة مرة أخرى، لننتصر على شهواتها في خلغ الجروح المتتالية رويدا رويدا، و نشرب في المساء نخب فتوحاتنا الذهبية باسم إنجازاتنا الوهمية، الذنب على جبينك! و إني امتلأ بظنون معرفتي بماهية هذا السر، في قديم الزمان عندما شرعت في قراءة بعض الروايات الأجنبية التي كبحت جماح مخيلتي المستقلة ، كنت أخرج في كل ليلة باتجاه الأرض المحيطة بنا، يافا جميعا أراضي خصبة، أينما وطأت تزرع الزيتون و الفكر , و أما لبحرها قصة أخرى ، في كل ليلة أنسل بها عن سريري باتجاه هذه الأرض.، تارة أخرج سلاحي كأنما انا مجاهد يذود بحماه عن الوطن، أو فارس يتسلق برج ما ليرى من خلف الحدود معشوقته، في إحدى الليالي إذ يحتاجني التعب و انا اجاهد بحمل نفسي باتجاه البيت، تظهر ذات الفتاة في رواية ما عدت اتذكر اسمها، مثل الزنبقة، أو كانت تسمى الزنبقة، توهم؟ في الاغلب كان كذلك، خيال من حيثيات الواقع، أو واقع ممتزج بالخيال، وفي اثنينهما نغمر في السعادة التي تروي عطش القائمين على هذه الأرض، اما انت فاجزم بأنك عطش لا لأرض، بل لشخصية سحبت الماء من خلاياك حتى عدت جسدا بلا روح، الذنب على جبينك!
“هنالك في يافا ترتص الحكايات كموسيقى قديمة , ألحان مفقودة تبحث عن آلاتها , لكل آلة منهم حكاية لا يسعفني الوقت ولا الرغبة الجامحة للاستلقاء تحت زجاج النافذة العاكسة لمظاهر ما فتأت أن حفظت ملامحها، و أقسم بأنها لا تساوي متر مربع هنالك، أخبرني يا حسن عن ماهية الوقت، تلك المرة الأخيرة التي كنت ضحية تلك النشوة و انت تفترش زيتونة الحي الأكبر، الشوق و أوراق الزيتون الصلبة تحاصرك رفقة نبات لم نعرف اسمه، ولم يتوصل الفلاحون إلى اسمه بعد، هكذا أوجده الله من العدم , لك الله يا نوبات التفكير المستمرة، و يا تلك الهواجس التي كانت تراودني في كل ليلة، تحت شجرة الزيتون، تسامرني عن أحداث قرأتها في الرواية منذ زمن بعيد، و اسمعها للمرة الأولى، للمرة الأولى! جميعنا نخوض تجاربنا للمرة الأولى، أما انت يا حسن، أجزم بأنك هارب، لست بهارب للمرة الأولى، أنت تهرب من الهرب نفسه، حلقة سريالية، من الحب و لأجله، اعانك الله عما كان فيك، ترهب، اعتزل في صومعتك، أو اخترع زيتونة في مخيلتك، يحاصرك بها الصرير الليلي و الافعى الفلسطينية الرنانة، أفعى في مسارات الافاعي تحت دلف الذاكرة، و لست ببريء من كل هذا، الذنب على جبينك “
“أتعلم , في الصباح أخبرت تلك الفتاة , ما كان اسمها ؟ , حدثني عن الصدق , الصدق ! الصدق هنا ابن كلب , حرامي , فاجر , كاذب و إلا فما الذي شردنا في أقطار البلاد الواسعة سوى صدق نوايانا , في الرحلة الأولى على نفس القاطرة كان هنالك دكتور في التسويق , أو ادعى أنها بذلك , أراد في إحدى الليالي أن يجذب نظر امرأة تفوقه في العمر عقدين من الزمن , و إنني كنت لأفند جميع ملاحظاتي عن الحب العبثي لولا التماعة تلك الحلقات الذهبية حول عنقها و أصابع بيدها , دكتور في التسويق ! ومن غيرهم يستطيع الإصطياد في مباهج العربة القاتمة “”أريدكم أن تكذبوا علي، الحياة ممتلئة برجال الدين، الناسكين، أصحاب القلوب البيضاء، المحبين للإنسانية، الواهبين الجوارح لأوطانهم، عليكم اللعنة، اذا كان جميعكم كذلك فأين هم المخطئون الكاذبون ، لمن سيغفر الرب في ملكوته؟ ” أما أنا يا حسن على عكسك اليوم أريد أن أعتز بخطيئتي , أن أملأ هذه العربة بالكذب , ومن يعتريه من الصدق سوى واهم أو جاهل , الصدق هنالك في الدرك السفلي من ومضات التفكير , في مدخل المحطة عندما تمنى لنا مسيار التذاكر رحلة هانئة , في باب المخيم ,في ذات اللحظة عندنا أخبرنا بأننا عائدون بلا شك , عائدون إلى أين أو لمن ؟ ولم نسأل عن التوقيت , الصدق المنافي للوقيتة اللحظية حينما آمنا بذلك , انطلت على الجميع نفس الخدعة , نفس الكذبة , فلم يقف أحد ما في الصف الأبدي من الوجوه الممتلئة بالخوف كي يصرخ في وجوه العابرين إلى المجهول , أو لانعدام الملامح , وربما لانعدام الحقيقة , و إننا لنعشق الحقيقة و نمجدها بالكذب , وما غير ذلك قد قذفنا في أقطاب نقابل بها من وهبهم الله الجمال في انعدام اللغة , او اللغة في استحالة الجمال , و نحن الذين حملنا الصفتين معا ! شعب الله المختار وما يقيسونه بالبعد بالأهازيج و الدموع أو السفر , هروب من وراثة الهروب ! و آمنا أيام و أسابيع و سنين , ونحن ننتظر امتثال نبوءة صدقهم , حاملين ثياب لم نرتديها بعد , طواجن نحاسية , بعض الحلقات الضائعة من مفاتيح منازل قد سلبت من جذورها , أسرة مهترئة بعضها معلق في الأرض و أخريات معلقات في السماء مثل المعجزة , نتسامر فيها رغم إيحاءات أيلول باستكمال منهج اب من الحر , وكيف كانت تهب رياح تلك الزيتونة , حيث تسامرت للمرة الاولى مع رواياتي التي نسيتها الان , و إن أسعفني الأرق الليلي في استذكارها , سأنساها في الغد , و أبقى كما هي معلقا في الذنب , الذنب المرسوم على جبينك !
أسعفني من الحظ إقبال حامد كي يفرض عليه جزءا من طقوس عمله، لم يزرني ملاك النوم في تلك الليلة، رب ذلك الهدوء الجاثم إذ يقتحم أحلامك، كيف يعبث في الماضي المجرد من انتهازياتك المتواصل لخلق واقع غير الذي سير، لواقع هو الأشبه بالحقيقة التي لا تجترع , في الحياة هفوات كثيرة، ملذات تسحبك ببطء، إشكالات ماكان لك سوى الإدعاء بالبطولة و الجلد أثناء حملها، وعليك أن تحملها في كل الأحوال، و أغلبهم في ميزان التحمل هي تلك الحالة التي يصعب بها التحديد، أن تقع في مغبة الحب ألف مرة ،و لا تستشفي روحك إلا بتلك المستشرقة من مبدأ التملك، تلاحقك كالظل، تغتال تفاصيل وجهك بالبسمة المليئة بالخدر , تستجدي تلك الحسرة الأليمة ، و ترافقك في صباحيات اللقاء و الليالي الممتلئات بكل تفاصيل السهر بالعرق المتأرق اضطهادا من سفر الموجزات إلى المعنى الصريح في لفظها , و الموشحات كما أرادت أن تكون نطق اسمها الأبدي وما نتج عنه الآن من تهيئات يوم أصفر يأبى التفسير !
لطالما ظهر يوسف على هيئة كائن صعب التفسير , و أجزم أنه كذلك رغم عمر لقائنا الممتد ليومين مبتدءا من صبيحة الأمس , لم أعتد رؤيته إلا وهو يتكلم , يتبادل الحديث بشغف , يغرق في ضحكات الآخرين بشغف , و اذا التزم الصمت – في لحظة نادرة – بدا الكون من حوله عالما مغلقا يمارس سيكولوجيته المستمرة عليه , شعرت في وهلة عليا من التفكير بأنه فلسطيني , و تأكدت بين نوبات الحديث الأخرى بأنه كذلك , و ماكان له بأن يكون عكس هذا , الذنب على جبينه !
“أتعرف يا حسن , أو حسين, حسين ؟ لطالما كنت تشبهه , الحياة نهر جارف من المعرفة عليك أن تلتقط مياه المسالة بين جفنيك دون أن تبتل منها , الحياة تركض ركض الأسود في البراري , وعليك أن تلاحقها قبيل أن تلاحقك , ن تقضم الحديث العابر من فوق خطاباتها المستحدثة ، أن تستلذ الرؤية المستحيلة من فوق هاماتك على أن تعيش في هذه الحياة مرتين , مرتين ! ومن ذا الي يستطيع أن يكمل نصف العمر مطاردا وملاحقا , ملعون الوالدين و الجفنين ثم يستلذ الحديث في القاطرة العائمة للمجهول ؟ “
” الحياة لا تجري , الحياة عائمة كموج أزرق يسابق الريح كيف يلطمك عثراتك المتتالية و أنت هنالك , معلقا على سفح عائم تنتظر الموت على الموت , الموت البدائي عن المستحدث, الموت الفدائي عن المستنكر وهو في حد ذاته عند الهة البحر خطيئة تحتاج التوبة , و الموت الإرادي عن الإجباري , حسن , حدثني عن الإرادة ؟ عن المستحيل بعينه , أن تتملك تلك القدرة الكونية لاختيار المسار الخاص فيك أن تبتزك قدرة الطقس على الانعطاف و آراء البشر عن المسير ؟ أما أنا لا يهمني اليوم سوى توقعي و حدسي , عاشت الالهة , العائمون و الغارقون في طوفان أفكارهم , وعشت كذلك نبيا في ذاتي أطيع اله أكبر مما يظنون ! “
” أتدري يا حسن , على الأقل فإنني في منجى مستمر من إتيان ما يريدون من حبال أفكارهم , هذه رحلتي الرابعة على متن هذه القاطرة , و إنني ها أنا أعقد النية أن تكون الخامسة في مباهج العام المقبل , مرتديا نفس الربطة العقدية الخانقة , في ذات التناسي عن مال الرحة , و حاملا ذات الألم ! الألم , في الليل تجتاحني ذات الذكريات الأليمة , ذات المواقف المتكررة , و أغرق في ذات المسطح المائي العائم , لأستيقظ في اليوم التالي وأنا ألعن الحظ العاثر معرقلا بذات السؤال الأبدي : أما كان لملك الموت أن يرحب بي في زيارة خاطفة ؟ انا الذي انتظرته في كل ليلة منذ ما يزيد عن السبعين عاما كي أحادثه عما فعلنا في التاريخ وفعل , عن الموت البطيء البطيء , و الألم سريع التذكر , ولم يأت ” ومنذ متى تخشى المنايا مريدها ! ” سبعين عاما ! الحياة لا تجري , الحياة تزحف , كأفعى الأناكوندا و التي تشبه إلى حد كبير هذه القاطرة , تبتلعك ببطء , تمضغط رويدا رويدا لتلتهم نشوتك العارمة في اكتشاف المجهول , وما أن تشعر بان الخوف يمتألك , أن تشتشعر بمجساتها و ألسنتها الطولية بأنك أيها المسكين ممتلئا بالخوف حد التخمة حتى تتقيئك في أول محطة عابرة من هنا , لا تنظر إلي هكذا ! انا نتائج القيئ الممتزج بعملية المضغ البطيئة لخمس سنوات على الأقل , أما اليوم فأعلن أنني أريد مجابهة الخوف في الشرفة الجانبية لهذه القاطرة , أن أقتله ببطء شديد , ثم أمضعه ببطء أشد لعلي أنال بعض الخلاص , الذنب على جبيني !
” حسن , لطالما تسائلت , ما الضير أن نرجع ألف سنة للوراء كي نمارس الحياة لمرحلة بدائية تامة , أن نملك حق الاختيار في لحظة محددة كي نمارس العيش أو الموت لا أن نجبر عليه , تخيل معي مغمض العينين و انا التقط بعض المشاهد من الذاكرة الفوتوغرافية , هل أغمضتها ؟ جيد……… ” مش الحيوانات الهم حقوق , احمونا احمونا “
قبل أن أغرق في موجة من الضحك المستحدث من وحي المأساة , ضحك سلبي , على العكس من ضحكات حامد , لمى , خالد و مجموعة لم أعرفها بعد و قد استرقوا جميعا الاستماع للحديث لنوبات يوسف التعبيرية , قبل ان اعتذر لهم جميعا ثم أنزوي في غرفتي.
” احمونا احمونا …
في آخر الليل حينما تمسي الغرفة أشد ضيقا من صدر معتزل يصارع السل بالزعتر، ينتاب القلق الأجواء لولا صوت شخير صديقي ذا البنطال و التي تنبأ ب كوميديا سوداء! و تستجدي الذاكرة نفسها في حلقة من العتاب المستمر.
اما انا فلم أستطع النوم وقد تمايلت الذاكرة بما استطاعت من خبث أمام ماهية الواقع المفروض علينا قسرا، ربا، هاهي أمامي، خلف بابيبن و قصة معلقة تهدر ما استطاعت من جمالها، تنبثق من تهيؤات الماضي في سبيل السعادة الأبدية لشخص ما آخر يشاركها تلك الهموم التي لم أستطع لوحدي تحملها ، وهل تفعل؟ قفزت من وضعيتي كالمحموم، مرض يعاكس وجهتي و ثقل يثبت قافلتي نحو الأرض، تجربة مازوخية وهمية اكون بها الجلاد و المجلود في آن واحد!
حاولت الهروب من الواقع مرة أخرى في التماس منظر ما من نافذة العربة المطلة على مساحة خضراء واسعة، منذ ما يقارب العقد و النصف، مستني تلك القوى الكونية لزيارة مدينتي السحرية، لم أخبر أحد بها، و لم يخبرني احد بدوره.
في الطريق إلى المدرسة الواقعة بدورة – إحدى قرى الخليل، لطالما بحثت عن طرف خيط يقودني إلي هذه المدينة السحرية متقلبا يمنة و يسرى على مقاعد الحافلة دون أن أي جدوى أن ألقي اللوم على قائد الحافلة لأنه يسيرها ” بسرعة تفوق قدرتنا على التخيل” في إحدى الأيام الربيعية في بداية شهر مارس حيث تختلط الامنيات بالمعوقات، تسلقت تلك الجبال مشيا على الأقدام لكي أبحث عن مدخل سري يقودني إلى هذا العالم، و اضطرت في كل مرة أن أسرد المدرس صاحب الرأس المربع عن بحثي لإنجاز غير مسبوق، و إن اتلقى في الجهة المقابلة ذات ادعاءات الجنون، الجنون الحميد!
وما أكثر أصحاب الرؤوس المربعة…
بعد ما يقارب العقد من هذه الواقعة، أيقنت أنني كنت ألاحق من قبل وهم آخر، أثناء دراستي في الجامعة لطالما خرجت للتسكع في الغابة المحيطة بها حتى مباهج الصبح، الأزقة في الغابات هنا مرتبة، أنيقة بيئة حضارية من الخنافس الحمراء و البيضاء و أوراق الشجر المبتلة لكنه تلاعب مبتذل بالطبيعة الأم، بقعة سوداء تعكر اكتمال لوحة فنية , لعل كوني ترعرت في المساحات الخضراء الصخرية الواسعة عديمة الإنتظام خلقت في داخلي مساحات أوسع وأكثر جفافا في اللحظة الآنية ، فأصبحت أميز بين اليد الإلهية و البشرية، حيث تتجرد الحياة من مفاهيمها لكي تناسب مفاهيمهم يكمن الصمت , الصمت هنا قوة صارخة، موسيقى تطيب للصوفي الباحث عن الأجوبة، اما أنا فكنت أصاب بالصداع الكوني، و رغبة مني في محاربة موازين القوى الخفية، كنت أهبط هنا بطريقة دورية أتعذب في الصمت الصارخ!
أثناء تسكعي وجدت بقعة صفراء بلون مغاير بعض الشيء , ستمسي تلك البقعة ” الإستثنائية ” محرابي التي ستقتحمه بعد لحظات ” ربا ” وهي تبحث عن بقعة استثنائية بدورها , في الليل حينما يكثر الحديث المغلوب على أمره بالهمس , تصبح الأشجار المتباعدة خلف أروقة مقطعة من الدجى الليلي لوحة فنية , تذكرت مقولة لجبران ابراهيم جبران ” الأشجار أشعارٌ تكتبها الأرض في السَّماء. نحن نقطعها ونُحيلُها ورقاً نضمِّنه حماقتنا ” لكن الفن هنا في هذه اللحظة كائن أحمق يساوره الشك باليقين , الفن نسبي ! قيمة مفقودة الثمن إذ تقارنها بما لا يفوق قدرتها على التفرد , للفكر قيمة , للتخيل قيمة , للجمال الكوني قيمة , و لقدرتنا على الكتابة قيمة تسقط مع باقي القيم الأخرى في حضور الرقم المستحيل , ربا كانت كذلك !
في إحدى الليالي التي أقنعت بها ربا في مساعدتي لعملية البحث عن المدينة السحرية في قلب غابة جامعة لندن , انتابها القلق المستند إلى معرفتها بأحداث لا تمت لأهدافنا لهذه الليلة بصلة , في منتصف الطريق وقد استوطن الخوف بها ما استوطن لتدفعني باتجاه ذات البقعة الاستثنائية :
-حسن أتعرف ما الذي تريد بالفعل معرفته ؟
” نحن نقطعها و نحيلها ورقا نضمنه حماقتنا ” كنت قد اقتطعت جزءا من لحاء شجرة هي الأقرب مني ,و ببعض تربة رمادية اللون شرعت في رسم عدد من الدوائر المتداخلة قبل أن أشير إلى المنتصف :
–أنا هنا.
-ما دمت تعرف أين أنت , لا توجد مشكلة بعد هذا.
قبل أن تشرع بدورها البحث عن مدينتي السحرية.
في صيف عام الـ 1980 رجعت لزيارة أهلي مرة أخرى , وكنت أحمل في صدري خططا مبتكرة لاستحداث مدينة سحرية سرية بالقرب من بئر البيت , عز الظهيرة إذ تغرقك تراب رمادي بلا معنى , للناس جلود من برونز صقلته شمس المتوسط و شعر يغلب سوادها على شقاره , ملامح غريبة مستحدثة , أسنانهم , أنوفهم وحتى طريقة لفظهم للعربية كانت غريبة لأنني حتى و في نوبات قيلولتي المستمرة أتحدث اللندنية !
لطالما ظهر إدراكي وهو كثير التقلب , أعني بأن أهل بيتي بدوا لي غرباء للغاية منذ اللحظة الأولى , كأنهم قد استحدثوا للتو , ورغم سؤالي عن صحة العنوان الذي قادني إلى عتبة المنزل , ثم إلى عتبة غرفة النوم إلا أن نوبات فقدان الإدراك تفاقمت بشكل جلي : لم أتعرف مثلا على شاب طويل وسمين ذا بشرة برونزية صارخة تغلبه الإبتسامة كلما نظرت إليه , أتذكر أنني في حياة أخرى غير هذه قد رأيته بالفعل , بعد ربع ساعة لمع في ذهني اسم ما :
-خالد ؟ أنت خالد .
نظر إلي بنوبة استغراب مبررة ” نعم أنا خالد ! “
و رجعت من بعدها إلى لندن , قبل هذه الزيارة الخاطفة كنت أحن لمفاهيم الوطن , الأرض , البيت , الجلود البرونزية , إلى ذاكرة ما تشكل مرجعية تقيني من متاهات الإدراك و فقدانه , كنت كمن يعيش على جزيرة جرداء تتشكل في المدينة السحرية السرية , ما فوقها أعيش حياتي الطبيعية بلا خوف, وما أن تهب عاصفة رملية رمادية اللون ليبدأ كل شيء بالغرق تدريجيا , مفهوم الثبات غرق ليطغى على ظهرانهيه بيئة مسلوبة الفكرة !
أين أنت ؟ في الدوائر المتداخلة أقبع هنا , هنالك , و مازلت أرسم الدوائر رويدا رويدا قبل أن أرتمي في أحضان النوم.
ما بعد منتصف الليل بقليل , استيقظت من شبه القيلولة التي خطفتني من الارتباط في الواقع, ربا ربا ربا وقد هاجت الباخرة بأصوات الذاكرين لاسمها مدحا و نشوة ، كان نصفها الثاني بعيدا كل البعد عن الصورة الذهبية التي صنعتها بالأمس، و استشفى النصف الثاني فيما تبقى من ن حولي و ذهولي سارقا النوم من خيالات البقاء و هواجس الرحيل، ومستشردا في التهام الأسئلة : ما الذي سيحدث إن تغيرت الصورة النمطية، أن أكسر الهدنة القائمة على التبسم البارد ولو قليلا كي تصبحي جرح النهار و أرق الليل؟ و أمسي أنا الشفرة التي تقطع أنامل أي محاولة لإصلاح ما توزع في الجسد من فراغات املأها بنفسي مستأصلا بضعا من ذاتك، وما الذي سيحدث إن عدت أنا إلى أنا هائما فوق معاني الجبر، مكتفيا بذاته في تحقيق الذات؟
استشعرت للحظة ما خلال الأيام القليلة الماضية أنني في مرحلة من النشوة المباحة اتجاه امكانية التحرر من خيالات التفرد اتجاه الكتابة , أنني لم أكتب البتة ! وكيف أن جميع الصراعات الداخلية الواقعة بين موسيقيات الرحيل و نوتات التردد ما هي سوى أضغاث أوهام ! وعلى الرغم من جميع تلك المحاولات لاستجداء وسيلة لا تستقيم سوى في الليل ” موطن الهائمين الباحثين عن ذاتهم بين براثن إصرارهم، هستيريا المستنشقين للوحدة من بين سحائب التفكير، و دمدمة الهائمين في صمتهم الملائكي، إلا أنها كانت ناقصة، لإنها كانت لك ولم أكن لها كذلك!
ورغم هذا، ما بالك تلاحقين موتي إلى أبعد نقاط الأرض، كيف التمس وجودك عند حافة السرير، في أوجه العابسين الضاحكين و خلف نوافذ النسيان! ولربما هكذا ينحرف الوعي لنشاهد مآثر الإنهيار دفعة واحدة، الصمت يتهاوى بكل مقوماته تاركا فرقة موسيقية من ” خشخشات” التحطم الداخلي الممتزجة بدمع و ملح يشيعان ما تبقى من القدرة على الشعور بصمت كنوتة بسيطة ابتدأت بك و انتهت كذلك…. سلم موسيقي ناقص!
ولكن مالنا ومال الأمر، و للماضي و ذكرياته المتشعبة في تربة ماباتت تصلح للزراعة بعد، كما قيل “نحن أبناء اليوم” و من الذي قال ذلك، وفي أي لحظة من السعادة التي غمرته رغم استحالة استلهام الضوء من نفق التفكير المستمر، لكي يستحدث الحديث استحداثا هكذا! ولا تسعفني الذاكرة بدورها لاتذكر اسمه، أو مناسبة الموقف!
غريبة هذه الذاكرة، تلك الملاك الفوتوغرافي عندما تعبث في قدرتك على اكتساب ثقتك من النفس، و إنني في الليلة الواحدة قد اسأل نفسي عن ماهية الرسائل التي احتفظ بها في صناديق خشبية معلبة، سبب وجودي في هذه القاطرة، أو ما اسم الرجل الغارق في أحلامه الهستيرية على بعد متر و نصف المتر مني، لكنني اتذكر بالتصوير الدقيق، ذلك الخجل المرتبط بالحمى أثناء الهمسة الأولى، تلك التوجسات و انا اتلقى المكالمات المتتالية عن تطورات الأوضاع في الأراضي المحتلة، تعشق القميص للرماد الشاهد على تلفظ النيران ما تبقى من عبث المستوطنين الأرض عامرة، ثانية بثانية , وكان بين الموقفين تشابه عجيب , احتراق من رحم الشرارة، شرارة تحلف باسم الشرارة، و أوطان تسلب باسم الوطن دون أن نجد تعريفا صريحا لذلك !
في غرفة الطعام بعد منتصف الليل، و التي بدت خالية بعض الشيء إلا من بعض الأشخاص الذين يحملون ” ذاكرتهم” على نحو خاص، اندفعت و انا العن ذاتي من الأرق الليلي و راسما ما بين دخان السيجار سيناريوهات إعجازية لعلها تنقذني من حتمية الصداع النفسي التي ارتسمت ملامحه مبكرا، سيناريوهات كمثل ارتجاع الوقت، اي رجوعه للخلف حقا، و التهام ما تبقى منه ليمضي، لا عالقا في عقاربه التي تضيق الخناق على ذاتي المخنوقة اصلا، عن اللحظة الأولى التي قادتني إلى هنا، عن ” السيد” الممتلئ بالحديث وهو يعري الهاربين من أسباب هروبهم وهو هارب بدوره، عن محاولتنا المستميتة للنسيان، و عن الواقع الذي يتفنن في تعذيبنا لكي ننسى ان ننسى، وينجح في ذلك كل مرة.
في المشهد التالي سأرى ” ربا” وهي تسحب ذلك الكرسي المقابل لي ببطء، تراود ذاتي عن معنى التمكن، تلتهم سبر الأغوار الذي جردته من معانيه طوال المدة الماضية، محاولة بطريقة وأخرى سحبي للمصيدة ذاتها لتنجح بالفعل! حدثتني عن كل شيء، حتى صمتها كان أكثر قدرة على التعبير، سانت باركس، عن التذكرة التي قادتنا إلى هنا، في استدراج ماهية اللقاء الأول إلى الذاكرة، نصف كلمة، نصف موقف، نصف هيئة برغبة جامحة لاستجماع أنصاف آخر.
-مالذي يمكننا الحديث عنه في ماهية الوقت؟
-الوقت مخادع! تسرق منا عقاربه جوهر الإستماع في اللحظات المحددة.
-أين أنت ؟
وما أنت أخرج تلك الورقة ذات الدوائر المتداخلة حتى تختفي على الفور !
اعترفت للحظة بسيطة في قرار نفسي بأنني هارب , هربت ! هربت إلى أقصى ما أستطيع اتيانه من مسافة هذه القاطرة كي استقر عند مقدمتها ذات النوافذ المفتوحة أمام تسارع الرياح البارد , بدت المقدمة في مساحتها الواسعة فارغة إلا من بضع أشخاص يحملون مبررات هربهم على نحو خاص.
لقد برد الهواء بدرجة يصعب قياسها , أكاد أن ارتجف , حلقي جاف ” كالتبن ” جلست في إحدى المقاعد التي بدت أكثر ثباتا من قريناتها , و ظهر في المقدمة طيف آخر يتقدم باتجاهي , شخص آخر لعل التهيؤات باغتته كما استطاعت بي أن تفعل , و ظهر شخص وهو يتكأ على ” الدرابزين ” أمامي , كانت امرأة , ذات الفتاة اللبنانية , أغمضت عيني مجددا لعلي ألتمس قسطا من الراحلة قبل أن تأتي :
-نحن محظوظون…..الطقس اليوم أكثر دفئا من الأمس !
-هممم , ربما نحن كذلك !
-إلى أين ؟
-المجهول !
-كم أنت محظوظ !
و استمرت بالحديث على هذا النحو لساعة على الأقل , لطالما استطاع الغرباء تبادل الأحاديث لساعات طويلة إذا ما غالبتهم القصص الكاذبة , لكنني من بعد ذلك لم أشعر بألم في حلقي , في الحقيقة أن الشعور الوحيد الذي اعتراني هو الرغبة للنوم , نزلت إلى قمرتي وكلي خشية من أن أفاجأ ب ” ربا ” الأمر الذي لم يحدث.
ملاحظة : لا أحد يسلم هنا ! أنا لم أسلم من كتاباتي , لم أستطع الهرب من قلمي , بل و بكيت على لوحتي المحمولة أملا منها أن تحترق لكي تقابلني بموجات من الضحك الهستيري , لذلك نحن هنا ننشر في الموقع للمرة الاولى بعد مدة طويلة قطعة موقع أثري أوجدنا به الكنز و فقدنا فيه الخريطة ..ولأجل ذلك لم نحصل سوى على وهم التخيل , وفتات من أفكار أطول.
منورييييييييين🌹
السلام عليكم مساء الخير على الجميع
وتحية كريمة إلى الاخ محمد ومبروك العمل والنشر في الموقع الرائع
ههه في البداية يا أخي محمد اعتذر و الله يظهر عندي اسم العائلة الأسطى ولا أدري ما هو السبب لكن هذه من مشاكل الجهاز عندي العديدة ولذلك اكرر اعتذاري يا أستاذ ابن الاستاذ هه
في البداية يا أخي محمد أهنيك على هذا المخزون اللغوي الهائل بل وكأنه قاعدة بيانات لغوية ههه حتى إني لا أظن أن هنالك كلمة في المعجم أو القاموس حضرتك لم تستخدمها ههه
حتى أمي و الله أشفقت على الاستاذ إياد كيف استطاع تحرير هذا العمل بالفعل كان يحتاج إلى سبعة محررين متفرغين عندهم خبرة 20 سنة في أهم الصحف العربية والعالمية ههه
وهنا الإبداع ولكن في نفس الوقت هنا كانت معضله العمل فإنه مازاد من شي الاانقصه
ولكن قبلا كل التحية إلى الشعب الفلسطيني العظيم والله يكون بعونهم وينصرهم ويفرج همهم أينما كانوا يا رب
طيب أخي محمد العمل كان يتحدث عن قطار يحمل ركابه باختلاف اوجههم واشكالهم واعمارهم واجناسهم طيف و طرف من لون وحال القضية الفلسطينية تمثيل للقول الشهير كل ال مواطن فلسطيني هو قضية بحد ذاته
ومن هذا المنطلق كما يبدو جات حكاية هذا القطار واسفاره ومسافروه إلى المجهول في رمزية عن مسار وحال ومستقبل المواطن والمجتمع الفلسطيني
الحكاية تتحدث عن قطار والمعضله أيضا كما ذكرت أن الأفكار واللغة في العمل كانت حتى إسرع وامضى وتسابق اسرع قطار
بصراحة أخي محمد استعملت شكل من أشكال اللغة شديدة شديدة التعقيد بلغت التداخل حاشده للأفكار والفلسفات والتعمقات والوجدانيات وصول الى مايقترب من الشعبيات
بلا اي فواصل لاذهنيه ولا سمعيه ولامجازيه ولا حتى فنية أدبية
الأمر أشبه وكأنه أحدهم فتح الإذاعة على محطة بالكاد يعرف من لغة أصحابها شي وانطلقت برامج هذه الإذاعة ورا وخلص بعضها وهو بالعافية كاد يستوعب شيء منها
دفق لا ينتهي أخي محمد من الكلمات والجمل والأفكار والعبارات غير ال متناسقة والمتماسكه والأهم فاقدة عمق التعبير وإيصال الفكرة
إضافة إلى لوحات الشبه مشهديه خاليا من الروح الدرامية دهستها تلك الكلمات والعبارات والأفكار بعجلاتها المثقله بالحروف والرموز والتشبيهات غيرالمنتهيه
والأهم فوق احتمالها مجرد لوحة لاحدهم يتكلم مثلا مع جاره في المقعد ياتيك قطار الأفكار بلا توقف بسرديات وتعليقات لا تدري أين ما تبدأ ولا أين تنتهي
نكون مع أم محمد ثم فجأة نذهب إلى مينا ثم نحكي عن صور المقاومة وننعطف الى المستوطنات وفجاة نلج لمطعم القطار ويظهر حسن ثم يختفي خالد ويعود يوسف ويأتي المسوق نذهب إلى الناصرة ونعود إلى ادمبره ولندن : ونروح وناتي وناتي وهكذا وكأننا في دوديه في مدينة ملاهي تدور وتدور بلا مسار محدد
اختصار أخي محمد المشكلة إنك أردت أن تقول كل شيء عن كل شيء وبكل شي وحملت نفسك والعمل فوق احتمالها و أردت تختصر كل القضية في مجرد حكاية وقصة قصيرة
في بساطة أخي العزيز العمل القصصي هو حكاية يركب لها سرد
هنا لا من حكاية ولا من سرد
مجرد لوحات متقطعة ومتشابكه ومتسارعه تم صياغة لها فيما هو أشبه بال مقال أو الخطاب أو ربما التعليق الذي يشبه المعلق في المباريات الرياضية قليل ينقل لك عن الصورة والباقي يتكلم عن ماضي وحاضر ومستقبل اللعبين والبطولات بعيد عن الذي يحصل أمامه ولكن الأهم في عشوائية وبدون نسق معين
قد يكون هذا مفروض في مجال التعليق الرياضي لانه أمام لحظه ارتجاليه على الهواء ولكن ليس مفهوم أبدا أن يكون في عمل أدبي
وحتى لا اطيل اكثر أخي محمد ما كان موجود في العمل هو فوضى لغويه وعشوائيه درامية ومراهقه فنيه
المطلوب أخي محمد في العمل القادم إن شاء الله والأعمال هو قبل كل شيء تنظيم أساس لحبكه دراميا وبعدها يتم تحضير لها السرد الأكثر تناسب
والأهم كل ما نريد التعبير عنه يكون من خلال لعبة درامية يخوضها شخوص و أبطال
وليس تعليق خطابي مقالي نريد منه تلخيص واقع القضية والقضايا التي نريد الحديث عنها كلها في مجرد لا أقول قصة قصيرة بل حتى في مفهوم الرواية
يكفي أخي محمد اقتباس مشهد درامي محبوك حتى يمكن ما يكفي من الصورة المعبرة عن الواقع الذي نريد التحدث عنه دون تحميله ثقل اوجاع القضية والمجتمع والمواطن كلها دفعة واحدة
سوف نقول عن هذه أخي محمد مجرد محاولة وأن شاء الله القادم يكون منظم ومنسق ومرتب أكثر بعيد عن العشوائية والفوضويه التي اكتسحت هذا العمل
وبالمناسبة حاول أخي الكريم البحث عن العبارات الأكثر مجازية والاوقع بلاغة وتأثير بعيد عن نثر الحروف والكلمات المتوالية والتي لا يرسخ منها شي في عقل وذهني القارئ
ربما لو سألت أحدهم عن جملة واحدة فقط يتذكرها من كل هذه المطوالات والعبارات بالكاد يتذكر منها شي هذا إذا تذكر
اجعل لنفسك اسلوب لغوي مميز قادر على التأثير في منطوق لغوي متماسك ولكن الأهم بأسلوب السهل الممتنع الخفيف الموجز
وهذا أيضا ينطبق على التشبيهات هناك تشبيهات في العمل تكاد تكون أقرب إلى الفسيفساء البصرية والصوريه لاتكاد تندمج مع لون منها حتى يسعقك لون آخر متعاكس معها تماما
هذا هو أخي الحبيب محمد بالتأكيد حضرتك تعرف غلاك ومعزتك ومحبتك في القلب و الله
إنما هذا الكلام هو فقط لأجل تكون الأعمال القادمة أفضل وإذا رأيت في كلامي ما أزعجك فأنا و الله اعتذر من الأعماق
وتستطيع الاستمرار كما تشاء إذا وجهة النظر هذه ما ارتحت لها تحياتي في انتظار القادم أفضل إن شاء الله شكرا
اخي العزيز عبد الله أسعد الله أوقاتك بالخير و اعذرني على التأخر في الرد.
في البداية اشكرك على إتاحة بعض من وقتك الثمين لكي تستكمل هذه الرحلة “البنائية” بانتقادك البناء بالعادة ، الانتقاد الذي أتقبله بصدر رحب للغاية ،كيف لا و انا الي امتلأت بالقين منذ لحظة تواجدك الأولى هنا أن هدفك الرئيس هو المساهمة في رفع مستوى الإتقان باللغة للدرجة التي تصقل من أعمالنا صورة أكثر تحكما و اتقانا فأشكرك على ذلك.
دعنا نتفق ان في هذا العمل من الأخطاء ما يستحق التدقيق و التعديل ،و لكن في الوقت نفسه كان الهدف الرئيس هو جعل القارئ يسافر بهذه الرحلة بكافة تفاصيلها ، الأمر أشبه ان اخبرك عن معاناة رجل ما أصيب بصداع عنقودي في رحلة على الطائرة، قد أروي لكل الأمر في 5 دقايق ،أو في نصف ساعة إذ ما أردت شرح الحالة التفصيلية الأمر الذي يمر به الراكب، نفس الأمر هنا في هذا العمل، لم أرد ان اجعل القارئ يبني خياله ” النمطي” على الحزن و المأساة و أن الأمر موحش لهذه الدرجة، بل و يجب عليه أن يدخل في دهاليز هذه الحالة لكي يتعرف على طريقة تفكير الرجل الذي يحارب وطنيته و غربته في آن واحد، و لكن على ما يبدوا لم أنجح في الأمر على الأقل إلى حد تخيلي.
مرة أخرى ، انا هنا ادافع عن وجهة نظري ولا أعاند في نقاط الانتقاد و التي اتفق معك فيها جملة و تفصيلا ،على أمل أن تكن الأعمال القادمة على حسن تطلعاتكم.
دمت بود صديقي 🙏🏻
يا هلا والله أخي الحبيب محمد الاخ الغالي والراقي والنبيل دوما
لو تدري يا أخي محمد وأنا اكتب لك التعليق و الله بكل صراحة كان يعتصر هه لأني و الله أحب اكتب لك المعلقات في الخلق والأدب والرقي ولا استطيع انتقاد أمر يخصك حتى لو كانت مجرد قصة ممكن إن شاء الله تعمل أحسن منها الف مره ولكن هو فقط اعتبره أخي محمد مثل الدردشة ما بين الإخوان فيها اخذ وعطاء وليس لا سمح الله أي انتقاص لا في الاختيار والراي ومكانتكم وشخصكم الغالي والكريم محفوظ طبعا ودوما بإذن الله
أخي محمد حتى أبسط لك الفكرة أنا متفق معاك في كل شيء نحن بس مختلفين على عملية الإخراج أنت حضرتك اخترت طريقة في الإخراج كان فيها الكثير من التشتيت والتكديس في وقت واحد
لو تلاحظ أخي محمد كل جملة حضرتك ذكرتها تقريبا فيها من الكلمات والعبارات والأفكار الوجدانية و الفلسفية ما ينافس الجملة التي بعدها
بالتأكيد هذا يدل أخي محمد على إنك إنسان ما شاء الله واعي مثقف متمكن وتملك ما شاء الله عقل مفكر وعميق الرؤية
ولكن أخي محمد أنت من ناحية تخاطب جمهور ولا تخاطب نفسك المسألة ليس أن أكون أنا قادر على مستوى معين من الرؤية والتفكير بيني وبين نفسي ولكن الأهم هو كيف استطيع إيصال هذه النظرة إلى الجمهور وهو مختلف الشرائح والإعمار والاهتمامات وحتى في الفهم
لابد أن أجد الوسيلة الأمثل والأكثر وسطية حتى استطيع جذبه لفكرتي وطرحي وكل ما كانت هذه الوسيلة والأسلوب اسهل من ناحية ولكن متمكن هنا أكون ساعدته وساعدت نفسي لنصل لنقطه لقاء قد يتفق معي او ما يتفق ولكن المهم ما أريده قد وصل وهنا الاهم
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أخي محمد القصة الدرامية أو البناء الدرامي عادتن يكون مبني على الهرميه يعني التدرج في الاحداث شيئا فشيا
لا استطيع ضرب القارئ بكمية من العبارات والأفكار دفعة واحدة وبلا توقف وبدون تدرج وفي نفس الوقت بدون تراتبيه ذهنيه
مثال الطائرة أخي محمد جيد عندما نريد نتكلم عن مجموعة من الركاب في الطائرة أو حتى القطار كما في القصة هي فقط المسألة تحتاج إلى شكل من أشكال التدرج والترتيب ولا استطيع او لا يفضل إني أتحدث عن الكل دفعة واحدة وبدون سياق ذهني للقارى
ولا يمكن اجعل من شخصية كل راكب تحتاج إلى كل انواع العبارات والفلسفات لاخوض فيها
الحالة الدرامية أخي محمد تحتاج إلى خلق مواطن تعتبر هي المحاور وآخرى تعتبر هي المتممات
تتخيلها أخي محمد مثل أي حكاية على أرض الواقع كيف تكون تجمع ما بين النمط الهادي ثم المرتفع ثم المتداخل وهذا يشمل حركة الشخصيات وكذلك حوارتها وباالتالي ااسلوب السرد عنها
يعني أنا أخي محمد لا اتكلم عن القصة طويلة أو قصيرة هذا ليس مهم إنما هي مضغوطة ومكثفه بالقدر الذي فاض عن احتمالها
أما الحديث عن نماذج معينة من الركاب وبالتالي الرمزية عن أحوال المواطنين في هذه الظروف فهو بالعكس رائع وجميل وفكرة ممتازة من حيث المبدأ المشكلة في التنفيذ
ومن قال أخي محمد انه المطلوب الحديث عن الأحزان والأوجاع أو حتى الأفراح لا لا بالعكس التنوع هو المطلوب والفترة كانت من ناحية المبدأ ممتازة جدا هو فقط التنفيذ كانا المشكلة
يعني أنت أخي محمد حبيت الحديث عن شرائح متنوعة من المواطنين حسب تلك الظروف وهذا رائع وجميل ولا خلاف عليه فقط باستثناء كما ذكرت التنفيذ والتكثيف اللغوي والمشهدي والفكري
عمومن أخي محمد أنت مازلت في البداية وسوف تكتب بإذن الله ما هو أفضل نصيحة بسيطة كنت أقولها دائما لبعض الأخوة الذين مازالوا في بداية الطريق عندما يكتبون قصة
ترى لا بأس من كتابتها في البداية على اللهجة العامية حتى يستطيع تدريب نفسه عن الخيال و الابتكار وأيضا الواقعية وفي نفس الوقت لا يضغط نفسه في البحث عن اللغة الفخمه والمعظمه
لانه الكثير من الشباب يعتقد أنه كتابة القصة هي نفس فكرة كتابة المقال أول خاطره نريد أقوى لغة و أقوى اسلوب و أقوى العبارات بينما المسألة هي دراما قبل أن تكون لغة إذا اردنا الحديث عن قصة او رواية
لذلك لا بأس من كتابة القصة أولا عن اللهجة العامية حتى يخرج كل ما عنده ثم يجعلها مسودة ويقوم في تحويلها إلى الفصحى بهدوء وبدون تكلف
لانه أيضا من البعض من الشباب يحب كتابة القصة القصيرة أو حتى غيرها من انواع الأعمال الأدبية القصصية
ولكن يقول في نفسه أنا لا اجيد الكثير في اللغة العربية وبالتالي يتراجع عن هذا مع انه قد يملك قصة من الناحية الدرامية جيده في مخيلته
لذلك الكتابة على اللهجة العامية في البداية سوف تسهل عليه الطريق كثيرا ومسألة التحويل إلى الفصحى ليست كثير صعبة أبدا وهنالك عدة وسائل مساعدة منها تقنية ومنها غير ذلك
ومع الوقت هو سوف يسقل نفسه وموهبةته تلقائيا إن شاء الله
هذا هو أخي محمد وأكرر الاعتذار عن أي إزعاج وأن شاء الله القادم أفضل تحياتي
أهلاً وسهلاً ! هل عاد الموقع أم أنني أحلم ؟
اهلا أختي أسماء
بالفعل! لقد استطاع صديقنا العزيز إياد أن يجد توليفة سحرية لإعادة الموقع إلى سابق عهده، مع تمنياتنا له الإستمرار في ذلك، رفقة العديد من الوجوه القديمة و التي يسعدنا رؤيتها بين الحين و الآخر
هههه يا هلا و الله أخي محمد لا اصدق عيني قصة أدبية من تأليف محمد الأسطى ده كلام كبير يا أسطى هه اوياقشطه هه أوف أوف أوف لحظه لحظه شكلي جبت العيد لا لا خلاص اسحب قشطة خلاص يا زبادي فول مدمس طيب أقول ايش ههه
المهم اعتذر أخي محمد كان عندي شغله خلال اليومين السابقة وقد أكون تأخرت في التعليق لكن بإذن الله غدا اتشرف فيها أي القصة وفي التعليق عليها وهل هذا بعده مشرف في قراءة عمل بقلم الاخ الحبيب ورقيق والنبيل محمد الأسطى تحياتي أخي محمد بإذن الله إلى الغد وإذا كنت تقول في بالك يا رب ما يجي معاك حق هههه شكرا🌼
الاخ محمد ..
تحية
.
“مقالة (عالقون في خلاص المصيدة) تحمل في طياتها طموحًا سرديًا واضحًا. وسعيًا جريئًا نحو تجسيد متاهة الوجود في مصيدة لا خلاص منها. الكاتب محمد قدّم فكرة رمزية عميقة. محمّلة بالتأملات النفسية والانفعالات الفلسفية. وقد نجح إلى حدٍّ بعيد في رسم أجواء توتر فكري وقلق وجودي.
غير أن النص في بعض المواضع بدا متداخلًا ومتكررًا. حيث انقلب التكرار الدائري إلى إضعاف للتصاعد الدرامي. ومال السرد أحيانًا إلى الفلسفة المجردة أكثر من تطور الأحداث.
اللغة قوية وغنية. وهذا يُحسب للكاتب. لكن التسلسل السردي كان بحاجة إلى مزيد من الوضوح واللحظات المفصلية التي تُشعل القارئ وتدفعه إلى المتابعة بشغف.
ورغم هذه الملاحظات. لا يمكن إغفال الروح الفكرية الطموحة التي تحرّك النص. وهو ما يجعله تجربة رمزية جريئة تستحق الإشادة.
كل التوفيق للأخ محمد. وننتظر منه أعمالًا أكثر توازنًا بين الرمزية والفكرة. وبين الفلسفة والحبكة.”
تحياتي ونرفع القبعة للجميع .. باسم
اهلا صديقي باسم..
في البداية يجب علي أن أشكرك على تعليقك و الذي أصاب جانبا مهما وهي محاولة الإسهاب المطولة و التي قد تفقد القارئ جزءا كبيرا من المضمون.
لكن لكي أكن صريحا معك ، هنا في هذا الفصل من العمل الأدبي، تعمدت بالفعل ان يكن الإسهاب بطلا للقصة! لم يكن يهمني إطلاقا أن نصل في النهاية بعد البناء التصاعدي لحدث ما ، أو أن ينتصر طرف على الآخر! لا، هنا في هذا الحديث المطول مشاركة لبعض الأفكار الداخلية ،تلك الهواجس التي تقض مضجع ثلة من أولئك الذين يعاصرون فترة ما جردتهم من مفاهيم الكينونة إلى اللاكينونة ،فأصبحوا يرون التضاريس وفق منظار تلميذ ” أرسطو” الذي عاتب زميله حينما اكتشف بقعا ما على القمر ” هذا ما لم نجد عليه آباءنا” فكيف بمن لم يجد نفسه بعد!
تعليقك يبقى ثريا للغاية ،و تشريفك لي في القدوم و التعليق هنا هو وسام أحمله على صدري، و لنا إن العديد من اللقاءات القادمة في أعمال نأمل أن تعجبك إن شاء الله.
دمت بود صديقي 🙏🏻
اخي عبد الله هنا؟ هذا بحد ذاته تشريف لي، وكيف لا و انا أتجهز بالفعل لموجة رسائل تحتوي ما لذ و طاب من الآراء الثاقبة و التحليلات المميزة و ” شوية خناقات” هههه.
إلى أن نقرأ تعليقك قريبا إن شاء الله ،فاسمح لي أن أظهر احترامي لجميع اسماء العوائل من مختلف المنابت ،لكن وجب الإشارة ان اسم العائلة الخاص بي هو “الأستاذ” و ليس “الأسطى”
دمت بود صديقي.