امهات قاتلات (2) : الصبي تواني والأم "الغولة "!

بقلم : اياد العطار
للتواصل : my@kabbos.com

في مقال لي قبل عدة أعوام، كتبت عن امهات قتلن أطفالهن بسبب معاناتهن من مشاكل واضطرابات نفسية ، أما اليوم فسأضعكم أمام أمهات قاتلات من نوع آخر ، المفروض أنهن في كامل قواهن العقلية ، مع أن ما أقدمن عليه من فعل شنيع لا يدل بأي حال من الاحوال على سلامة العقل والضمير.أن يولد المرء طفلا غير شرعيا لا يعرف أباه فتلك مصيبة ، وأن يعيش في كنف أم قاسية وزوج أم متوحش .. فالمصيبة أعظم والرزية أكبر .. هذه هي بأختصار مأساة الطفل “تواني” الذي زلزلت قضيته جزيرة مالطا بأسرها ونسجت جرحا داميا في وجدان سكانها. ورغم تعاطفي الشديد مع الصبي المسكين ، لكني أرى بأن رحيله عن هذا العالم البائس كان أفضل من بقائه.. فحاله أشبه بحال انسان أبتلاه الله بداء خبيث عضال ، طال مرضه حتى عجز الطب عن تخفيف آلامه ، فأصبح الموت بالنسبة له راحة ما بعدها راحة ، يتوسل قدومه ، ويطلبه عن طيب خاطر. و بطلنا أتى لهذه الدنيا وهو يرزح تحت وطأة مرض خبيث عضال تجسد في صورة أم تجردت من كل معاني وصفات الأمومة. ولعمري أن يموت الإنسان طفلا ويتذكره الناس كقديس خير من أن يمضي أيامه في بؤس ومرارة وعذاب ، يشب ناقما على المجتمع ، وربما أصبح لصا أو قاتلا .. أو انسانا انطوائيا يعيش حياته كراهب ويمضي أيامه في إدارة موقع لترويع الناس وتكدير خواطرهم.

أبصر “انطوني أكويلاني” النور عام 1952 ، آنذاك كانت مالطا واقعة تحت الانتداب البريطاني ، لكنها اليوم دولة مستقلة وعضو في الاتحاد الاوربي ، وأكثر ما يميزها انها الدولة الاوربية الوحيدة التي يتكلم سكانها لغة سامية ذات جذور عربية.

blank
انطوني أكويلاني “تواني”

انطوني ، أو “تواني” كما اعتادوا على تسميته ، وشقيقته الصغرى كارمن ، كانا طفلان غير شرعيان لأم تدعى جيجا كالميري ، امرأة ذات جسد ممتليء و ملامح خشنة منفرة. لم ير تواني أباه الحقيقي أبدا ولا عرف هويته ، الرجل الوحيد الذي عرفه في حياته الأسرية كان زوج أمه المدعو “ليلي” ، الذي يعمل في البحرية ، وهو رجل خال المشاعر لا يكن أي عاطفة تجاه تواني وشقيقته، كل مشاعره تصب تجاه أبنته الوحيدة التي أنجبها من جيجا وتدعى مارتيز.

كانت الأسرة فقيرة وتسكن شقة صغيرة من حجرتان بمنزل متهالك في أحد الأحياء الشعبية القديمة في العاصمة فاليتا.

مظهر تواني وهيئته كانا انعكاس لبؤس حياته، كان طفلا نحيلا ، ذو شعر داكن يميل للبني، عيناه سوداوان تكسوهما غلالة من حزن وانكسار ، ملامحه عموما تعكس خوفا متجذرا في أعماقه ، ونظراته الحزينة تكاد تنطق بكلمة واحدة : “أنقذوني!” .. منذ نعومة أظفاره تعرض لشتى أنواع الترهيب والتعذيب والاضطهاد على يد أمه وزوجها ، لقد نجحا بأمتياز في أن يزرعا في نفس الصبي شعورا راسخا بأنه غير مرغوب فيه ، طفل غلطة ، وصمة عار ، كم تمنوا لو يمحونها من حياتهم ، وكأن الصبي أقترف جرما بقدومه إلى الدنيا ، مع أنه لم يطلب ذلك ، ولم يجبر أمه البليدة على خوض غمار علاقة غير شرعية من أجل أنجابه ..  بأختصار كان تواني يدفع ثمن وجوده وكينونته ، ويالها من مصيبة أن يعيش الطفل مكروها منبوذا من أسرته ، يتعرض للضرب المبرح لأتفه الأمور ، يعمل كالخادم ، يمسح البلاط ويغسل الأطباق.. لا عجب بعد ذلك أن ينعكس هذا القهر والظلم على نفسيته، فيصبح مهزوز الشخصية ، مرعوبا من خياله ، لا يرفع عينياه عن الأرض ، وبالكاد يتكلم مع أحد.

تتذكر معلمته موقفا أحزنها كثيرا ، فخلال الفترة المخصصة لتناول الطعام في المدرسة ، كان جميع التلاميذ في الفصل يخرجون ما لذ وطاب من طعام دسه اهلهم في حقائبهم صباحا ، ما عدا تواني ، لم يفتح حقيبته يوما ، كان يكتفي بالجلوس منكس الرأس يحدق إلى طرف حذائه وأنامله الصغيرة تداعب طرف قميصه بتوتر. ذات يوم ، سألته المعلمة : “لماذا لا تتناول طعامك مثل بقية التلاميذ؟” ، فأجابها بأنه غير جائع ، لكن المعلمة أرتابت في كلامه وسألته : “هل أرسل اهلك طعاما معك؟” ، سكت الصبي لبرهة ، فكررت المعلمة السؤال عليه ، فلم يتمالك نفسه ، غطى وجهه بذراعه واستغرق في البكاء ، فأخذت المعلمة حقيبته وفتحتها ، وإذا فيها رغيف يابس أزرق اللون من شدة العفونة ، لو رميته لحيوان جائع ما أكله .. فتأثرت المعلمة لحال الصبي أيما تأثر ، وعلمت أن أمه كانت تضع له بقايا الخبز المتعفن كل صباح ، وهكذا تراه يجلس بصمت وزملائه من حوله يتناولون اطايب الطعام بينما يزدرد هو ريقه متحسرا .. هذا الموقف الحزين أثر حتى في نفوس التلاميذ الصغار من زملاء تواني ، فراحوا يقتطعون من أرغفتهم يضعونها أمامه ليأكل.

الام جيجا كالميري
 الام جيجا كالميري

احد هؤلاء الزملاء يتذكر كيف كان تواني يأتي صباحا الى المدرسة وهو مغطى بالكدمات والحروق ، عبثا يحاول أن يخفيها خلف ثيابه المهلهة. الجيران بدورهم يتذكرون كيف كانوا يسمعون صراخ الصبي ونحيبه وهو يتعرض للضرب والتعذيب اليومي ، وكيف أن أمه وزوجها كانوا يتناوبون عليه ، تضربه هي حتى تتعب ، فيستلمه هو جلدا بالحزام ، وقد يربطه بالسرير ، وربما أطفأ اعقاب السجائر في جسده الغض النحيل. كان صراخ الصبي مؤلما للجيران ، وقد يفيض بهم الكيل أحيانا فيصرخون في جيجا وزوجها كي يتوقفوا عن ضربه.

برغم كل آلامه، تقول معلمة تواني بأنه كان تلميذا ذكيا نجيبا مجتهدا في دروسه ، لم يأتي يوما إلى الصف إلا وقد انجز واجباته على أكمل وجه ، ولم تسأله يوما إلا واجاب بشكل صحيح. كان طالبا مثاليا، هادئا معظم الوقت ، احيانا يضحك ، وعندما يضحك فأنه يضحك من صميم قلبه ولا يتوقف بسهولة ، كان محبوبا من قبل الجميع .. ما عدا أهله!.

رحلة تواني مع الحياة لم تستمر طويلا ، في يوم 23 آب / أغسطس عام 1960 ، أرتفع صراخ حاد من داخل عطفة صغيرة في شارع القديس دومينيك بالعاصة فاليتا ، فهرع الناس يتبينون الأمر ، وإذا بالسيدة جيجا تفترش الأرض تندب وتلطم قائلة بأن شخصا ما دخل إلى منزلها وذبح أبنها “تواني”.

تم أبلاغ السلطات بسرعة ، وجاء رجال الشرطة ودخلوا شقة السيدة جيجا ليجدوا أنفسهم أمام منظر في غاية البشاعة، الصبي تواني ، ذو الثمانية أعوام ، ممددا على أرضية المطبخ ، منحورا وسط بركة دماء.

منزل تواني في العاصمة فاليتا
شرفة الشقة التي عاش فيها تواني

جيجا أخبرت المحققين بأنها لم تكن بالمنزل ، بل كانت في مكان قريب مع أبنتها كارمين تأكلان المرطبات وتلعبان لعبة البينغو الورقية. وأنها أرسلت أبنتها لتتبين سبب تأخر تواني باللحاق بهما ، فإذا بالطفلة تعود مذعورة لتخبرتها بأنها لم تستطع دخول المنزل وأن شخصا اخبرها بأن ثمة دماء في المبنى. عندما سمعت جيجا ذلك هرعت إلى المنزل ، كان مصباح المطبخ مضاء في شقتها ، وحين دفعت الباب وجدت ابنها خلفه مضرجا بدماءه ورقبته منحورة ، فهرعت إلى الشارع تستغيث وتصرخ.

الزوج ليلي ، قال هو الآخر بأنه لم يكن متواجدا في المنزل ، وأنه كان في السوق لشراء بعض القرطاسية ، وعند عودته سمع ضجة ورأى أناس مجتمعين ، فذهب ليلقي نظرة فإذا به يرى زوجته تصرخ وتلطم وتقول بأن أحدهم ذبح أبنها ، فركض إلى الشقة ودخل المطبخ ليجد تواني ممدا على الأرض مذبوحا.

الزوجان أصرا على هذه الرواية ، أي أنهما لم يكونا في المنزل ساعة وقوع الجريمة ، وأن احدا ما دخل إلى المنزل ونحر أبنهما.. لكن هذه الرواية لم تجد قبولا لدى الشرطة ، فالزوجان فقيران لا يطمع فيهما لص، ولم يفقد شيء من المنزل، وحتى لو فرضنا أن لصا دخل للسرقة ، وأنه قتل الصبي فعلا خشية أن يشي به ، فهذا اللص لم يكن أبلها لدرجة ان يترك سلاح الجريمة ، وهو سكين تقطيع الخبز، في أحد دواليب المطبخ حيث عثرت الشرطة عليه متضمخا بالدم.

مما زاد في هزال رواية الزوجان ظهور بعض الشهود في القضية ، فأبنة الجيران كارمن كوشي – 8 أعوام – قالت بأنها سمعت عصر يوم الجريمة صراخا حادا مصدره منزل السيدة جيجا ، وحينما اطلت برأسها من الشباك رأت تواني يتدحرج من على السلم ويسقط ارضا بلا حراك ، وبعدها ببرهة نزلت جيجا وخطت من فوق جسد الصبي المسجى على الارض من دون ان تعيره اي اهتمام.

الشرطة تحقق في الجريمة
الزقاق الذي يقع فيه المنزل

الفريد فتزباتريك ، 14 عاما ، الساكن في شقة بالطابق العلوي، قال بأنه عاد للمنزل ليتناول غداءه فشاهد جيجا ترفع جسد تواني الهامد عند عتبة السلم وتحمله إلى شقتها ، وأنه توقف عند باب الشقة ينصت ، متوقعا ظهور جيجا لطلب النجدة، لكن شيئا من هذا لم يحدث ، فغادر صاعدا الى شقته حيث تناول طعامه وخرج مجددا، لكنه عاد مرة اخرى عند الغروب ، وبينما هو يرتقي السلم شاهد باب المطبخ الملحق بشقة جيجا مفتوحا ، فتملكه الفضول لمعرفة ما يجري ، وعندما دفع الباب شاهد تواني ممدا على ارضية المطبخ، لكن لم يكن هناك دم ولم يكن الصبي مذبوحا ، وعندما هزه بيده لم يتحرك ، فتملكه خوف شديد ونهض مسرعا فغسل يده وغادر المطبخ.

هذه الروايات من قبل الشهود تدل على أن تواني تعرض لضرب مبرح وسقط من على السلم مغشيا عليه ساعة العصر ، وأنه لم يكن منحورا وقت الغروب ، أي قبيل اكتشاف الجثة بساعة واحدة. وقد بينت فحوصات الطبيب الشرعي ان الصبي تعرض لثلاث ضربات على رأسه بأداة صلبة، وأن هذه الاصابات تسببت بكسر في جمجمته وفقدانه للوعي. الأمر الذي ترك المحققين أمام معضلة .. فإذا كان الصبي مغشيا عليه وفاقد للوعي أصلا .. فما الداعي لذبحه من قبل اللص أو أيا من كان؟!.

حل هذه المعضلة كان عند كارمن ، الشقيقة الصغرى لتواني ، فعندما انفرد بها المحققون وسألوها عما جرى لشقيقها ، أفصحت عن كل شيء ، قالت بأن شقيقها كان يمسح ارضية الشقة ، أثناء ذلك قام بفتح صندوق العدة الخاص بزوج امه لكي يصلح حذائه الممزق ، وحين  علمت جيجا بذلك جن جنونها ، فصرخت فيه وصارت تضربه بالحزام ، فحاول أن يهرب منها إلى الشارع ، لكنها أمسكت به عند باب الشقة وراحت تخبط رأسه بقوة على مقبض الباب الحديدي، فسقط مغميا عليه وتدحرج من على السلم. وبعد قليل شاهدت كارمن أمها تعود إلى الشقة وهي تحمل جسد تواني ، وكان لا يتحرك ، فأخذته ومددته على السرير ، ثم طلبت منها ان تذهب وتستدعي ليلي الذي كان متواجدا ساعتئذ في مرآب احد اصدقاءه. وعندما أتى اخبرته جيجا بما حصل ، فتناقشا في المسألة لفترة ، بعدها حملا جسد تواني ومدداه على أرضية المطبخ ثم رأت كارمن أمها تجلب سكين الخبز وتنحني فوق جسد تواني.

كارمن كانت مرعوبة ، وسمعت أمها تنادي عليها وتطلب منها أن تذهب لتلعب في الشارع ، لكنها لم تذهب فورا ، بل بقيت قليلا تختلس النظر ، وشاهدت امها وليلي ينزعان ملابسهما المضرجة بالدماء فيغسلانها ويرتديان ملابس جديدة.

شهادة كارمن فضحت الزوجين وكشفت لغز موت الصبي ، أمه هي التي ذبحته ، الظاهر أنها ظنت بأنه ميت ، فقررت وزوجها أن ينحراه من باب التمويه ، على أساس أن لصا دخل المنزل وذبحه.

ساعة القاء القبض على جيجا
الزقاق الذي يقع فيه المنزل

تم القاء القبض على جيجا وزوجها بتهمة القتل العمد. وسرعان ما انتشرت تفاصيل الجريمة المروعة في الصحف فأثارت غضبا عارما وهزت الرأي العام في مالطا ، خصوصا بعدما توالت اخبار العنف الممنهج الذي تعرض له الصبي على يد عائلته خلال سنوات حياته القصيرة.

خلال المحاكمة انكرت جيجا أن يكون لها يد في مقتل أبنها وأصرت على أن شخصا ما دخل الشقة في غيابها وذبحه ، أما بالنسبة لشهادة أبنتها فقالت بأنها مجرد طفلة ، وأنها تعرضت حتما لضغط من قبل الشرطة وتم تلقينها أقوالها من أجل حل القضية بأي شكل وتهدئة الرأي العام الغاضب ، نفس الكلام قاله زوجها ليلي ، لكن كلامهما لم يقنع أحدا ، خصوصا وأن لهما تاريخا طويلا وحافلا بأذية الصبي وتعذيبه. الادعاء العام بدوره طالب بإيقاع اقصى عقوبة في الزوجين ، وجاء الحكم على جيجا بالإعدام شنقا حتى الموت ، فيما نال ليلي حكما بالسجن لمدة 20 عاما. لكن بعد اسبوعين تم تخفيف الحكم على جيجا إلى السجن المؤبد ، وأطلق سراحها بعد 10 اعوام فقط.

كارمن شقيقة تواني
صورة كارمن شقيقة تواني .. وهي طفلة .. وهي امرأة بالغة اثناء زيارتها لمنزل الطفولة

جيجا ظلت مصرة على أنها لم تقتل ابنها. ورغم أنها نجت من عقوبة الاعدام ، إلا أن السنوات التي تلت اطلاق سراحها لم تكن سهلة، إذ توارت عن الانظار في شقة صغيرة بعدما قاطعها الجميع ، ولم يسمع احد عنها مجددا إلا في منتصف التسعينات عندما اجرت مقابلة نادرة مع إحدى الصحفيات. وكان مما قالته في تلك المقابلة :

“لقد عانيت كثيرا منذ خروجي من السجن وعشت حياة العزلة والفقر” .. وأردفت بصوت متهدج وهي ترنو إلى صورة أبنها تواني المعلقة على الجدار والمحاطة بالزهور : “أبني شهيد .. أبني قديس .. صلي من أجله لكي تحصلي على البركة”.

الصحفية الشابة حاولت أن تتعاطف مع جيجا ، وأن تقنع نفسها بأنها جالسة حقا أمام أم عظيمة ، لكنها لم تستطع تجاوز شكوكها ولا التغافل عن حيثيات القضية ، فقررت أن تطرح السؤال الذي أتت أصلا لتطرحه : ” لكن سيدتي .. من قتل أبنك ؟ .. ألستِ انت التي فعلتي ذلك؟”.

فأنتفضت جيجا وردت مستنكرة : ” كيف لأم أن تقتل أبنها؟ ” ..

الصحفية : “من قتله إذن؟” ..

جيجا :  ” لا علم لي .. ولو كنت أعلم هويته لغفرت له ، لأن عدم مسامحتي له لن تعيد لي ابني.

blank
صورة قبر تواني

عجيب أمر هذه المرأة ، ومثيلتها من بعض الأمهات اللواتي أذقن ابنائهن الويل وجرعنهم غصص البلاء ، واللائي تراهن في الجلسات الخاصة والعامة يتقمصن دور الأم المضحية المحبة العظيمة ، متناسيات حقيقة مهمة ، وهي أن الطفل لا ينسى ، وأن الظلم والإهمال والتجويع والضرب التي يتلقاه في طفولته قد يظل عالقا في ذهنه لسنوات طويلة ، وربما أثر في نفسه إلى يوم مماته. دليل ذلك أنك قد ترى أناس طاعنين بالسن ومازالوا يتذكرون صفعة من والد أو تقريع من والدة أو تفريط وإفراط وظلم من كليهما. وأنا هنا لا أقصد تعامل الوالدين اليومي الروتيني مع أولادهما والذي يحتاج أحيانا إلى بعض الشدة والغلظة ، لكني أعني القسوة المفرطة الغير مبررة ، والإهمال والتقصير المتعمد في واجبات الأبوة والأمومة التي قد ينتج عنه شرخ بائن أو مستتر في العلاقة ما بين الأبناء والأهل. أن من واجب كل زوجين توفير الحد الأدنى من متطلبات أبنائهم عاطفيا وبدنيا وروحيا ، وأن يتذكرا بأن الطفل هو مسئوليتهما أمام الله والمجتمع ، وأن العبرة ليست في عدد ما ينجبانه ، بل في نوعية الإنسان الذي يرعيانه ويشذبانه ليشب شخصا صالحا مفيدا لأهله ومجتمعه.

بالعودة إلى جيجا ، فلقد حاولت أن أعرف مصيرها ومآلها حاليا لكني لم أعثر على مصدر ، لعلها ماتت ، لكن منزل الجريمة مازال قائما ، ويعد من أشهر الأماكن المسكونة في العاصمة فاليتا ، يقال بأن شبح الطفل تواني مازال يرتع في جنباته ، وأن صدى سقوطه من على السلم مازال يتردد في أرجاء المنزل. ويزعم السكان أنهم يسمعون في بعض الليالي صوت طفل صغير ينتحب ، لكنهم لا يجدون مصدر الصوت أبدأ .. طبعا هذا الكلام ليس من عندي ، ولا أقصد منه أضفاء بعض التشويق على المقال ، بل وجدته في المصادر ، لكني غير مقتنع به ، لأن من بين جميع أكاذيب جيجا ، أجدني أتفق معها في شيء واحد ، وهو أن أبنها شهيد ، وأن العزاء الوحيد في قصته هو أنه ترك هذا العالم البائس المفعم بالظلم إلى مكان خلاب ساحر لا يظلم فيه أحد ولا يضام .. والله أعلم.

المصادر :

The murder of the century: 58 years since the murder of Twannie Aquilina
Murder of the boy in the First Holy Communion suit
7 Most Haunted Locations In Valletta

0 0 الأصوات
Article Rating

اياد العطار

كاتب ، مؤسس موقع كابوس ، محب للغموض ، عاشق للتاريخ ، مولع بالقراءة ، يميل للآراء المنطقية رغم ان موقعه بعيد كل البعد عن المنطق ويدعو للمحبة والتسامح رغم انه يكتب عن الجريمة والرعب!.

مقالات ذات صلة

141 تعليقات
Mark
Mark
7 سنوات

جميل رؤية اسمك بالمقال الرئيسي بعد امد
بالعافية استاذ اياد

Groot
Groot
7 سنوات

والله لك وحشه استاذ اياد ،، مقال رائع وقصه مأساويه ،، سلمت اناملك .

HDK
HDK
7 سنوات

روعه
قصه محزنه لاكنها رهيبه
شكرا لك ….

Sera
Sera
7 سنوات

في نهاية المقطع الأول من مقالك أعتقد أنك قد قمت بذكر نفسك فيه لا أعلم ما الذي مررت به في حياتك ولكن يؤلمني جداً حديثك عن نفسك بهذا الحزن والاسي أسأل الله أن يأتيك بالفرح عاجلاً وليس آجلا
..أما عن المقال فهناك الكثير من أمثال هذه الأم في مختلف بقاع الارض حقيقه لا أعلم لماذا اكملوا شهور الحمل إذا لم يكن في قلبهم مثقال ذرة من الرحمة تجاه تلك النبته القابعه في احشائهم ولماذا تكبدوا عناء إنجاب أطفال أبرياء ليتم تعذيبهم بأيديهم هم من اخرجوهم لهذه الحياه ،صراحه لا أعلم حكمه الله في إعطائهم هذه النعمة العظيمة وهو يعلم جيداً أنهم ليسوا أهل لها

آدم
آدم
5 سنوات
ردّ على  Sera

إن الله يعلم ما لا تعلمون

جوري
جوري
7 سنوات

مقال رائع ..متألق كعادتك استاذ اياد في كل مقالاتك..
لا أعتقد انه يوجد أم تستطيع أن تسامح أو تغفر لشخص قتل فلذة كبدها ..كم تمنيت لو تم اعدامها حرقا كي تكون عبرة فهي لا تستحق أن تكون أما
جيجا قاتلة و بإمتياز مجرد النظر إلى وجهها الكريه يصيبك بالفزع .

آدم
آدم
5 سنوات
ردّ على  جوري

أنا أيضا ارتعبت عندما رأيت صورتها.

حوآء قطر
حوآء قطر
7 سنوات

برأيي ليس الأم الوحيدةالمجرمة في قتل ولدها ايضا اشترك المجتمع في هذة الجريمه أين دور المدرسة في حماية طالبها وأين دور الجيران لماذا لم يبلغوا السلطات المختصة عن هذة الأسرة المجرمة وأخذ الطفل واخته وحمايتهم من السفاحين، لقد ارتاح في النهاية وذهب الى ملك الملوك الذي سيأخذ حقه في الأخرة منهما

سوسو علي - مديرة الموقع -
سوسو علي - مديرة الموقع -
7 سنوات

لا ادري ماذا أقول حقا! ياالله ما ابشع هذه المرأة وما أحقرها ، طبعا لا اسميها ” أم ” لأن هي وأمثالها لايستحقون هذا اللقب على الإطلاق ، ياإلهي كم اوجعني قلبي على هذا الملاك الصغير ، خصوصا حين كانت المعلمة تسأله عن طعامه ، شيء يدمي القلب .. الجيران أيضا سفلة ومشاركين في الجريمة لأنهم كانوا يسمعون ويرون ومع ذلك لم يحركوا ساكنا !

أخيرا أتمنى أن تكون تلك السافلة قد ماتت واحترقت في الجحيم..

سما
سما
7 سنوات

حزنت لحال هذا الصبي المسكين الا يكفي انهم يجعلوه يعمل ذون رحمه ثم يضربوه، غريب تصرف هذه الأم لعلها ليست أمه الحقيقيه أو أنها تكره جنس الرجال وهذا سبب معاملتها القاسيه له، لكن هذا ليس مبرر لفعل ما فعلت وكان يجب أن تعدم بكل قسوه

بيري الجميلة ❤
بيري الجميلة ❤
7 سنوات

الغريب
من إعدام شنق إلى مؤبد إلى عشر اعوام بكل سهولة !

آدم
آدم
5 سنوات

كلهم نفس بعض!!!

جبروت امرأة
جبروت امرأة
7 سنوات

اتفق معك لقد ارتاح من هذه الحياة البائسة ولكن موته كان بطريقة شنييييعة جددا ،لم يجد الحنان ولا حضن يحميه من هذه القسوة ،قلبي آلمني علي حياته ونهايته .

emi
emi
7 سنوات

محزن للغاية .. اجد بين السطور قصة اخرى لمعاناة من نفس النوع لاشخاص اخرين

بيري الجميلة ❤
بيري الجميلة ❤
7 سنوات

مؤلم للغاية ، اتساءل هل يوجد كائنات ألطف من الأطفال حتى تتم معاملتهم بهذه البشاعة ، وممن من الأم نفسها ! ، لكنني ألاحظ أن أبناء السفاح العلاقات الغير شرعية دائما مكروهين من والديهم ، وكأن وجودهم في حياة ابويهم يسبب لهما عقدة وشعور بالذنب واللوم يدفعهما لتعذيبهم ، حتى ولو كانوا في مجتمع لا يعارض الزنا والإنجاب قبل الزواج ، لذلك حرم الله الزنا وجعله من كبائر الذنوب ومن المهلكات السبع ، لا حول ولا قوة إلا بالله لو كان للإنسان حق بين الخلق لكانوا انقذوا هذا الطفل باكرا ، لكن الجيران لم يفعلوا شيىا لإنقاذه ولا حتى المدرسة اعتنت بأمره ، تمنيت لو أنني اختطفته أو اشتريته لكن لا اتركه يتعذب وأنا أعلم ، أين الإنسانية بينهم !

آدم
آدم
5 سنوات

تعليقاتك دائما في المستوى.

Dalal
Dalal
7 سنوات

وجعت قلبي ..
يعطيك العافية

لينا04
لينا04
7 سنوات

قصة أحزنت قلبي لكن حيرتني معاملة الام لطوني معاملة سيئة كونه ابن غير شرعي أليست كارمن أيضا ابنة غير شرعية لماذا لم تعامل بالمثل ؟ قصة وفاته فيها الكثير من الغموض لكن الأكيد أن الأم طرف بها حتى أن ملامحها غير مريحة تبدو قاسية فعلا

احمد
احمد
7 سنوات

استاذ اياد نفسي تنشر لنا صورتك
ارجو الرد .

آدم
آدم
5 سنوات
ردّ على  احمد

والله انا أيضا أريد رؤية صورته.

أغاني الشتاء
أغاني الشتاء
7 سنوات

مقال جميل شكرا لك استاذ إياد

عيسى
عيسى
7 سنوات

قصة بشعة وحزينة للغاية .. تحياتي للكاتب المبدع

هديل
هديل
7 سنوات

أستاذ أياد
في نهاية المقطع الأول من مقالك اوردت جملة:
أو انسانا أنطوئيا يعيش حياته….الخ
شدني هذا الكلام وكأني أحس أنك مررت بطفولة معذبة وارجو من الله ان يكون حدسي خطأ وأعتذر أذا تخطيت حدودي لك حرية الرد أو التجاهل ولكن كوني أم اتعاطف مع كل من تعذب بطفولته لأني ضد العنف بكل أشكاله.

هديل
هديل
7 سنوات

يا الهي كم عانى هذا الطفل
لا استطيع ان أتخيل ام بهذه القسوة اصلا هذه ليست أم هذه شيطانة عاشت من أجل شهوتها لا اكثر انها أناتية بكل ما للكلمة من معنى.
وسؤالي هنا طالما ان المدرسة والجيران يعرفون بأمر تعذيبه لماذا لم يهب أحد لمساعدته?

شيخة الشيخات
شيخة الشيخات
7 سنوات

عادة لا اعلق كثيرا ولكنك استاذي اياد العطار قد قدرت قلبي على هذا القديس تحياتي لك على هذا المقال الأكثر من رائع ودمتم

ابوعبدالله التميمي
ابوعبدالله التميمي
7 سنوات

بالنسبة للقصة فهذه الام متخلفة عقليا ونفسيا بلا ادنى شك في هذا ووجدت الام زوجا حقيرا يصب جام غضبه على الطفل البريء الذي ذنبه الوحيد انه عاش بين اسرة حقيرة لاتحمل حتى من صفة الحيوان شيء

Libyan woman
Libyan woman
7 سنوات

أوجعتني جدا جدا قصة الصبي وارجح ان تكون الام مريضة نفسيا هي و زوجها القاسي لكن الصبي كان ضحية و تحمل مالا طاقة له والمؤسف ان يموت ميتة شنيعة

آدم
آدم
5 سنوات
ردّ على  Libyan woman

لا مريضة نفسيا ولا شيء، وحش ظالم .

كابوسية بامتياز
كابوسية بامتياز
7 سنوات

حقاً شيء موجع للقلب اتفق معك أستاذ اياد بان هذا الطفل ارتاح راحة مابعدها راحة وبالأساس هذه كانت ستكون نهايته في كل الأحوال مع هكذا أم
انا أميل لان أمه هي من قتلته وتصديق رواية شقيقته وذلك بسبب معاملة أمه القاسية فلاعجب ان تفعل ذلك لكن ماحيرني انه كان الجميع يسمع ويرى تعذيب هذا الطفل على يد الام وزوجها فلا احد اشتكى عليهم مثلا ولا حتى المعلمة لان ما فعلوه يعد جريمة بحق هذا الطفل المسكين
سلمت يداك أستاذ اياد برغم ان القصة مؤلمة الا انه مقال جميل كالعادة

عاشقة الرعب
عاشقة الرعب
7 سنوات

مقالك روعة أحسنت

ام سعيد
ام سعيد
7 سنوات

قصة تغصص وتقهر الى ابعد نظر
عجبي من البعض حينما لايريد الضنى الحل بالمختصر تخلص منه-ولن تعجز الوسيله ابدا-قبل تمام المصيبه وأقصد بالمصيبه ذاك الصغير الغير مرغوب فيه والمنبوذ والحاصل في ظرف ناقص!!
أما مسألة زينه وخزينه!!فهذه نفايه فكريه لابد التخلص منها ومن راعيها
الأجنة والتي فيما بعد أفلاذ أكباد كنوز نادره اما ان تصان وتقدر حق التقدير والشكر واما الفناء قبل البدء.

ابوعبدالله التميمي
ابوعبدالله التميمي
7 سنوات

اي قصة يكتبها استاذنا الكبير المحترم اياد العطار فاني اتشوق فرحا لقراءتها فحروفه تكتب من ذهب وتجعلنا نتشوق لكل حرف كتبته انامله الذهبية شكرا لك استاذ اياد العطار ولاتحرمنا من جديدك الشيق والهادف

احمد
احمد
7 سنوات

والله قصته فكرتني بشخص كان جار لنا و ظل ل 35 من عمره منطوي و خجول
استاذ اياد احبك كثيرا
انا متابع الموقع من 2012
ايام بنت بحرى و نهى تلميذه اياد يارب تفتكر التى كانت تسالك كثيرا هههههههه
ادام الله الصحه و العافية لك.

كابو
كابو
7 سنوات

كما عودتنا استاذ اياد مقال جميل ورائع فعلاً.
لم اكن لأصدق ان اما تستطيع ان تفعل ذلك بولدها
اكثر ما اثار استغرابي هو الجيران…كيف لا يتصلون بالشرطة رغم كل ماشاهدوه يوميا من ضرب واعتداء على الصبي.

امر غريب حقا.

بالطبع فالمرأة مجرمة وزوجها ايضا وكان لابد من اعدامهم لانهم يشكلون خطرا على المجتمع.

يحيى صهلولي
يحيى صهلولي
7 سنوات

لكن ماالذي يمنع ان تكون رواية الام صحيحة بأن احدا ما قتل ابنها كونها كانت عنيفة معه لايعني بالضرورة انها القاتلة رغم ميلي انها القاتلة الا اني لا استبعد ولو بنسبة ضئيلة ان يكوت القاتل شخصا اخر قريبا كان ام بعيدا

آدم
آدم
5 سنوات
ردّ على  يحيى صهلولي

أعتقد أن هذا الشخص الذي تقصده القريب هو الزوج ليلي، لأنه يحكي في نفس رواية الأم وإضافة إلى هذا فهو يطفئ السجائر على جلده فلك أن تتخيل مدى كرهه له.

بنت الاردن
بنت الاردن
7 سنوات

تعليق قبل القراءة فقط لاعبر عن فرحتي بمقال استاذ اياد

زر الذهاب إلى الأعلى