حوريات وهران

بقلم : ميهرونيسا بربروس – الجزائر

قبيل انقضاء ثلث الليل الآخر , تراءت له على البعد امرأة جالسة على صخور البحر المتراكبة , لها شعر أشقر طويل تراقصه الرياح و ذراعين ناعمتين ترتدي ثوباً أبيضاً رقيقاً كأنما هو الرباب يتراءى من خلفه ساقاها الممتدان إلى الموج, و تمسك بيدها تعزف على قيثارة جميلة الإيقاع لحناً لم تُحِط أذناه بمثله عذوبة و دفئاً , فجلس يترنم ذلك اللحن البديع و المنظر الوديع ثم سرح بعينيه في الأفق يتعقب خيط الفجر يزداد وضوحاً و سطوعاً , و بينما هو كذلك حتى التفت إلى مكان الفتاة فإذا هي غادرت في حين غفلته و شروده , و إذا بصوت قيثارتها لم يتبقَّ منه إلا بعض نغيمات تداعب ذاكرته .

*** *** ***

كان سعيد شاباً في العقد الثاني من العمر و صياداً محترفاً و هبه الله صورة من أجمل الصور و أحسنها ، و كان شديد الفخر بنفسه و بمهارته محباً للبحر و غماره لا يكاد يفارق قاربه ساعة , حتى جاء اليوم الذي لمح فيه تلك الفتاة عند البحر فمكثت صورتها لا تفارقه ليله نهاره , فتردد مراراً إلى المكان الذي رآها فيه عله يجدها لكن يبدو أن لقاءه الأول بها كان الأخير , و مرت الأيام لينضب في قلبه آخر ما تبقى من ذلك الفيض الذي استهواه أياماً من زمان , و غدت حسناء البحر حكاية فجرٍ دابر .

و إذا به عائد ذات ليلة من الليالي من حفلة كانت في منزل صديق له , فتذكر أن له شبكة ماتزال ملقاة في البحر فهمَّ بالذهاب لسحبها فقعد به أنه ليل مظلم و المكان بعيد قليلاً , ثم أخذت الوساوس تعبث برأسه حتى أقامته من فراشه و مشت بقدميه صوب البحر فصوب الشبكة , و كانت كما هي على حالها فتقدم لسحبها و ما كان يحسبه ليجد شيئاً فيها , غير أنها كانت ثقيلة و كأن بها أطناناً من السمك , فكان يسحبها بصعوبة بالغة و كأن شيئاً آخر يسحبه حتى ليكاد يهوي به في الماء , فلم يثنه ذلك شيئاً بل زاد من إصراره و عزمه على رفعها , و من داخل الشبكة التي لم تزل الأمواج تلاطمها ظهر له ساقان , كان مندهشاً .. ما هذا الذي بالشبكة , هل يعقل أنه إنسان غارق .. من يدري 

 لكن سعيد لم يكن شاباً شجاعاً لدرجة أن يسحبها أكثر ليرى ما بداخلها ، و ما إن هم لينفض يديه منها حتى أحس بشيء يضطرب فيها , أمعن النظر في الماء فرأى من بين لجج الظلام يداً تمتد لتقبض على حبل من حبال الشبكة ، و إذا به يسمع صوتاً خافتاً بحّاً يقول أرجوك ارحمني , فعرف أن بها إنساناً ما يزال حياً , فتحامل على نفسه و حملها ما لا تكاد تطيق و سحب الشبكة إلى أعلى , تم سقط على الصخور تعباً منهكاً , لم يستغرق منه تعبه إلا بضع دقائق للراحة ثم قام ليتفقد صيده .

الليل جميل و البحر أجمل و النجوم أروع و الدنيا أعجب , مدت يدها إليه و قالت بصوتٍ أقرب إلى الصمت منه إلى سائر الأصوات : ساعدني يا سيدي .. ساعدنـ , و هنا انقطع نفسها و أغمي عليها .

 كانت هذه الفتاة داخل الشبكة هي بعينها الفتاة الحسناء التي لمحها في ذلك الليل على صخور البحر لكنها بدت هذه المرة شاحبة متألمة كأنما هي عائدة لتوها من موت محقق , أهاج في قلب سعيد ما رأى من حب كامن و وله طالما تناساه و عادت به هذه اللحظة لسابقتها من تلك الليلة بسمائها و لحافها الداكن السواد المرصّع بالنجوم , و نسماتها الهبَّابة الباردة و قمرها الوضاء الساطع و بحرها اللمّاع الهائج و صخوره الملساء التى تصارعها أمواجه فتصدها فلا تستطيع لها هضماً , و حسنائه المتهللة العازفة , و لحنها الوديع و فجرها البديع .

لم يجد سعيد بداً من أن يحمل الفتاة إلى المستشفى و ما إن هم بحملها حتى استيقظت و رأته بجانبها فقالت له : لا تأخذني إلى أي مكان يا سيدي , دعني هنا و سأكون شاكرة لك فضلك ما تبقى من حياتي , فاشتد عجباً لكلامها و قال : ما لك يا آنسة ؟ يبدو أنك لست بخير , و أخشى عليك إن تركتك هنا أن يصيبك مكروه , ثم تدارك و سألها : أم أنك تنتظرين شخصاً هنا ؟ 

فلم تجب على سؤاله و جلست صامتة فلم يكن له أن يقابل الصمت بشيء غير الصمت فوجم صامتا يتفحص في وجهها و يعيد في ذاكرته تلك الأماني الرقاق , و إذا به شارداً في أفكاره حتى رآها تشهق شهقات متتابعات كأنها تسترجع نفسها , ففتح حقيبته و أخذ منها قنينة ماء و أشربها منها فعاد إليها نفسها فشكرته ملوحةً برأسها و اعتدلت في جلستها و قالت : ما كنت أتمنى أن يراني أحد يا سيدي بل لم أكن أرغب أن يعلم إنسان بوجودي , فابتسم و قال : لقد مضى أكثر من شهرين مذ رأيتك , فالتفتت إليه مستغربة , فواصل قائلاً : 

كان الفجر لم يطلع بعد و كنت أتجول في الأرجاء فلمحتك هناك _ و أشار إلى الصخور التي عند البحر _ كنت تعزفين على قيثارة لحناً جميلاً شجياً لم أسمع في حياتي كلها لحناً أشجى منه و لا أروع ، فشعرت أنه يمتزج بشيء ما في روحي , فمكثت أراقبك وقتاً ما كان بطويل و لا بقصير , و سرعان ما شرد ذهني في شيء لم أعد أتذكره فالتفت إليك فلم أجدك , فلم أنْفَكًّ متعلقاً بخيالك الذي ما كان يفارقني لحظة واحدة , و ترددت إلى المكان الذي رأيتك فيه أملاً أن ألقاك مرة أخرى لكن لم يكتب لي أن أراك مجدداً إلا اليوم و في هذا الحال .

فصمتت قليلاً ثم قالت : إنه لمن أعجب العجب أنك لم تجد هذا غريباً .
فقال : ما تقصدين ؟
قالت : أعني أنك رأيتني أعزف عند البحر في وقت متأخر و في جو بارد ثم وبعد مرور شهرين تجدني في شبكتك التي كانت داخل الماء حية , ألا يبدو لك هذا غريباً ؟
و ما إن حرك شفتيه يريد الحديث حتى قاطعته قائلةً : أنا لست ببشرية يا سعيد

لم يكن سعيد ليستغرق أقل من دقائق ليفهم معنى كلامها , لكنه لم ينتظر حتى يحط بذلك علمه , فانتفض من مكانه يريد الهرب لكنها أمسكت بيده و جذبتها إليها و قالت : أستتركني يا سعيد , و بعد كل هذا ؟ يا لك من شاب بسيط , لولا أني ما لمست فيك طيبتك و بساطتك ما كنت لأخبرك بحقيقتي , و وضعت يديها عل كتفيه و قالت : أتحبني يا سعيد , فتضعضع و خضع لها و قال : أحببتك منذ اللحظة التي رأيتك فيها , فشابكت أصابعها بأصابعه و أمسكت عليها بقوة و قالت إذاً عليك أن تسمعني حتى النهاية , و شرعت تقص قائلة : 

في زمن غابر كانت حوريات البحر تظهر نفسها للإنسان و تتعامل معه و تتعايش , و بموجب عهد قام بيننا و بين بني البشر كانت الحوريات تساعدن الإنسان لحل مشاكله في أعماق البحر , فكن تساعدن ربان السفن و البواخر لخوض غمار المحيطات و استخراج الكنوز من أعماق البحار و تنقذن السفن من الغرق و تنلن بذلك حقوقاً على الأرض , لكن مع مضي الزمن أصبح الإنسان ينقض العهود و لا يفي بالوعود فنقض عهدنا و أخلف و عدنا و أصبح يستغلنا في مصالحه الشخصية التي لا تدر على المخلوقات الأخرى بفائدة , فاصطادنا و سجننا و اتخذنا سلعاً يجني أموالاً طائلة مقابل بيعنا أو عرضنا في الأسواق و الاحتفالات , و منذ ذلك الوقت أصبحت الحوريات يتخفين على أعين البشر حتى نسوهن و لم يعودوا يذكرون من سالف أمرهن إلا أساطيراً عفا عنها الزمن .

لم يقتنع الفتى بقصتها و لم يكن ليعتقد إلا أنها مجرد خرافة , فقال لها ساخراً : و لما عدت و أظهرت نفسك للإنسان ؟
فقالت : أعرف أنك لن تصدقني مهما قلت لك ففي النهاية أنت بشري .
قال سعيد : إن قلنا أن هذه القصة صحيحة فعليك أن تثبتي لي أنك عروس البحر فعلاً .
فابتسمت و قالت : ما توقعت إلا أن تقول هذا , و سأثبت لك أنني أستطيع أن أتنفس تحت الماء .

و فصلت يدها عن يده و قفزت في البحر و اختفت في عبابه , حاول الشاب اللحاق بها لكنه لم يحتمل صقع الماء فوقف على الصخور العالية يناديها بصوت محزون بائس و ينشدها أن تترفق بنفسها و تعود إلى اليابسة , لكن لم يكن لذلك جدوى فجلس يبكي و ينتحب و يلوم نفسه على ما دفع إليه الفتاة المسكينة , فهو كذلك حتى انقضى ثلث الليل الثاني و إذا به يرى شيئاً يتقلب بين الأمواج و إذا به يقترب شيئا فشيئاً حتى بات يراه بوضوح , فإذا بها الفتاة تلوح له بقيثارة في يدها .

أعجب سعيد ما رأى , لكنه ظل مترنحاً بين تصديقها تصديقاً تاماً أو تكذيبها تكذيباً تاماً , خرجت الحورية من الماء و ضربت بأناملها على أوتار قيثارتها لحناً قصيراً ثم قالت للفتى : أصدقتني الآن ؟ فهز بكفيه أن لا أدري , ثم نظر إليها بعيون يغمرها الحزن و الحيرة معاً و قال : أعائدة إلى البحر أنت , فمتى أراكِ ؟ رفعت الحورية عينيها إلى عينيه فرأت دمعة تترقرق بين جفونهما يحاول جاهداً منعها من النزول فلا يقدر , فقالت له : رويدك يا فتى , فللقصة تكملة يجب أن تدري بها , و أنشأت تقول : 

نقض البشر عهدهم و غدروا بنا فأصبحت الحوريات لا تظهرن أنفسهن لهم و ذلك منذ زمن بعيد , هذا الفعل المقدم عليه من طرف الإنسان دفع الحوريات لحل الميثاق المعقود من طرفهن و كانت خطوة تتبعها عواقب وخيمة كن على دراية بها , فقدت الحوريات قدرتهن على التنفس خارج البحر إلا ليلتين من كل شهر متى كان القمر أحدباً و أثناء ثلث الليل الآخر حينها يمنحن أقداماً كأقدام البشر و يستطعن استنشاق الهواء الذي طالما يشعرن بالحنين إليه و كان عليهن العودة إلى الماء قبل بزوغ الفجر

 لقد حقّ علينا العقاب نحن معشر الحوريات جزاء حل العهود و أي عهد هو عهد يبقينا للإنسان عبيدا بلا حرية و لا ثمن , لكن البشر لم يعاقَبوا على خذلانهم و خيانتهم و هاهم أوُلاءِ يتابعون حياتهم كما كانت كأن لا شيء كان ، بل و ازدادوا إفساداً لما على الأرض و ما فيها و لما تحت البحر يعوم و لما في السماء يحوم , و أنا يا سعيد … و تنهدت بعمق ثم واصلت :

 كان علي ان آخذ بنصيبي من ثمار خطيئة أسلافي , رأيتني يا سعيد حيث ما كان ينبغي أن تراني و لا أن تدري بوجودي , فلم يعد لي أن أعيش في البحر موطني , فسلبت ذيلي و فقد جلدي تدريجياً قوته على البقاء مدة طويلة تحت الماء بينما لم أفقد قدرتي على التنفس فيه , جزاء كل حورية رآها إنسان .

ظل سعيد مطرقا برأسه و هو يستمع إليها و عندما أنهت كلامها رفع رأسه إليها و ابتسم و قال : ليس لي أن أدعك هنا وحدك و ليس أمامك إلا أن تأتي معي إلى بيتي فأنا أسكن وحدي و لا تخافي فلن أمسك بسوء أبداً .

اصطحب سعيد الفتاة إلى بيته و أمن لها الطعام و الشراب .

*** *** ***

جلس سعيد إلى الحورية و أخذ يحدثها عن يومه كيف كان ثم جرَّ الحديث بعضه إلى أن قال لها : تعلمين أنه من غير الممكن أن تبقي هنا لفترة طويلة و ما أنا بقادر على إبقائك و لا على فراقك و قد مرت أربعة أيام مذ جئت إلى بيتي و طالما أنك أحببتني أيضاً فأريد أن أعرض عليك الزواج لتبقي معي مدى الحياة بقاءً لا شكاً فيه و لا ريبة 

و ما إن وصل في الحديث إلى هذا الحد حتى اضطربت و تغيرت ملامح و جهها لكنها تمالكت و قالت : أما و قد ملك حبك علي روحي و جناني فلا أريد إلا أن ألازمك ما تبقى من حياتي و حياتك , أن ألازم إلى الأبد شخصاً لم يلحق بي سوءاً طوال مكثي عنده و هو يعلم أني في دار غربة , لا من يعرفني و لا من يعترف بي , و إنه ليغص في صدري ألا أستطيع أن أقابل إحسان هذا الحبيب بإحسان إلا أن ألف له مشاعر حب في قلبي و أتمتم بكلمات شكر لإحسانه , فأمسك الفتى بيدها و قال :

 كنتُ طوال هذه الفترة أرى حزنا في عينيك و لا أقدر أن أخمن ما سببه , و يكفيني منك يا حوريتي حبك لي بينك و بين نفسك , فسحبت يدها من يده ببطء و قالت : و لو كان حباً يائساً ؟ فتعجب و قال : ما الشيء الذي تخفينه عني ؟ فأكبت تبكي و تقول محال أن أتزوج بشرياً هو بمثابة عدو لدود لبني جنسنا , ذلك الغل في أعناقنا يلغي عهود الحب و الوفاء له , و ما السبيل لسعادتنا إلا سبيلاً تأباه و آباه على كرامتك حباً فيك .

أصر الفتى على استنطاق الحورية و لم يرض منها بعبرات تسكبها تبعاً عن سكات ، فما كان منها إلا أن تصب في مسامعه هموم صدرها فمسحت عنها الدموع و أنشأت تقول : لم يكن خروجي من البحر خروج حياة و خير , فالخطيئة لا تعفو و البحر لا يرحم , فقد طردت من البحر طرداً , ليس لي أن أحيا خارجه و لا أن أعود إليه إلا في حالة واحدة , ثم صمتت هنيهة و نظرت إليه فقال لها : و ماهي ؟ , فتابعت تقول : عليَّ أن أجلبك معي إلى أعماق البحر لتتحول و يصبح لك ذيل كذيل الحورية و ذلك ليلة الأحدب السادس بعد الليلة التي رأيتني فيها و إلا فإنني سوف أموت في الليلة نفسها 

 صمت سعيد لفترة ليست بقصيرة ثم قال : فهمت إذاً ما تريدين مني , فقالت مرتبكة : ما أريد منك يا سعيد إلا أن تكون سعيداً و ما سعادتك في حبك لتقاس بسعادتك في عالمك مع أهلك و قومك , فانتفض من مكانه و قال : أَفَتَرَيْنَ أنني سأكون سعيداً بدونك , فقاطعته قائلة : لم أقل أنك ستكون سعيداً بدوني , و لكنك لن تكون سعيداً معي في عالم هو غير عالمك و مع قوم غير قومك 

 فقال و الدموع محتجرة في عينيه : أنتِ عالمي و أنتِ قومي , لست لأحب عالماً لست فيه , أفتظنين أنك إن فارقت حياتك فإني سأهنأ بحياتي , لقد أسأت التقدير فوقتها سأغدو مخلوقاً آخر كأن لا عهد له بالإنسية و لا عهد لها به , سأبغض عائلتي و قومي و أرضي و سمائي و قلبي و روحي و عيناي التي رأينك و كن سبباً في تعاستك , و الغد ليلة القمر الأحدب .. سآتي معك و سأفسخ انتمائي للبشر من أجل الحب , فأطرقت و قالت : لو حسبتك ستقول هذا لما قصصت عليك قصتي … فأغلق بيده على فيها و قال : سآتي معك .

*** *** ***

انقشعت الظلمة و قطعت سيوف الشمس ما تبقى من آثارها , ثم لم تلبث أن غلبت من جديد و ساد الصمت و خيم السكون , و ازدادت النجوم بريقًا و رصانة كأنما تحدق جميعها إلى وجه القمر الأحدب و هو ينغص على الظلام فرحته برقعة استلبها منه فملأها نوراً , و دخل آخر الليل مختالاً بين هذا الحشد الذي رص بين أعطافه كل صور الجمال , و هب نسيم البحر النقي .. اقشعرت الأبدان و اضطربت الأذهان و أمسك الحبيبان بيدي بعضهما بقوة يخافان أن ينفكا فيتيهان على حدا في الظلام , و قفزا في البحر ليغوصا إلى أعماقه .

من كان يدري أن البحر بهذا الجمال في داخله , كان سعيد يحدث نفسه و هو قابض على يد الحورية التى ما لبثت أن عاد لها ذيلها , و يا للعجب .. إنه يتنفس تحت الماء , هكذا نحن البشر لا نبصر إلا سطحيات الأمور فنخدع بالمظهر عن الجوهر , إن البحر أجمل في أعماقه , بأعشابه و مرجانه و رماله و حيتانه و كل ما فيه ..

 لم يكن بمقدور الفتى أن يبعد ناظريه عن المخلوقات الجميلة و المتنوعة التي تعيش بانسجام في هذا العالم المستقل , و التي يتبع الواحد منها المجموعة , و كانت خيوط الشمس المتسربة تنير الماء بشكل تدريجي تضفي طابعاً من الجمال على هذه الأعماق التي تتراقص فيها الألوان قاتمها و فاتحها جميعاً في لوحة فنية تتملك أزمة النفس فلا يجد الواحد نفسه منفكاً عن تتبعها أين ما صالت و جالت , إننا معشر البشر لا نرى البحر إلا كما نرى المرآة الصقيلة , فهي ترانا حيث نزعم أننا نراها , فإننا لا نرى فيها إلا صوراً مسمطة بلا روح , و لو نظرنا إلى البحر بغير العين التي ننظر بها إليه كل يوم , لرأينا شيئاً عز أن نراه , و لرأينا في تلك المرآة أرواحنا بدل أبداننا .

و أخذت الحورية تغوص بالفتى أعمق فأعمق , حتى بدأ نور الشمس يتلاشى شيئاً فشيئاً ، و إذا به يحس برعدة خفيفة في جسده ثم و كأن قدميه مخدرتين و إذا به يكلم الحورية فلا ترد و لا تلتفت إليه , و هنا انتابه شعور مريع خليط من البرودة و الحرارة يتصاعد إلى جسمه بدءاً من أخمص قدميه , حاول أن يزيح عن ناظريه شيئاً من غشاوة الظلام و ينظر إلى رجليه فإذا هو يرى بدلاً منهما قطعتين من الخزف .. نظر حوله فإذا هو محاط بحشد من الحوريات يحدقن إليه تحديقا مخيفاً , حاول أن يتكلم لكنه لم يملك لذلك جهداً , و لم يلبث أن بدأ نفسه يضيق ببطء فأخذ يقلب عينيه يفتش عن حبيبته الحورية حتى وقعت عيناه عليها ..

و إذا به يرى فيها وجهاً غير الوجه الذي يعرفه و صورة لا عهد له بها منها تنظر إليه نظرات شزراء يتطاير منها ما هو أقرب إلى شواظ النيران منه إلى أنوار الحب , كأنما تستعجل إحراقه كي لا ترى منه حتى جثمانه , أظلم كل شيء في قلبه و ضاقت به الدنيا بما رحبت و تمنى لو لم يولد ليرى هذا اليوم الذي نكبه في حبه و قلبه و جسده و روحه جميعاً ، فغدى في لحظة واحدة صفر اليدين من كل شيء فلا هو فوق الأرض و لا هو تحت الماء و يا حسرته و هو يرى الحوريات تسخرن منه و تصفقن و تغنين و من بينهن حوريته ، و بدأت أطرافه تتجمد و الموت يتسلل إلى قلبه شيئاً فشيئاً , و إذا بالحوريات تهتفن بنبرات ملحونة : 

عفا الزمن عن خطاياكم يا بني البشر و لكن البحر حقود , إنه أقسى من أرواحكم و أكثر منها يأساً , سلبتمونا حريتنا و جعلتم حياتنا غصة في صدورنا , نقضتم عهودكم و جعلتموها في أعناقنا غلاً و في أقدامنا وحلاً , أفحسبتم أنًّا بغافرين لكم زلاتكم , فهذا جزاء من أخلف الوعود و حل العهود , فبئس العهد عهدكم و بئس الجزاء جزاؤكم .

*** *** ***

الآن في الأعماق المجهولة للبحر الأبيض المتوسط يقوم تمثال خزفي شامخ لشاب ذي وجه جميل بهي , تزور حوريات وهران   هذا التمثال كلما صادف التاريخ اليوم التاسع من شهر آذار لتخليد ذكرى إغوائهن الشاب التعيس , و تلبسن رأسه الخزفي الأصم إكليلاً من عشب البحر , فإذا سرت ذات ليلة من الليالي على شواطئ مدينة وهران و لمحت امرأة لا تحسبها إلا الملاك حسناً و بهاءً , فاحذر أن تنساق خلف دقات قلب تودي بك إلى مصيرٍ مشؤوم .

 

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

47 تعليقات
ليفاي
ليفاي
5 سنوات

الذي اعجبني في القصة هي النهاية الصادمة و الغير متوقعة لكن هذا لا يمنع أن ذلك الشاب

القلب الحزين
القلب الحزين
5 سنوات

النهاية صادمة بصراحة.

ميهرونيسا بربروس
ميهرونيسا بربروس
8 سنوات

mqr
روح الجميلة
أحلام
Azainall2020
شكرا لكم و اتمنى ان ارى تعليقاتكم على قصصي
حمزة
و لو

الوفية لكابوس
عزيزتي لقد كنت أنتظر تعليقك بفارغ الصبر , و هذا لإعجابي الشديد بالتعليقات التي تكتبينها هنا و هناك لما أجد فيها من وعي , أتمنى ان لا تحرميني تعليقاتك في مواضيعي , شكرا لكي , تعليقك أسعدني جدا , صحيح اسم حورية من اكثر الأسماء انتشارا عندنا في الجزائر و منذ القدم أيضا , أما عن أنهم سيتوقفون عن التسمية به لمجرد قراءة قصتي فلا اعتقد ذلك ههه فكما تعلمين لأجدادنا اصرار لا يضاهيه اصرار و الحاجة القديمة عمرها لا تروح ههه نشا الله يبقى فأنا أيضا أحب اسم حورية .
عزيزتي أنا لست من وهران لكني أجدها جميلة كما أنني من هواة التاريخ و أضنك تشاركينني هذا , اخترت وهران عشوائيا لأن العنوان فرض نفسه قبل أن أفكر بالقصة .
و دمت بهناء و ود و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

آسفةعلى تأخر ردودي

الوفية لكابوس
الوفية لكابوس
8 سنوات

في الحقيقة أول ما وجدت اسمك قرأتها على طول لاني سبق وأن أعجبت بقصتك السابقة رسالة من عيون قرطاج وموضوعها الذي نفضت عنه غبار الزمن،فوجدتها منذ البداية ساحرة مع أنها حزينة في النهاية لكن فيها عبرة أن لا يثق المرئ بالغرباء ولا ينخدع بجمال الشكل،حسنا في أغلب القصص نجد المرأة هي ضحية الخداع من طرف ذئب بشري ما،لكن هذه المرة جعلت في قصتك الشاب سعيد تعيس الحظ هذا ضحية خدعة نسجتها له حورية حسناء،كما اني لأول مرة أقرأ قصة تصور الحوريات شريرات حتى انني انخدعت مثلما انخدع سعيد المسكين وكنت أظن أنه سيعيش معها وأنه سيأتي يوما لايطيق فيه التأقلم مع حياته الجديدة وينقض العهد هو الآخر ويرجع لليابسة….لكنك خدعتنا وراوغتنا،ههههه فأحسنت خيالا وحبكة .
اسم حورية كم أعشقه وعندي في عائلتي قريبة مقربةلي بهذا الاسم ،فهو منتشر في الجزائر بكثرة ومنذ القدم لا أدري لماذا؟!هل ربما يعود السبب لحب أجدادنا لقصص حوريات البحر ياترى ؟عموما أنا متأكدة لو أنهم قرأوا قصتك هذه ماأقدموا بعدها على تسمية بعض بناتهم بحورية،أبدا،هههه.
سؤال حبيبتي لماذا اخترت مدينة وهران بالذات ،طبعا هي الباهية بلا منازع،لكن هل أنت من وهران لذا اخترتها كمكان لقصتك ؟واه ولا راني غالطة حبيبتي.
أخيرا وليس آخرا مواضيعك شيقة وجميلة وأسلوبك كذلك ،اتمنى لو تستمري عزيزتي في امتاعنا بالمزيد من القصص.
دمت طيبة ومتألقة وبربروسية.

محمد بن صالح
محمد بن صالح
8 سنوات

حمزة .. الحمد لله أنني رأيت تعليقك لأرد عليك .. على كل حال , أشكرك من جديد على كلماتك الطيبة , وأنا ممتن لك أخي العزيز .. أما عن ملاحظتك : أولا يا عزيزي انا لا أحتقر نفسي ولست فاشلا , نعم لست راضيا عن نفسي كليا , لكنني سعيد في حياتي .. كنت أود أن تلتقي معي في الواقع لتعرف كيف أثق بنفسي , ويمكن أن أقول لك أن الحياة علمتني ما لم اتعلمه في طاولات المدارس .. منذ أن كان عمري ثلاثة عشر سنة إعتمدت على نفسي وأنا بعيد عن أسرتي بعذر الدراسة إلى من أيام عطل طبعا , والآن أنا فوق العشرين ومازلت كذلك وأعود إلى البيت في كل مساء ولا أجد الأكل جاهز هههه أما موضوع الألقاب والمديح , لم يكن قصدي أنني لا أحب أن أتلقى المديح , لا , ومن منا لا يحب ذلك هههه إنما في بعض المرات أرى نفسي ببساطة لا أستحقه لكنني أقدر صاحبه .. والألقاب أيضا لن أمنع أحدا أن يطلق علي لقبا , بالعكس سأكون سعيدا بذلك , وأعجبني لقب مهندس الكلمات ههههه, لكن كان قصدي أنني أحب اسمي هكذا .. على كل حال , لا ألومك فيما فهمته في تعليقاتي .. المهم ذاك البريد في التعليق السابق غير مكتمل وستجد البريد الكامل في أعلى القصص المنشورة لي , ويسعدني أن تتواصل معي عبره .. شكرا لك أخي على اهتمامك وتحياتي لك

Azainall2020
Azainall2020
8 سنوات

قصة رائعة .. الوصف سحرني بشده .. تسلسل الأحداث .. موضوع القصة .. عنوان القصة … إلخ
جميعها رائعة ومميزة فريدة من نوعها أهنيك أختي على هذا الإبداع إن قصتك تلامس القلب حقًا ~❤~
تـ ح ـياتي ~❤~

حمزة
حمزة
8 سنوات

اختي ميهرونيسا بربروس شكر ا على ردك في انتظار جديدك ……اخي الكريم محمد بن صالح لا اعرف لمادا تحتقر نفسك في تعلبقاتك وقلت انك لا تستحق المديح والالقاب فاانا ارى انك انسان مثقف وواعي وكتاباتك هادفة وتستحق كل المديح …..في انظار ان تعود للكتابة شكرا على ردك اخي

احلام
احلام
8 سنوات

عزيزتي ميهرونيسا قصتك جميلة و اسوبك جميل ايضا من منا لم يعشق قصص الحوريات ويتمنى ان يعيش حياتهن رغم معرفتنا انها محظ خيال ….. نهاية محزنة للشاب الذي ضحى بنفسه و دفع ثمن غدر اسلافه …احسنتي

روح الجميلة
روح الجميلة
8 سنوات

قصة جميلة جداً … منذ مده لابئس بها كنت أحب شيئ يسمى حورية بحر لدرجة أنني أتخيل أنني كالحورية أسبح بالمحيط ههههه

تحياتي لكِ

mqr
mqr
8 سنوات

احببت النهايه التعيسة للقصة

ميهرونيسا بربروس
ميهرونيسا بربروس
8 سنوات

ايلول
لا بأس عزيزتي يسعدني ذلك , كأننا عائلة هههه

هديل
شكرا لملاحظاتك الهامة , أنا أيضا عندما أعيد قراءتها أحس بصدمة فيها , لكن لم أعرف اين بالضبط, شكرا لكي ثانية

حطام
هههه دوكا تشوفي , خلاص تمت ؟ يعني لازم تقطعيلي الحوار أو لن ينقطع أبدا , شكرا على الملاحظة هههههههههههههه
نكملوا في المقهى وقت آخر هههه

البراء
شكرا جزيلا , سأكون مترددة في قراءتها بعد سيناريو الرعب من طرف حطام ههه امزح

رحاب
شكرا لكي جزيلا عزيزتي , و أنا صغيرة كنت دائمة الشغف بحكاية عروس البحر , حتى انني كنت ادعي رؤيتها عند البحر هههههه اوهام الطفولة

محمد بن صالح
انتظر قصتك القادمة بفارغ الصبر ” تحت قناديل الشارع ” عنوان رائع و رنان
تحياتي لك ايضا

محمد بن صالح
محمد بن صالح
8 سنوات

حطام .. لا يا أختي لن أفعلها أمزح معك فقط , لكن بصراحة أحب تلك الشخصية لأنني كتبتها بصدق شديد , وهي قصة جديدة مع – رائحة الفناء – أما الباقي فهو قديم قليلا , أي كتبته منذ مدة , فقط أعدت نشره في هذا الموقع .. شكرا على اهتمامك جارتي العزيزة

البراء .. لا تقل ذلك يا أخي , يسعدني الحديث مع الجميع , أما موضوع الثقة بنفس : فقد فكنت أمزح مع حطام لا أكثر .. تحياتي لك

حمزة .. شكر لك يا أخي على سؤالك عني , أنا بخير ولله الحمد .. يمكنك التواصل معي عبر هذا البريد bensalahsimo018@gmail.com .. وأنا ممتن لك على كلماتك ويسعدني أنك بأنتظار اسمي , وتوقفت عند عبارة مهندس الكلمات وفقد أدب الرعب نكهته hh والله أخجلتني يا هذا .. وبصراحة لا احب الألقاب والتصنيفات ولا حتى كثرة المديح , لكن هذا من كرمك طبعا , وما أنا إلى ذاك المغربي الأمازيغي التائه في المواقع العربية منذ أيام العز لموقع ” ستار تايمز ” شكرا لك مرة أخرى وأرجو أن لا أخيب آمالك يوما .. تحياتي لك

مهرونيسا .. إذا تريدين جمع عدد كبير من التعليقات على ضهري أنا hh / هنا مغنتفهموش / أمزح فقط عزيزتي , على كل حال , سعيد جدا بنقاش معكم جميعا
تحياتي واحترامي

رحاب
رحاب
8 سنوات

قصه جميله جدا مليئه بالكلمات الرائعه ونهايتها صادمه ذكرتني عندنا بمصر لما كانو يقولوا عروسه البحر غداره وبتاخد الشباب وماترجعهم وتموتهم وهي فعلا كذلك القصه رائعه جدا سلمت ايديك عليها موفقه

هديل
هديل
8 سنوات

قصة رائعة كلمات جميلة والتشابيه في بدايتها كانت رائعة ولكن حين وصلتي للقاء بين سعيد والحورية تغير اسلوبك وبعدها عدتي للكلام الرائع عن المظاهر. احببت ان ألفت نظرك لهذا. لأنك بالفعل كاتبة ممتازة والكلمات روعة ولكن هناك. خلل بسيط واصلي بالكتابة فأنا معجبة بأسلوبك.
تقبلي مروري ونقضي عزيزتي وبالنهاية هذا رأي الشخصي اتمنى منك ان تتحفينا بالمزيد
تقبلي مروري عزيزتي

البراء
البراء
8 سنوات

نُشرت لي أكثر من قصة هنا.. سأرشح لكي منها قصة “للندم طعم مر”.. وقصة “ثرثرة تحت الأرض”.. وربما قصة “يسمونها الأرض” وقصة “الكوخ”
أنا أخمن ذوقكِ الأن ههههه.. آخر قصة نُشرت لي كانت قصة “الساعة”.. هي طويلة ولكن إذا كنتِ من محبي الغموض ستحبينها بالتأكيد.. ويمكنكِ الولوج لجميع قصصي بالترتيب من الأحدث للأقدم من القسم الذي يوجد تحت كل قصة -قصص أخری للكاتب-
أعتذر علی الإطالة ولكن أنتِ من سألتي هههه..
بإنتظار القصص القادمة منكِ ومن الجميع.. بالتوفيق جميعاً.

حطام
حطام
8 سنوات

ميهرونيسا
هههههه قتلتني ضحكا ههههه..بالنسبة للقب شكرا جزيلا تسلمي لكن اعتدت على لقبي والجميع يعرفني به…إذا فكرت بتغييره يوما سيكون تألق أعدك….والتعاليق أجل هل رأيتي تعاليقه؟أخبرته أنني انا أيضا لا أستطيع مجاراته…أما تعاليقي فعادية جدا…قصص البراء ستؤدي بك لمشفى الأمراض النفسية لأنها تمزج بين الذكاء وقوة الحبكة وأحيانا التعقيد..عدا عن الأسلوب المتقن…ستودي بعقلك هههه..اسمك جنااات هههه إيه عجبني نفرق فيه هههه…وانا سعدت بالحديث معك خلاص تمت إلى لقاء آخر عزيزتي..

ميسا ميسا
ههههه..لا خلي حطام أحسن..وشكرا على كلمة كاتبة..تسلمي عزيزتي..

ميسا ميسا
ميسا ميسا
8 سنوات

حطام
مهرونيسا
محمد بن صالح
الكتاب المحترفين في نقاش , يعني لازم تحسسوني بعجزي , ايه عليك يا ميسون راحت عليك
و انتي حطام يعني لو تكرمتي ممكن تعطيني اسم حطام و تغيريه بتألق ؟ ههههههههههههههه امزح حبيبتي

زر الذهاب إلى الأعلى