عن الرسائل التي لم تصل

في البداية، ما سوف تقرأه، عزيزي الفضولي، وأنت تبحث عن أمرٍ ما لكي تقتل به وقتك، ليست رسائل حب بالمعنى التقليدي، وبالطبع لم تكن اعترافات مرتبة تُكتب في موقع ما بعد انتهاء العاصفة، ولا بيوميات شخصية ما تشعر حقًا بما تشعر به. هذه الرسائل كُتبت هنالك حيث أنا… وأنت، هكذا في المنتصف! أي في اللحظة التي لا يتمكن الإنسان فيها من الفهم، ولا يسترجع بها صمته.
وعليك ما عليك الحذر مما يلي من كلمات، فوالله ما هي برسائل تُكتب كي تصل، بل لأن صاحبها حينما أراد له الغرق… كانت الكلمات هي الشيء الوحيد الذي يطفو.
وقبل أن تبدأ، إياك والبحث عن نهاية سعيدة هاهنا، ولا عن مأساة مكتملة، أو اعتراف ما يعيد ترتيب ما فينا من فوضى. اجعل لنفسك بابًا يُغلق دونما صوت، حيث يختنق الصمت في كينونته لأن الغرفة لم تعد تحتاج لأحد بداخلها.
والسلام على قلبك!

الرسالة الأولى: عن خديعة الطفولة الأولى في ظل الوطن المؤقت

أكتب إليك الآن، قبل عام… أو بعد أن أفقد القدرة الفعلية على التمييز بين الحدث وذكراه، حقًا لا يهم هذا… فالرسائل التي لا تصل في نهاية المطاف لا تعترف بالتوقيت أصلًا.
عاهدتك أن أعتزل الكتابة الليلية، لطالما كانت أن أكون شخصًا عاديًا ولو لساعة واحدة فقط، أن أجلس هناك كي أمارس البلادة المعتادة، لأن أن أخرج من صدري هذا الركام الذي جملته السياسة فسمي “أفكارًا”. لكن الطفل… آه، على ذلك الطفل الذي قتلني بصمت اليوم، قرر أن يكتب بدلًا عني، واختار اسمك عنوانًا.
كنا في المستشفى الميداني، أو خيمة تشبه مستشفى، أو فكرة مستشفى وُلدت في شهرها العشرين، لأن قطعة حديدة متفجرة تحكمت بمصائر الولادة منذ ما يقارب العامين عن اليوم.

هنالك عند الزاوية… لم يبكِ! وهذه أول الفواجع. أتعلمين؟ إن الأطفال الذين لا يبكون في أماكن كهذه قد لا يكونون شجعانًا بالمعنى الحرفي، لأنهم ببساطة، حتمية الموقف قد عبروا الحد الفاصل بين الفهم والذهول.
كان جالسًا على حافة سرير معدني، قدماه لا تصلان إلى الأرض، يتمعن بصمت غريب نحو اللاشيء، كمن لو كان الفراغ شاشة عرض كبيرة تبث له ما لا نستطيع مشاهدته… بعد.
في تلك اللحظة تساءلت، وأنا أغرق في التفكير: ما الذي يراه الآن؟ هل يتذكر تفاصيل منزله قبل أن تمسي فكرة؟ هل يرى أحد أفراد عائلته قبل أن يتحول إلى احتمال؟ أم ببساطة يرى نفسه بعد عشرين عامًا وهو يستجدي القدرة على التذكر: بأي ميعاد قد انتهت طفولتي بعد؟
تعلمين يا…
(توقعت هنا طويلًا، أطول من قدرتي على التحمل، كيف لي أن أناديك بعد؟ اسمك المقدس — في نظري — بدا صغيرًا أمام هذا الثقل الهائل، ولقبك أمسى بصورة رسمية أكثر من أن يشهد حالة الانهيار هذه).

كان يمسك في تلك اللحظة بيده عود ثقاب! لا أعلم حقًا من أين أتى به. كان يحركه بين أصابعه بحذر كأنه قطعة أثرية، ليس يشعل شيئًا ما خلف روحه المطفأة، بل أظنه أراد التأكد إن كان هنالك شيء ما زال يطيعه في هذا العالم.
عود ثقاب! كم يحتاج الإنسان ليختصر أمله في خشبة صغيرة؟

تذكرتك فورًا، ولا تسأليني عن السبب، لا لأنك تشبهينه، بل لأنك — بقدرك وقدر بعدك — تبقين ذلك الشيء الوحيد الذي يخطر في بالي كلما رأيت شخصًا يحاول التمسك بفكرة صغيرة كي لا يسقط في هوة المعنى.
أردت أن أجلس بجانبه، أن التمس لحظة ما كي أقول له: “هذا كابوس، سيستيقظ الجميع بعد قليل.”
لكنني لم أفعل! لماذا؟ لأنني لم أعد أملك الحق في استخدام هذه الجملة. لقد استُهلكت حتى فقدت صلاحيتها الأخلاقية.
جلسنا متقابلين، أنا وهو، دون اتفاق مسبق: هو على سريره المعدني، وأنا على كرسي بلاستيكي مكسور القدم قليلًا، يراودنا نحن الاثنين ذات السؤال الواضح:
كم مرة يجب على المرء أن يقتل داخليًا قبل أن يتعود على الفكرة؟

التفت إليّ فجأة، لا بنظرة طفل يطلب شيئًا، بل بنظرة شخص يريد التأكد من حقيقتي. أتخيله يسرد القول:
“هل أنت موجود فعلًا؟ أم أنت واحد من خيالات ما بعد الصدمة؟”
ابتسمت، ابتسامة سيئة التمثيل. أعرف مدى انعدام قدرتي على المواساة في هذه اللحظات. الابتسامات في هذه الأماكن تشبه اللافتات الإرشادية المكسورة: تشير إلى الاتجاه الخطأ بثقة.
فكرت بك مجددًا: لو كنتِ هنا، ماذا كنتِ ستفعلين؟ هل كنتِ ستجلسين بجانبه وتخبرينه قصة عن مدينة بعيدة لا تُقصف فيها الأحلام؟ أم كنتِ ستفعلين مثلي، تراقبين بصمت، وتخونك اللغة عند أول منعطف؟
أدركت شيئًا مخيفًا وأنا أنظر إليه: هذا الطفل لا يخاف الموت الآن، هو يخاف أن يعتاد المشهد، أن يصبح ذلك الخوف الحقيقي ليس من النهاية، بل من أن يصبح غير الطبيعي… عاديًا!

أتعلمين؟ في لحظة ما، شعرت أنه أنا، نسخة مصغرة مني، قبل أن أتعلم كيف أغلف انهياراتي بمصطلحات فلسفية وأنقذ كرامتي بالكلمات. هو لم يصل بعد إلى مرحلة “التنظير”. هو في المرحلة الخام: الألم دون شرح.
وأنا؟ آه يا أنا! أنا النسخة التي نجت طويلًا بما يكفي لتصبح قادرة على وصف الغرق بدقة لغوية، أي أنا الذي استطاع أن يغرق في هذا العالم غير القابل للغرق. هل هذا تطور؟ أم مجرد شكل أكثر أناقة من العجز؟
أردت أن أسأله عن اسمه، لكنني خفت من الإجابة. أتعلمين؟ الأسماء تربطنا. وأنا بالكاد أستطيع حمل نفسي، فكيف سأحمل اسمًا جديدًا على ظهري؟

ظل يمسك عود الثقاب وينظر إليه، ثم إليّ، ثم إلى الفراغ مجددًا.
فكرت: ربما هذا العود هو مشروعه المستقبلي. أعني بالطبع سوف يكبر يومًا ويشعل به شيئًا: فكرة، غضبًا، شمعة، أو العالم كله.
وأنت… لماذا أنت هنا في هذه الرسالة؟ لأنني، وأنا أنظر إليه، فهمت فجأة طبيعة علاقتي بك. أنت لست “حبًا” بالمعنى الذي يكتبه الناس على الجدران. أنت عود الثقاب الذي لم أستخدمه بعد. الفكرة التي أؤجلها كي لا أحرق ما تبقى مني. الضوء المحتمل الذي أخاف أن يفضح حجم الظلام.

ذلك الطفل كان يحمل عود ثقاب حقيقي. وأنا أحملك أنت. كلا الأمرين خطير، خطير لحد الاشتعال والانطفاء!
اقترب مني ممرض شاب. قال شيئًا عن ضرورة إخلاء المكان. هززت رأسي دون أن أفهم. وقفت. نظرت للطفل للمرة الأخيرة قبل أن يرفع عود الثقاب نحوي قليلًا، كأنه يسلم الأمانة، أو يتأكد أنني رأيته.

رأيته؟ أقسم لك أنني رأيته.

وفي طريق خروجي، خطر لي سؤال لا أجد له مكانًا إلا هنا، بيني وبينك: هل يمكن للحب أن يكون فعل شهادة لا فعل إنقاذ؟ أن نحب شخصًا لا لننقذه، بل لنقول للكون: “نحن رأيناه. لم يكن ألمه صامتًا بالكامل.”
إن كان هذا صحيحًا، فأنا لا أكتب لك لأقترب منك، بل لأشهد أنك موجودة في عالم يحاول باستمرار أن يمحو الأشياء الجميلة أولًا.

أخاف عليك من هذا العالم، وأخاف عليك مني، لأنني أحملك كما حمل الطفل عود الثقاب: بيد مرتجفة، وعينين لا تعرفان بعد إن كان الضوء خلاصًا… أم إعلان حريق.
لن أرسل هذه الرسالة. هي ثقيلة على البريد، وخاصة على قلب لم يوقع بعد عقد تحمل كل هذا. لكن إن قرأتها يومًا، صدفة، بعد سنوات، وأردتِ أن تعرفي متى بدأت الحكاية بيننا، فلتعلمي: لم تبدأ في مقهى، ولا في حديث طويل، ولا في اعتراف متأخر. بدأت في خيمة، بين طفل لا يبكي، وعود ثقاب، ورجل أدرك متأخرًا أن الحب قد يكون آخر طريقة لئلا يتحول الذهول إلى وطن دائم.

والسلام على قلبك!

الرسالة الثانية: عن النجاة الخاطئة

أكتب إليك هذه المرة من جهة لا يُفترض أن أكون فيها: من الضفة التي يصلها من لم يكن الأقرب للنجاة، ومن اليابسة التي تلفظها الأمواج عادة بعد أن تختار غيرك.
أريد أن أعترف لك: كان يجب أن أغرق، هذا ما فكرت به طويلًا، ليس بدافع البطولة، بل بدافع المنطق. فالأشياء في حياتي تميل دائمًا لأن تسير وفق أسوأ الاحتمالات المتاحة، فكيف حدث أن انحرف المسار هذه المرة وتركني على قيد الوصول؟

القارب لم يكن كبيرًا، ولا الرحلة عظيمة بما يكفي لتستحق رواية. كل ما في الأمر أنني وجدت نفسي وسط جمع من البشر يتشبثون بفكرة العبور كما لو كانت الخلاص الأخير من شيء لم نعد نملك حتى اسمه.

تعلمين ذلك الشعور؟ عندما لا تهرب من مكان محدد، بل من إحساس عام بأن الأرض نفسها لم تعد أرضًا؟
كان البحر هادئًا في البداية، وهذه ثاني الكوارث. الهدوء الذي يسبق الانقلاب لا يطمئن، بل يخون. كان الناس ينظرون إلى الأفق كأنهم يحاولون رؤية المستقبل قبل أن يحدث. بعضهم يتمتم، بعضهم صامت كحجر، وبعضهم يبتسم ابتسامة رقيقة تشبه تلك التي يضعها المرضى على وجوههم كي يخففوا حرج الأطباء.

جلست قرب الحافة، ليس لأنني شجاع، بل لأنني تعبت من الوسط. الوسط مكان الازدحام، الصراخ، الروائح المختلطة بين الخوف والملح. الحافة على الأقل تمنحك وهم السيطرة: إما أن تسقط وحدك، أو تنجو وحدك.

ثم ارتفعت الموجة الأولى: ليست ضخمة، لكنها كافية لتوقظ فينا فكرة أن البحر ليس طريقًا، على الأقل ليس ذلك الطريق الذي تود خوضه.
وعند الصدمة الأولى، لم يصرخ أحد. الإنسان لا يصرخ فورًا أمام الخطر الحقيقي. الصراخ رفاهية تأتي بعد أن نتأكد أننا ما زلنا أحياء.
أمسك رجل بكتفي. حقًا؟ لا أعرفه. قال لي بصوت حاول أن يكون عاقلًا:
“إذا حدث شيء… تمسك بي.”
تخيلي: شخصان لا يعرف أحدهما اسم الآخر، يقرران فجأة أن يصبح مصيرهما مشتركًا. كم نحتاج من الوقت لنقول “أحبك”، وكم نحتاج من الخطر لنقول “تمسك بي”؟
ارتفعت الموجة الثانية أعلى. القارب مال، وصرخت امرأة باسم لم يجبها، طفل بدأ بالبكاء أخيرًا — متأخرًا قليلًا، لكنه لحق بالمشهد.
وهنا حدث الشرخ الحقيقي في البشر قبل الخشب!
انقسم الجمع دون اتفاق: من تمسك بأقرب جسد إليه، ومن حاول النجاة، ومن جمد في مكانه كأنه ينتظر قرارًا إداريًا من السماء.
الرجل الذي أمسك بكتفي شدني نحوه بقوة. في لحظة ما صرنا كتلة واحدة. شعرت بأننا أخوان في لحظة مصطنعة، لكن صادقة أكثر من سنوات معرفة شكلية.
وفكرت بك، يا إلهي! نعم، في وسط هذا العبث، خطر لي وجهك بهدوء غير لائق بالموقف. تساءلت: لو كنتِ هنا، هل كنتِ ستمسكين بيدي؟ أم كنتِ ستدفعينني بعيدًا لتتأكدي أنني لن أعيق نجاتك؟

ولا تلومي السؤال. في القوارب الصغيرة، الأخلاق تصبح نظرية، والبقاء هو الفلسفة الوحيدة المتاحة.
ثم جاءت الصخرة. لم نرها. البحر لا يعلن فخاخه.
الاصطدام لم يكن انفجارًا، بل صوت كسر داخلي، كأن شيئًا في القارب تذكر فجأة أنه ليس أبديًا. انشق الخشب، تسرب الماء، وبدأت المسرحية التي يظن الجميع أنهم يعرفونها حتى يعيشونها.
أصابع تشد، أقدام تنزلق، دعوات تتداخل مع شتائم، عيون تتسع حد الاتهام.
والرجل كان ما يزال ممسكًا بيدي. صرخ: “معًا!”

قفزنا.

كم هي عظيمة تلك الـ”معًا”؟ لا أعرف إن كان القرار واعيًا. أظن أن الجسد قرر بدلًا عنا.
الماء كان أبرد مما يجب، وأثقل مما تصفه اللغة. صرت لا أرى إلا أجزاء: يد، وجه، قطعة خشب، عينان مفتوحتان دون صاحب.

تمسكت بلوح طاف قربنا. الرجل أمسك من الجهة الأخرى، وصرنا نتنفس فوق حافة الغرق.
في تلك اللحظة، لم أفكر بالمستقبل، ولا بالماضي، ولا بك. فكرت فقط: كم من الوقت يستطيع الإنسان أن يبقى بين الحياة والموت دون أن ينتمي لأي منهما؟
ثم حدث شيء قاسٍ وبسيط، وهنا تمكنت قسوته حيث ضعفت قبضته.
شعرت بيده تنزلق ببطء قبل أن ينظر إليّ، لا برجاء، ولا بلوم، بل بفهم. الفهم مرعب أكثر من الصراخ.
قال شيئًا لم أسمعه، ومن ثم… لم يعد.
بقيت أنا واللوح: الشيء واللاشيء، رفقة التنفس الذي يشبه السرقة.

وعندما وصلت إلى الشاطئ لاحقًا، كنت خفيفًا بطريقة غير إنسانية. ليس جسدي، بل وجودي. كأن جزءًا مني بقي في الماء مع الرجل الذي لا أعرف اسمه.
ومنذ ذلك الوقت، يرافقني سؤال واحد فقط: لماذا أنا؟ ليس سؤال نجاة، بل سؤال ذنب. هل النجاة دائمًا عدل؟ أم أحيانًا صدفة في حسابات القدر؟
أكتب لك لأنك المكان الوحيد الذي أستطيع أن أضع فيه هذا السؤال دون أن ينهار.
الناس هنا يحبون قصص الناجين. يربتون على كتفك، يقولون: “الحمد لله”، كأن الأمر إنجاز شخصي.
لا أحد يسأل عن الذين صاروا ماءً، عن القبضة القوية التي ضعفت ولم يُذكر لها غير ذلك، عن فتى عود الثقاب وما يستطيع رؤيته في مناماته!
أنتِ فقط، لو قرأتِ هذا، ستفهمين أنني لا أحتفل. أنا أعتذر… دون أن أعرف لمن.

ربما لذلك أحبك بطريقة معقدة، لأنك المساحة الوحيدة التي لا أضطر فيها للتظاهر بأن النجاة نعمة خالصة.

أحيانًا أشعر أن حبك يشبه ذلك اللوح الخشبي. لم ينقذني لأنني أستحق، بل لأنه كان أقرب، وهذا بحد ذاته مرعب، لأن القرب… مصادفة، والمصادفات لا تبني يقينًا.
لذلك، وإن وصلتِ يومًا إلى ضفة أخرى بدوني، وأمسكتِ بلوح ما، وتذكرتِ اسمي، لا تشعري بالذنب. النجاة ليست خيانة. لكن نسيان الغرقى… هو.

لهذا أكتب، كي لا يتحول الرجل الذي تمسك بي إلى موجة عابرة في ذاكرتي، وكي لا تتحولي أنتِ إلى مجرد احتمال جميل نجا صدفة من طوفان هذه الحياة.
لن أرسل هذه الرسالة أيضًا! البحر لا يملك عنوانًا بريديًا، وأنتِ… لستِ ضفة يمكن الوصول إليها بالسباحة.
لكن إن سألتِني يومًا: متى بدأ خوفي الحقيقي عليك؟ فسأقول: حقًا، في اليوم الذي نجوت فيه، وعرفت أن العالم يترك الأفضل أحيانًا في القاع، ويبقي من لا يعرف كيف يفسر نجاته… على الشاطئ، يكتب رسائل إلى امرأة هي اليابسة الوحيدة التي لا يثق أنه سيصلها أبدًا.

والسلام على قلبك!

الرسالة الثالثة: عن الدين الأبدي منعدم الفوائد

لم أكن أنوي الكتابة لك عن هذا تحديدًا، لكن على ما يبدو أن الإنسان حين يهرب من سؤال كبير، يلتف به الطريق ويضعه في حضنه من جديد.

اليوم، لم يحدث شيء استثنائي. وهذه تحديدًا المشكلة!
الأيام التي لا يحدث فيها شيء خارجي، تجبرك على الجلوس مع نفسك، ومن هنا تبدأ الفوضى الحقيقية.
كنت أمشي بين الناس، أؤدي واجبات الحياة الصغيرة: حديث عابر، ابتسامة محسوبة، ردود مختصرة على أسئلة لا تبحث عن إجابة حقيقية.
ثم فجأة، كأن أحدهم أوقف الضجيج الداخلي وقال: “أنت ما زلت مدينًا.”

مدين لمن؟ سألت نفسي. فلا بنك هناك، ولا عقد موقع، ولا شخص ما واقف يطالب بحقه. ومع ذلك، الشعور واضح هنا كحجر في الصدر: أنا مدين… لنفسي.
أتعرفين هذا النوع من الديون؟ التي لا ترتبط بمال، بل بلحظات لم تعشها كما يجب، بكلمات لم تقلها، بمشاعر أجلتها حتى فسدت، بقرارات اتخذتها بدافع الخوف ثم أقنعت نفسك أنها حكمة.

اليوم أدركت أنني مدين لكل نسخة قديمة مني، لذلك الشاب الذي ظن أن الحياة ستتضح لاحقًا، للطفل الذي كان يعتقد أن الكبار يعرفون ما يفعلون، وللرجل الذي أقنع نفسه أن التحمل فضيلة حتى وهو يتآكل من الداخل. كلهم ينظرون إليّ الآن كدائنين صامتين!
وأنت… أنت جزء من هذا الحساب بطريقة لا تشبه أحدًا آخر، لأنني كلما فكرت بك، لا أشعر أنني أملكك، بل أشعر أنني مدين لك باعتراف لم أنهِ صياغته. ليس اعتراف حب بسيط — فهذه جملة يمكن قولها في دقيقة — بل اعتراف بحقيقة أكثر تعقيدًا: أنني كثيرًا ما استخدمت فكرة “القوة” كي أهرب من الضعف الذي كنتِ وحدك ترينه.
كم مرة سألتِني: “هل أنت بخير فعلًا؟”
وكنت أجيبك بإيماءة فلسفية طويلة، جملة متماسكة، تحليل جميل، لكي أهرب من كلمة واحدة بسيطة:

“لا.”

أنا مدين لك بهذه الكلمة، مدين لنفسي بلحظات صدق لم أعطها حقها، مدين للانكسارات التي حاولت تجميلها بدل أن أجلس معها. مدين للأحلام التي قلت عنها “غير واقعية” فقط لأنها كانت أكبر من شجاعتي.

أتعلمين ما هو المرعب؟ أن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وهو يسدد فواتير الحياة الخارجية من دراسة، عمل، مسؤوليات، ويترك الدين الأهم يتراكم بصمت: دين الذات.
اليوم، وأنا جالس وحدي، فهمت شيئًا بسيطًا جدًا لكنه أربكني: أنا لم أكن حزينًا كما ظننت… أنا كنت مؤجَّلًا. أي أؤجل المواجهة، أؤجل السؤال، أؤجل الاعتراف بأن بعض الطرق التي سلكتها لم تكن لأنني أردتها، بل لأنني خفت من غيرها.

وأنتِ ظهرتِ في حياتي في لحظة لم أعد أستطيع فيها الاستمرار في التأجيل، لكن بدل أن أواجه، حاولت أن أكون “نسخة محسنة” أمامك، كأن حبك مقابلة عمل، لا مساحة صدق.

لذلك ها أنا ذا… أعتذر. ليس لك فقط، بل لذلك الجزء مني الذي كان يريد أن يجلس أمامك ويقول: “أنا مرتبك. أنا خائف. أنا لا أفهم كل هذا.”
بدلًا من ذلك، قدمت لك شخصًا يعرف كيف يفسر الألم، لكن لا يعرف كيف يعيشه بصدق أمام أحد.
أتعلمين؟ الدين الحقيقي ليس لأننا أخطأنا، بل لأننا لم نسمح لأنفسنا بأن نكون بشرًا كاملين في لحظات احتجنا فيها ذلك.
لذلك أنا مدين لنفسي بضعف لم أعشه، وبك بصدق لم أكتمله.

وفي نهاية اليوم، بعد كل التحليلات، كل الكلمات، كل هذا الركام الفكري، أصل إلى نتيجة بسيطة جدًا تكاد تكون ساذجة: نحن لا نتعب من الحياة لأنها قاسية فقط، بل لأننا نحاول دائمًا أن نكون “نسخًا مناسبة” بدل أن نكون حقيقيين.

وأنا تعبت من كوني مناسبًا. أريد أن أكون صادقًا حتى لو بدا الأمر فوضويًا، حتى لو لم أملك جملة جميلة تشرح كل شيء، حتى لو قلت لك يومًا: “لا أعرف.”
ربما تسديد هذا الدين لا يكون بإنجازات، بل بلحظة شجاعة صغيرة: أن لا أهرب من نفسي… وأنتِ أمامي.
هذه الرسالة لن أرسلها أيضًا. إنها ليست جاهزة للوصول، كما أنني لم أكن جاهزًا يومًا للوصول الكامل إليك.
ولكن إن التقينا يومًا بعد كل هذا، وسألتِني بهدوئك المعتاد: “ماذا تغير؟”

سأقول لك: توقفت عن الهرب من الفواتير التي لا يرسلها أحد، وبدأت أخيرًا أسدد ما عليّ لنفس انتظرتني طويلًا، ولامرأة كانت ترى الدين في عيني قبل أن أملك الشجاعة لأعترف به.

والسلام لقلبك!

الرسالة الرابعة: عن اللحظة التي يسقط فيها الدور

لم أعد أعرف إن كنت أكتب لك، أم أكتب للشخص الذي كنت أظنه أنا.
اليوم حدث شيء صغير جدًا، لدرجة أن أحدًا غيري لم يكن ليلاحظه، لكن داخلي… شيء انهار بهدوء، كجدار قديم ظل واقفًا فقط لأنه اعتاد الوقوف.
كنت في موقف عادي، حديث جانبي معتاد، مجموعة من الوجوه وضحكات موزونة، وكان دوري المعتاد: الشخص الذي يفهم، يعلّق بذكاء، يضيف معنى، يربط الأمور بخيط فلسفي أنيق.

وفجأة، بينما كنت أتكلم، سمعت صوتي كأنني أسمعه من الخارج. لم يكن صوتي الحقيقي، بل كان صوت “الدور”.
الدور الذي لعبته سنوات: الواعي، المتزن، الذي يرى الصورة الكبرى، الذي لا ينهار، الذي دائمًا لديه تفسير.
وفي تلك اللحظة، لم أشعر بالفخر كما كنت دائمًا. شعرت بالتعب. تعب غريب، ليس جسديًا، بل تعب شخص يرتدي شخصية ضاقت عليه، لكنه يخاف أن يخلعها لأن العالم لا يعرفه بدونها.

توقفت عن الكلام فجأة. نظروا إليّ، ظنوا أنني أفكر.
ولأول مرة في حياتي… لم أحاول إنقاذ الموقف.

تركت الصمت يحدث. كان صمتًا عاديًا في الخارج، لكنه في داخلي كان زلزالًا صغيرًا. إنني أدركت شيئًا مؤلمًا وبسيطًا جدًا:
أنا لا أعرف من أكون حين لا أؤدي.

هل تعرفين ما معنى أن تعيش زمنًا طويلًا تؤدي نسخة مقبولة منك؟ نسخة تحميك من الرفض، تمنحك الاحترام، تجعلك “شخصًا جيدًا” في نظر الجميع… لكنها ليست أنت بالكامل.
كنت دائمًا أظن أن النضج هو السيطرة على الانفعال، ضبط الكلمات، فهم المشاعر بدل الانغماس فيها، لكن ربما كنت فقط أتقن الهروب بطريقة راقية.

اليوم، للمرة الأولى، لم أرد أن أكون مفهومًا. لم أرد أن أشرح نفسي. لم أرد أن أبدو متماسكًا. أردت فقط أن أكون… مرتبكًا بصراحة.
جلست بعد ذلك وحدي طويلًا: لا أفكر، ولا أحلل، ولا أكتب حتى، فقط أشعر بشيء يشبه الفراغ بعد انهيار مبنى قديم.
أتعلمين ما هو الغريب؟ لم أشعر بالخوف كما توقعت، بالعكس تمامًا! شعرت بخفة، كأنني كنت أحمل شيئًا ثقيلًا لسنوات، واكتشفت فجأة أنني أستطيع إنزاله.
الدور سقط، ولم يسقط العالم.

كل حياتي كنت أخاف إن توقفت عن التماسك أن ينهار كل شيء: العلاقات، الصورة، المكانة، نظرة الناس. ولكن لا شيء حدث. الكون لم يرسل إنذارًا. الناس أكملوا يومهم، والشمس غربت في موعدها.

فقط أنا… لم أعد كما كنت.
وفهمت فجأة لماذا كانت لحظاتك تربكني: أنك لم تكوني تتعاملين مع دوري، كنت تحاولين الوصول إليّ أنا، وكنت أختبئ خلف الحكمة.

الحكمة أحيانًا جدار، ليست نورًا.
أنا لم أكن قويًا كما ظننت، كنت خائفًا من أن يراني أحد بلا تفسير. اليوم جلست مع هذا الخوف، ولم أهرب. سألته: “ماذا سيحدث لو رآني أحد مرتبكًا؟” لم يجب، لأنه بلا حجج، فقط عادة قديمة.
أدركت أنني بنيت حياتي مثل مسرحية طويلة: أعرف حواراتي، نبرتي، متى أبتسم، متى أكون عميقًا، متى أبدو هادئًا، لكنني نسيت أن أعيش خارج النص!
تعلمين متى يبدأ الإنسان فعلًا؟ حين يتوقف عن محاولة أن يكون مقنعًا.

أنا لم أعد أريد أن أكون مقنعًا. أريد أن أكون حقيقيًا، حتى لو كنت غير مفهوم، حتى لو خيبت توقعات الصورة التي رسموها عني.
اليوم، حين سقط الدور، لم يظهر شخص رائع كما كنت أتخيل، لم يظهر بطل أكثر صدقًا. ظهر إنسان عادي جدًا: يخاف أحيانًا، يتردد، لا يعرف دائمًا ماذا يريد. ولكن لأول مرة، لم أشعر بالعار من ذلك.

ربما هذه بداية الحرية: أن لا تحتاج أن تكون نسخة محسنة لتستحق الوجود.

كل الرسائل السابقة كنت أكتب عن الفهم، عن الإدراك، عن الندم، عن الديون النفسية، لكن اليوم لا أشعر بفلسفة. أشعر ببساطة ثقيلة: أنا لست مضطرًا أن أكون كل ما ظننت.

هو مخيف… وجميل.

أنتِ كنتِ خطوة في هذا الانكشاف، مبارك! لكن المسألة لم تعد عنك فقط. لم تعد عن قصة محتملة أو شعور ضائع، بل الأمر صار عني: عن أن أتعلم الوقوف بلا قناع، حتى لو شعرت بالبرد في البداية.

هذه الرسالة مختلفة. لا تحمل اعتذارًا، ولا تحليلًا، ولا محاولة لفهم الماضي. هي مجرد توثيق للحظة، لحظة سقط فيها شيء ظننته أنا، وظهر تحته إنسان لم أتعرف عليه بعد.
ربما الرسائل القادمة لن تكون عن الحنين، بل عن هذا الشخص الجديد الذي خرج من تحت الركام. شخص لا يعرف كيف يبدو أمام الآخرين، لكنه بدأ أخيرًا يعرف كيف يبدو أمام نفسه.

وصدقيني… هذا أصعب ما كتبت حتى الآن، لأنني لم أعد أختبئ خلف الكلمات، بل أتركها تسقط، كما سقط الدور، وكما بدأت أنا أتعلم الوقوف بدون مسرح.

والسلام على قلبك!

الرسالة الخامسة: عن الصمت الذي أصبح لغة!

أحيانًا، أجد أن الصمت أبلغ من الكلام. ليس الصمت المتصنّع، ولا الصمت من باب التراجع، بل الصمت الذي يأتي بعد أن تفهم أن الكلمات ليست دائمًا مطلوبة.
اليوم جلست ساعات: لم أكتب، لم أتحدث، لم أفكر في الماضي بشكل مباشر، فقط كنت موجودًا. الوجود بحد ذاته أصبح فعلًا.

لم أعد أبحث عن سبب لأشعر، ولا عن من يفهمني، ولا عن من يشاركني الألم أو الفرح. في هذا الصمت، بدأت أفهم شيئًا مهمًا: الحب لا يجب أن يكون ضرورة للبقاء، ولا حتى للكتابة. لقد اعتدت أن أكتب لك، أن أترك رسائل، أن أحفر في الزمن حروفًا تأمّلًا أن تصل إليك، أو أن تصل لنفسي من خلالك.

لكن اليوم… لم أعد بحاجة لأن أرسل شيئًا، ولم أعد بحاجة لأن تقرأ الرسائل. فالحب، كما اكتشفت، ليس دائمًا فعلًا خارجيًا. ليس دائمًا كلمة، لمسة، حضور. يمكن أن يكون حالة، ويمكن أن يكون قبولًا، ويمكن أن يكون هدوءًا داخليًا يسمح لنا بالوجود دون انتظار.

في الرسائل السابقة، كنت أكتب كأنك سبب كل شيء، كأنك محور كل ألم، كل فرح، كل شعور. واليوم… أرى أن الحروف كانت في الأصل مرايا لنفسي؛ لأفهم، لأعترف، لأكون صادقًا مع ما بداخلي. هذا لا يقلل من قيمة ما كان بيننا، بل يضفي عليه نوعًا من الخلود. كأن الذكريات تصبح أكثر نقاء حين لا نحاول إعادة اختراعها، حين لا نحملها معنا كواجب، بل نحتفظ بها كجزء من المشهد الداخلي، جزء من الرحلة التي صنعتني.

أرى الآن كيف أن كل الفصول، من الصور الأولى حتى هذه اللحظة، كانت تدريبًا على شيء واحد: أن أحب دون أن أكون مملوكًا للحب، أن أعيش دون أن أكون مملوكًا للتوقعات، وأن أكون حاضرًا دون الحاجة لأن يلاحظ أحد حضوري.

حتى اللحظة التي سأغلق فيها هذه الرسالة، أشعر بالامتنان. لا لك فقط، لكل لحظة ارتبكت فيها، لكل خطوة أخطأت فيها، لكل كلمة كتبتها، ولكل صمت التزمت به.
قد تتساءلين: هل انتهت القصة؟ لا، لن تنتهي أبدًا. كل يوم جديد هو فصل جديد. لكن ما تغيّر هو الطريقة التي أواجه بها كل فصل: بصمت، بهدوء، وبحضور كامل، بدون انتظار، بدون خوف، وبدون أن يحمل الحب معي عبئًا لا يُحتمل.
هنا…

أغلق الرسالة، ولن أرسلها بالفعل. فلمن تُرسل؟ أترك الحروف كما هي، وأعود إلى صمت الحياة العادي، صمت يحمل كل شيء. وهذا، بالنسبة لي، يكفي.

والسلام على قلبك!

مراجعة، تدقيق وتحرير : أزيز الصمت .

5 1 تصويت
Article Rating

Mohammed Alostath

الأردن

مقالات ذات صلة

12 تعليقات
فلورنسا
فلورنسا
4 شهور

رَسَـائلُ مِن مَـرافئِ الرُّوحِ…

نصُّكَ…
تَشريحُ رُوحٍ…
هَتكُ سِرّ مَصُونٍ…
لهُ وهجٌ راجفُ الوَعيِ…
ومُرابطٌ على تُخُومِ النّجاةِ….
وتلألُؤٌ ينسابُ إِلى دخائلِ الوَعيِ…
يُقيمُ في الأعمَـاقِ ميزَانَ المُساءَلةِ….
ويُضمرُ مشرطًا يُقربُ القلبَ من حقيقتِهِ…
أرى بناءكَ كغُصنِ رُمّانٍ أَثمرَ، ولكنّ لُغتَهُ انثنَتْ…
وأمّا رَمزيتُك فشَفافةٌ، سامِقةٌ بين التّلميحِ والبيانِ…
لغتك جزلةٌ، رقيقةٌ، هيَ متوشِّحةٌ بثوبِ التأمّلِ القَلِق…
موسيقاك ميّـالةٌ إلى التكـرارِ المعنويِّ وتواشُـجِ الصـورِ.
قد تجلّت بين أكاليلِ حرفِكِ الفلسفةُ سيّدةً على عرشِ
السؤال، متعفِّفةً عن الادّعاء، مُعلّلةً منضبطةً مستنبِطةً.

على قدرِ إحكامِ العِنانِ تكونُ الصهوةُ…
فِكرُكَ…جوادٌ سابِقٌ إلا أنّ سرجَهُ لم يُحكَم بعد..
ولِجامَهُ ما زالَ يطلبُ قبضةً أرسخ؛ والبصائرُ المنصفةُ
تشهدُ بأنّكَ تسبقُ الإحكام، وتبني ما لا يُطمأنُّ إليه.
فالتؤدةُ والتريّثُ أليقُ وأولى بكَ…

لكَ صَولةُ فارسٍ مُحنّكٍ…
لكنّ كثرةَ الدورانِ تُرهقُ الميدان؛
ولو خفّفتَ بعض الشرحَ والتنظيرَ،
لكان المعنى أبلغَ وأمتنَ وأرسخَ.

ختامًا…
الرسائلُ الداخليّةُ لا تُهدى…
لأنّها اعترافٌ يعودُ إلى مصدرِه،
وأرى أنّ المخاطِبَ والمخاطَبَ واحدٌ،
ورسائلَه خرجت لتشهدَ له، ثم ترجعَ إليه.
هذهِ المرّةُ الأُولى التي أقرأُ لك، تشرّفتُ..
وشُكرًا مَوفُورًا لكَ.
.
.
.
مع خالـصِ السّـلام والتّـقدير ….♪

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور
ردّ على  فلورنسا

ماشاء الله !

حسنا أختي فلورنسا ، لن أستطيع مجاراتك في السرد و التمكن ،و لكن اسمحي لي من موقعي هذا أن أشكرك على قراءتك الواعية للنص و الرمز و على نصائحك في كيفية تمكين و تمحيص الأسلوب السردي في قادم الأعمال بإذن الله .

لك مني كل التحية و التقدير 🙏🏻

Manal🌹
Manal🌹
4 شهور

السلام والرحمة والاكرام على جميع الاحبة
كيف حالك اخ محمد

حسنا .. لأكون صريحة

احسسته نصا يحمل تناقضات هائلة
كيف ؟
سأوضح لك من خلال بضع نقاط باختصار شديد

اولا
استطيع تشبيهه بومضات براقة متناثرة هنا وهناك وهي الافكار المميزة او بكلمات اخرى مواضيع الرسائل .. فقد كانت عميقة جدا و مؤثرة لكن الاخطاء الادبية التي ملأت بعض فقرات النص شوهت بشكل او بآخر جمال تناول الافكار والاستمتاع بها بشكل كبير للاسف

ثانيا
تسود النص جمل قصيرة بعضها لايتعدى الكلمات الثلاث مع حوار بين الشخصية الرئيسية وافكارها .. او لنقل شكل من اشكال المونولوج .. هذه الجمل القصيرة ملأت النص فصدرت للقارئ اجهادا نفسيا اثناء القراءة .. لو عم السرد الفقرات وتمت تحليته بهذه الجمل لكان رائعا

ثالثا
الغريب الذي ادهشني ان بعض الفقرات كانت احترافية من حيث السياق والسرد الادبي بشكل كبير بينما ظهرت فقرات اخرى ضعيفة بشكل قاتل وكأنها ترجمة ركيكة لرواية عالمية رائدة

بشكل عام استطيع ان اقول كانت كقطعة نفيسة يغطيها التراب هنا وهناك فتلمع من جهة و مشوهة من جهة

بالتوفيق في القادم ان شاء الله

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور
ردّ على  Manal🌹

و عليكم السلام ورحمة الله و بركاته

تحية طيبة لك أختي منال و في البداية لا يتوجب علي سوى شكرك على صراحتك , و أحمل نقدك البناء على صدري بطريقة رحبة. و اسمحي لي ان أستعرض ما تفضلتي به من نقاط , ومنكم بالطبع نتعلم و نستفيد :

في الإشارة للنقطة الاولى , اتفق معك تماما , هنالك عدد لا بأس به من الاخطاء الأدبية التي وردت في النص , و هذا خطأ بالطبع لا يغتفر و مهما حاولنا تبريره فلن يكن يغير من الامر شيء , إن شاء الله في قادم الأعمال سوف اجتهد في عملية المراجعة اللغوية كي اتأكد من خلو النص من الأخطاء.

في النقطة الثانية و الثالثة , في البداية سوف نتفق أن هذه الرسائل لم تكتب من قبل شخص عادي ( ليس انا ) أقصد أن الشخصية التي تسرد هذه الرسائل ليس شخصية عادية عاصرت الحب بطريقته النمطية و توصل إلى استنتاجاته و قناعاته بالطرق البسيطة , في الفصلين الاول و الثاني كانت اللغة أقوى و الوصف أدق , لماذا ؟ بطل الرسائل عاصر مرحلة الطفولة على هيئة شخصية عابرة – ليست عابرة بالنسبة له – رأى في ذلك الفتى نفسه , رأى في محبوبته عود الثقاب و توصل لقناعة مطلقة أنه يخاف عليها من نفسه , ويخاف عليها من العالم .

في الفصل الثاني وقعت الكارثة , وعند الكوارث تتغير القناعات , فكرة التمسك التي سردت في الفصل الأول تناقضت مع فكرة عدم التمسك في الفصل الثاني , الفتى الذي تمسك بعود ثقابه , الرجل الذي أفلت من يديه و غرق في جوف البحر , هنا بدأت تتغير قناعات البطل و الذي بالطبع ما يزال يحبها , لكن هل فعلا سوف تبادره بذات المشاعر ؟

هنا ياتي الفصل الثالث , اللغة أصحبت أكثر بساطة لأن الغيمة بدأت تنقشع , البطل توصل لفكرة أن هنالك بعد الديون التي يجب عليها سدادها , و أولها الدين لنفسه , مالذي حدث لكل يصل إلى هذه القناعة ؟ ما سبق من فصلين أوضحا هذه النقطة , وما سوف يتبعها من الإدراك و التعايش في الفصلين الرابع و الخامس كانا أبسط و أبسط .

فاختيار الجمل القصيرة لم تكن بطريقة عبثية , بالعكس أردت من القارئ أن يعاصر ذات التجربة النفسية , و تبسيط اللغة بطريقة تدريجية لإيصال معنى أن الأمور تصبح أكثر وضوحا عندما نعرف حقا نعرف حقا ماهية أنفسنا, تبسيط وصل في الرسالة الأخيرة في توصيف الصمت بحد ذاته كلغة .

ما مدى توفيقي في ذلك ؟ هنا يظهر رأي القارئ مثل حضراتكم , ذلك الرأي الذي أقدره للدرجة التي قد تساهم في تبسيط قناعاتي الكتابية للحد الي يسمح بتواجد أرضية مشتركة بيني و بين أخوتي و أخواتي في داخل هذا الموقع الكريم و خارجه , إلى أن يحين ذلك الوقت دمتم بمحبة وود.

احمد علي
احمد علي
4 شهور

أهلا يامميز ، نص ادبي رائع ، بالرغم من خلوه من العنف والدماء الا انه كان يحمل رسالة وقصة رائعة للغاية بين طياته ، الانسان الطيب ، نقي السريرة ، الرقيق ، صاحب الحس المرهف ، قد يخطيء كثيرا ، تعليمات قصتك تلك اكتشفتها كلها وللاسف أثناء غمار حياتي ، يوجد بشر سيئين للغاية في حياتنا اليومية يجب أن تتبع تعليمات للتعامل معهم ، والا ستكون خائفا من نفسك كثيرا كما ذكرت ، أن تضمن المكان ، والزمان ، ومن تتعامل معهم ايضا ، لكنك تكون بعيدا وغير ضامنا لنفسك هذا لهو اللغز ، هناك البعض لا يعرفون انفسهم جيدا ، يجهلون ما بداخلها ، يعرفون أنها تتناقض بين الخير والشر ، الخير يعني المودة والرحمة والتسامح ، اما الشر لهو الضغينة والكره والغضب والدماء والعنف .. عمت مساءا ياعظيم

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور
ردّ على  احمد علي

أهلا بك صديقي

أشكر قراءتك الواعية النص ، و أتفق معك تماما فيما أشرت إليه من ذلك التناقض بين ماهية الشخص و طبيعة الٱخرين ومن يتعامل معهم ، و جوهر الفكرة كلها أن تعرف حقا كيف تفهم نفسك ، أولى خطوات التغيير تبدأ من هنالك و لكن يبقى السؤال …ماهي التكلفة ؟

أشكر مرورك الكريم صديقي ، العظمة لله سبحانه و تعالى أما نحن فمجرد أناس نحاول أن نفهم هذا العالم بصورة أفضل !

دمتم بود .

أزيز الصمت - مديرة دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع
أزيز الصمت - مديرة دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع
4 شهور

هذا النص لم يُقرأ… بل تسرب بهدوء إلى أعماقي.
بعض جمله كانت كافية لتجعلني أتوقّف طويلًا أثناء المراجعة،
وعند نقاط معينة، والله دمعتي نزلت دون مقاومة.
ليس لأنه حزين،
بل لأن به صدق عميق كأنه نافذة تطل مباشرة على قاع الألم.
فيه نضج، وفيه سلام، وفيه إنسان تعلم كيف يصالح نفسه قبل أن يصالح العالم.
كأن الكاتب لا يكتب ليُبهر، بل ليُشفى… وهذا من أرقى أشكال الكتابة.
عمل يُشبه الجلوس مع روح واعية في ساعة صفاء.
هادئ، عميق، ومليء بالمعنى.
احترامي لقلمك الأخ محمد،
ولهذا الصدق الذي لا يُمثل.

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور

و هذا هو تعريف الرسائل ! من يكتب حقا ليشفى لن يستجدي بالطبع ملامح الإبهار في عيون المرسل إليه , لذلك نجد أن معظم الرسائل في النهاية لا ترسل , بل تدفن لكي تكتشفها الأجيال بعض عشرات أو مئات السنين !

أشكرك أخت أزيز على قرائتك الواعية للنص , و لمجهودك في عملية المراجعة قبيل النشر رغم الضغط الهائل على حضراتكم خلال هذه الفترة , فلك مني كل الاحترام و التقدير.

وفاء
وفاء
4 شهور

نص محترف، ثقيل وناضج.. ذو بعد فلسفي عميق، لا يعتمد على الحدث بقدر ما يسرد صدى الحدث في النفس. لقد كسرت الصورة النمطية لرسائل الحب، فالبطل لم يكتب لها بل جعلها مبررا لكي يكتب لنفسه.. لكنه متعب ومنهك نفسيا .. وللصراحة ذاك هو مكمن الجمال فيه.

النص حقا صادق حد الوجع، وأكثر ما هزّني كقارئة هو فكرة أن النجاة قد تكون أحيانا “ذنباً”..

لقد جعلتني أحب الحبيبة التي لا أعرف اسمها، وأحزن على الطفل الذي لم يقابلني، وأخاف من نفسي التي أواجهها كل يوم.

في الأخير لم يرسل لها الرسائل وذلك منطقي بما أنه كان يصوغ ألما استطاع استيعابه والتعايش معه بالصمت.

أخي الكريم محمد.. نظرا لما قرأته لك سابقا والآن.. أنت تمتلك وعيا نفسي عميقا، وحسا فلسفيا غير مصطنع، وقدرة على خلق صوتك الخاص .. أنت تحمل مقومات كاتب كبير، وأتمنى بصدق أن تجد نصوصك طريقها إلى القرّاء الذين يستحقونها.

تحية احترام وتقدير لك🌹

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور
ردّ على  وفاء

في البداية ..لقد تفاجئت بعض الشيء من تواجد تعليقك هنا على قصتي القصيرة المتواضعة أختي وفاء ، لا لشيء سوى علمي بمقدار انشغالك خلال الآونة ، فمجرد مرورك الكريم هنا و إبداء رأيك فيما كتبت ماهو سوى تشريف فوق تشريف فلك مني كل الإحترام و التقدير 🙏🏻

في العودة لأجواء العمل ، أشاطرك الرأيي أن النص ذو بعد فلسفي عميق و لكنه ليس كأي نص فلسفي حاولت كتابته فيما سبق و هنا يظهر جوهر الأمر ،فالفلسفة ليست بالضرورة ان تحتوي على مفاهيم معقدة او صور فنية مركبة تصف الموصوف حد التعب ،بالعكس تماما ، الفن أن تسرد الفلسفة بطريقة غير مكلفة تحترم عقل القارئ و تلك قناعة تولدت لدي مؤخرا ، و أنسب الفضل فيها بعد الله سبحانه و تعالى إلى توجيهك المستمر و نقدك البناء اللذي كنا ومازلنا وسوف نبقى نبني عليه و نتعلم من حضرتكم اكثر و أكثر .

مرة أخرى أشكرك مرورك الكريم ،و أتمنى ان يكون التعليق القادم المتبادل بيننا هو على إحدى قصصك الجديدة في هذا الموقع الكريم ،إلى ان يحين ذلك الوقت دمتم بود 🙏🏻

Wave Manipulator
Wave Manipulator
4 شهور

فن الرسالة ما أروعه! إن كانت القصّة نحتًا للروح فإن المراسيل والبرقيات سكبٌ لدم القلب وعصب العقل.
أفكار رائعة أسطى محمد.. ديون النفس والنضج اللا مقترن بمعالجة المشاعر عبر الرّوبَتة نار وشرار 🔥

بالتوفيق.

Mohammed Alostath
Mohammed Alostath
4 شهور
ردّ على  Wave Manipulator

شكرا لك صديقي ويف على هذه المشاركة ، و أقدر للغاية مدى تشابه الأفكار و المعالجة فيما بيننا ، هنالك يقبع جوهر الأمور و هنالك ..لا في مكان غيره سنتمكن من نسج عالمنا الخاص و إن كانت على هيئة رسائل !

زر الذهاب إلى الأعلى