أشباح الإخوة الستة

بقلم : كوثر”ب” – المغرب
للتواصل : benerrkawtar@gmail.com

كانت الساعة تشير إلى الثالثة إلا ربع صباحا ، كان السكون يعم الأرجاء ، وحفيف أوراق الأشجار في الغابة المجاورة يعزف لحنا مخيفا بشكل متناغم مع صوت أمواج البحر، لم يكن ذلك الصوت مفزعا إلا في المرة الأولى التي زرت فيها بيت جدتي “كاثرين” ، وبعدها مباشرة يمكنني أن أخبركم أنني كنت قد تعودت عليه وصرت لا أنام إلا على أنغامه، كما الطفل الصغير الذي لا يطيب نومه إلا بغناء أمه لأغنيته المفضلة.

لكن تلك الليلة كانت مختلفة عن الليالي التي سبقتها ، فهذه أول مرة أقضي فيها الليل وحيدة في هذا المنزل… المنزل الذي لطالما سمعت عنه قصصا يشيب لها الولدان وتقشعر لها الأبدان.

ولكنني لم أحظى صراحة بفرصة رؤية ذلك الشيء أو سماعه أو حتى الشعور به ، فطيلة السنوات العشرين التي كنت أقضيها كإجازة في ضيافة جدتي لم أشعر بشيء غريب كما تعودت أذني ان تسمع من العائلة والجيران… ولحدود تلك الليلة كنت أحسب أن كل ما سمعت وكل ما قيل مجرد إشاعات وقصص خيالية لا أقل ولا أكثر.

***

كان بيت الجدة كاثرين رحبا واسعا كالقصر، إمتلكته عائلة أبي لما يزيد عن قرن من الزمان ، كان ذا اعمدة عالية وبوابة خشبية عتيقة تصدر صوت صرير مزعج كلما فتحت أو غلقت ، كانت النوافذ هي الأخرى من الخشب البني الداكن طولها كعرضها يتوسط إطارها الخشبي زجاج خشن باللونين الأزرق والأحمر ومزينة بقطع زجاجية أخرى خضراء.

الردهة بدورها مبلطة بالخشب البني الفاتح، فسيحة واسعة سقفها عالٍ تسمع فيها صدى صوتك رغم أنها مملوؤة عن آخرها بالأثاث العتيق الذي لطالما إحتفظت به عائلة والدي من جيل لجيل، لم يحتوي الطابق الأول سوى على صالة كبيرة مفروشة بشكل كلاسيكي ومكتبة في الزاوية تكاد تنفجر من الكتب والمجلدات ، ومطبخ متوسط الحجم مقارنة بذلك الموجود في الطابق السفلي، إلى جانب حمام كبيرللضيوف وغرفتين فارغتين.

الطابق الثاني لم أدخله قط فقد كان دائما مغلقا بعدة أقفال ولم اعرف يوما السبب ، إلا ان هذا لم يمنعني وانا الفضولية منذ نعومة اظافري ان القي عليه نظرة ولو صغيرة قبل سنتين عندما فتحته جدتي و ادخلت له بعد اللوحات وحقيبة سوداء متوسطة الحجم ، كان الطابق مملوءا بالغبار إلى حد الضباب لكنه كان مليئا بالاغراض المختلفة والخردة لكن ما اثار انتباهي كانت تلك الخناجر النحاسية الستة المعلقة على الحائط ، ترى ماقصتها؟!..

تنتشر غرف النوم في الطابق الثالث ، فكل واحدة تحتوي على حمام وخزانة ملابس ، لم أقم بعدّها من قبل لكن لاشك أنها تتعدى العشرين غرفة، لا تستغربوا من عدد غرف النوم فقد كان جدي الأكبر يسكن مع زوجته وأولاده وبنفس الطريقة تزوج الأبناء في نفس البيت و زوجوا أبنائهم بدورهم وسكنوا مع بعضهم البعض تحت سقف واحد.

حسب رواية جدتي فقد كان البيت في ذلك الوقت عبارة عن كوخ صغير يتكون من غرفة نوم و غرفة معيشة و مطبخ وحمام صغير لا أقل ولا أكثر، لكن مع ازدياد عدد السكان قام جدي و بعده أبناؤه وبعده أحفاده بعمليات توسيع امتدت لسنوات حسب الحاجة، إلى ان صار البيت على ماهو عليه الآن.

قالت جدتي أيضا أن أعمال التوسع استلزمت شراء عدة أراضي مجاورة لكوخ الجد الأكبر “إيمانويل” في مناسبات مختلفة آخرها كانت أرض ذات مساحة شاسعة عن يمين المنزل تعود “للكولونيل جون ميك آدامز”  الذي كان قد مات قبل بيع أرضه من طرف الورثة بأربعين يوم فقط!

إلى جانب ظرف الوقت الوجيز الذي بيعت فيه الارض بعد وفاة مالكها ، الأغرب أنها بيعت بثمن جد زهيد! كما لو أن مالكيها كانوا يريدون فقط التخلص منها.
بعد مرور ثلاثة أشهر على عملية الشراء، وفي يوم شديد الحر بدأ أحد الأحفاد – وهو جدي الثالث – بحفر الأساس الذي ستقوم عليه الملحقة التي ستنضاف إلى المنزل في ذلك الوقت،

في اليوم الأول من الأشغال وجد جدي الثالث تحت ثلاثة أمتار من الطين جرة بالية، عجب لأمرها ولم يرد فتحها امام العمال…بعد أن استقر في المنزل فتحها ووجد داخلها مجوهرات من الذهب الخالص والأحجار الكريمة والزمرد والياقوت ، ولكم أن تتخيلوا دهشته وفرحته آنذاك ، لقد وجد ثروة ضخمة تحت أرض ببضعة قروش ، أحس جدي الثالث “ديمتري” بفرحة هستيرية ولم يكن أنانيا ولا جشعا.. لم يأخذ من الجرة غراما من الذهب، أحكم إغلاقها ونادى إخوته في تلك الليلة وأخبرهم بما وجد… رقص الجميع من الفرحة والبهجة، وأحسوا بأنهم صاروا فاحشي الثراء- ربما عادلت ثروثهم آنذاك ثروة حاكم البلاد -.

قرر الإخوة ألا يخبروا أحدا غريبا بالأمر وأقسموا لبعضهم تلك الليلة بذلك…إلا ان إحدى الزوجات فضولها جعلها تتنصت على باب الغرفة حيث كان الرجال يتحدثون وسمعت كل شيء.

أرسل الإخوة زوجاتهم وأولادهم في نزهة للبحر في الصباح الباكر لليوم التالي، لصرفهم بعيدا عن المنزل كي يخلوا لهم الجو ليقرروا مصير الثروة التي وجدوها،

بمجرد إنفراد الإخوة مع بعضهم، توجهوا إلى الصندوق الذي وضعوا فيه الجرة في إحدى غرف الطابق الثاني، وهنا كانت الصدمة!… لم يجد الإخوة الجرة في مكانها!

عم الصمت لوهلة ومالبث ان تحول إلى صراخ ، تبادل خلاله الإخوة الستة الإتهامات، كل واحد يتهم أخاه ويبرر اتهامه له بطبعه او بشيء فعله في السابق.

استمرت المناوشات الكلامية لمدة قصيرة، وبعدها تحولت إلى عراك بالأيادي والخناجر!!!!

قتل الإخوة الستة بعضهم البعض ولم يتبقى منهم ولو رجل واحد على قيد الحياة!

كان الوقت عصرا، عندما عاد أفراد العائلة من النزهة، كان قد مضى على المجزرة ست ساعات تقريبا، ظنوا جميعا ان الإخوة قد خرجوا لاستئناف العمل في الأرض، إلى أن جاء المساء وذهبت أم الإخوة الستة الجدة “إليزا” إلى الطابق الثاني لتحضر بعض الأغراض… بمجرد ان فتحت الأم الباب حتى سقط مغشيا عليها بعد أن أفزعت حيوانات البحر والغابة بصرخة مدوية.

صعد الجميع الدرج بسرعة وعند وصولهم صدموا من هول المنظر وبشاعته، ستة جثث مدرجة بالدماء وفي أيدي بعضها سكاكين وخناجر مغطاة بسائل أحمر داكن اللون.

مرت السنين وأشارت الأصابع لهذا المنزل جيئة وذهابا، كلٌ يهمس للآخر :”إنه هو! منزل الأخوة الذين قتل بعضهم البعض من أجل جرة ذهب… لابد أن لعنة قد حلت عليهم، وإلا فكيف يقتل الأخ أخاه من أجل حفنة مال!؟…

نعم!… تلطخت سمعة البيت وساكنيه من أرامل و يتامى أما الأم المسكينة إليزا كانت قد لحقت منذ زمن بعيد بزوجها إلى العالم الآخر، فهي لم تستفق من بعد غيابها عن الوعي ابدا!

***

مرت أعوام وأعوام وأعوام، ومازالت نفس القصة تتردد بين الناس، لاشك أن التراث الشفهي لا يموت ولا يفنى، فكم مضى من الوقت والقصة لازالت كما هي تحكى يوما تلو الآخر لكل ضيف ولكل زائر، حتى سارت تلك القرية الصغيرة مشهورة ببيت عائلتنا وحادثة مقتل الاخوة الستة!

فلنعد لتلك الليلة التي كانت أولى الليالي في حياتي التي أقضيها وحيدة في ذلك البيت الشاسع.

كان الوقت يقترب الى الفجر ، كنت أغط في نوم عميق ، إلى أن سمعت أصواتا غريبة ، كانت أصواتا رجولية تتكلم بشكل متداخل، لهذا لم أميز كلمة مما كان يقال…

ظننت للوهلة الأولى أنه مجرد حلم مزعج، لكن مالبثت الأصوات أن تعالت وأصبحت أكثر حدة من ذي قبل.
نهضت مرعوبة وقد تجمد الدم في عروقي حينما أدركت أن ما كنت أظنه حلما هو كابوس حقيقي، أعيشه الآن!
بلعت ريقي بصعوبة وتوجهت إلى باب غرفتي بهدوء مصطنع، فتحت الباب بحذر ومددت رأسي من الفتحة ، نظرت يمينا ويسارا بسرعة… كان الممر طويلا مضاءا بقنادل عتيقة ذات ضوء ضعيف، بل ضعيف جدا… الجو بارد، وكانت الرياح قد تسربت من إحدى النوافذ المطلة على البحر، كانت رائحة رياح البحر تحمل بين نسماتها شيئا من الغربة والرعب… كما إحساسي في تلك اللحظة بالذات “وحيدة و مرعوبة” .

وانا اتحرك نحو الدرج كنت أتذكر ماكان يقال ويحكى حول هذا المنزل، في تلك الأثناء أحسست بأن قلبي على وشك ان يتوقف.

مر شريط حياتي أمام عيني ، منذ ولدت حتى هذه اللحظة التي من الممكن ان تكون آخر لحظات حياتي.

لا أدري كيف استجمعت قواي ، ووضعت قدمي في الدرجة الأولى من السلم المؤدي إلى الطابق الثاني!!!! أسرعت في الهبوط حتى لا أضعف من جديد.

في لمحة بصر وجدت نفسي متسمرة أمام الباب الرئيسي للطابق الثاني ، نفس المكان الذي توفيت أمامه الجدة إليزا! تساءلت في قرارة نفسي : هل أكون انا التالية؟ عندما سأفتح الباب ، هل سأموت فزعا من هول ما قد أرى؟؟ ماذا اذا لم اقم بفتح الباب هل سينتهي كل هذا؟ أم أنني فقط سأطيل من مدة عذابي؟؟… سيل من الأسئلة وعلامات الاستفهام جعلتني أرتعش من الخوف.

هدأت نفسي بنفسي ، كنت آنذاك في العشرين من عمري إلا أنني لطالما كنت تلك الفتاة المدللة التي لا تعتمد سوى على الناس… كان الأمر عسيرا علي طبعا، لكنني لم أجرؤ على التراجع، وفي أسوء الحالات كنت سأكون قد سرعت فقط في النهاية وأرحت نفسي من طول العذاب.

طيلة هذا الوقت كانت الأصوات تتعالى شيئا فشيئا حتى كدت أتأقلم معها.
إلى أن توقف كل شيء فجأة….توقف صراخ الكلام ولكن صرخات الألم والعتاب كانت قد بدأت سمفونيتها!

كان يعاد نفس مشهد ليلة المجزرة ، وفي هذه اللحظة كان الإخوة يقتلون بعضهم البعض! تسمرت قرب الباب وانا اسمع أنينهم و بكائهم!!!
كان الموقف رهيبا! صوت خناجر تخرج من اغمادها، و تُحشر في الأجساد بشكل عشوائي ومتسارع… وفي نفس الوقت كان الاثاث يتساقط.. زجاج يكسر و خشب يحطم! يصحب كل هذا لحن حزين مصدره أفواه ستة تتألم وتتأوه.

خارت قواي حينها، وكدت أسقط من هول ما كنت أسمع، صفعت خذاي أكثر من مرة على أمل أن أستفيق من هذا الكابوس المرعب، إلا أنه لم يكن حلما البتة! بل كان حقيقة تجثم فوق قلبي تكاد تحطمه.

وأخيرا قررت أن افتح الباب وبدون ان افكر…. كنت قد فتحته بقوة فعلا…على مصراعيه.
وليتني مافعلت!!!
فقد كان المنظر كما تخيلت تماما… لطالما تصورته هكذا!!
يا إلهي! إنه كما نسجه خيالي!!!
وقفت مذهولة، لم أدري كيف استعدت رباطة جأشي ووقفت أمام أشباح ستة رجال!
حينها كان خمسة منهم قد أسلموا الروح أمامي وهم يهمسون بكلمات لم أفهمها كأنها وصية للأخ السادس الذي كان يقول لهم :” إطمئنوا ولا تخافوا…ارقدوا في سلام، أراكم في السماء ” كان الأخ المتبقي يبدو انه مازال يحارب الموت بكل ضراوة، فرغم جروحه الغائرة كان كلامه مفهوما وتعلو وجهه ابتسامة عذبة لم ارى مثلها من قبل!
كنت ابعد عنه مسافة الخمسة أمتار فأنا وبفتحي الباب لم أتجرأ على أن أخطو ولو خطوة واحدة إلى الداخل… وانا اشاهد ذلك المنظر كان عقلي قد توقف تماما لم استوعب انني فعلا أعيش هذه اللحظات ، كانت أذناي قد صُمّت تماما لبرهة، حتى جاء صوت قوي ينطبق تماما مع صورة الرجل الحي امامي، رجل قوي البنية، أملس و أشقر الشعر، ذا عينين خضراوين بهما لمحة من الأصفر، ذو لحية خفيفة شقراء…كانت تظهر عليه علامات الفرح والسرور رغم حالته.

اخترق الصوت الهدوء داخل رأسي ليردني إلى وعيي، وهو يقول : “انتظرتك طويلا يا ابنتي! لقد تأخرتي كثيرا!! كان يجب أن نكون في السماء، منذ سنوات عديدة مضت!”

طأطأت رأسي وانا أتسأل هل الاشباح تتكلم مع البشر!؟
استدرك بسرعة :” اقتربي يا ابنتي، فلدي الكثير لأقوله لكِ”
ارتعبت وترددت قليلا لكن سرعان ما تشجعت من جديد وخطوت نحوه ببطء.

قال بإبتسامة جميلة:” لا تخافي يا ابنتي، فما من جد يؤذي حفيدته التي لطالما انتظرها”

لا أعلم لماذا لم استغرب مما قاله، فقد توقعت منذ الوهلة الأولى ان يكون هو جدي الثالث، كنت قد تخيلته كما تخليت المنظر امامي…كان هو!

ابتسمت بلا شعور واقتربت منه بخطوات اسرع، وقلت له :” اذن انت جدي الثالث ديميتري!!! ….لطالما رغبت في رؤيتك،…فقد سمعت عنك الكثير…تخيل انني تخيلتك كما انت!!!…..

أوقفني بشيء من الحزن والغضب في ان واحد، وزمجر قائلا :” أنا لست كما تتخيلين ، لم اكن الانسان الفاضل الذي صوروه لكِِ . وأطرق رأسه بحزن.
قلت باستفهام :” كيف ذلك! أعني… أرجوك كيف ذلك؟ لقد قتلتم بعضكم البعض صحيح، وربما تظن انك السبب حيث انك انت من وجدت الجرة، انت تقول طبعا ليتني لم اجدها، لو لم اجد هذه الجرة لما وقع كل هذا! لكن في نظري وفي نظر الناس فقد كنت الافضل، لقد صار يضرب بقناعتك وحبك لإخوتك المثل، ولا أحد يشك في انك كنت آخر من يرفع الخنجر على اخوته…”

قاطعني مرة أخرى وهو يبكي بحنق:” ارجوكِ لا تعذبيني أكثر من عذابي طيلة هذه السنين… كل ماتقولينه غير صحيح”

صدمت من جوابه!! سكتت لبرهة وهو استمر في البكاء ثم قلت له : “كيف ذلك؟.

قال وهو يمسح وجهه بكمه:”دعيني أخبركِ القصة كاملة
كنت قد غيرت وضعيتي من الوقوف الى الجلوس، و فتحت أذناي على آخرهما، متلهفة لسماع ماسيقوله الجد ديمتري…اقصد الشبح ديمتري
أخذ نفسا عميقا ثم أردف بسرعة:” إليكِ ما حصل في تلك الليلة…

قاطعته بسرعة وقد جاءني سؤال محير عندها:” مهلا… قبل سماعي لقصتك، أخبرني اولا لماذا كنت تقول انك كنت تنتظرني انا بالذات!؟ لم اسمع من قبل من تلك القصص التي لطالما رددتها العائلة او الجيران اي شخص سبق ووجدكم في هذا المنظر عند فتح باب الطابق الثاني من قبل، فبمجرد فتح الباب تختفي الاصوات ومصادرها؟ إنكم لم تتحدثوا مع احد من قبل كما أعلم!!! لماذا انا؟ ماذا يميزني؟؟
قال وهو ينظر إلي بعمق وتأثر :” كنت أنتظر الفتاة او الشاب البريء النزيه من أحفادي الذي لم يؤذي أحدا من قبل، الذي يملك قلب ملاك وضميرا حيا، علّه يصحح خطئي ولو بعدحين”

أحسست بالخجل حينها من إطراء الجد ديمتري و بسعادة عارمة، فالأشباح لا تكذب.

استأنف كلامه بسرعة: “في ذلك اليوم اجتمعت بإخوتي وأخبرتهم بأمر الجرة وكانت نواياي طيبة واردت إقتسام ما بداخلها معهم، فالأرض في نهاية المطاف هي ملكنا نحن الستة، إلا ان امرا غير متوقعا قد طرأ! … ليلتها كانت زوجتي – التي هي بالمناسبة جدتك الثالثة “صوفي” – خلف الباب، فضولها أدى بنا إلى التهلكة ليلتها، فلو لم تنصت لحديثنا السري لما وقع ما وقع”

إزداد إتساع بؤبؤ عيناي وأنا احملق فيه وأنصت بتمعن.
ثم أردف قائلا :”عندما انتهى الإجتماع وآويت إلى غرفتي وجدت صوفي تنتظرني…وبدون لف ودوران اخبرتني انها سمعت كل شيء!…. قلت لها وأنا متفاجئ :” كيف ذلك؟، قالت :” هذا لايهم الان! المهم، لن نقتسم المال معهم، أنت وجدته لذلك ستأخذه لوحدك.

قلت لها :”هذا مستحيل الارض لنا جميعا، وما وجده أحدنا هو ملكنا نحن الستة” ، قالت وهي تقهقه :”أبله! لو وجد الجرة أخوك ستيف أو جورج أو أليكسندر أو جايكوب بل حتى الصغير صامويل لما رأيت أحدهم في الصباح التالي”

بعد ساعات من النقاش، لم أعرف كيف أقنعتني بأن نأخذ المال ونهرب بعيدا مع أولادنا، بعد أن يعلم الجميع بفقدان الجرة.

وبالفعل حدث ما قالت زوجتي، تسللت ليلا وأخذت الجرة وخبأتها في مكان آمن لم يعلم به أحد سوانا نحن الإثنين ثم تسللت عائدا إلى غرفتي.

تنفس ببطء وقال بعدها :” وبعد يوم من الحادثة انتحرت جدتكِ صوفي كما تعلمين، ظن الجميع انها انتحرت بسبب حزنها عليّ ولكن الآن على ما أظن أصبح السبب واضحا أمامكي!….هذه تكملة القصة… هذه الحقيقة يا ابنتي!! هذا مالم يعرف به أحد غيري انا و زوجتي… وانت الآن!

كانت الصدمة العاشرة بعد المئة على ما أظن، ولكنها كانت الأقوى!! لقد كان جدي وجدتي السبب في المجزرة التي حصلت! كيف للطمع أن يوصل الانسان لكل هذا!!

على أيٍّ إنها تساؤلات بدون معنى فلقد مر على الكارثة عقود كثيرة من الزمان… فلن يُصلح لوم الاشباح شيئا ولا الإعتذار للموتى!
كلهم أذنبوا ودفعوا ثمن الطمع والجشع وحب المال والأنانية!

قلت له وانا أحاول استيعاب كل هذا :” انتظرتني لتخبرني بالحقيقة فقط!؟
قال بفرحة :” نعم وشيء آخر” 

قبل ان أسأل عن ماهيته، قال لي:” عديني أولا انكِ ستقومين بما سأطلبه منكِ، بعدها مباشرة سنرتاح جميعا ونصعد إلى السماء ونحن مرتاحون!

قلت بتلعثم : “طبعا اذا استطعت!
أغمض عينيه و بلع ريقه ببطء، ثم نطق وعيناه الخضراوان تلمعان :” كنت أنا وزوجتي قد خبأنا الجرة في قبو هذا المنزل وراء لوحة الطاووس، خذيها و وزعي كل ما فيها على اليتامى والفقراء، تصدقي منها، وضعي المال أمام أبواب بيوت الضعفاء واشتري الأدوية للفقراء وأطعمي المساكين… افعلي كلمايخطر على بالك، ولكن إياكي أن تغتري وتأخذي منها فلسا، فستصيبك لعنة في الحياة وبعد الممات يا ابنتي!… مع انني اعلم انكِ لن تفعلي هذا ابدا.”

الآن وقد أصبحت في الثامنة والتسعين من عمري، طبقت وصية الجد ديمتري بحذافيرها وأصبحت أعيش في ذلك المنزل مع أحفادي بعد أن هرب منه جميع أقربائي لسمعته المخيفة ، لكن ثقوا بي منذ ذلك اليوم اختفت اشباح الرجال الستة ومعها الاصوات إلى الابد… لابد أنهم قد ارتاحوا اخيرا واستقروا مع بعضهم البعض في السماء…

آه كدت أنسى مازالت معي آخر قطعتين ذهبيتين من الجرة… هههه طبعا لا أنوي تركها لنفسي.. أنوي استبدالها بالمال عند صائغ جديد وتوزيعها على أربعة دور أيتام غدا.

0 0 الأصوات
Article Rating

كوثر ب

المغرب

مقالات ذات صلة

42 تعليقات
القلب الحزين
القلب الحزين
6 سنوات

قصة جميلة أحسنت.

الفيلسوف
الفيلسوف
6 سنوات

القصة اسطورية بارك الله فيك

الفيلسوف
الفيلسوف
6 سنوات

القصة اسطورية بارك الله فيك

أميمة
أميمة
6 سنوات

حقا اعجبتني هذه الرواية، فأنا من عشاق قصص الرعب . ما قد أسأل عنه الان هو: هل بإمكاني اخد هذه القصص و وضعها على قناتي في اليوتيوب رجاءاً؟؟؟؟

أميمة
أميمة
6 سنوات

حقا اعجبتني هذه الرواية، فأنا من عشاق قصص الرعب . ما قد أسأل عنه الان هو: هل بإمكاني اخد هذه القصص و وضعها على قناتي في اليوتيوب رجاءاً؟؟؟؟

زهرة الامل
زهرة الامل
6 سنوات

لعفو غاليتي انتي الاجمل ..بصراحة معكي لا فائدة من الهرب من الاشباح لانه ستلحق بكي بكل سهولة ههههه

بانتظار جديدك عزيزتي
تحياتي لكي

‏عبدالله المغيصيب
‏عبدالله المغيصيب
6 سنوات

‏سلام عليكم مساء الخير على الجميع

‏الأخت الكريمة والأديبة فنا وخلقا كوثر

‏تحياتي لكم أختي الكريمة ودعينا ‏نبدأ من النقطة الأهم وهي البشارة الطيبة ‏انه سوف نرى أعمال أخرى لحضرتك بإذن الله
‏وإذا كان هذا هو العمل الأول الذي أعد ‏في ساعتين فماذا نقول عن الأعمال القادمة أتوقع أنها راح تكون باهره لاشك ‏في ذلك

‏وأختي عندما تكلمتي إنك ما زلت في البداية و تحتاجين إلى كذا وكذا ‏كلنا أختي على هذا الدرب وكلنا نحتاج زيادة وزيادة ومن لعله ‏في القمة يحتاج إلى الزيادة الأكبر حتى يحافظ على ما هو عليه
‏من ناحية أخرى أختي الكريمة انت موهوبة ما شاء الله من كل النواحي في اللغة والأفكار و الأعداد و السرد والأسلوب فقط المزيد من تراكم الخبرة إن شاء الله تفي بالغرض
‏والمزيد من التصفح والاهتمام في الأعداد والتحضير ودرس الأفكار وفنون الكتابة القصصيه ‏وهي متاحة على النت وفي مواقع كثيرة ولا تحتاج تغير إلى وقت قليل من القراءة حتى يستفاد منها

‏بالنسبة أختي الكريمة إلى نقطة الشخصنه ‏أبدا أختي الكريمة خلينا من ‏التفاصيل النقدية في هذا الباب اكتبي كما تريدين وعندما تريدين وحتى لو اسقاط كامل ‏عن نفسك اكتبي كما تريدين من أدوار والشخصيات ‏مادام انت في البداية هذه الامور متاحة وبعدين الواحد يستطيع أن يكتشف ما هو الفرق و الإضافة ‏في هذا الباب المهم أختي لا تجعلي تصرفات بعض الشخصيات تقاس على حضرتك ‏يعني ردت فعل تلك الفتاة هو مقياس على ردت فعلك هكذا غير مقنعة لأننا نحن نكتب حبكه ‏دراميا يجب أن تكون متماسكة مقنعة ولا تكون تيرموميتر لتصرفاتنا ‏حتى لو كنا نريد أن نشبه ‏تلك الشخصية في بعض روحيتها ‏علينا أن نجعل المبرر في ردات الفعل والتصرفات يخص عالم الدراما والفنون الأدبية وليس المعايير الشخصية حتى لو تشابهت ‏اوارادناها ان تتشابه
والا بات ‏الامر ‏يشبه قسم تجارب ‏الغريبة أو في الحياة ‏وليس عالم القصة والأدب

‏بالنسبة أختي إلى موضوع الصور نحن لسنا مختلفين في المبدأ وإنما ‏الامر كما يقال منطق العمل يحدد منطق النقد
‏يعني أختي الكريمة المسألة ليست تركيب صور من عدمها المسألة لدينا بيئة قصه وشخصيات ومحاور وابعاد ‏هي التي تبنى ‏عليها الأحداث يعني لو قلنا القصة حصلت في شقه ‏لعائلة عادية في هذا المجتمع كان الامر الطبيعي في موضوع الصور أنها تخفى
‏لكن نحن نتكلم عن قصر يمثل أجيال وآجيال ‏من تاريخ العائلة وعلى النمط الغربي من الصعوبة يعتمد على نموذج او اثنين من الصور لهذا التاريخ ويسهل اخفاؤها

‏اما ذلك الحوار المحذوف ‏بين الشبح الجد والحفيده ‏بالفعل أختي راح على المتابعين مشهد جميل و بالعكس يفترض في اسلوب السرد الدرامي انه يكون متنوع وتصاعدي واستدراجي في رتم ‏المواقف والأحداث ولا يكون مباشر
‏ولا تشغل يبالك أختي في حجم القصة انتي اعملي عمل متكامل حتى تشوفي انه بات مقنع ومتماسك ‏وقابل للنشر في موقع مثل الكابوس وهذا كفاية من دون الدخول في تفاصيل ما هي الرواية والقصة القصيرة إلى آخره

‏في طريقة في الكتابة أختي اسمها المسودات ‏الثلاثه سبق ‏و تشرفت في شرحها لأحد الإخوان هنا الأصدقاء سوف ارسل لكم أختي الكريمة اسم القصة وراح تكون ‏في التعليقات عليها وهي مفيدة في اسلوب تحضير القصة…

كوثر 'ب'
كوثر 'ب'
6 سنوات

….وإنهاء العذاب-وجهة نظر-.

لا أعلم كيف بتر تعليقي الطويل، انا هنا اعيد ما كتبت سابقا.
المهم شكرا جزيلا أستاذ عبد الله، لا أستطيع التعبير لك عن مدى إعجابي بملاحظاتك الذكية في الصميم… فعلا استفدت منك الكثير و سيسعدني أن تعلق، تنتقذ وتقيم أعمالي القادمة بإذن الله❤️

كوثر 'ب'
كوثر 'ب'
6 سنوات

عبد الله المغيصيب
معك حق التفاصيل وخاصة الصغيرة منها دائما ما تحدث الفرق، فمن الممكن أن ترفع من جودة العمل كما من الممكن أن تنقص منها، و أنا أؤمن بأن الوصف المفصل من أدوات الإقناع وإضفاء الواقعية على أي عمل فني.

أتفق معك أيضا في كون أن القصة عموما يجب أن تبدو متجانسة الأفكار، و أنا شاكرة لك هذه الملاحظة لأنني لم أنتبه إليها قبل أن تتطرق إليها… فعلا فمثلا سيكون من غير المتجانس ولا المنطقي أن يكون الإسم غربيا والمكان شرقيا و الأدوات صينية.. فهمت أخيرا المغزى من كلامك لقد عنيت أنه لي الحرية في أن أختار أية نوعية من الأسماء شريطة أن تتوافق مع التفاصيل الأخرى.

بالنسبة لقضية الصور مازال عندي فيها نظر، مثلا سبق لي أن شاهدت أفلاما وقرأت قصصا بعد حادثة ما تخفى فيها صور الأشخاص المعنيين، مما يضفي غموضا على القصة، لكن ربما أنا لم أوظف ذلك بنفس الإحترافية التي وظف بها أولئك الكتاب تلك الفكرة، وهذا راجع لأنني كنت غافلة تماما عن الموضوع وأنا أكتب، وبالتالي فما قدمته إحتمالات للقراءة ومن ضمنها هذا الإستشهاد بأعمال أخرى يبقى مجرد مبرر و استدراك لما فاتني ليس إلا.

أما قصة الفتاة والسبب وراء قضائها الليلة وحدها، فعلا كان السبب من عدم ذكري لذلك أنني ظننت أنها غير مهمة و ربما أيضا لضيق الوقت وعدم وضوح الفكرة في رأسي، ولكن هناك أيضا عامل ثالث لم آت على ذكره في تعاليقي السابقة ألا وهو جهلي بالمجال الأدبي بما في ذلك الأساليب و الأنواع القصصية و الأصناف الأدبية… فلحد الآن قلمي لازال قاصرا عن الأدب العربي لا زالت لا أرى فرقا بين القصة القصيرة والطويلة أيضا لا أعلم متى تكون إضافة ما مهمة أو لا إلى آخره… أعتبر نفسي جاهلةفي هذا المجال… أنا أكتب بقلم هاو لم يكن له إتصال مباشر مع دروس علوم اللغة والإنشاء منذ خمسة سنوات، أتمنى في المستقبل القريب أن أتمكن مما استعصى علي لحد الآن.
ستصدم اذا أخبرتك أنني في لحظة من اللحظات كنت سأبتر الحوار الثنائي بين الجد وحفيدته… كنت أرى أنني تعديت عدد الأسطر المسموح به ولم أصل إلى النهاية بعد، كنت أدعو أن تنتهي القصة بسرعة… ولربما لاحظت تخوفي عندما تغير أسلوبي السردي عند بدإ الحوار أيضا توقفت عن الوصف واسترسلت في الحوار بسرعة -حتى لا أضيع الوقت-، لم أترك الجد يتحدث عن شيء آخر خارج حديثه عن الحادثة السريع و المختصر وهذا دليل آخر، كنت لأجعله يحن للدنيا ويسأل عن أخبار حفيدته و باقي أحفاده ووو، لكن خوفي من الإطالة منعني، إلى جانب هذا هناك الفقرة الأخيرة من القصة حيث كانت جدا مختصرة مع ان معناها واضح، لكن كان وصف شعور الفتاة بعد تلك المغامرة و استقراء ما دار في ذهنها آنذاك وموقفها من كل ما حدث وهي عجوز ليضفي طابعا جماليا على ما أظن لكن هاجسي منعني من التغلغل أكثر.

بالنسبة لشخصنة الشخصيات، لم أرى فيها مانعا، فأنا ككاتبة لم يكن بمقدوري معرفتي ماذا كان ليكون موقف الفتاة و ردة فعلها عند رؤيتها للأشياح من زاوية نظر شخص آخر… لذلك قمت بإسقاط بسيط للموقف على نفسي وقلت لو كنت مكانها لتحديت خوفي ورعبي وواجهته فكما نعلم جميعا-مع أنني لم أرى شبحا قط ولست متأكدة مما إذا كنت أؤمن بهم أصلا- لا يمكن منطقيا الهرب من كائن كالشبح فهو سيتبعني أينما ذهبت ولن يتركني حتى يصل إلى ماجاء من أجله، لدى لا أرى بدا من تسريع النهاية وإنهاء…

كوثر 'ب'
كوثر 'ب'
6 سنوات

عبد الله المغيصيب
أخجلتني بمديحك الرقيق الراقي… I’m speechless

كوثر 'ب'
كوثر 'ب'
6 سنوات

وسيلة dz
كلماتكي اللطيفة أخجلتني شكرا جزيلا على التعليق الجميل، أسعدني أنكي أحببتي القصة
دمتي بخير❤️

صونيا
الشكر لكي أنتي عزيزتي على تعليقك الرائع على عملي المتواضع، تشرفت بدلك
أسعدني مروركي اللطيف❤️

عهد
شكرا على المديح الجميل، أسعدني أنكي وجدتي القصة جميلة
بالنسبة للملاحظة التي أتيتي على ذكرها، أولا بخصوص الخطأين الإملائيين -بعد وسارت- فهي أمور بسيطة لا أظن أنها مهمة لهذه الدرجة لتجعل لغتي تقيم على أنها سيئة، فالأخطاء الإملائية واردة جدا خاصة أنها مطبعية فأنا أكتب على شاشة الهاتف الضيقة ، ثم إنني لا أظن أن أحدا آخر سيأخذها على أنها أخطاء فادحة فمن الجلي أنها لم تكن مقصودة وأن السبب راجع للسرعة و لوحة المفاتيح، طبعا أنا في العادة لا أكتب بعض بعد ولا صارت سارت هي فقط هفوات وسبحان من لا يخطئ.
بالنسبة لملاحظتكي الثانية فقد كتبت كلمة هبوط مرة واحدة في القصة كلها، وكانت الجملة كالآتي: ‘لا أدري كيف استجمعت قواي، ووضعت قدمي في الدرجة الأولى من السلم المؤدي إلى الطابق الثاني!!!! أسرعت في الهبوط حتى لا أضعف من جديد….’ ، هنا الموضع الوحيد لكلمة هبوط، وكنت فعلا أقصد ذلك فلو عدتي معي قليلا للوراء ستلاحظين أنني ذكرت أن غرف النوم توجد بالطابق الثالث أي أنني كنت نائمة في نفس الطابق و قمت بالهبوط للطابق الثاني -فلا يمكن الصعود من الثالث للثاني-
شكرا لانتباهكي للتفاصيل الصغية، دمتي بخير عزيزتي❤️

كوثر 'ب'
كوثر 'ب'
6 سنوات

مريام العراقية
شكرا حبيتي هذا شرف لي
يبدو أنكي تشبهينني بعض الشيء في ما يخص الصنف المفضل في الروايات،
فكرت فعلا في ان اجعل النهاية حزينة، لكن الفكرة لا تتماشى مع هذا النوع من النهايات، في المستقبل سأكتب قصة مرعبة بكل ماتحمل الكلمة من معنى ههه
دمتي بخير ❤️

زهرة الأمل
شكرا عزيزتي على تفاعلك وتشجيعك
فعلا معكي حق في قضية التكرار.. بالنسبة للشجاعة أرى -منطقيا- أن فكرة الهروب كانت لتكون جيدة لو كنا أمام قاتل متسلسل أو سارق، لكن -ومن وجهة نظري- الأشباح لا يمكن الهرب منها لأنها ستتبعكي أينما ذهبتي و بدون تعب -كما هو متعارف عليه فيما يخص الأشباح- إذن الحل هو المواجهة فذلك قادم لا محالة ولو بعد ميلين من الهرب.
أسعدني مروركي الجميل ❤️

زر الذهاب إلى الأعلى