لعنة الانتقام و القربان 1

يهطل ببطء ورتابة، ينساب على زجاج السيارة كدموع باردة تغسل شوارع المدينة الصامتة.

وخلف المقود، كانت إليانور تقبع في عالمها الخاص، ملامحها هادئة بشكل مخيف، وعيناها ترقبان الطريق بنظرات حادة يلفها غموض موحش.

لم تكن تقود، كانت تنتظر فحسب، بل كانت تبدو وكأنها تحسب الثواني، بانتظار شيء ما.. بانتظار القدر!

وفجأة…! انطلق ظل من بين الأضواء الخافتة؛ كان سيباستيان شاب يترنح تحت تأثير أدوية الإدمان ، يهرب من واقع ينهشه نحو واقع أشدَ قسوة ، لم ترفّ لإليانور جفن، ولم يرتجف قلبها هلعاً، بل ضغطت المكابح ببرود وقوة مدروسة ؛وكأنها كانت تعلم بمكانه وتوقيت ظهوره قبل أن يحدث.

انحرفت السيارة بعنف واصطدمت مقدمتها بجسده الشاب. سيباستيان يسقط على الأرض الصلبة، شعره المبتل التصق بجبينه، وسترته الجلدية تمزقت عند كتفه، كاشفة عن جسد أنهكته الصراعات.

ترجلت إليانور من سيارتها بخطوات واثقة ،لم تكن مرتبكة بل كانت القوة تفيض من كل حركة تقوم بها.

اقتربت منه ببطء، وانحنت فوق جسده الملقى في وحل المطر ، مدت يدها وبأصابع ثابتة زاحت خصلات شعره المبللة عن وجهه، لتتأمل ملامحه العشرينية التي توحي بالبراءة رغم الضياع ، نظرت إليه طويلاً بجمود، وابتسامة خفية لا تكاد تُرى ينزف دماء، وهي تنظر اليه بنظرة حادة وبرود.

همست بصوت هادئ وأخيراً بعد إنتظار عشرينَ سنة تقابلنا!

ارتسمت على ثغرها إبتسامة وكأنها تقول بصمت: “لقد وقعت في شباكي أخيراً”.

رفعت رأسها وهي تنظر الى الرجل الذي كان واقفاً أمامها، نهضت وقالت له ” احمله وضعه في السيارة .”

قادت إليانور السيارة إلى مكانٍ بعيد بين الأشجار وكانت ،تنظر الى الشاب سيباستيان الذي كان في مقعد السيارة، الخلفي غائباً عن الوعي ثم أكملت الطريق .

وصلت إلى منزلها القابع بين الأشجار، ذالك المنزل كأنه يشبهها ، تماماً يلفه الغموض من كل جانب.

أوقفت السيارة جانب المنزل ترجلت إليانور من سيارتها ترجل الرجل الذي كان معها.. حمله الرجل وتوجه الى المنزل.

مع كل خطوة يخطوها فوق أوراق الشجر اليابسة، كان صريرها الحاد يكسر صمت الغابة وكأنه إنذار بالخطر،

حمل سيباستيان الغائب عن الوعي بين ذراعيه، مع كل وطأة ثقيلة لخطواته فوق أوراق الشجر اليابسة في الخارج، كان الصوت يتردد كتحذيرٍ صامت يكسر سكون المكان.

دخل الرجل الغرفة وهو يحمل “سيباستيان” الذي كان جسده يترنح بين ذراعيه مثل غصنٍ كسرته الريح.

تقدم ببطء نحو الأريكة الموجودة في زاوية المنزل المعزول ، ثم انحنى ليضعه عليها بحذر شديد ؛ وكأنه يخشى أن يتفتت ذلك الجسد المنهك بين يديه.

في تلك اللحظة، اقتربت إليانور لم تتحدث بل وقفت بصمتٍ مطبق تراقب المشهد سكنت عيناها على وجه سيباستيان الذي بدا تحت الضوء الخافت كلوحةٍ فنية عبثت بها الأقدار، كان شاباً في ربيع عمره العشريني ، يمتلك ملامحاً نُحتت بكاريزما فطرية.

لم يستطع الشحوب إخفاءها ، فكّه الحاد كان يبرز بوضوح ليعطي انطباعاً بالقوة، لكن ارتخاء ملامحه كشف عن براءة طفولية نادرة، براءة شابٍ واجه الحياة بقلبٍ مفتوح فحطمته الظروف دون رحمة.

ظلت إليانور تحدق في تفاصيل وجهه؛ في خصلات شعره التي تبعثرت على جبينه المكدود وفي جفونه المطبقة التي بدت وكأنها تخفي خلفها قصصاً من الألم والانكسار ، كان وسيما بحدّة وسامةً تراجيدية تجعل من يراه يشعر بالأسى على كل ذلك النقاء الذي داسته الأيام.

لم يكن مجرد شاب غائب عن الوعي، بل كان تجسيداً حياً لمعنى أن تكون جميلاً ومحطماً في آن واحد.

لم ترفع إليانور نظرها عنه، بل ظلت ملامحها جامدة كالحجر، رغم الصراع الذي قد يكون خلف عينيها.

وبعد صمتٍ طويل، وبدون أن تلتفت للرجل الذي كان ينتظر أوامراها، خرج صوتها جليدياً قاطعاً وساماً كشفرة الحلاق: “الآن يمكنك الذهاب”.

في تلك الزاوية المهجورة من الغرفة حيث يتكاتف الظلام لِيحيك عباءةً من الغموض، كانت إيليانور تقف لم تكن مجرد حضور يجمع بين الجمال الفتّان والجاذبية المرعبة ، شعرها الطويل ينسدل فوق كتفيها بنظام ، لم تكن مجرد حضور عابر، بل كانت هي “الظلام ذاته بالسيطرة المطلقة”.


لم يكن هدوؤها طمأنينة، بل كان ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة التي تقتلع كل شيء في طريقها ، كانت تقف وكأنها تُمسك بخيوط اللعبة كاملةً بين أصابعها ، بينما كان سيباستيان غارقاً في غيبوبته.

اخترق سكون البيت الكئيب رنين هاتفه المتواصل ، أضاءت الشاشة باسم “بياتريس”، بينما كانت إليانور تتأرجح بنظراتها بين وجه سيباستيان الشاحب وشاشة الهاتف ، وهي تغمض عينيها مستمتعة بضجيج الرنين الذي يكسر صمت المكان.

نهضت ببطء واقتربت من النافذة، حيث انعكس وجه سيباستيان على الزجاج وسط الظلام الدامس في الخارج وفي تلك اللحظة، سافرت ذاكرتها بعيداً.. إلى ماضيها السحيق 2006.”!

قبل عشرين عاماً، كانت إليانور فتاةً طموحة، يملؤها الشغف وهي تدرس الطب في عامها التاسع عشر لم يكن يربطها بهذه الحياة سوى والدها، فقد أصبحت يتيمة الأم إثر حادث سيارة مروع وقع وهي لا تزال في العاشرة من عمرها ، تلك الفاجعة التي جعلتها تلتصق بوالدها بشدة وتعتبره عالمها الوحيد.

في تلك الليلة المشؤومة، كانت أنوار القصر تتلألأ والموسيقى الكلاسيكية تملأ الأرجاء في احتفالٍ مهيب ، ومع آخر طرقات التصفيق، كان السيد “ألبيرت” والدها، يقف في المنتصف يوزع ابتسامات الثقة على الجميع، وإليانور تقف بجانبه كأميرة تتلقى التهاني.

وقف السيد ألبيرت بشموخه المعتاد يراقب ابنته الوحيدة وهي تتألق وسط الحضور، اقتربت منه بخطوات واثقة، وضعت يدها على كتفه وهمست بابتسامة لم تفارق وجهها منذ زمن:

“أبي، لم أرك تبتسم هكذا منذ وقت طويل يبدو أنه النجاح هذا انعكاس لتوقعاتك، أليس كذلك؟”

التفت إليها ألبيرت وتغيرت ملامحه إلى حنانٍ أبوي دافئ ، قال وهو يمسك يدها..

“نجاحي الحقيقي ليس في هذه العقود أو الصفقات يا إليانور نجاحي هو رؤيتك بهذه السعادة والقوة أنت جوهرتي الحقيقية ، فإنك الوحيدة التي تذكريني بأمك الراحلة “

في مثل هذه اللحظات غرقت عينا إليانور بدموع الفرح وقالت “شكراً لك يا أبي لولا دعمك وثقتك بي أنت و إدوارد بجانبي لما كنت ما أنا عليه اليوم أشعر أن العالم كله بين يدي الليلة “

كان إدوارد المدير التنفيذي للشركة، وفي الوقت ذاته كان حبيبها ،كأن العالمَ بأكملهِ يتمحور حولها في تلك الليلة أو هكذا خُيل لها.

خلف تلك الأضواء الساطعة، كان إدوارد يقف هناك الشخص الذي يملك قدرةً غريبة على جعل نبضاتها تضطرب بمجرد وجوده في المكان.

كان يقف بين المعازيم بكامل هيبته، بينما لم تستطع إليانور منع نفسها من اختلاس النظر إليه.. مرة بعد أخرى همست “ألم تخبريني.. أم أن الجميع هنا يعرفون بالفعل؟”

جفل قلب إليانور عندما همست بياتريس في أذنها.

فجأة…! اقتربت منها أكثر، وبنبرة حملت الكثير من المكر تابعت:

“ألم تقولي أنكِ تحبين إدوارد؟”التفتت إليانور بسرعة ملامحها مزيج من الارتباك والدهشة:

“بياتريس! هذه أنتِ؟ لقد تأخرتِ كثيراً..”

حاولت تغيير المجرى، وأنفاسها تتسارع: “ظننتُ أنكِ لن تأتي، هل نسيتِ أنكِ سكرتيرة والدي؟” لكن بياتريس لم تكن لتتراجع.

أمسكت إليانور يد بياتريس، وشعرت بموجة من المشاعر الصادقة تجتاحها في تلك اللحظة ضغطت على يدها وهي تهمس بصدق:

“أشعر بالأمان الآن.. لأنكِ هنا، ولأن أبي وإدوارد معي في هذه الليلة.”

ردت بياتريس بابتسامة.. ابتسامة كانت غامضة بشكلٍ لم تطمئن له إليانور تماماً.

مدت بياتريس يدها، وعدلت خصلة متمردة من شعر إليانور وهي تهمس بوعدٍ غريب:

“أعدكِ.. ستكون ليلة لا تُنسى. أؤكد لكِ ذلك ؛ لن ينساها أحد أبداً.

كان إدوارد ينظر إليهما بتفحص .. شق طريقه بين حشود المعازيم بخطوات واثقة وعينيه لا تفارقانها، حتى وقف أمامها مباشرة، انحنى قليلاً وقال بنبرة هادئة:

“هل تسمحين لي يا إليانور ببضع دقائق من وقتكِ”

رفعت إليانور حاجبها برقة وشابت نظراتها نبرة عتاب، وكأنها تذكرت وجوده أخيراً بعد طول انتظار، وقالت:

“ظننتُ أن انشغالك بالأعمال والشركات ومجاملاتك المستمرة للمعازيم قد أنستك أنني هنا، أو ربما شغلك الجميع عني الليلة “

خفض إدوارد صوته مقترباً منها أكثر، لدرجة جعلت ضجيج القاعة يتلاشى خلفهما، وهمس:

“كيف للأعمال أن تشغلني عنكِ؟ كنتُ أعدُّ الثواني لأختلي بكِ بعيداً عن ضجيج المدعوين.”

تراجعت نبرة العتاب من صوتها وحلت مكانها الرقة،لتقول بابتسامة خجولة:

“كنتُ أمزح معك فقط، فأنا أعلم قدر مسؤوليتك.”

تأملها إدوارد بإعجاب وقال بصوت دافئ: “تبدين الليلة كأنكِ خارجة من إحدى أساطير الجمال.. وهذا يخيفني، يخيفني أن يسرقكِ الضوء مني.”

ضحكت إليانور بخفة، ولمعت عيناها ببريق الحب وهي تجيبه:

“لا تخف، فقلبي لا يرى في هذه القاعة المزدحمة سواك.”

مدت يدها الرقيقة لتمسك بربطة عنقه وتعدلها ببطء وفي هاذا الوقت تحديداً، تحطم السكون باقتحام رجال الشرطة المربكة، مما أثار حالة من الذعر والصراخ بين الضيوف.

ارتجفت يد إليانور وهي لا تزال ممسكة بربطة عنقه، حين تقدم ضابط نحو والدها.

تصلب “ألبيرت” في مكانه وشحب وجهه صدم حين تقدم نحوه الضابط المسؤول مشهراً في وجهه مذكرة التوقيف الرسمية:

“السيد ألبيرت.. أنت قيد الاعتقال بتهمة المتاجرة غير المشروعة في مواد طبية خاضعة للرقابة.”

حاول ألبيرت استجماع شتات نفسه، ورسم ابتسامة باهتة مرتجفة وهو يقول:

“حضرة الضابط، لا بد أن هناك سوء فهمٍ ما.. نحن هنا نحتفل بالنجاح القانوني لشركاتنا، هل ترغب في الانضمام إلينا وتوضيح الأمر بهدوء؟”

لم يتزحزح الضابط، بل أخرج تقريراً رسمياً وأردف بنبرة حادة كالسيف:

“أي نجاح هذا الذي تتحدث عنه؟ نحن نملك الأدلة على تورطك في توزيع أدوية مهدئة غير قانونية.. لم تكتفِ ببيعها بلا تصريح، بل تلاعبت في تركيبتها الكيميائية الأساسية لزيادة مفعولها الإدماني، وضاعفت الأرباح على حساب أرواح الناس!”

“لدينا تقارير مختبرية وشحنات محجوزة تحمل توقيعك الشخصي، المهدئات التي تم ضبطها تم التلاعب بتركيبتها لتصبح مواداً مخدرة.. خذوه!”

قيدوه.. وانتهى هذا الاحتفال الزائف الآن.

هنا انطلقت صرخة إليانور التي كانت مخنوقة في صدرها “أبي! مستحيل.. والدي لا يفعل هذا! أدوارد.. !” وعلى وجهها ابتسامة..

استقر ملمس المعدن البارد حول معصميه، ليعلن انكسار تلك الهيبة أمام أنظار الجميع ، في تلك اللحظة القاسية تلاشت نظرات الإعجاب التي كانت تلاحقه، وحلت مكانها همسات سامة من الشك والاتهام.

بينما كان يُساق نحو المجهول، كانت “إليانور” تقف متجمدة، تراقب انهيار عالمها وهي ترى والدها يُقتاد كالمجرمين.

استجمع ألبيرت بقايا قوته، والتفت ببطء نحو ابنته.

كانت نظراته مزيجاً مؤلماً من الانكسار والحب العميق. فاقترب منها خطوة واحدة متعثرة قبل أن يمنعه الشرطي بحدة، فنظر في عينيها مباشرة وقال بصوت هادئ يحاول فيه ترميم شجاعتها: “يا ابنتي، انظري إليَّ.. لا تخافي.”

ابتلع غصة في حلقه وتابع بلهجة واثقة رغم الموقف:

“هذا مجرد سوء تفاهم كبير وسينتهي قريباً ، أريدكِ أن تكوني قوية كما عهدتكِ دائماً، لا تدعي هذه اللحظة تكسر طموحكِ في الطب.

“أبي” .. خرجت الكلمة من حنجرة إليانور بصوت مخنوق.

صاحت إليانور بصوتٍ مخنوق والدموع تنهمر على وجنتيها: “‘أبي! ما الذي يحدث؟”

وفي تلك اللحظة، اقترب منها إدوارد بخطى سريعة، ووضع يده على كتفها ليطمئنها هامساً بصوتٍ خفيض: “اهدئي يا إليانور، سأحل الأمر بنفسي”

وهي تشاهد حلمها ووالدها يبتعدان خلف قضبان الظلم.

تعالى صوت مخنوق بالعبرات غارق في بحر من العجز وهو يرى القيود تلتف حول معصميه، التفتَ بنظرة أخيرة نظرة حملت ثقل العالم نحو “إدوارد” الذي كان يقف جامداً كتمثالٍ بيدٍ مرتجفة نزع إلبيرت نظارته؛ وكأنه يسلمه آخر ما تبقى من كرامته وحياته، وقال بصوتٍ كسر صمت المكان:

“إدوارد.. أنتَ لستَ مجرد صديق، أنتَ ابني الذي لم أنجبه ، أضعُ اليوم أغلى ما أملك بين يديك.. إليانور.”

اقترب منه أكثر، وهمس بكلماتٍ بدت كعهدٍ مقدس:

“هي نبضي الذي يمشي على الأرض، أمانةٌ في عنقك ، يا إدوارد.. لا تجعل عينيك تغفل عنها حتى أعود، إن عدتُ يوماً.”

لم ترفّ جفن لإدوارد، بل ارتسمت على ملامحه صرامةٌ مخيفة، وعيناه تلمعان بتصميمٍ غامض وهو يردّ بهدوءٍ تقشعر له الأبدان:

“لا تقلق يا سيد إلبيرت ، إليانور في الحفظ والصون ، سأحميها من العالم، ومن نفسها، كأنها روحي التي أحملها.”

لم يُمهلهما القدر لحظةً أخرى؛ فقد أحكم الشرطي قبضته الغليظة على ذراع والدي، دافعاً إياه بقسوة داخل السيارة الباردة ، في تلك اللحظة انفتق جرح الصمت في صدري ، صرخةٌ هستيرية هزت أركان المكان ، صرخة “إليانور” التي لم تعد تحتمل.

اندفعتُ كالمجنونة، اخترقتُ صفوف الحاضرين الذين تراجعوا رعباً من هيئتي، وصراخي يمزق سكون الليل: “أبييييي.أبي..!”

بدلاً من الصمت، انطلقت السيارة كالسهم، وفي تلك اللحظة بالذات.. انطلق شيء ما داخل إليانور ، بدأت تركض بجنون خلفها ممر الحديقة الطويل بدا وكأنه لا ينتهي، وفستانها الذي كان يفيض رقة صار الآن عدوها الأول؛ كان يتعثر بقدميها المرتجفتين ؛ ليجبرها على السقوط.

تارةً تهوي على ركبتيها بقسوة، وتارةً تنهض بجسد يرتجف، وصدرها يضيق بصرخة غضب مكتومة لم تجد طريقاً للخروج.

وفي تلك اللحظة المأساوية، ظهر إدوارد اندفع خلفها مثل ظل منقذ، وبحركة سريعة استطاع أن يطبق قبضتيه على كتفيها، ليوقف ذلك الاندفاع العنيف الذي كاد يمزقها. حاولت إليانور الإفلات، كانت تتخبط بين يديه بجنون، تضرب صدره بقبضتيها وهي تصرخ بكل وجعها.. وفجأة..! سكن كل شيء.

توقفت حركتها تماماً، وجسدها الذي كان يشتعل منذ ثوانٍ صار هامداً ، تجمدت نظراتها وهي تراقب أضواء السيارة وهي تتلاشى في الأفق البعيد، ومع كل نبضة من ذلك الضوء المبتعد، كان غضبها يتبخر ليحل محله حزن أسود ثقيل.. حزنٌ كاد يقتلها.

استسلمت تماماً وسقطت بين يدي إدوارد ؛ لينفجر بكاؤها بصوتٍ خافت ومكسور، بينما كانت بياتريس تقف في الخلف.. صامتة تراقب حطام تلك اللحظة.

نظرت بياتريس إلى إدوارد، وتبادلا نظرةً غامضةً ، التمعت فيها ابتسامة النصر في عينيهما، وكأن خطتهما السرية قد بدأت تنجح أخيراً.

كأن المشهد يسير تماماً كما هو مخطط له .

“نعود للحاضر 2026”

فتحت إليانور عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس لتواجه آخر ، كانت تقف أمام النافذة الزجاجية، تراقب انعكاس صورتها الباهتة.. صورةٌ تعكس صراعاً قديماً لم يهدأ يوماً، بل ازداد استعاراً بمرور السنين.

تحركت بخطواتٍ وئيدة، تقترب من سيباستيان. كان هناك.. غائباً تماماً عن الوعي، جسده يرتجف تحت تأثير الأدوية القوية، وصدمة الحادث ما زالت ترتسم على ملامحه الشاحبة.

مدت يدها تلك اليد التي لم تعد تعرف الدفء، وأمسكت بيده الباردة ، ساد صمتٌ قاتل قبل أن تهدي كلماتٍ تقطر حِقداً:

“لا أحد يعرف ألم الفقد.. إلا الذين عاشوه.”

التفتت بنظراتها نحو الفراغ، وكأنها تخاطب أعداءها الغائبين: “سأجعل إدوارد وبياتريس يشعران بكيفية الفقدان..

سأجعلهما يتجرعان ذلك السم قطرةً قطرة ، اقتربت أكثر وعيناها تلمعان ببريقٍ مخيف وهي تتابع :

“سأجعلهما يختبران شعور العجز.. أن يشاهدا روحاً يحبانها وهي تنطفئ ببطء أمامهما، دون أن يملكا القدرة على إنقاذها ، مدت أصابعها على شعره المبعثر ببرودٍ تقشعر له الأبدان،

ثم أردفت بنبرةٍ خالية من أي رحمة: “لا تخف.. لن أقتلك بسرعة ، فالموت السريع.. رحمةٌ لا تستحقونها.”

مرت الساعات ثقيلة، وبقيت إليانور تراقب خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل من النافذة، كأنها شاهد صامت على مأساتها. في تلك اللحظة، بدأ سيباستيان يستعيد وعيه.

فتح عينيه ببطء، لكن الرؤية كانت ضبابية ، والجدران حوله تبدو وكأنها تتراقص في دوامة لا تنتهي. المكان غريب، والروائح لم يألفها من قبل.

حاول النهوض، وبذل جهداً مضاعفاً، لكن جسده خانه؛ كان يترنح بشدة وكأن الأرض تميد تحت قدميه.

وقبل أن يرتطم جسده بالأرض الصلبة، وجد نفسه يستند إلى جسدها.

تلاقت أعينهما في صمت قاتل. كانت نظراته تائهة، فاقدة للتركيز، بينما كانت عيناها هي.. تلك العيون الهادئة والغامضة التي لطالما أرعشته. أحست إليانور بانهيار جسده، فأمسكت بذراعيه بقوة أسندته برفق، وأعادته إلى الأريكة. سكن جسده قليلاً، لكن أنفاسه ظلت مضطربة.

اقتربت منه إليانور حتى باتت أنفاسها تداعب وجنته وهمست، توقفت أنفاسها لثانية وهي تراقبه؛ كان جسده الملقى على الأريكة يبدو هشاً على غير العادة، وكأن القوة التي كان يمتلكها تلاشت مع اصطدام سيارتها بجسده في تلك الليلة المشؤومة.

كان ملمس جلده بارداً، ونظراته التائهة تطوف في أرجاء الغرفة وكأنه يبحث عن قطعة مفقودة من روحه همست بصوتها : “اهدأ، أنت في أمان”

أسندته بعناية ليعود لجلسته، بينما كان هو يضع يده فوق رأسه، مغمضاً عينيه بقوة وكأنه يحاول طرد الصداع الذي يفتك به.

سألها بصوتٍ مبحوح محطم: “من.. من أنتِ؟ وأين أنا؟”

اقتربت منه أكثر، لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس الضوء في حدقتيه اللتين لم تستجيبا تماماً بعد.

قالت بهدوء: “أنا الطبيبة إليانور.. التي اصطدمت بسيارتي ليلة البارحة ، تحاول النهوض الآن..! جسدك لا يزال تحت تأثير الصدمة.”

وضعت وسادة خلف ظهره ليتكئ عليها، ثم قدمت له كوباً من الماء ببطء، مراقبةً كل حركة منه بعينين يملؤهما الأسى.

وضع يده على رأسه الذي كان يفتك به الألم، وكأنها مطارق حديدية تضرب جمجمته ، تقطبت ملامحه بوجع وهو يحاول استجماع شتات ذاكرته المحطمة.

“لا أتذكر شيئاً.. كيف وصلتُ إلى هنا؟”

خرج صوته متحشرجاً، يملؤه الارتباك والخوف.

أغمض عينيه بقوة، لتبدأ صور مشوشة بالظهور كبرقٍ خاطف.. أضواء صاخبة، ضجيج ذلك الاحتفال، ثم..

لمعان أضواء سيارة قوية اخترقت عتمة الليل، وصوت ارتطام معدني مروع.

فتح عينيه فجأة ونظر إليها بتيه: “أتذكر الاحتفال.. أضواء السيارة.. ثم الارتطام.. لا شيء آخر! كيف وصلتُ إلى هنا؟”

اقتربت إليانور منه بخطوات هادئة، وضعت يدها على كتفه بحنان لتحاول تهدئة ارتعاشه الواضح.

مررتُ يدي فوق يده المضمدة بهدوء، وهمست بنبرة مطمئنة:

اهدأ أرجوك، سأخبرك بكل شيء، لكن عليك أن ترتاح قليلاً أولاً.. أنت في أمان الآن “

قائلة بنبرة حاولت جعلها متماسكة:

عندما اصطدمتَ بيسيارتي وسقطت، تناثرت تلك الحبوب من جيب سترك.. هل تذكر؟”

لم يجب، لكن نظراته كانت تزداد حدة

تابعت..
“وبما أنني طبيبة، لم يكن من الصعب عليّ معرفة نوعها، أنت تدرك جيداً ما الذي تتعاطاه، وتدرك أيضاً إن أخذك للمشفى في تلك الحالة كان سينتهي بك مكبلاً بالأصفاد.”

ساد صمتٌ ثقيل، كان سيباستيان ينظر ليدي المضمدة وكأنه يحاول استيعاب الحقيقة.. أكملت..

تلك الحبوب …ليس بحاجة أن تشرح لي شيئاً، فبصفتي طبيبة أعرف جيداً تلك الحبوب الزانكس أعرف كيف يغرق المدمنون في هذا الهدوء الزائف ، لكن ثمة أمر مريب في هذه الحبوب ، لقد تم التلاعب بتركيبتها لغرض واحد فقط.”

أخذتُ خطوة نحوه، وعيناي تلمعان ببرود ، لقد عُدّلت كيميائياً لتجعل جسدك يطلبها بجنون، لتصبح مدمناً لها من الجرعة الأولى. هذا التلاعب ، لقد صمموها لتجعلك تدمنها لدرجة أن موتك سيكون أهون عليك من قضائك يوماً واحداً بدونها، ساد صمت قصير..

جلست بقربه وهي تنظر اليه، وقالت بنبرة خافتة تلاقت نظراتهما..

إليانور بسؤالها البارد: “ما هو اسمك؟”

نظر إليها سيباستيان بتعب، ثم أجاب بصوت خافت: “اسمي سيباستيان “


هزت رأسها بتفهم ورددت “حسناً.. كم عمرك يا سيباستيان؟ هل أنت في التاسعة عشرة؟”

أجابها بنبرة جافة وهو يشيح بنظره عنها: “عشرون عاماً تماماً.”

تنهدت إليانور “يا للأسف” وارتسمت على وجهها نظرة عتاب وهي تقترب منه

أنت ما زلت صغيراً جداً يا سيباستيان.. لماذا تدمر حياتك بهذا الشكل؟

” الإدمان يا سيباستيان لا يكتفي بأخذ صحتك، بل يسلب منك كل شيء؛ يسلب حريتك، هويتك ، وحتى اسم عائلتك الذي كنت تفخر به.”

رسم سيباستيان على شفتيه ابتسامةً باهتة، ابتسامة تحمل من السخرية أكثر مما تحمل من الرضا، وأجابها بصوتٍ حزين:

“الحرية أليست مجرد وهمٍ جميل؟ خيالٌ نطارده ولا نمسكه؟ الإنسان لا يكون حراً، حتى في نومه، ذالك النوم البسيط.. هناك فقط تسقط القيود.”

ثم تنهد بعمق، ولكن أنت غير حر، وتابع وهو ينظر إلى كفّيه المرتجفتين: “الحرية التي يتحدثون عنها ليست سوى ورقة واهية، نغطي بها عجزنا أمام القدر ، نحن لا نسير، بل نُساق…نُساق إلى سجونٍ بأسماء براقة؛ العائلة، الهوية، والموروث.. كلها جدران تحاصرنا منذ الولادة.”

صمت قليلاً، ثم وجه نظره إليها مباشرة:

“أنتِ تقولين أنكِ طبيبة، وتظنين أن بإمكانكِ علاجي لأنكِ رأيتِ هذا الطريق من قبل.. لكنكِ تعلمين يقيناً أنه ينتهي دائماً بالعدم.”

وقفت إليانور أمامه، بنظرتها الواثقة وثباتها الذي لا يتزعزع، وردت بصوتٍ هادئ يحمل عرضاً للنجاة:

“أنا طبيبة يا سيباستيان.. ويمكنني علاجك ، أنا أعرض عليك المساعدة لأنني رأيت هذا الطريق قبلك، وأعرف أين ينتهي.”

تحركت ببطء نحو الباب، ثم توقفت لتمنحه المساحة التي يحتاجها: “أنا لست هنا لأجبرك على شيء.. القرار لك وحدك. فكر في الأمر، وسأتركك الآن لترتاح.”

قبل أن تصل إليانور إلى الباب، نهض سيباستيان بصعوبة مستنداً إلى حافة الأريكة، وسألها بصوت يملؤه الشك والتعجب: ” لماذا لماذا تودين مساعدتي ما الذي يجعلكِ تهتمين بغريب مثلي؟لماذا تحاولين إنقاذي؟” طوال حياتي لم يقل لي أحد هذا الكلام..

توقفت إليانور مكانها، وتصلب جسدها للحظة ، وفي تلك اللحظة سكن كل شيء حولها ، عادت بها الذاكرة قسراً إلى ذلك الحفل المشؤوم، إلى ملامح إدوارد وبياتريس الباردة وهم وهم ينسجون خيوط المؤامرة حول والدها، وكيف انتهى الأمر خلف القضبان، محطماً، حتى قضت عليه تلك الأدوية.

ذكريات مؤلمة دفنتها طويلاً ، قالت وصوتها يرتجف قبل أن تشتد نبرتها بقوة مفاجئة: “أنا فقدتُ أغلى من حياتي”.

تصمت لثانية، وتلمع عيناها ببريق حزين ، التفتت إليه ببطء وهي تنظر اليه، ثم تتابع

“كان أغلى إنسان في حياتي ، لقد أوقعه أشخاص بلا رحمة في فخ الإدمان، سلبوه كل شيء.. حتى روحه ، وشاهدته يموت أمام عيني بتلك السموم، دون أن أملك القوة لأنقذه.”

ينظر سيباستيان إليها بكسر، وعيناه تبحثان عن صدقٍ في ملامحها.. هل والدك هو من فقدتَ “إليانور أجابته “نعم”

تمسح دمعة متمردة فرّت من عينها، وتكمل بلهجة يملؤها الإصرار..
“لقد أقسمتُ منذ ذلك اليوم.. أنني سأحارب هذا السم في كل شخص أصادفه ، عالجتُ الكثيرين ونجحت ، لكنني سأظل دائماً تلك الطبيبة التي عجزت عن إنقاذ أغلى ما تملك، لهذا السبب أعرضُ عليك المساعدة.. ليس من أجلك فقط، بل من أجل تلك الطفلة التي لم تستطع يوماً أنقاذ أبيها.”

ساد الصمت في الغرفة، صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى صوت أنفاس سيباستيان المتعبة ، “سيباستيان.. أنا آسفة، وأنا أفهم تماماً حجم الفراغ الذي تشعر به، لكن هناك لا تعرفينه..”

قاطعها صوته المتحشرج، صوتٌ بدا وكأنه يخرج من بئر عميق من الألم: “يا إليانور، أنا لم يعد لديّ شيءٌ لأخسره.. ستسألينني إن كنت أريد العلاج؟”
ضحك بمرارة، ضحكة جافة خلت من أي روح، ثم تابع وهو يشيح بنظره عنها: “أنا شخصٌ ترك روحه في مكان بعيد منذ زمن طويل.. فلا تحاولي إصلاح جثة تطالب بالدفن.”

شدت إليانور على قبضة يدها خلف ظهرها رفضه كان عقبة أمام انتقامها الذي خططت له طويلاً ، لن تسمح له بالاستسلام، ليس قبل أن تستخدمه لكسر كبرياء العائلة التي دمرته.. سيباستيان رفع عينيه “يا إليانور لولا ذلك الحادث الليلة الماضية، لربما كنتُ الآن مجرد جثة تحت عجلات سيارة عابرة.”

أشاح بوجهه عنها وهو يضيف بمرارة: “انتهى الأمر.. لكن على العموم..

شكراً لأنكِ أنقذتِ حياتي، وشكراً على عرضكِ واهتمامكِ الذي لا أستحقه.”

دون أن ينتظر رداً، استدار سيباستيان وجرّ جسده المنهك نحو الباب ، كانت خطواته مترنحة ؛ وكأن الأرض تميد به، وكأن كل خطوة هي حملٌ ثقيل لا يقوى عليه.

وقبل أن تلمس يده مقبض الباب، شقّ صوت إليانور الجهوري السكون لم تلتفت إليه، بل ظلت تنظر من النافذة إلى الأفق البعيد وقالت بنبرة قاطعة هزت كيانه:

“الحياة حرب يا سيباستيان..”

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: ‏Be happy.

تدقيق، مراجعة وإشراف: رنين.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
1 التعليقات
احمد علي
احمد علي
1 ساعة

واووو، الصورة شبيهة بغلاف resdient evil 4 لكنها اكثر ثقلا وجدية من غلاف لعبة الجيل القديم، حقا يالها من صورة غلاف مذهلة !

سيباستيان ايضا اسما مميزا للغاية، ذكر في احد اجزاء نفس اللعبة ايضا ههههه، بالطبع الامر مجرد تشابه اسماء والاسماء يجوز استخدامها في اي وقت دون اية مشاكل.

القصة كئيبة عامة ورائعة، قصة عقلانية، بها الكثير من الجمل والاقوال الماثورة المؤلفة بعناية، انت تخطو خطوات عظيمة نحو الامام، تحتاج ان تكون اسرع واكثر جراة فقط، اراك تمتلك خيالا خصبا لكنك متحفظا في اظهاره، لاتقلق بشان الامر، ثق بنفسك فلازلت وليد اللحظة هنا، حاول فقط ان تكون سريعا ودمويا ومرعبا وساتابع كل ماينشر لك علي الفور، استطيع ان المح من الاسلوب الذين هم قادرون علي تقديم الرعب والدم باتقان، عامة، اتمني ان تحاول وتفعل ، وحتي لو لم تفعل، ربما ساعود انا وافعل عما قريب، هههههه ” لاتنسي هذا مزاح اخوي هااا “.. عمت مساءا

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x